النظرية الجشطالتية وتطورها

  1. #1
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد


    لم تكن الجشطلت وليدة العقد الأول من القرن العشرين ولم تكن بالمنبع الألماني الأول الذي أورد العالم بحيوية جديدة في ميدان علم النفس خاصة في مجال الإدراك وإنما قد تشعبت بها سبل الماضي بين دفات الحضارات المختلفة تتواصل به عبر الأعصر والأحقاب ولا يسوقنا مثل هذا القول بالجزم بأن الجذور التاريخية للجشطلت هي نفس ما عليه الجشطلت الآن وإنما قد يشوبها النقص حينا والخطأ حينا آخر وإن كان هناك اتفاق على مبدأ الكلية فلا يأتي باحث بنقض ما أخطه من رأى أرسطو لأنه أقرب للفلسفيه منه إلى مجال السيكولوجي كحقل علمي تجريبي وإنما شفيعي في ذلك أن لكل نظرية جذور ما هي إلا أفكار أو إرهاصات تتحاملها الأزمنة إلى أن تستقر وتنضج في الشكل المسمى لها والمتعارف عليها . لقد ذهب العقل اليوناني في العصور القديمة إلى رأيه في المسألة الكلية في إطار دراسته للعالم والهيولي والحكمة فرأى أرسطو أن الكائن الأول ينبغي أن يكون واحدا غير متجزئ لأن الأجزاء تسبق الكل المتجمع منها (1) وكان لعلماء المسلمين ثمرة في العلم بأمر الكلية فإن بن سينا يرى أن الإنسان والحيوان وحده هو الذي يدرك الكليات بالنفس الناطقة التي لها الملكات المصورة والمفكرة والوهم والحافظة أو الذاكرة أي أنها الحس المشترك الذي يؤلف بين آثار الحواس المختلفة ويجمع ما تفرق من المعاني والصفات . وفي مقابسة أبي حيان التوحيدي في الفرق بين الكلى والكل يرى أبو سليمان أن الكل إن رفع منه واحد من أجزائه بطلت صورة الكل (3) ومع توالى الدهور جاء كانط بوحدة الفعل الإدراكي ، فإننا ندرك أشياء يمكن أن تقسم إلى أجزاء و إن كانت هذه الأجزاء تنتظم بشكل قبلي ، ثم جاء بعد ذلك برنتانو الذي أكد على أن علم النفس علم دراسة الخبرات النفسية عملا وفعلا أكثر من كونه دراسة لمحتواها ، وجاء لنا أرنست ماش بتحليل الإحساس مقرا أن المسافة والزمن مستقلان عن عناصرهما الجزئية ،ولا ينكر أحد أن تقدم العلوم الطبيعية كان لها أثر تاريخي بالنسبة للجشطلت فقد سعت العلوم الطبيعية إلي قوانين شمولية تنتظم تحتها موضوعات عديدة وقد يأخذني المبحث بعيدا بعض الشيء في أغوار التنقيب التاريخي لأصل الجشطلت ليصب روافده في نفس الوعاء الحقبي ، ففي مباحث نشأة العقيدة الإلهية عند الإنسان نجد أن جاء اعتقاده بكل آلهة قومه وأدرك كونها وأفعالها ولما كان التفكير لاحقا علي عملية الإدراك فقد انتقل من طور تعدد الآلهة إلي طور التمييز والترجيح بينها ثم إلي طور الوحدانية . مؤسسو حركة الجشطلت ماكس فريتمر ولد بمدينة براجو بألمانيا وانتهى من دراسة الجيمنزيم وهو في الثامنة عشرة من عمره ثم درس القانون واتجه بعده فجأة إلي دراسة الفلسفة مع علم النفس في جامعة برلين وإن حصل على درجته العلمية الجامعية من جامعة فرزبورج 1904كذلك درجة الأستاذية من جامعة فرانكفورت 1929 وخلال الحرب العالمية الأولى أسهم فرتيمر فيها من خلال أبحاثه التي تخص عمل التصنت علي الغواصات البحرية . كان فرتيمر من أوائل الذين هاجروا إلى أمريكا فوصل نيويورك عام1913 وقضي بها بقية حياته إلى أن وافته المنية بها وكانت سنوات إقامته بها حافلة بالمناشط والأبحاث التربوية وإن كانت أقل الإنتاج عددا بين مؤسسي حركة الجشطلت كما أجمع المؤرخون . كيرت كوفكا تلقى تعليمه حيث ولد بألمانيا،ودرس العلوم والفلسفة في شبابه في جامعة أدنبرة (1903ـ 1904) وبعد عودته إلى برلين درس علم النفس وحصل على درجته العلمية عام 1909 تحت إشراف كارل ستمف ، وبدأ مشوار العمل مع فرتيمر وكهلر وفي عام 1911 عمل بجامعة جيشن التي تبعد عن فرانكفورت بأربعين كيلومتر حتى عام 1924وعمل خلالها بوحدة للطب النفسي اهتم فيها بمعالجة أمراض الكلام وحالات الانهيار العصبي ، وبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى أصبح علم النفس الأمريكي على دراية بحركة الجشطلت ومن ثم طلب من كوفكا أن يكتب عن الجشطلت فخط كتابه (الإدراك ـ مقدمة لنظرية الجشطلت) قدم فيه المفاهيم الأساسية للجشطلت وعلي الرغم من أهمية هذا الكتاب إلا أنه عرقل من انتشار الجشطلت في أمريكا إذ أوحى عنوان الكتاب باقتصار الجشطلت في دراستها علي موضوع الإدراك ، وفي عام 1921نشر كوفكا كتابه (نمو العقل) وهو كتاب في علم نفس الطفل ولاقى نجاحا كبيرا في ألمانيا وأمريكا ثم عمل كوفكا أستاذا زائرا بجامعةكورنل وسميث عام 1927 ، وفي عام 1933 قام بدراسات على شعوب وسط آسيا ثم توفر بعد ذلك على تأليف كتابه (مبادئ علم نفس الجشطلت ) كهلر ولد بمنطقة البلطيق وانتقلت أسرته إلى شمال ألمانيا وتلقي كهلر تعليمه في جامعات توبنجن وبون وبرلين وحصل على إجازته العلمية من جامعة برلي تحت إشراف كارل ستمف ،وفي عام 1913 دعته الأكاديمية الروسية إلى تنريف إحدى جزر الكناري لعمل دراسة على الشمبانزي ثم حالت الحرب العالمية الأولى دون مغادرته تنريف بعد إقامته بها ستة أشهر وأنجز عمله الرائع هناك (عقلية القردة) ثم عاد كهلر إلى ألمانيا عام 1920 وخلف مكان كارل ستمف في جامعة برلين وحاضر في جامعة كلارك وهارفورد ،ترك كهلرألمانيا عام1935 بسبب صراعه المستمر مع النازي وعلى الرغم من أن كهلر لم يكن يهوديا إلا أنه طرد ضمن حركات طرد اليهود ولقد منح كهلر جائزة الإنتاج التميز من جمعية علم النفس الأمريكية وكانت كتابات كهلر من المظهر الممتاز لحركة الجشطلت ،وكان كهلر من مشجعي تطبيق الفيزياء في المجالات الأساسية لعلم النفس . الإدراك.... الخطوة الأولى لنقد البنائية وقيام الجشطلت تجربة فريتمر لقد نشأت فكرة الجشطلت كنوع من الإلهام الذي هبط على رأس فريتمر عندما كان يستقل قطارا وخطر بباله أنه إذا كان هناك ضوءان ينطفئ كل منهما ويضيء بشكل متتال فسيظهران كما لو كان نقطة مضيئة واحدة تتحرك إلى الأمام أو إلي الخلف ،فلما وصل إلى فندقه اشترى آلة ستربوسكوب وأخذ يجرى بعض التجارب ليتأكد من صدق ما أدركه (4). وفي فرانكفورت عام1912 كان فريتمر يقوم ببعض التجارب على رؤية الحركة وكان كوفكا وكهلر يقومان بدور أشخاص (موضوعات التجربة) والمشكلة يمكن أن تعد مشكلة في علم نفس صور الحركات ولعله ليس معلوما أن صور الحركة قد بدأت أصولها منذ مائة عام تقريبا وأنه قد اخترعها عالم نفسي أو على الأقل عالم فسيولوجي كان أحد السابقين إلى علم النفس التجريبي وأعني به (بلاتو) الذي ابتكر طريقة بسيطة لعرض مجموعة من الرسومات في تتابع سريع بحيث ترى كل واحدة منها في مجرد لمحة عابرة ،فأما إذا كانت الرسوم تعرض حيوانا في مشاهد متتابعة لحركة ما فإن الملاحظ حين يرى تتابعا سريعا لهذه الصورة الساكنة كان يحصل له تأثير بالحيوان متحركا والذي حدث حينئذ في فن الصور المتحركة هو اختراع التصوير وتقدم آلة التقاط الصور المتحركة تأخذ سلسلة من الصور الخاطفة كل منها مأخوذ على حدة كمجموعة من المناظر الثابتة في غير ما حركة للصورة على الشاشة وجهاز الإلقاء هذا يقطع الضوء أثناء حركة الشريط من منظر إلى الذي يليه لأنه إذا سمح للصورة أن تتحرك فعلا على الشاشة فإن النظارة سيشاهدون بقعة بدلا من أن يروا حركة الأشياء المصورة فإذا رأيت ما يعرض فيزيقيا على الشاشة فسوف تري مجموعة من المناظر الثابتة تفصل بينها فترات من الظلام وعلى أي حال لن تستطيع أن ترى ما يعرض فيزيقيا ،فأولا أنت لا تستطيع أن ترى فترات الظلام لأن الإحساس البصري يستمر أكثر من المنبه الفيزيقي ويظل حتى العرض التالي على ألا تكون الفترة طويلة جدا فإذا كانت طويلة أكثر مما ينبغي فإنك تحصل على بعض تلألؤ ،ثانيا أنت لا تستطيع أن ترى سلسلة المشاهد التالية .لأن مخك بهذه الطريقة أو تلك يستجيب إلى هذا النوع من المنبه برؤية الحركة خلال مجموعة المواقف ذاتها كل على حدة وأنت تعلم أنه في مراقبة شخص يمشي أو يجري فعلا فأنت لا تستطيع أن ترى النقط التي يمر فيها لأنك إذا أخذت صورة خاطفة له أثناء حركته فإنك تجد غالبا أن الصورة تبين غالبا ما يشبه موقف غريب جدا وقلما تستطيع أن تصدق أنه افترض هذا النوع في مجرى حركته ومع هذا فإن المصورة لم تكذب فإذا وضعت هذه الصورة الخاطفة في سلسلة من المناظر المتعاقبة وعرضت المجموعة على الشاشة فإن حركة الشخص ستبدو طبيعية تماما والحقيقة إذا أنك لم تستطع أن تستخرج المواقف المتتابعة لا من الحركة المستمرة ولا من سلسلة من المناظر الثابتة ،تمثل هذه المواقف في تعاقب سريع فأنت مضطر في حكم تركيبك العضوي أن ترى الحركة وكأنها كل مستمر لا كمجموعة من المواقف المتعاقبة ولدينا هنا مشكلة هامة وواقعية جدا في ديناميكا النشاط العقلي وليس من حلها أن نشير إلى تتابع الصور الساكنة كعناصر للتجربة الكلية فيما يتعلق برؤية الحركة لأن هذه العناصر لا تكون الحركة التي تتطلب تفسيرا، وفي معالجة هذه المشكلة اقتنع فريتمر أن محاولة التقدم بتحليل الخبرة الكلية لرؤية الحركة إلى عناصرهالم تكن تؤدي إلى شيء شأنها شأن المواقف المتتابعة وبدا له أن خط التقدم هو أن يدرس الشروط التي تحتها تبدو أولا الحركة فبسط الصور إلى الحد الذي يبين فقط خطا طوليا ثم خطا مشابها بعد قليل إلى اليمين أو اليسار خطان الواحد بعد الآخر بينهما مسافة الفراغ وجعل ينوع طول مسافة الفراغ فإذا كانت طولها ثانية رأى الملاحظ مجرد خط ثابت ، ثم الخط الآخر الثابت وفقا للحقيقة الفيزيقية تماما ثم تقدم فأنقص مسافة الفراغ فيما بين طرفي الخطين فاقتطعهما إلى 1/5 ثانية وما زال الملاحظ يرى أولا خطا ثابتا ثم الآخر فقطع المسافة مرة أخرى فبدأ الملاحظ منظر الحركة فيما بين الخطين الأول والثاني فلما قلل المسافة إفى1/15 رأى الملاحظ حركة واضحة من النقطة الأولى إلى الثانية وبدا أن خطا مفردا يتحرك بينهما فلما ظلت المسافة تقل أصبحت الحركة أقل وضوحا وفي فترة 1/30 من الثانية لم تبق أية حركة ظاهرة وإنما بدا الخطان ساكنان جنبا إلى جنب ونوع فرتيمر التجربة بطرق كثيرة فإذا عرض خطا أفقيا يصحبه خط طولي ظهر ثمة خط يتذبذب خلال 90 درجة وبتصويرات مناسبة استطاع أن يحصل على خطين يبدو أنهما يتحركان في اتجاهات متعارضة في نفس الوقت وتلك كانت نتيجة هامة لأنها حددت تفسير حركة العين فلما لم تستطع العينان أن تتابعا في نفس الوقت حركتين في الاتجاهين المتعارضين اقترح فريتمر تفسيرا يفترض بمعنى عام أن عمل المخ لمنبهين متتابعين يكون في تغير مستمر بمعنى أن المخ لم يقف أولا على موقف ثم موقف ثاني ثم يتقدم فيركبهما في إدراج للحركة ولكن عندما وصل الموقفان إلى مسافة ملائمة للموقف الأول بحركة تدريجية في الاستجابة للموقف الثاني فالحركة لم تستنبط وإنما تحس فعلا لأن عملية الإدراج الأولى للمخ كانت عملية حركة أو انطلاق (5) الإدراك والكل المنظم إن الإدراك غير متجزئ أي أن إدراك الكل سابق على إدراك الجزء فنحن لا نشاهد في الحياة العناصر قبل الكل المركب منها فكما أن الكائن الحي يوجد في الحياة من حيث هو كل وظيفي يعمل كوحدة وأنه بواسطة النمو المستمر تحدث عملية تخصص أعضائه لمهمات خاصة كذلك الحال في الإدراك إذ يحدث الإدراك للكل قبل الأجزاء ثم بعد إدراك الكل يحدث تفصيل للأجزاء (6) وهذا ما يؤكده جيوم بأن الجشطلت يمكن أن تنطوي على تمفصل داخلي على أجزاء أو أعضاء طبيعية تضطلع ضمن الكل بوظائف محددة فالجزء في كل هو شيء يختلف عن هذا الجزء منعزلا أو في كل آخر (7).ويرتبط الكل المنظم بمسألة التعبير الوجهي والانفعالي للشخصية فإن علماء النفس الآخرين قد نزعوا نحو دراسة تحليلية لهذه المسألة فيناولوا كل شكل على حدة معتبرين ما يتخذ من أوضاع مختلفة محاولين أن يكشفوا عما يعبر عنه كل منها والقوانين التي ينم عنها انخفاض الحاجبين واتساع الحدقة وإغماض العين نصفيا وابراز وضم الشفتين ، كل هذه التفاصيل ربما تدل على حالة انفعالية بسيطة نسبيا وبضمها إلى بعضها البعض نحصل على تعبير على حالة انفعالية مركبة ويعرض عالم النفس الجشطلتي إلى هذه المسألة بفكرة أن الوجه يجب أن يعتبر شيئا آخر إلى جانب مجرد الوجه في مجموعة فعلية أن يقيم وزنا للأشياء بطريقة ما ،ولكنه ينظر إليها في صلتها بالمجموع فإن التعبير الظاهري لجزء ما يمكن أن يتغير عندما يتغير بقية الوجه في غير تغيير خارجي لهذا الجزء الخاص أو إذا كان الجزء الأعلى من الوجه بما فيه العينان يعرض أولا ثم يكون بقية الوجه غير مغطاة فإنه يبدو أن العينين ذاتهما تغيران تعبيرهما ،وفي أثناء اشتغاله بظلال الأشخاص وجد أن مجرد تغيير طفيف لجزء من البر وفيل ربما بدا أنه يغير خط الوجه كله ويعطي للكل شخصية مخالفة بينما تغييرات أخرى ربما كانت كبيرة في ذاتها ولكنها تحدث قليلا اختلاف في التعبير الكلي فمن الواضح أن شكل الوجه يوجد في الوجه ككل (8).ومن ثم كانت أبحاث نظرية الجشطلت موجهة في بدايتها إلى سيكولوجية الإدراك ،والإدراك هو الخطوة التي تلي الإحساس إذ أن الإدراك يتضمن شيئا من الوعي والتمييز الذي لا يمكن أن يتم بدون الإحساس ومن المعروف أن الإدراك يتبع الإحساس في جميع أنواعه من إحساس بصري أو إحساس سمعي والمهم في فكرة الجشطلت عن الإدراك أن المدركات التي ندركها تتأثر بعوامل معينة تتحكم في إدراكنا لها وتمييزها عن غيرها مما يوجد في المجال المحيط بنا وأننا ندرك الأشياء التي تقع تحت حسنا كوحدات كلية وإن كنا بعد ذلك نحاول التدقيق في تفاصيلها (9). نقد الجشطلت للبنائية استخدمت البنائية منهج الاستبطان لتكشف به كمياء العقل فقد كانت متأثرة بنجاح علم الكيمياء الفيزياوية وحاولت مثله أن تعزل عناصر الفكر التي كانت في رأيهم تتجمع لتؤدي إلى الخبرات العقلية المركبة وكان اهتمامها ينصب على دراسة الوجه العقلي للإحساس وكانت التجربة الإستبطانية ببساطة هي أن يصف الإنسان خبرته الخام دون اللجوء إلى ذكر أسماء أو أوصاف الأشياء بل يذكر ما يحس به فقط ولقد عارضت مدرسة الجشطلت البنائية لأنها تعتمد على تفتيت السلوك بعبارة أخرى تتبع منهج اختزالي يحاول رد الكليات إلى عناصرها الأولية لم ير أصحاب مدرسة الجشطلت عيبا في منهج الاستبطان ولكنهم قالوا بأن البنائية لم تستخدمه الاستخدام الصحيح فبدلا من أن تستخدمه في دراسة الكليات استخدمته في تفتيت هذه الكليات (10).وهذا ما سماه علماء الجشطلت سيكولوجية الطوب والمونة مع التشبث بالطوب لأن الصعوبة هي في إيجاد المونة (11). ومن جهة أخرى فالعناصر النهائية للتحليل للواقعة العقلية لا يمكن للشعور أن يبلغ إليها فكأنها ظواهر نفسية لا شعورية وهذا المفهوم ممكن أن يتبدى في صورتين ، الصورة الأولى:ـ يفقد العنصر فرديته في الإئتلاف الذي يدخل فيه ولكننا ما نزال نقتدر على ملاحظته في حالته النقية في ظروف أخرى فاتسامه باللاشعور مسألة عارضة . الصورة الثانية:ـ يكون العنصر لاشعوريا بطبيعته ذلك أنه لم يوجد قط إلا ضمن ائتلاف ولكن في هذه الحالة كما في تلك لا يستند التحليل بصورة مباشرة إلى الملاحظة . قواعد الإدراك التنظيمي عند الجشطلت (12) إن قوانين الإدراك التنظيمي لا تنطبق على مواقف الإدراك وحدها وإنما تنطبق على كافة أوجه نشاط الفرد وسلوكه وخاصة في مواقف التعلم ويضرب كوفكا مثالا لذلك بقانون الغلق وكيف أنه ينطبق على مجال الإدراك كما ينطبق على مواقف التعلم المدرسي فيعتبر أن دائرة غير مغلقة تجعلنا نميل إلى إغلاقها. أولا قاعدة الشكل والأرضية أساس عملية الإدراك إذ ينقسم المجال الإدراكي لظاهرة ما إلى قسمين ،القسم الأول الشكل السائد الذي يكون مركز للانتباه أما القسم الثاني هو الأرضية أي بقية المجال الذي يعمل كخلفية متناسقة منتشرة يتضح عليها الشكل كما يتضح الماس على أرضية من المخمل الأسود فنحن عندما ننتبه إلى ظاهرة يكون هذا هو الشكل بينما كل ما يحيط بها هو الأرضية ثانيا قاعدة الاستمرار أو الاتجاه تقرر أننا نميل إلى إدراك الأشياء التي تتصل ببعضها البعض أو تسير في نفس الإتجاه بحيث لا تسير في الاتجاه الذي تميل فيه . ثالثا قاعدة التقارب وتقول بأن الموضوعات القريبة من بعضها البعض في الزمان والمكان نميل إلى إدراكها في كليات . رابعا قاعدة التشابه نحن نميل إلى إدراك العناصر المتشابهة في بناء كلي واحد . خامسا قاعدة المصير المشترك تقرر هذه القاعدة أننا نميل إلى إدراك العناصر في أشكال مكتملة إذا ما كان يجمعها حركة مشابهة وذلك مثلما تنفصل أنوار الطائرة في الليل عن بقية نجوم السماء أو مثلما ندرك مجموعة من الخيل في السباق وكأنها وحدة واحدة متحركة . سادسا قاعدة الشمول نميل إلى إدراك الشكل الذي يشمل أكبر عدد من المنبهات فإذا اختفي شكل داخل شكل أكبر رغم اختلافه الواضح عنه فإننا سندرك الشكل الأكبر وتعتمد فكرة التمويه على هذه القاعدة فالجندي الذي يرتدي ثيابا ذات بقع خضراء لا يمكن تمييزه داخل غابة من الأشجار . سابعا قاعدة الإغلاق نميل إلى إدراك الأشكال الناقصة باعتبارها مكتملة فعندما ينظر شخص إلى دائرة لا يتصل طرفاها فإنه يدركها مكتملة بغض النظر عن هذا الانقطاع


    الأصل التاريخي للجشطلت
    لم تكن الجشطلت وليدة العقد الأول من القرن العشرين ولم تكن بالمنبع الألماني الأول الذي أورد العالم بحيوية جديدة في ميدان علم النفس خاصة في مجال الإدراك وإنما قد تشعبت بها سبل الماضي بين دفات الحضارات المختلفة تتواصل به عبر الأعصر والأحقاب ولا يسوقنا مثل هذا القول بالجزم بأن الجذور التاريخية للجشطلت هي نفس ما عليه الجشطلت الآن وإنما قد يشوبها النقص حينا والخطأ حينا آخر وإن كان هناك اتفاق على مبدأ الكلية فلا يأتي باحث بنقض ما أخطه من رأى أرسطو لأنه أقرب للفلسفيه منه إلى مجال السيكولوجي كحقل علمي تجريبي وإنما شفيعي في ذلك أن لكل نظرية جذور ما هي إلا أفكار أو إرهاصات تتحاملها الأزمنة إلى أن تستقر وتنضج في الشكل المسمى لها والمتعارف عليها .
    لقد ذهب العقل اليوناني في العصور القديمة إلى رأيه في المسألة الكلية في إطار دراسته للعالم والهيولي والحكمة فرأى أرسطو أن الكائن الأول ينبغي أن يكون واحدا غير متجزئ لأن الأجزاء تسبق الكل المتجمع منها (1)
    وكان لعلماء المسلمين ثمرة في العلم بأمر الكلية فإن بن سينا يرى أن الإنسان والحيوان وحده هو الذي يدرك الكليات بالنفس الناطقة التي لها الملكات المصورة والمفكرة والوهم والحافظة أو الذاكرة أي أنها الحس المشترك الذي يؤلف بين آثار الحواس المختلفة ويجمع ما تفرق من المعاني والصفات .
    وفي مقابسة أبي حيان التوحيدي في الفرق بين الكلى والكل يرى أبو سليمان أن الكل إن رفع منه واحد من أجزائه بطلت صورة الكل (3)
    ومع توالى الدهور جاء كانط بوحدة الفعل الإدراكي ، فإننا ندرك أشياء يمكن أن تقسم إلى أجزاء و إن كانت هذه الأجزاء تنتظم بشكل قبلي ، ثم جاء بعد ذلك برنتانو الذي أكد على أن علم النفس علم دراسة الخبرات النفسية عملا وفعلا أكثر من كونه دراسة لمحتواها ، وجاء لنا أرنست ماش بتحليل الإحساس مقرا أن المسافة والزمن مستقلان عن عناصرهما الجزئية ،ولا ينكر أحد أن تقدم العلوم الطبيعية كان لها أثر تاريخي بالنسبة للجشطلت فقد سعت العلوم الطبيعية إلي قوانين شمولية تنتظم تحتها موضوعات عديدة وقد يأخذني المبحث بعيدا بعض الشيء في أغوار التنقيب التاريخي لأصل الجشطلت ليصب روافده في نفس الوعاء الحقبي ، ففي مباحث نشأة العقيدة الإلهية عند الإنسان نجد أن جاء اعتقاده بكل آلهة قومه وأدرك كونها وأفعالها ولما كان التفكير لاحقا علي عملية الإدراك فقد انتقل من طور تعدد الآلهة إلي طور التمييز والترجيح بينها ثم إلي طور الوحدانية .
    مؤسسو حركة الجشطلت
    ماكس فريتمر
    ولد بمدينة براجو بألمانيا وانتهى من دراسة الجيمنزيم وهو في الثامنة عشرة من عمره ثم درس القانون واتجه بعده فجأة إلي دراسة الفلسفة مع علم النفس في جامعة برلين وإن حصل على درجته العلمية الجامعية من جامعة فرزبورج 1904كذلك درجة الأستاذية من جامعة فرانكفورت 1929 وخلال الحرب العالمية الأولى أسهم فرتيمر فيها من خلال أبحاثه التي تخص عمل التصنت علي الغواصات البحرية . كان فرتيمر من أوائل الذين هاجروا إلى أمريكا فوصل نيويورك عام1913 وقضي بها بقية حياته إلى أن وافته المنية بها وكانت سنوات إقامته بها حافلة بالمناشط والأبحاث التربوية وإن كانت أقل الإنتاج عددا بين مؤسسي حركة الجشطلت كما أجمع المؤرخون .
    كيرت كوفكا
    تلقى تعليمه حيث ولد بألمانيا،ودرس العلوم والفلسفة في شبابه في جامعة أدنبرة (1903ـ 1904) وبعد عودته إلى برلين درس علم النفس وحصل على درجته العلمية عام 1909 تحت إشراف كارل ستمف ، وبدأ مشوار العمل مع فرتيمر وكهلر وفي عام 1911 عمل بجامعة جيشن التي تبعد عن فرانكفورت بأربعين كيلومتر حتى عام 1924وعمل خلالها بوحدة للطب النفسي اهتم فيها بمعالجة أمراض الكلام وحالات الانهيار العصبي ، وبعد أن انتهت الحرب العالمية الأولى أصبح علم النفس الأمريكي على دراية بحركة الجشطلت ومن ثم طلب من كوفكا أن يكتب عن الجشطلت
    فخط كتابه (الإدراك ـ مقدمة لنظرية الجشطلت) قدم فيه المفاهيم
    الأساسية للجشطلت وعلي الرغم من أهمية هذا الكتاب إلا أنه عرقل من انتشار الجشطلت في أمريكا إذ أوحى عنوان الكتاب باقتصار الجشطلت في دراستها علي موضوع الإدراك ، وفي عام 1921نشر كوفكا كتابه (نمو العقل) وهو كتاب في علم نفس الطفل
    ولاقى نجاحا كبيرا في ألمانيا وأمريكا ثم عمل كوفكا أستاذا زائرا بجامعةكورنل وسميث عام 1927 ، وفي عام 1933 قام بدراسات على شعوب وسط آسيا ثم توفر بعد ذلك على تأليف كتابه (مبادئ علم نفس الجشطلت )
    كهلر
    ولد بمنطقة البلطيق وانتقلت أسرته إلى شمال ألمانيا وتلقي كهلر تعليمه في جامعات توبنجن وبون وبرلين وحصل على إجازته العلمية من جامعة برلي تحت إشراف كارل ستمف ،وفي عام 1913 دعته الأكاديمية الروسية إلى تنريف إحدى جزر الكناري لعمل دراسة على الشمبانزي ثم حالت الحرب العالمية الأولى دون مغادرته تنريف بعد إقامته بها ستة أشهر وأنجز عمله الرائع هناك (عقلية القردة) ثم عاد كهلر إلى ألمانيا عام 1920 وخلف مكان كارل ستمف في جامعة برلين وحاضر في جامعة كلارك وهارفورد ،ترك كهلرألمانيا عام1935 بسبب صراعه المستمر مع النازي وعلى الرغم من أن
    كهلر لم يكن يهوديا إلا أنه طرد ضمن حركات طرد اليهود ولقد منح كهلر جائزة الإنتاج التميز من جمعية علم النفس الأمريكية وكانت كتابات كهلر من المظهر الممتاز لحركة الجشطلت ،وكان كهلر من مشجعي تطبيق الفيزياء في المجالات الأساسية لعلم النفس .



    الإدراك.... الخطوة الأولى لنقد البنائية وقيام الجشطلت
    تجربة فريتمر
    لقد نشأت فكرة الجشطلت كنوع من الإلهام الذي هبط على رأس فريتمر عندما كان يستقل قطارا وخطر بباله أنه إذا كان هناك ضوءان ينطفئ كل منهما ويضيء بشكل متتال فسيظهران كما لو كان نقطة مضيئة واحدة تتحرك إلى الأمام أو إلي الخلف ،فلما وصل إلى فندقه اشترى آلة ستربوسكوب وأخذ يجرى بعض التجارب ليتأكد من صدق ما أدركه (4).
    وفي فرانكفورت عام1912 كان فريتمر يقوم ببعض التجارب على رؤية الحركة وكان كوفكا وكهلر يقومان بدور أشخاص (موضوعات التجربة) والمشكلة يمكن أن تعد مشكلة في علم نفس صور الحركات ولعله ليس معلوما أن صور الحركة قد بدأت أصولها منذ مائة عام تقريبا وأنه قد اخترعها عالم نفسي أو على الأقل عالم فسيولوجي كان أحد السابقين إلى علم النفس التجريبي وأعني به (بلاتو) الذي ابتكر طريقة بسيطة لعرض مجموعة من الرسومات في تتابع سريع بحيث ترى كل واحدة منها في مجرد لمحة عابرة ،فأما إذا كانت الرسوم تعرض حيوانا في مشاهد متتابعة لحركة ما فإن الملاحظ حين يرى تتابعا سريعا لهذه الصورة الساكنة كان يحصل له تأثير بالحيوان متحركا والذي حدث حينئذ في فن الصور المتحركة هو اختراع التصوير وتقدم آلة التقاط الصور المتحركة تأخذ سلسلة من الصور الخاطفة كل منها مأخوذ على حدة كمجموعة من المناظر الثابتة في غير ما حركة للصورة على الشاشة وجهاز الإلقاء هذا يقطع الضوء أثناء حركة الشريط من منظر إلى الذي يليه لأنه إذا سمح للصورة أن تتحرك فعلا على الشاشة فإن النظارة سيشاهدون بقعة بدلا
    من أن يروا حركة الأشياء المصورة فإذا رأيت ما يعرض فيزيقيا على الشاشة فسوف تري مجموعة من المناظر الثابتة تفصل بينها فترات من الظلام وعلى أي حال لن تستطيع أن ترى ما يعرض فيزيقيا ،فأولا أنت لا تستطيع أن ترى فترات الظلام لأن الإحساس البصري يستمر أكثر من المنبه الفيزيقي ويظل حتى العرض التالي على ألا تكون الفترة طويلة جدا فإذا كانت طويلة أكثر مما ينبغي فإنك تحصل على بعض تلألؤ ،ثانيا أنت لا تستطيع أن ترى سلسلة المشاهد التالية .لأن مخك بهذه الطريقة أو تلك يستجيب إلى هذا النوع من المنبه برؤية الحركة خلال مجموعة المواقف ذاتها كل على حدة وأنت تعلم أنه في مراقبة شخص يمشي أو يجري فعلا فأنت لا تستطيع أن ترى النقط التي يمر فيها لأنك إذا أخذت صورة خاطفة له أثناء حركته فإنك تجد غالبا أن الصورة تبين غالبا ما يشبه موقف غريب جدا وقلما تستطيع أن تصدق أنه افترض هذا النوع في مجرى حركته ومع هذا فإن المصورة لم تكذب فإذا وضعت هذه الصورة الخاطفة في سلسلة من المناظر المتعاقبة وعرضت المجموعة على الشاشة فإن حركة الشخص ستبدو طبيعية تماما والحقيقة إذا أنك لم تستطع أن تستخرج المواقف المتتابعة لا من الحركة المستمرة ولا من سلسلة من المناظر الثابتة ،تمثل هذه المواقف في تعاقب سريع فأنت مضطر في حكم تركيبك العضوي أن ترى الحركة وكأنها كل مستمر لا كمجموعة من المواقف المتعاقبة ولدينا هنا مشكلة هامة وواقعية جدا في ديناميكا النشاط العقلي وليس من حلها أن نشير إلى تتابع الصور الساكنة كعناصر للتجربة الكلية فيما يتعلق برؤية الحركة لأن هذه العناصر لا تكون الحركة التي تتطلب تفسيرا، وفي معالجة هذه المشكلة اقتنع فريتمر أن محاولة التقدم بتحليل الخبرة الكلية لرؤية الحركة إلى عناصرهالم تكن تؤدي إلى شيء شأنها شأن المواقف المتتابعة وبدا له أن خط التقدم هو أن يدرس الشروط التي تحتها تبدو أولا الحركة فبسط الصور إلى الحد الذي يبين فقط خطا طوليا ثم خطا مشابها بعد قليل إلى اليمين أو اليسار خطان الواحد بعد الآخر بينهما مسافة الفراغ وجعل ينوع طول مسافة الفراغ فإذا كانت طولها ثانية رأى الملاحظ مجرد خط ثابت ، ثم الخط الآخر الثابت وفقا للحقيقة الفيزيقية تماما ثم تقدم فأنقص مسافة الفراغ فيما بين طرفي الخطين فاقتطعهما إلى 1/5 ثانية وما زال الملاحظ يرى أولا خطا ثابتا ثم الآخر فقطع المسافة مرة أخرى فبدأ الملاحظ منظر الحركة فيما بين الخطين الأول والثاني فلما قلل المسافة إفى1/15 رأى الملاحظ حركة واضحة من النقطة الأولى إلى الثانية وبدا أن خطا مفردا يتحرك بينهما فلما ظلت المسافة تقل أصبحت الحركة أقل وضوحا وفي فترة 1/30 من الثانية لم تبق أية حركة ظاهرة وإنما بدا الخطان ساكنان جنبا إلى جنب ونوع فرتيمر التجربة بطرق كثيرة فإذا عرض خطا أفقيا يصحبه خط طولي ظهر ثمة خط يتذبذب خلال 90 درجة وبتصويرات مناسبة استطاع أن يحصل على خطين يبدو أنهما يتحركان في اتجاهات متعارضة في نفس الوقت وتلك كانت نتيجة هامة لأنها حددت تفسير حركة العين فلما لم تستطع العينان أن تتابعا في نفس الوقت حركتين في الاتجاهين المتعارضين اقترح فريتمر تفسيرا يفترض بمعنى عام أن عمل المخ لمنبهين متتابعين يكون في تغير مستمر بمعنى أن المخ لم يقف أولا على موقف ثم موقف ثاني ثم يتقدم فيركبهما في إدراج للحركة ولكن عندما وصل الموقفان إلى مسافة ملائمة للموقف الأول بحركة تدريجية في الاستجابة للموقف الثاني فالحركة لم تستنبط وإنما تحس فعلا لأن عملية الإدراج الأولى للمخ كانت عملية حركة أو انطلاق (5)
    الإدراك والكل المنظم
    إن الإدراك غير متجزئ أي أن إدراك الكل سابق على إدراك الجزء فنحن لا نشاهد في الحياة العناصر قبل الكل المركب منها فكما أن الكائن الحي يوجد في الحياة من حيث هو كل وظيفي يعمل كوحدة وأنه بواسطة النمو المستمر تحدث عملية تخصص أعضائه لمهمات خاصة كذلك الحال في الإدراك إذ يحدث الإدراك للكل قبل الأجزاء ثم بعد إدراك الكل يحدث تفصيل للأجزاء (6) وهذا ما يؤكده جيوم بأن الجشطلت يمكن أن تنطوي على تمفصل داخلي على أجزاء أو أعضاء طبيعية تضطلع ضمن الكل بوظائف محددة فالجزء في كل هو شيء يختلف عن هذا الجزء منعزلا أو في كل آخر (7).ويرتبط الكل المنظم بمسألة التعبير الوجهي والانفعالي للشخصية فإن علماء النفس الآخرين قد نزعوا نحو دراسة تحليلية لهذه المسألة فيناولوا كل شكل على حدة معتبرين ما يتخذ من أوضاع مختلفة محاولين أن يكشفوا عما يعبر عنه كل منها والقوانين التي ينم عنها انخفاض الحاجبين واتساع الحدقة وإغماض العين نصفيا وابراز وضم الشفتين ، كل هذه التفاصيل ربما تدل على حالة انفعالية بسيطة نسبيا وبضمها إلى بعضها البعض نحصل على تعبير على حالة انفعالية مركبة ويعرض عالم النفس الجشطلتي إلى هذه المسألة بفكرة أن الوجه يجب أن يعتبر شيئا آخر إلى جانب مجرد الوجه في مجموعة فعلية أن يقيم وزنا للأشياء بطريقة ما ،ولكنه ينظر إليها في صلتها بالمجموع فإن التعبير الظاهري لجزء ما يمكن أن يتغير عندما يتغير بقية الوجه في غير تغيير خارجي لهذا الجزء الخاص أو إذا كان الجزء الأعلى من الوجه بما فيه العينان يعرض أولا ثم يكون بقية الوجه غير مغطاة فإنه يبدو أن العينين ذاتهما تغيران تعبيرهما ،وفي أثناء اشتغاله بظلال الأشخاص وجد أن مجرد تغيير طفيف لجزء من البر وفيل ربما بدا أنه يغير خط الوجه كله ويعطي للكل شخصية مخالفة بينما تغييرات أخرى ربما كانت كبيرة في ذاتها ولكنها تحدث قليلا اختلاف في التعبير الكلي فمن الواضح أن شكل الوجه يوجد في الوجه ككل (8).ومن ثم كانت أبحاث نظرية الجشطلت موجهة في بدايتها إلى سيكولوجية الإدراك ،والإدراك هو الخطوة التي تلي الإحساس إذ أن الإدراك يتضمن شيئا من الوعي والتمييز الذي لا يمكن أن يتم بدون الإحساس ومن المعروف أن الإدراك يتبع الإحساس في جميع أنواعه من إحساس بصري أو إحساس سمعي والمهم في فكرة الجشطلت عن الإدراك أن المدركات التي ندركها تتأثر بعوامل معينة تتحكم في إدراكنا لها وتمييزها عن غيرها مما يوجد في المجال المحيط بنا وأننا ندرك الأشياء التي تقع تحت حسنا كوحدات كلية وإن كنا بعد ذلك نحاول التدقيق في تفاصيلها (9).


    نقد الجشطلت للبنائية
    استخدمت البنائية منهج الاستبطان لتكشف به كمياء العقل فقد كانت متأثرة بنجاح علم الكيمياء الفيزياوية وحاولت مثله أن تعزل عناصر الفكر التي كانت في رأيهم تتجمع لتؤدي إلى الخبرات العقلية المركبة وكان اهتمامها ينصب على دراسة الوجه العقلي للإحساس وكانت التجربة الإستبطانية ببساطة هي أن يصف الإنسان خبرته الخام دون اللجوء إلى ذكر أسماء أو أوصاف الأشياء بل يذكر ما
    يحس به فقط ولقد عارضت مدرسة الجشطلت البنائية لأنها تعتمد على تفتيت السلوك بعبارة أخرى تتبع منهج اختزالي يحاول رد الكليات إلى عناصرها الأولية لم ير أصحاب مدرسة الجشطلت عيبا في منهج الاستبطان ولكنهم قالوا بأن البنائية لم تستخدمه

    الاستخدام الصحيح فبدلا من أن تستخدمه في دراسة الكليات
    استخدمته في تفتيت هذه الكليات (10).وهذا ما سماه علماء الجشطلت سيكولوجية الطوب والمونة مع التشبث بالطوب لأن الصعوبة هي في إيجاد المونة (11). ومن جهة أخرى فالعناصر النهائية للتحليل للواقعة العقلية لا يمكن للشعور أن يبلغ إليها فكأنها ظواهر نفسية لا شعورية وهذا المفهوم ممكن أن يتبدى في صورتين ،
    الصورة الأولى:ـ يفقد العنصر فرديته في الإئتلاف الذي يدخل فيه ولكننا ما نزال نقتدر على ملاحظته في حالته النقية في ظروف أخرى فاتسامه باللاشعور مسألة عارضة .
    الصورة الثانية:ـ يكون العنصر لاشعوريا بطبيعته ذلك أنه لم يوجد قط إلا ضمن ائتلاف ولكن في هذه الحالة كما في تلك لا يستند التحليل بصورة مباشرة إلى الملاحظة .

    قواعد الإدراك التنظيمي عند الجشطلت (12)
    إن قوانين الإدراك التنظيمي لا تنطبق على مواقف الإدراك وحدها وإنما تنطبق على كافة أوجه نشاط الفرد وسلوكه وخاصة في مواقف التعلم ويضرب كوفكا مثالا لذلك بقانون الغلق وكيف أنه ينطبق على مجال الإدراك كما ينطبق على مواقف التعلم المدرسي فيعتبر أن دائرة غير مغلقة تجعلنا نميل إلى إغلاقها.
    أولا قاعدة الشكل والأرضية
    أساس عملية الإدراك إذ ينقسم المجال الإدراكي لظاهرة ما إلى قسمين ،القسم الأول الشكل السائد الذي يكون مركز للانتباه أما القسم الثاني هو الأرضية أي بقية المجال الذي يعمل كخلفية متناسقة منتشرة يتضح عليها الشكل كما يتضح الماس على أرضية من المخمل الأسود فنحن عندما ننتبه إلى ظاهرة يكون هذا هو الشكل بينما كل ما يحيط بها هو الأرضية

    ثانيا قاعدة الاستمرار أو الاتجاه
    تقرر أننا نميل إلى إدراك الأشياء التي تتصل ببعضها البعض أو تسير في نفس الإتجاه بحيث لا تسير في الاتجاه الذي تميل فيه .

    ثالثا قاعدة التقارب
    وتقول بأن الموضوعات القريبة من بعضها البعض في الزمان والمكان نميل إلى إدراكها في كليات .
    رابعا قاعدة التشابه
    نحن نميل إلى إدراك العناصر المتشابهة في بناء كلي واحد .
    خامسا قاعدة المصير المشترك
    تقرر هذه القاعدة أننا نميل إلى إدراك العناصر في أشكال مكتملة إذا ما كان يجمعها حركة مشابهة وذلك مثلما تنفصل أنوار الطائرة في الليل عن بقية نجوم السماء أو مثلما ندرك مجموعة من الخيل في السباق وكأنها وحدة واحدة متحركة .
    سادسا قاعدة الشمول
    نميل إلى إدراك الشكل الذي يشمل أكبر عدد من المنبهات فإذا اختفي شكل داخل شكل أكبر رغم اختلافه الواضح عنه فإننا سندرك الشكل الأكبر وتعتمد فكرة التمويه على هذه القاعدة فالجندي الذي يرتدي ثيابا ذات بقع خضراء لا يمكن تمييزه داخل غابة من الأشجار .
    سابعا قاعدة الإغلاق
    نميل إلى إدراك الأشكال الناقصة باعتبارها مكتملة فعندما ينظر شخص إلى دائرة لا يتصل طرفاها فإنه يدركها مكتملة بغض النظر عن هذا الانقطاع

    والتهييئ للامتحانات الكفاءة المهنية


     
  2. #2
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط

    رد: النظرية الجشطالتية وتطورها

    (y)