التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير في فلسفة سارتر 3

  1. #1
    abderahimnaji

    abderahimnaji مدون فعال

    التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير
    في فلسفة سارتر
    (الجزء الرابع)
    3-2. معرفة الغير: الغيرية بوصفها غيابا
    يرى سارتر أن الذاتية المنشطرة والمنقسمة على ذاتها، الذاتية التي تكون هي ذاتها وغيرها في نفس الوقت، هي وحدها الكفيلة بإدراك ذاتية الغير تتجلى هذه الفكرة بوضوح في أعمال سارتر المتأخرة، وخاصة في بحوثه حول الخيال، تلك البحوث التي اعتمد فيها على مقاربة جديدة للذاتية تنظر إلى الذات الفاعلة على أنها هي "ذاتها وغبرها" في نفس الوقت. ترتكز هذه المقاربة على مصادرة مفادها أن الشخص الذي تمثله الصورة أو التمثل الذهني هو الغير بالنسبة للشخص الأصلي. وهكذا، فإن ما تمثله الصورة أو التمثل هو الغيرية التي تحل محل الشخص الأصلي عند غيابه. ومعنى ذلك أن الشخص عندما يتوارى عن الأنظار يظل حاضرا في الذهن في شكل تمثل أو صورة خيالية، وهي غيريته؛ إن موضوع الصورة يقدم نفسه لحظة الغياب باعتباره غيرية.
    تستمد الغيرية، التي يمثلها الموضوع المتخيل، وجودها عند سارتر من الغياب الفعلي للذات الفاعلة الأصلية. يمكن القول بعبارة أخرى إن ما يحضر في التمثل هو غيرية الشخص الغائب الذي تمثله الصورة المتخيلة. فالصورة المتخيلة تجعل صديقي الغائب كما لو كان حاضرا. إن وجوده في مخيلتي أشبه ما يكون بالحضور؛ وبسبب شكل وجوده المتمثل في شبه الحضور يبدو كما لو كان من غير الممكن الوصول إليه والإحاطة به، كما لو أن الصورة الماثلة في الذهن مسكونة بنوع من العدم. فعندما ترتسم ملامح صديقي الغائب في مخيلتي فإنني لا أحس بشيء آخر غير لاوجوده أو فقدانه، مثلما تشعرني صورة عزيز غال علي برحيله الأبدي بعد موته. وهكذا، فإن هذا النوع من الإدراك الحسي للعدم، للاوجود وللغيرية لا يتحقق إلا في حال الغياب الفعلي للشخص.
    يدل هذا التحليل على أن المتخيَّل، في نظر سارتر، هو قبل كل شيء صورة حسية أو تمثل حسي للشخص الغائب الذي يمثل النموذج الذي رسمت الصورة على منواله في الذهن؛ ولا يمكن إنتاج هذه الصورة إلا عندما يغيب الموضوع الأصلي. فعندما نرغب في ملاقاة شخص ما، ويكون من غير الممكن إحضاره شخصيا، نستحضره في شكل صورة من صور الخيال في الذهن. لا نتخيل الأشياء إلا عندما تستحيل رؤيتها بالعين، ونعوض عن ذلك برؤيتها بعيون خفية، وهي الفنطاسيا. وكان هوسرل هو أول من أولى لهذه المسألة عناية خاصة، حيث حاول أن يبين كيف تتبدى الصورة في الوعي، وكيف تجعل الغائب يتجلى في الذهن، وكيف ينعش الذهني ويستعمل مادة الصورة لخلق استيهامات أو فنطاسيا حول الشخص الذي تمثله الصورة. وكان هدفه هو صياغة نظرية لتفسير كيفية اشتغال الخيال انطلاقا من تحليل الصورة الذهنية أو الصورة كما هي في الوعي picture-consciousness، نظرية تشمل الصورة الحسية (الذهنية) التي تشبه الصورة الفوتوغرافية والصورة الداخلية (الفنطاسيا) المجرة من الخواص الحسية والتي تشتغل مثلما تشتغل الصورة الحسية بحكم اشتراكهما في الخصائص البنيوية.
    ولكن هوسرل تخلى عن هذا المشروع لسبب بسيط هو أن الصورة اللامادية التي يريد إدراجها في تشكيلة الفنطاسيا تؤدي في اعتقاده إلى الوقوع في نوع من التناقض، لأن الغرض من الصورة أصلا هو أن تعكس الموضوع الأصلي وتجعل حضوره في الذهن محسوسا بشكل من الأشكال، بينما تمثل الفنطاسيا الصورة الخالصة المجردة من الخواص الحسية، ولذلك يتعذر الجمع بينهما ضمن مفهوم واحدة.
    وتولى سارتر مهمة استكمال هذا المشروع في محاولة لإثبات أن مفهوم الفنطاسيا يشمل الصورة الذهنية الحسية. إن الصور الذهنية في نظره ليست صورا لامادية، فهي صور ذات مضمون فيزيقي، ولكن طابعها الفيزيقي ليس معطى بشكل مباشر، فهي ليست كالصور الفوتوغرافية التي يمكن رؤيتها ولمسها. وأما ما يجمع بين الصورة الذهنية والصورة الفوتوغرافية فهو أن كليهما يستحضر موضوعا غائبا؛ فعندما أستحضر صورة صديقي في الذهن أجدني في وضعية لا تختلف عن الوضعية التي أكون فيها حين أرى صورته الفوتوغرافية. تؤدي الصورتان، إذن، نفس الوظيفة، مما يدل على أن للصورة الذهنية مضمون حسي وإن كان هذا المضمون يفتقر إلى الكثير من التفاصيل مقارنة بمضمون الصورة الفوتوغرافية. ومن هنا يمكن القول بأن الصورة الذهنية هي صورة حسية، تلك الصورة التي تمثل الغائب أو غيريته، وعليها أسس سارتر نظرية الخيال.
    تشترط نظرية الخيال عند سارتر أن يكون الشخص الأصلي غائبا، وأما ما تنتجه المخيلة من صور فلا تستحضر منه سوى غيريته. تتحدد الغيرية، إذن، بالغياب، إنها الغياب الكامل للأصل الحاضر في التمثل. فعندما يحضر صديقي أستغني عن الصور التي تمثله في الغياب، ومن ثمة تتوارى غيريته، لأن الصورة الذهنية تقترن بالغياب ولا تعبر إلا عن الغياب وتدل بالتالي على استحالة الوصول إلى الأصل والإحاطة به. ولكن غياب الأصل ليس غيابا كليا راديكاليا أو مطلقا، إنه غياب مؤقت فحسب؛ والسؤال المطروح الآن هو: هل يساعد هذا النوع من الغياب على معرفة الغيرية طالما أنه ليس غيابا كليا ؟
     
  2. #2
    abdelkadernaji

    abdelkadernaji مدون فعال

    رد: التحليل الفينومينولوجي لظواهر الوعي والأنا والغير في فلسفة سارتر [ 3 ]

    مواضيع قيمة بارك الله