التعلم من مفهومه وشروطه الى نظرياته

  1. #1
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    يعتبر التعلم المنطلق الأساسي لدراسة علم النفس. وهو ضروري لفهم حقيقة العقل البشري. ومنذ أن بدأ الاهتمام بدراسة سلوك الإنسان، ظل التعلم وقضاياه موضع اهتمام الباحثين والدارسين. وقد بلغ هذا الاهتمام ذروته في أوائل القرن العشرين. فما هو التعلم إذاً؟ وما هي شروطه؟ وما هي نظرياته؟
    I - مفهوم التعلم:
    إن التعلم أمر مألوف في حياتنا، ولكن تعريفه تعريفا علميا، يظل مسألة مثيرة للجدل. وقلما نجد العلماء من يتفق مع غيره، وذلك بسبب كثرة التعريفات واختلاف النظريات.
    وإذا توخينا تعريفا بسيطا للتعلم، يمكن القول أنه تعديل للسلوك من خلال الخبرة. فثورندايك
    Thorndek يعرف التعلم علي "أنه سلسلة من التغيرات في سلوك الإنسان". وهنا يجب أن نميز بين التعلم وبين التقدم أو استمرار التحسن المفيد. بمعنى أنه ليس كل تغير أن يسمى تعلما. لقد وصف أندرسن وجيتس Anderson and Gates التعلم بأنه عملية تكيف الاستجابات لتناسب المواقف المختلفة. أما جانييه Gagne فقد دعا إلى التمييز بين العوامل التي تتحكم فيها الوراثة إلى حد بعيد (كالنمو) وبين العوامل التي هي في الأساس نتاج التجربة البيئية (التعلم). ووصف ثروب Thrope التعلم بأنه مجموعة تغيرات تكيفية تحدث لسلوك المرء، وهي في حصيلتها تعبير عن خبرات في التلاؤم مع البيئة. وباختصار، فإن التعلم عملية تغير سلوك الإنسان بفعل الخبرة.
    II- شروط التعلم:
    أ- النضج والتدريب: إن النضج يتعلق بالنمو في بعض أجهزة الفرد الداخلية، وبدون هذا النمو لا يتأتى للجهاز القيام بوظيفته. بينما التدريب يتعلق بالتعلم؛ فتعلم اللغة عند الإنسان، يتوقف على مدى تدريب هذا الإنسان عليها، لأن نضج جهازه الصوتي غير كاف لإحداث التعلم. لذا فالنضج في الغالب لا يرتبط بالتعلم مباشرة، ما لم يصاحبه تدريب، أي التعلم.
    ب- الدافعية: يحدث التعلم في وضع (موقف) سيكولوجي معين، بسبب وجود حالة من التوتر لدى الفرد، وبهدف نشاط التعلم إلى إشباع وخفض حالة التوتر الناتجة عن وجود دافع معين عند الفرد. ومن هنا تأتي القاعدة السيكولوجية: لا تعلم بدون دافع.
    ج- موضوع التعلم: إذا كان نشاط التعلم يرتبط بالدافعية، فإن موضوع التعلم يتخذ صورا عدة: الأفكار، المواقف، المهارات.
    د- الوضعية التعليمية: يصطلح على السياق العام الذي يحدث فيه التعلم "بالوضعية التعليمية". وهي وضعية قد تكون تلقائية (اللعب) أو قصدية (المدرسة). لذا، فأي تعلم، حدوثه مرهون بسياق يجري فيه.

    III- التعلم ونظرياته:
    إن دراسة فعل التعلم لم تتم من وجهة نظر موحدة وواحدة، بل تعددت المقاربات من مدرسة إلى أخرى وتعددت معها المفاهيم ونوعية المبادئ والقوانين التي اعتبرت من منظور هذه المقاربة أو تلك، مسئولة على إحداث التعلم، ولهذا سنبني اختيارنا لبعض النظريات الرئيسية على أساس التوجهات الأساسية التي تمثلها داخل السيكولوجيا عموما، وفي إطار نظريات التعلم على الخصوص.
    1- النظرية السلوكية:
    يشير مفهوم التعلم، عموما عند معظم التيارات العلمية داخل الاتجاه السلوكي، رغم تنوعها، إلى تغير أو تعديل في سلوك المتعلم، عندما يتعرض لتأثير محدد صادر عن محيطه. ويصدق هذا التحديد على التعلم التلقائي الذي يحدث خلال التفاعل اليومي بين الفرد ومحيطه، وعلى التعلم المنظم الذي يجري في إطار وضعية منظمة لهذه الغاية.
    إن الفرق بين العلم التلقائي الذي يحدث في "مدرسة الحياة"، والتعلم المنظم الذي يجري في "حياة المدرسة"، لا يكمن في الآليات أو الشروط التي تحكمهما معا، بل فيما يتيحه التعلم المنظم من إمكانية إحداث أنواع متعددة من التعلم، ومن سرعة في تحقيق ذلك، بفضل ما يوفره من ترتيب وتركيز لجميع الشروط المحيطة المساعدة.
    1. 1. مفاهيم النظرية السلوكية: تتميز النظرية السلوكية بترسانة من المفاهيم، نذكر منها:
    أ- السلوك: يحتل هذا المفهوم مكانة مركزية في التحليلات والأبحاث السلوكية، فهو يمثل موضوعها العلمي المفضل نظرا لخصائصه التالية: إمكانية ملاحظته مباشرة وتحليله إلى أجزاء متعددة وقياسه من حيث سرعة أدائه، وكذا تعديله أو تغييره أو إطفائه وضبط الشروط المحيطة التي تؤدي إلى ظهوره، ومن ثم إمكانية التحكم في هذا الظهور نفسه من خلال إعادة خلق نفس الشروط.
    من هنا يتضح مدى تشبث السلوكيون بمفهوم السلوك، على جعل قضية اكتساب السلوك وتغيره، الموضوع الرئيسي لنظرية التعلم.
    لذا يمكن النظر إلى مفهوم السلوك، رغم الاختلافات بين الباحثين المنتمين لنفس الاتجاه، على أنه استجابة أو رد فعل مرتبط، في ظهوره، بوجود مثير معين ينتمي في الغالب، إلى المحيط الخارجي.
    ب- المثير: إنه يشير إلى كل تغيرات الوسط (انبعاث صوت أو ضوء أو شيء أو اتصال...). أما الوسط فيشير إلى خصائص العالم الذي يحيط بالفرد بشكل مباشر أو غير مباشر، والذي يؤثر عليه. ويمكن أن نتبنى مفهوم المحيط للإشارة إلى هذا الوسط. والمثيرات أنواع، منها:
    - المثير الغير الشرطي أو اللاإشراطي
    Stimulus inconditionnel وهو مثير طبيعي يرتبط بالتكوين البيولوجي الغريزي للفرد (طعام، شراب، جنس...). ويسمى أيضا بالمثير المطلق.
    - المثير الشرطي أو الإشراطي
    S. conditionnel، ويتعلق بما اكتسبه الفرد من تجارب وخبرات وعادات عبر مراحل حياته، مرتبطة بالأشياء والموضوعات المحيطة به.
    - المثير المحايد
    S. neutre، وهو الذي لا يحدث أي رد فعل من طرف الفرد. إن كل الأشياء المحيطة بنا مثيرات محايدة، شريطة ألا تدفعنا إلى أداء سلوكيات مرتبطة بها بالأساس.
    - المثير المعزز أو المدعم
    S. renforçateur، وهو الناتج عن الاستجابة، وأسفر هن عن تمسك الفرد بهذه الاستجابة واحتمال تكرارها.
    - المثير السلبي
    S. inhibiteur، وهو الذي يؤدي إلى خفاء سلوك ما أو الإقلاع عنه، في حالة تقديمه بجانب مثير شرطي ومرتبط أصلا بذلك السلوك. ويسمى أيضا بالمثير الطفيليparasite، عندما لا ينتبه المجرب أو الشخص الذي يشرف على تجربة إشراطية ما.
    ج- الاستجابة: هي نشاط العضوية الذي يظهر نتيجة لتغير ما في المحيط الخارجي والداخلي. ويمكن أن نميز بين أنواع متعددة من الاستجابات، إذا أخذنا بعين الاعتبار، نوعية العلاقة التي تربطها بالمثيرات المختلفة التي تسببت في ظهورها. وفيما يلي بعض من تلك الأنواع:
    - الاستجابة الطبيعية الشرطية أو اللاإشراطية
    Réponse inconditionnelle، وهي عبارة عن رد فعل إزاء مثير خارجي، وكانت العلاقة بينهما ثابتة وقابلة للتكرار في مناسبات مختلفة، ويمكن اعتبار هذه الاستجابة غريزية، مثل سيلان اللعاب حين رؤية الطعام...
    - الاستجابة الشرطية أو الإشراطية
    R. conditionnelle، تكون نتيجة لمثير غير طبيعي، وكان الارتباط بينهما ناتجا عن التعود أو عن وضعية تجريبية إشراطية، كأن تنبسط عند سماع لمقطوعة موسيقية أو تخاف عند نزول الظلام...
    د- الإشراط: تعتبر الاستجابة والمثير مفهومان مركزيان في النظريات السلوكية عامة، وعليهما تنبني عملية الإشراط
    Conditionnement، كعملية تسعى إلى إقامة علاقة أو رابط بين استجابة محددة ومثير محدد، أي أنها عملية تدخل منظمة وهادفة، تروم تعديل أو تغيير سلوك الفرد، بتغيير نظام شبكة العلاقات القائمة من قبل لديه، بفعل العادة أو التعود. وهناك طريقتان لإنجاز الإشراط:
    - الإشراط الأولي
    Primaire: لكي يتم مثل هذا الإشراط، لابد من الانطلاق من الاستجابات الطبيعية غير الشرطية التي تشكل ردود أفعال غريزية لدى الفرد، يصدرها تبعا لما يتعرض له من مثيرات غير شرطية، فلم يكن بافلوف ليتمكن من جعل استجابة سيلان لعاب الكلب على صون الجرس استجابة شرطية... لولا الوجود القبلي لهذه الاستجابة في صورتها الطبيعية اللاشرطية كرد على مثير طبيعي، أي الطعام.
    - الإشراط الفاعل أو الأدائي: يوضح سكانر الإشراط الفاعل على أنه: "تنظيم احتمالات وقوع التعزيز بشكل ملائم، يمكٌن من إحداث سلوكات جد محددة، ثم وضعها تحت مراقبة مجموعة من المثيرات أو أصناف من المثيرات الخصوصية". إن عبارة "احتمالات وقوع التعزيزات" تعني التقنية التي اقترحها سكينر، لإحداث الاستجابة الفاعلة، في إطار نوع الإشراط الذي أسسه، وهي تقنية ترتيب منسق لوقوع التعزيزات، أي لنوع العلاقات التي ينبغي أن تقام بين السلوك والنتائج التي يُسفِر عليها، يتعلق الأمر ببرمجة التعزيزات، وتتم هذه البرمجة انطلاقا من المتغيرات التالية:
    1- وضعية محددة ومناسِبة يظهر في إطارها السلوك.
    2- السلوك نفسه.
    3- نتائج السلوك.
    2- النظرية الجشتالتية والمجالية:

    1. 2. النظرية الجشتالتية:
    لقد ركزت جل الأبحاث والتجارب التي قام بها مؤسسو هذه النظرية، من أمثال فيرتمير Wertheimer وكوفكا Kofka وكوهلر W. Kِhler وغيرهم، على موضوع الإدراك كآلية أساسية في التعلم، وتوصلت إلى تحديد جملة من الآليات والشروط التي تتحكم في هذه العملية.
    أ- مفاهيم النظرية الجشتالتية: تتميز هذه النظرية بمجموعة من مفاهيم أساسية، نذكر منها:
    1- الجيشتالت: هي بنية أو شكل كلي، وتقترح الجشتالتية ن ينظر إلى الظواهر في كليتها دون تجزيء عناصر ذلك الكل، لأن كل عنصر خارج البنية أو الشكل الكلي، لا تصبح له أي قيمة تذكر. لقد ذهب بعض الجشتالتيين إلى القول، إن المبدأ المتحكم في كل قوانين الإدراك هو أن المجموعة أهم من الأجزاء، بل إنها تملك خصائص ومميزات تجعلها تستقل عن الأجزاء. ويعتبر الجشتالتيون الصيغة أو البنية الكلية أهم من خبرة الفرد السابقة.
    2- الخبرة السابقة: إن الخبرة السابقة للفرد، بالنسبة للجشتالتية، لا تلعب أي دور في عملية الإدراك، بل على العكس من ذلك، فإنها أحيانا تكون عائقا للنشاط الإدراكي لذا قللوا من أهمية الخبرة السابقة في عملية التعلم. ولذلك حوٌلوا اهتمامهم إلى الكشف عن الشروط المرتبطة بموضوع الإدراك نفسه، واعتبروا تنظيمه أو بنيته الكلية ذات أهمية قصوى في تفسير الإدراك.
    3- الإدراك والاستبصار: في البداية، يجب التمييز بين مفهومين أساسيين، هما الإدراك والاستبصار. فالإدراك يأتي غالبا كمرادف لمفهوم التعلم، والاستبصار يأتي كمرادف لدلالة العبارة الألمانية
    Insight التي تدل على النشاط الذهني للفرد خلال عملية الإدراك أو التعلم.
    يعتبر الاستبصار آلية من الآليات الذهنية التي لها علاقة كبيرة بعملية الإدراك أو التعلم. ولقد ميز الجشتالتيون، في إطارها، بين طريقتين:
    - طريقة يقوم فيها الفرد المتعلم بسلوكات استكشافية أولية ليتعرف إلى ما تتضمنه الوضعية أو الموضوع من خصائص وعلاقات وعناصر، تتلوها فترة هدوء مؤقتة يداهم فيها الحل الفجائي ذهن الفرد.
    - طريقة يقوم فيها الفرد بمعالجة ممنهجة للوضعية أو الموضوع، بحيث يبدأ بفرز عناصره ومكونات بنيته الكلية، لينتقل إلى بناء أو تكوين خطوات تساعده على إيجاد حل للوضعية المشكلة التي يكون قد فكر فيها بإمعان وترتيب. في هذه الطريقة يحاول المتعلم اكتشاف العلاقات الداخلية للوضعية، من خلال سلوكات منظمة تستبعد المحاولات العشوائية.
    أما الإدراك فهو ليس تسجيلا بسيطا للمعلومات الواردة داخل المثيرات، بل هو استنتاج لما في البنية أو الجشتالت. واعتبر الجشتالتيون الصيغة الكلية للموضوع، المسئولة الأولى في عملية تحقيق الإدراك وحدوثه، فالجشتالت وحده يؤدي إلى إقامة العلاقات مع الشكل الكلي، وبالتالي يحقق عملية الإدراك.

    2. 2. النظرية المجالية (كيرت لوين K. Lewin):
    يعتبر الفعل التعليمي، بالنسبة للنظرية المجالية، فعلا إدراكيا بالدرجة الأولى، غير أنها تختلف مع الجشتالتية في تحديد القوانين التي تتحكم في هذا الإدراك. فالجشتالتيون يردون أغلب هذه القوانين إلى البنية الخاصة بالموضوع أو المحيط الخارجي، في حين أكد مؤسس المجالية على الأهمية التي يمكن أن يلعبها المجال الإيكولوجي في عملية الإدراك، إلى جانب أهمية المجال الخارجي. وعلى هذا الأساس، يمكن التمييز بين مفهومين مركزيين عند المجالية، مفهوم المجال الخارجي ومفهوم المجال السيكولوجي.
    أ- المجال الخارجي: وهو يشير إلى مجموعة من العناصر المتفاعلة فيما بينها، سواء عند الجشتالتيين أو عند المجاليين، إلا أن هذا التفاعل لم يبق عند "لوين" مقتصرا على عناصر الأشياء أو الأحداث التي تشكل موضوع التعلم، بل يشمل كل عناصر وضعية التعلم وتنظيمها بشكل نسقي بصفة عامة. وهكذا نجد التصور المجالي في السيكولوجيا، يربط المتعلم بعناصر وضعية التعلم ويركز على تفاعله مع تلك العناصر المكونة للوضعية.
    ب- المجال السيكولوجي: إن تحليل المجالية، رغم اهتمامها بكل عناصر وضعية التعلم، ركز، بشكل كبير، على المجال النفسي للمتعلم ودوره في عملية التعلم والاكتساب. فالمجال السيكولوجي، عند المجاليين، يعطي أهمية كبيرة لوظيفة الذات وخصوصياتها (خبراتها وآلامها وأمانيه ورغباتها وثقافتها...) في عملية الإدراك والتعلم.

    3. 2. الجشتالتية والمجالية وصيرورة التعليم التعلم:
    تساهم القوانين التي أبرزتها كل من الجشتالتية والمجالية في تنظيم صيرورة التعليم التعلم، ويمكن أن يتم ذلك على مستويين متميزين:
    أ- مستوى المجال الخارجي: يمكن أن يستفيد المدرس من قانون التشابه خلال تقديمه لموضوعات متعددة يراد منها بناء تصنيفات أو مفاهيم أو مقولات... أما إذا كان الهدف، هو أن يركز المتعلم على تفاصيله ويدركها إدراكا صحيحا، فعلى المدرس أن يبعد هذا القانون لأن من شأنه أن يعطي نتائج معاكسة.
    ويمكن اعتماد قانون التقارب بين الأشياء والموضوعات حتى يتم إدراكها كوحدة أو ككل، مثلا عدم إبعاد الحرف عن بعضها في حالة كتابة كلمة...
    ويمكن الاستفادة من قانون التماثل أثناء تقديم الموضوعات أو أشكال هندسية أو رسوم أو مجسمات أو الخرائط أو في تعليم الكتابة.
    وأخيرا يمكن توظيف قانون الإغلاق(تكميل الأشياء الناقصة أو غير التامة)، في التغبير الشفوي والكتابي (دفع المتعلم إلى إتمام كلمات أو جمل أو عبارات ناقصة)، وكذلك في الاختبارات، حيث يطلب من المتعلم الجواب على أسئلة تتضمن فراغات متنوعة المواقع...
    ب- مستوى المجال السيكولوجي: في هذا المستوى يمكن الحديث عن فروق فردية في مجال الإدراك وأسلوب التعلم من فرد إلى آخر، بناء على البعد الذاتي الذي يتسم به المتعلم، الشيء الذي يتطلب مراعاة هذه الفروق في تنظيم أي وضعية تعليمية في القسم، واختيار أساليب وطرق تعليمية مناسبة لذلك.

    3. النظرية البنائية التكوينية (بياجي):
    حدد بياجي J. Piaget نظريته حول التعلم، في إطار منظوره الإبستمولوجي التكويني البنائي وأكد على أهمية النشاط، الحركي الذهني، الممارس من طرف الذات، باعتبارها ذات فاعلة ومتفاعلة مع محيطها العام. لقد أوضح بياجي: "إن العلم لا يكون منظما إلا إذا تمت إعادة خلق هذا النظام، شيئا فشيئا، عن طريق بنية الموضوعات، والمكان، والزمان، والسببية بالموازاة مع بناء منطق ما، وأننا لا نتعلم شيئا من المدرسين، إلا عندما نعيد بناء فكرهم أيضا، وإلا تعذر تثبيته في الذكاء أو في الذاكرة".
    1. 3. التعلم فعل وظيفي: إذا كان التعلم نشاطا ذهنيا وحركيا، مثله في ذلك مثل سائر التصرفات والسلوكات، فإنه يمثل بدوره، نشاطا وظيفيا، لا يتم بدون أن تكون هناك حاجة إليه من طرف المتعلم، تجعله يتخذ من التعلم نفسه، وسيلة للإجابة على سؤال أو لإيجاد حل لمشكل ما أو لفك أسرار موضوع يشغله أو لمراجعة وضعية ذهنية أو ملموسة. وبحصول هذا الشرط يصبح فعل التعلم ذا معنى وظيفي بالمعنى الذي يتيح فيه لهذا الأخير الوصول إلى حالة من التوازن النفسي الضروري.
    2. 3. مفهوم التوازن: لقد استعمل بياجي هذا المفهوم في إطار دراسته للنمو العقلي، واعتبره محركا أساسيا لكل نشاط فكري أو حركي لدى الفرد. فالتعلم أو المعرفة لا يمثلان أنشطة عبثية، بل إنهما تستهدفان بلوغ حالة توازن فقدت عند الفرد من جراء أحد العاملين: إما تغيرات ظهرت في محيط الفرد وأنشأت لديه حاجة إلى المعرفة أو إلى التعلم. أو تغيرات طرأت على مستوى تفكيره (تعارض فكرتين مثلا) وتطلب منه الأمر فهم وتفسير هذه التغيرات. غير أن كل حالة توازن نفسي، لا تُعتبر لا حالة مؤقتة، إذ سرعان ما يعقبها خلل أو اضطراب جديد، يستدعي بدوره نشاطا قصد تجاوزه
    3. 3. الاستيعاب والتلاؤم: إذا كان التوازن هو المآل المطلب من طرف الفرد، وهو في مواجهة وضع إشكالي، فإن هذا التوازن لا يتم إلا عبر تدخل آليتين متميزتين ومتلازمتين هما:
    أ- الاستيعاب: وهي آلية سيكولوجية، تسمح للفرد بإدماج المعطيات والمعلومات الصادرة عن الموضوع أو المحيط الخارجي، في إطار نشاطه وأفعاله الحركية أو الفكرية، حيث تفهم وتؤول وتفسر، طبقا لما يتضمنه ذهنه من عمليات وبنيات فكرية متنوعة، لتخرج في نهاية المطاف، عبارة عن أشكال معرفية، على حد تعبير بياجي نفسه. وتتمثل في جملة من الأفعال المنظمة: الجمع، الطرح، الترتيب، التصنيف، الإمساك، الجذب، الدفع، النفي، الإثبات، التقسيم، الضم...
    ب- التلاؤم: وهي آلية سيكولوجية تجبر الفرد على الانتباه إلى ما يحدث في الموضوع أو المحيط الخارجي من تغيرات، ليصبح فعله أو نشاطه الفكري في حالة اضطرار، لكي يتوافق مع كل تنوع خارجي. وهذا يقود الفرد إلى تعديل أنشطته وعملياته وبنياته الفكرية، حتى تصبح في مستوى فهم وتفسير ما يروج في المحيط الخارجي، من أحداث وتغيرات مختلفة.
    وعن طريق هاتين الآليتين يتحقق الفعل المعرفي التعليمي، وبواسطتهما يحدث التفاعل المطلوب بين المتعلم وموضوع التعلم، إلى أن يتم التوصل إلى بناء شكل المعرفة المطلوب، الذي يعكس حالة توازنية محددة، ولا تمثل هذه الحالة، في الواقع، إلا وضعا يتعادل فيه الاستيعاب بالتلاؤم.
    4. 3. بناء المعرفة: إن بناء المعرفة عند بياجي عملية وظيفية، وهي إلى جانب ذلك عملية توازنية تمكن من ضبط العلاقة بين الاستيعاب والتلاؤم. إنها على الأصح، عملية تجريد لمعطيات أو موضوعات ملموسة، يتم عن طريق نشاط ذو بعدين أساسيين: حسي حركي خارجي، وذهني مستبطن. هذا التجريد يتنوع بتنوع الموضوعات التي يمارس عليها، وعلى هذا الأساس، يميز بياجي بين صنفين من التجريد لبناء المعرفة وهي: تجريد أمبريقي وتجريد مفكِّر. فإذا كان التجريد الأمبريقي يمارَس على الموضوعات الخارجية بواسطة الأنشطة الحركية والذهنية للذات، فإن التجريد المفكِر يركز أساسا على هذه الأنشطة والعمليات الذهنية نفسها، ويستخلص منها المعرفة الضرورية، ويمكن أن تكون هذه الأنشطة الذهنية عبارة عن تنسيقات حركية، أو عمليات أو بنيات. وعندما تصبح هذه الأنشطة موضوع تفكير، ستكون نقلا أو تحويلا لتلك الأنشطة من مستوى أدنى إلى مستوى أعلى من حيث التجريد، أو ستكون إعادة بناء تلك الأنشطة في صورة مخالفة لما كانت عليه في مستواها الأدنى، لتصل في النهاية إلى معرفة مستنبطة جديدة وضرورية.
    5. 3. التعلم وصيرورة النمو: ترتبط نظرية التعلم عند بياجي بسيكولوجية النمو، وهي ترمي إلى الكشف عن مختلف التغيرات النوعية والأساسية التي تطرأ على تفكير الفرد في مختلف مراحل عمره، من الطفولة إلى سن الرشد. لقد أوضحت النظرية التكوينية البنائية عبر أبحاثها، أن المراحل الأساسية في النمو الذهني للفرد تشترط بشكل واضح، تعلم الفرد، لأنها تحدد كافة الإمكانات السلوكية والذهنية التي يستطيع إنجازها في كل مرحلة، وتسمح بالتعرف على مكمن التفسيرات والتأويلات وحالات الفهم التي تبرز لديه، في كل مرة، عندما يكون أمام موضوع ما. وعلى هذا الأساس، حدد بياجي أربعة أنماط من التفكير بموازاة مع أربعة مراحل لنمو الذكاء عند الفرد، كما سبق التطرق إلى ذلك في موضوع النمو وحاجاته عند الطفل والمراهق (أنظر مراحل النمو عند بياجي بالمقارنة مع مراحل النمو عند فرويد).
    6. 3. النظرية التكوينية البنائية وصيرورة التعليم التعلم: ترى هذه النظرية أن مشكلة التعليم التعلم في المدرسة، هي إيجاد الوسط والطرائق والوسائل الأنسب لمساعدة المتعلم على تشكيل معارفه بنفسه، في انسجام مع مراحل نموه السيكو- معرفي. لهذا فالمحتويات من معلومات ومفاهيم وظواهر وأنشطة ومضامين في الحساب والهندسة مثلا، يجب أن تناسب الأطوار ما قبل إجرائية، والإجرائية الملموسة، والصورية المجردة. ويعتبر التوازن من أهم المفاهيم والقوانين التطبيقية لبيداغوجيا النظرية التكوينية البنائية، خاصة وأنها تربط التعلم بنشاطات النفي وتجاوز الخطأ والاضطراب، والقضاء على التشويش ببناء الأسئلة الخاصة القائمة على الاستدلال المتقدم في بناء المعرفة. وهذا يعني تأكيد "بياجي" على أسلوب التفاعل بين المدرس والمتعلم، والذي يمنح لهذا الأخير، نشاطات تثير التفكير في الطبيعة المتغيرة للأشياء والبعد النسبي للحقائق، وليس تمارين تحبس إدراك المتعلم في الظواهر كأشياء ثابتة ومفككة ومنعزل بعضها عن بعض.

    خاتمة:
    إن نظريات التعلم تتفق جميعها على أن التعلم نشاط اكتسابي، يتم به حصول الفرد على التوازن الكافي مع شروط البيئة والتزاماتها.
    فإذا كانت السلوكية تعتبر التعلم مجموعة من ردود الفعل الاستجابية، المرتبطة بمثيرات البيئة الخارجية التي يكتسب بها الفرد سلسلة من الاستجابات الإجرائية الأدائية، بفعل عملية الإشراط والتعزيز والتدريب، وإذا كانت الجشتالتية تربط التعلم بتحقيق الاستبصار، في المجال الكلي لموضوع التعلم والوصول إلى المعنى الحقيقي له، في غياب أي تعزيز خارجي، فإن البنائية تقرن التعلم بفعل الأجهزة المعرفية للذات في مواقف التعلم. إن التعلم، حسب رأيها، نشاط يبنى، وهو مقرون بتطور القدرات والإمكانات الذاتية حسب مراحل النمو. إنه يقوم على تطوير الإجراءات الداخلية كتنظيم ذاتي يحقق التوازن والتكيف للفرد مع الواقع المعاش.
    cdabcd
    المراجع:
    - - تطور الطفل (عند بياجي). غسان يعقوب. دار الكتاب اللبناني. بيروت. 1982.
    - جان بياجي: الإيبستيمولوجيا والتربية وعلم النفس. مجلة بيت الحكمة(ملف العدد). ع. 2. السنة 1. يوليوز1986.
    - التعلم، رمزية الغريب. مكتبة الأكلو المصرية، القاهرة. 1977.
    - قابلية التعلم، أحمد صيداوي. معهد الإنماء العربي، بيروت. 1986.
    - سيكولوجية التعلم والتعلم الصفي، يوسف قطامي. دار الشروق، عمان. 1989.
    - نظريات التعلم، دراسة مقارنة، ج. م. غازدا، ترجمة ع. ح. حجاج. عالم المعرفة، الكويت، 1983.
    -
    Lire PIAGET. DROZ et RAHMY. Dessart. Bruxelles. 1972.
    -
    Psychologie et épistémologie génétiques, thèmes piagétiens. COLLECTIF. Paris. DUNOD. 1966.
    -
    La Psychologie de l'enfant. J. PIAGET. Que sais-je ? P. U. F. 1971.
    -
    Le langage et la pensée chez l'enfant. J. PIAGET. Delachaux. 1923. Ed. 1970.
    -
    Le jugement et le raisonnement chez l'enfant. J. PIAGET. Delachaux. 1924. Ed. 1971.
    -
    La construction du réel chez l'enfant. J. PIAGET. Delachaux. 1937. Ed. 1950.
    -
    La naissance de l'intelligence. J. PIAGET. Delachaux. 1936.
    -
    La formation du symbole chez l'enfant. J. PIAGET. Delachaux. 1946. Ed. 1964.
    -
    Le jugement moral chez l'enfant. J. PIAGET. Delachaux. 1932. Ed. 1959.
    -
    La représentation du monde chez l'enfant. J. PIAGET. Alcan. 1926. Ed. P. U. F. 1947.
    -
    De la logique de l'enfant à la logique de l'adolescent. J. PIAGET. Ed. P. U. F. 1955.
    -
    La causalité physique chez l'enfant. J. PIAGET. Alcan. 1927.
    -
    De la genèse du nombre chez l'enfant. J. PIAGET. Delachaux. 1941.
    -
    La représentation de l'espace chez l'enfant. J. PIAGET. Ed. P. U. F. 1948.
    -
    Le développement de la notion de temps chez l'enfant. J. PIAGET. Ed. P. U. F. 1946.
    -
    Les notions de mouvement et de vitesse chez l'enfant. J. PIAGET. Ed. P. U. F.
    -
    Créativité et apprentissage, PARE. A. NHP, Vol. II, Laval, 1977.
    -
    Le conditionnement et l'apprentissage, Le NY J. F. P. U. F. Paris, 1980.
    -
    Psychologie de l'apprentissage et technique de l'ensseignement, THYNE M. JAMES, Delachaux, Niestlé, 1970.
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏1 فبراير 2016
  2. #2
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط

    رد: التعلم: من مفهومه وشروطه الى نظرياته

    (y)


     
  3. #3
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    رد: التعلم: من مفهومه وشروطه الى نظرياته

    تشرفت أخي بمرورك الطيب
     
  4. #4
    horizon

    horizon مدون جديد

    رد: التعلم: من مفهومه وشروطه الى نظرياته

    شكرا جزيلا