الحكامة بالمغرب

  1. #1
    samisi

    samisi مدون جديد

    لقد استرعى اهتمامي الموضوع الدي طرحه الاخ ادريس الناصري. ولا هميته وتعميما اضع بين ايديكم موضوعا في نفس السياق ولكن بنكهة جيدة .اتمنى ان تكون الفائدة في محلها.
    خلص تقرير الخمسينية إلى كون مستقبل المغرب يرتهن بمدى قدرته على مواجهة وتخطي خمسة بؤر وهي المعرفة والاقتصاد والإدماج والتكوين والحكامة. وفي معرض تحليله لواقع الحكامة بالمغرب وصل التقرير إلى أن الحكامة تشكو على الأقل من خمس نقط ضعف أساسية:عدم وجود نظام للمساءلة والمحاسبة، تفاوت كبير بين انتظارات المواطنين والمصالح المقدمة من طرف الإدارة، وجود مركزية مفرطة، وجود لامركزية ترابية لا تتلاءم مع ضرورات التنمية المحلية، ووجود وصاية ترابية تقوم مقام المنتخبين عوض لعب دور التنسيق والرقابة. هكذا فإن أي إستراتيجية لتحسين جودة نظام الحكامة بالمغرب لا بد أن تتوخى أولا إيجاد نظام يتم بموجبه محاسبة ومساءلة كل من استعمل موارد الدولة والموارد المحلية على النتائج المحققة والغير محققة ؛ ثانيا، إعطاء دفعة قوية لنظام الحكامة الترابية؛ ثالثا جعل تدبير الشأن العام يتلاءم وضرورات التنمية المحلية أي إعطاء بعد ترابي لإشكالية التدبير والإصلاح؛ رابعا توخي شفافية مضبوطة لأنظمة التدبير والإنجاز؛ وأخيرا ضمان مشاركة فعالة للمواطنين ووسائل الإعلام وجمعيات المجتمع المدني في تقييم الحكامة المحلية وحكامة المصالح القطاعية الخارجية.
    حسب البنك الدولي فإن تطور المغرب فيما بين 2002 و2006 على مستوى مؤشرات الحكامة الستة--أي المحاسبة والمسؤولية؛ الاستقرار السياسي وغياب العنف؛ نجاعة العمل الحكومي؛ نوعية وميكانيزمات المراقبة؛ سيادة القانون ؛ ومراقبة الرشوة-- كان محتشما وعلى مستوى بعض المؤشرات مثل الاستقرار السياسي وغياب العنف ومراقبة الرشوة فإننا نلاحظ نوعا من التراجع الواضح. والأسباب الكامنة وراء عدم تطور نظام الحكامة عديدة وقد أشار إليها تقرير الخمسينية وتقارير أخرى صادرة عن البنك الدولي والوكالة الأمريكية للتنمية وترانسبارانسي وتقارير صندوق الأمم المتحدة للتنمية وكذا دراسات لمراكز وباحثين مغاربة وأجانب.
    و يكاد يجمع كل هؤلاء على أن اللامركزية الترابية تستجيب أكثر إلى الرغبة في التأطير السياسي وليس لضرورة تكييف تدبير الشأن العمومي مع متطلبات التنمية المحلية وأن عدم وجود لا تمركز حقيقي أثر سلبا على مسلسل اللامركزية وأن سلطة الوصاية تميل في كثير من الأحيان إلى الحلول محل المنتخبين بدل التأطير والتتبع والتوجيه والمراقبة. أضف إلى هذا أن القطاع العمومي لا يرقى إلى مستوى تقديم خدمات جيدة تتماشى مع انتظارات المواطنين ولا يشجع على خلق الثروات والنمو عن طريق تشجيع المبادرة الحرة؛ كما أن تدبيره للموارد الضريبية للدولة يتأرجح بين النجاعة وحالة اللاتحكم في التوازنات الماكرواقتصادية الناتجة عن ضرورة الرفع من الأجور في إطار الحوار الاجتماعي وكلفة المغادرة الطوعية وارتفاع أسعار البترول والحبوب.
    أضف إلى هذا أن الإدارة المغربية لم ترق بعد إلى مستوى يجعلها:أ. تبحث دائما عن ملاءمة الخدمات والمصالح مع انتظارات المواطنين (مبدأ الارتدادية ) ؛ب. تتوخى النجاعة والإنصاف في تقديم هذه الخدمات دون خطر اجتماعي أو ضريبي (مبدأ المسؤولية)؛ ج. تقدم تقارير عن عملها إلى المواطنين (مبدأ المحاسبة).
    والحكامة الجيدة لا تقتصر على القطاع العام وحده. إن المسؤولية على مستوى المقاولة الحرة وممارستها لسياسة محاسبة من يقوم بالتدبير والتسيير لكفيلة بتقوية التنافسية والنمو والحد من الفقر. لا يجب أن نظن بأن القطاع الخاص في مأمن عن قضايا الحكامة الجيدة والمحاسبة لأن من يساهمون ويعملون في المقاولة هم مواطنون ولهم دور في المجتمع ككل، لأن القطاع الخاص لا يمكن أن يعمل في عزلة عن القطاع العام، ولأن للمقاولة دور كبير في نشر ثقافة التدبير الجيد القائم على الشفافية وحسن التسيير والمردودية. في المغرب نطلب من القطاع العام أن يقوم بعملية تحديث طرق تسييره وعمله ووضع أسس الشفافية والمسؤولية والمحاسبة ولكننا نغفل القطاع الخاص حيث نؤمن بأن من يملك شيئا له الحرية التامة في طريقة تدبيره. غير أن ما هو خاص فهو خاص فقط من حيث أنه ليس في ملك الدولة ولكن تنطبق عليه كل قواعد التدبير الجيد لأن له تأثير كبير على الثقافة السائدة وعلى كيفية تدبير ممتلكات المواطنين وعلى الموارد الجبائية للدولة والجماعة وعلى قضايا الشراكة بين العام والخاص. وإذا كان صحيحا أن المقاولة المغربية طورت إنتاجيتها بشكل لا بأس به فإن الحكامة على مستواها لا زالت متدنية حيث سيادة الثقافة العائلية والزبونية والإنفراد في اتخاذ القرارات وعدم احترام سلطة الهياكل والتحايل على القانون ووضع تقارير صورية حول اجتماعات هياكل التدبير واستغلال دور المحاسبين في وضع تقارير مالية بعدية تغطي على هفوات التدبير والتحايل على الواجبات الضريبية والجبائية. إن الحديث عن المقاولة المواطنة لا يضاهيه إلا وجود ثقافة داخلية ميزتها الأساسية وجود أساليب تدبيرية لا ترقى إلى مستوى الحكامة الجيدة.
    كما أن حكامة جيدة على مستوى المقاولة تساعد في محاربة الرشوة. إن برامج محاربة الرشوة التي وضعها المغرب لم يكتب لها النجاح لأنها لا تعتمد على توفير المعلومات للعموم ولم تبين أن للقيادة السياسية على مستوى الحكومة الرغبة في ذلك، ولأنها لم تتبن العمل الجماعي في محاربة الرشوة. والعمل الجماعي يقتضي وضع تحالفات بين القطاع الخاص والمجتمع المدني والبرلمان ووسائل الإعلام بالإضافة إلى الإرادة السياسية على مستوى الحكومة وهذا شيء لم يحدث لا في عهد حكومة السيد اليوسفي ولا في عهد حكومة السيد جطو وأتمنى ألا يتم إغفاله من طرف حكومة السيد عباس الفاسي.
    لا أريد أن أرسم صورة قاتمة لقضية الحكامة ببلادنا ولكن من الضروري أن نتوقف عند مكامن الخلل لكي نقترح الحلول الصائبة والقمينة بتجاوزها. أولى هذه الحلول هي وضع سياسة لاتمركز إداري حقيقية وفعالة تتجاوز مستوى الشعارات. هذا يقتضي أولا تحديث نظام تفويض السلط وتفويض الإمضاء سواء على المستوى المركزي أو الترابي ومن المركزي إلى المصالح الخارجية. ويقتضي كذلك تقوية سلطة الوالي فيما يتعلق بقضايا التنسيق، حيث يصبح هذا الأخير ممثل السلطة المركزية الفعلي على مستوى الجهة. إن الجهات الحالية قطعت أشواطا لا بأس بها في وضع تصورات جهوية للتنمية، ولكن بالإضافة إلى معيقات تدني سلطة الوالي التنسيقية وقلة الموارد والدور الباهت الذي يتبوؤه مجلس الجهة فإن معيقات جغرافية خلقها التصور الذي حكم التقطيع في أواسط التسعينات تحول دون خلق انسجام على مستوى الجهة خصوصا على مستوى سوس-ماسة-درعة ومكناس-تافيلالت والحسيمة-تازة-تاونات. إن إعادة النظر في التقطيع الحالي وتكييفه مع مقتضيات التنمية لكفيل بخلق مناطق منسجمة متوازنة وقابلة لخلق الثروات وتحقيق التنمية. واللامركزية لا تعني شيئا إذا لم تفوض قطاعات بعينها إلى مستوى الجهة خصوصا ما يتعلق بتدبير الموارد الطبيعية والبنيات التحتية والاقتصاد والمالية والضرائب والثقافة والتربية.
    أخيرا لا بد من المحاسبة البعدية على المستوى اللامركزي. وهذا يقتضي تقوية دور وقدرات مجالس الحسابات الجهوية لتطلع بمهمتها في الوقت المناسب. كما يجب وضع نظام صارم حول إشكالية تفويت الصفقات حيث سيادة الفوضى والتسيب والارتشاء والزبونية على مستوى المصالح التقنية للجماعات، وعلى مستوى اللجان المكلفة بتقييم عروض الصفقات. إن توخي شفافية أكثر في تلقي طلبات العروض وتقييمها وذلك بجعل كل الاجتماعات علنية وضمان حضور المواطنين والمجتمع المحلي والصحافة خلال المداولات ووضع صناع الاجيال معيارية للتحملات على مستوى القطاعات وتحليل كل القرارات والمراقبة البعدية على مستوى الوالي، كلها كفيلة بإبعاد شبهات الرشوة والزبونية التي تلاحق تمرير الصفقات على المستوى الجماعي.
    إن التسريع بوضع الوكالة المستقلة لمحاربة الرشوة وضمان استقلالية تامة لها يعتبر ضرورة كبيرة في الوقت الراهن، ويجب على الحكومة وشركاءها أن ينخرطوا في تقييم دائم للتكلفة الاجتماعية والاقتصادية للرشوة، ومدى جودة المصالح العامة وكذا محيط الأعمال ونقط ضعف القطاع العام من أجل الرفع من وعي الجميع بتأثيرها السلبي وكذا معرفة مواطن الخلل وكيفية التدخل. وعلى الكل أن يقتنع بأنه بدون تقوية قدرات المتدخلين من صحافة ومجتمع مدني وقضاة لا يمكن لنا أن نفعل شيئا ضد إشكالية الرشوة. إن البداية الحقيقية تكون على مستوى شراكة بين القطاع العام والخاص والمجتمع المدني والصحافة وهذه الشراكة هي وحدها الكفيلة بوضع إستراتيجية حقيقية لمحاربة الرشوة. وتجارب أوربا الشرقية خلال الخمسة عشر سنة الماضية في هذا الميدان حبلى بالدروس والمعطيات. ولكن هذه الشراكة لا يمكن أن تحصل إذا تمادينا في محاربة الجمعيات التي تعمل في هذا الإطار أو التشكيك في دراساتها ومعطياتها كما يحصل في بعض الأحيان مع ترانسبارانسي المغرب أو استمر ينا في التعامل مع الصحافة المستقلة بنفس الحذر والتشكيك والرفض لا لشيء إلا لأن لها الجرأة في تناول مواضيع كانت تعتبر طابوهات إلى حد قريب أو لأنها تنتقد الحكومة عن خطأ أو عن صواب. إن لم نعمل على تقوية دور الصحافة في محاربة الرشوة وذلك عن طريق التكوين وتوفير وسائل التحري والبحث والتنقل لا يمكن لنا أن نتغلب على آفة الرشوة. كما أنه لا يجب إغفال دور الحكامة الإلكترونية في الحد من البيروقراطية التي هي أهم أسباب تفشي الرشوة في الإدارة.
    أخيرا لا يمكن لنا أن ننهي الكلام عن الحكامة دون الحديث عن موضوعين اثنين: إصلاح العدل وحكامة الجهاز الأمني من جهة والإصلاحات الدستورية من جهة أخرى. إصلاح العدل مسألة سياسية أولا وقبل كل شيء حيث يجب وضع الميكانيزمات لضمان استقلالية حقيقية لجهاز القضاء وتجاوز حالة التداخل والضبابية التي تميز طريقة عمله خصوصا في علاقته مع الوزارة الوصية. يجب أن تتحول الوصاية إلى وصاية تدبيرية لا تقريرية خصوصا فيما يتعلق بعمل القضاة. كما يجب التسريع بتعميم العمل بالحاسوب والحكامة الإلكترونية وتسريع تنفيذ الأحكام وتكوين القضاة وتشجيع التحكيم والمصالحة قبل المحاكمة للتخفيف من الضغط على المحاكم. إن تحيين وتحديث الترسانة القانونية لكفيل كذلك بملاءمة أكثر بين القوانين والتطورات المجتمعية الطارئة.
    وفي علاقة مع ذلك كانت إحدى توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة هي إعادة النظر في نظام الحكامة على المستوى الأمني حيث ضرورة إدخال مفاهيم الشفافية والمحاسبة والمسؤولية وعدم الإفلات من العقاب وكلها مفاهيم تقتضي تغيير النظرة إلى الجهاز الأمني حيث يصبح في خدمة أمن المواطنين ضد الجريمة وحالة اللاأمن والجريمة المنظمة والإرهاب وغيرها، ويجب أن يحاسب على مدى قيامه بهذه الخدمة. إن نظاما جديدا للحكامة على المستوى الأمني يقتضي وضع ميثاق يتم بموجبه وضع مساطر وميكانيزمات ومفاهيم واضحة للقضية الأمنية وتدخل الجهاز الأمني ببلادنا. نعم هناك قضايا تقتضي السرية كعمل المخابرات ولكن هذا لا يمنع من أن يطلع البرلمان بدوره في مراقبة عمل هذه الأجهزة في جلسات سرية ومغلقة تتم بموجبها مساءلة المسؤولين ومعرفة طريقة عملهم وحاجياتهم.
    قبل عقود تم التفريق بين عمل الأجهزة الأمنية من أجل أن تراقب بعضها البعض وذلك لضرورات سياسية ملحة في حينها. لكن على مر السنين ولد هذا النظام كثيرا من التداخل والتضارب بين الأجهزة وخلق فجوات كبرى سهلة الاستغلال من طرف الجريمة المنظمة وخلايا الإرهاب ومهربي المخدرات والاستخبارات الأجنبية. لقد حان الوقت لوضع مجلس للأمن القومي لكي ينسق بين هذه الأجهزة ويحد من تضارب تدخلاتها ويضع سياسة أمنية بعيدة الأمد تحدد الأهداف والأدوار ووسائل العمل ويضع تصورا للسيناريوهات المحتملة كحالات اللاأمن والحرب والكوارث والانفلات الأمني والعنف السياسي والطرق الكفيلة بوضع حد لها في جو من احترام القانون واحترام حقوق الأفراد والجماعات وحقوق الإنسان المتعارف عليها وطنيا ودوليا.
    أما فيما يخص الإصلاحات الدستورية فقد سال مداد كثير بشأنها. وأود ها هنا فقط أن أشير إلى أنها تدخل في صلب الحكامة. الكثير يرجع إشكالية الحكامة كلها إلى الإصلاحات الدستورية بما فيها سلطات الملك والوزير الأول ودور البرلمان غير أني أعتقد أن الإصلاحات الدستورية يجب أن ينظر إليها في إطار إعادة النظر في نظام الحكامة على مستوى أوسع. كمالا يجب أن نختزل الإصلاحات الدستورية في الفصل 19. هناك سلطة الوزير الأول التي يجب تدعيمها خصوصا الفصل 24 وتقوية دور البرلمان في المراقبة وإنتاج التشريعات وإعادة النظر في دور الغرفة الثانية في علاقة مع تطبيق مقتضيات الدستور الخاصة بالمجلس الاقتصادي والدستوري. إن كان الفصل 19 يبدو وكأنه يعطي سلطات مطلقة للملك فلربما يجب إعادة ديباجته لكي يحتفظ الملك بدوره كقائد أعلى للبلاد دون أن تكون للفصل إيحاءات حكم مطلق تتناقض مع روح الديمقراطية وفصل السلط التي توحي بها الفصول الأخرى.
    تحديث نظام الحكامة قضية مصيرية بالنسبة لمغرب اليوم والغد. إن رؤيا المغرب الحداثي الديمقراطي لا يمكن أن تتحقق إذا بقينا حبيسي الشعارات والنيات الحسنة. يجب علينا أن نخطو خطوة شجاعة وجريئة إلى الأمام وهذا يقتضي إرادة سياسية وواضحة في التغيير، والحكامة هي المحك الأساسي لهذه الرغبة.

     
  2. #2
    جمال

    جمال مدون فعال

    الحكامة الجيدة هي، أولا وقبل كل شيء، تعبير عن ممارسة السلطة السياسية وإدارتها لشؤون المجتمع وموارده؛ كما يمكن اعتبارها مفهوما استعجاليا تبناه المنتظم الدولي لتجاوز حالة الخلل القائم في نماذج التنمية التي لا يجد فيها المجتمع الفرصة المناسبة للتعبير عن رأيه ومواقفه وحمولته الثقافية في المشاريع التنموية التي تهدف إلى تحسين مستواه المعيشي؛
    كما تعد آلية للتدبير الرشيد والحكيم للموارد بهدف تحقيق التوازن في شتى الميادين، بالإضافة إلى أنها تشكل دعامة ومدخلا أساسيا من أجل الوصول إلى تحقيق التنمية البشرية المستدامة على أرض الواقع.
    لقد اختلف مفهوم الحكامة الجيدة من دولة إلى أخرى، فمِن مُعرِّفٍ لها بكونها هي: الديمقراطية، الأمن، احترام حقوق الإنسان، احترام القانون، ومن من محدِّدٍ لها في المراقبة والمحاسبة، الشراكة،... إلخ. أما في ما يخص أهميتها المرحلية فهي تكتسبها من خلال حضورها القوي في تقارير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وتقارير البنك الدولي وغيرهما من المؤسسات الدولية التي جعلتها لصيقة بمفهوم التنمية المستدامة.
    فالحكامة، إذن، هي دعوة صريحة إلى تجاوز حالة اللاتوازن الناتج عن أحادية صنع القرار دون مراعاة المنطق العلمي المؤسس على عناصر المشاركة في مختلف مراحل إعداد المشروع من التشخيص إلى البرمجة والتنفيذ ثم التقييم والمحاسبة، في إطار سيرورة تمتاز بالشفافية والعقلانية.
    يعتبر مفهوم الحكامة من المفاهيم التي لا زال النقاش والحوار حولها مفتوحا بالنسبة إلى المجتمعات النامية كالمغرب، لكونه مازال ملفوفا بكثير من الغموض من حيث ميلاده ونشأته. ومن هذا المنطلق، فإن الإشكال الذي يطرح نفسه يتجلى أساسا في ماهية أثر الحكامة الجيدة على مسلسل التنمية الاقتصادية والاجتماعية بالمغرب.
    لقد دأب العالم بأسره في السنين الأخيرة، في إطار تحديات العولمة المفرطة المرتبطة بالسرعة والدقة والجودة، على الاعتماد على ميكانيزمات جديدة للعمل تم استنباطها من مبادئ الحكامة الجيدة المرتبطة بالتدبير الجيد والمعقلن القائم على النتائج وسرعة الأداء، الأمر الذي مكن من حصد نتائج إيجابية جعلت من الاقتصاديات المتمثلة لها نموذجا يحتذى من طرف الدول النامية.
    إن المغرب، وبحكم انتمائه إلى منظومة الدول النامية، عمل جاهدا في السنين الأخيرة على نهج سياسة الأوراش الكبرى المفتوحة رغبة منه في تحقيق الرقي والنماء الاقتصاديين، أسوة بالدول المتقدمة في هذا المجال، الأمر الذي يستشف من خلال اعتماده على مجموعة من السياسات الاقتصادية المستمدة من مبادئ الحكامة الجيدة والمتمثلة أساسا في التدبير الاستراتيجي المعقلن والمعتمد على النتائج والمقترن بالتقييم القريب، متوسط وطويل الأمد. ومن هذا المنطلق، شهد المغرب تطبيق مجموعة من السياسات الإصلاحية في شقها الاقتصادي، تكللت بتحقيق نتائج إيجابية نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر: ارتفاع معدل التصدير إلى حدود سنة 2011؛ التخفيض من معدل المديونية الخارجية؛ التخفيض من معدل التضخم؛ ارتفاع معدل الاستهلاك الداخلي المقترن بتحسن القدرة الشرائية للمواطن؛ ارتفاع الاحتياطي الوطني من العملة الصعبة؛ تحسن معدل الاستثمارات الأجنبية، مما يفسر لنا أن المغرب قد أصبح منطقة جذب اقتصادي بامتياز؛ ارتفاع معدل النمو؛... إلخ.
    لقد قام المغرب بجملة من الإصلاحات الاستراتيجية، انعكست لا محالة على تحقيق تنمية اقتصادية متميزة. إلا أن هناك مجموعة من العراقيل التي لازالت تحد من فعالية اقتصادنا، وتتمثل بالدرجة الأولى في أن معظم الاستراتيجيات الوطنية التي تشكل عصب مبادئ الحكامة الجيدة لا يتم تقييم نتائجها في جل الأحيان، هذا إن لم نقل كلها، الشيء الذي طالما انعكس سلبا على تحقيق الأهداف المرجوة من وراء اعتماد بلادنا لمفهوم التخطيط الاستراتيجي المرتكز على تحقيق النتائج.
    إن التطبيق الصحيح لمفهوم التنمية الاقتصادية في بلادنا وبالموازاة مع الأخطار المحدقة للأزمة المالية العالمية، مشروط بإعادة النظر في طريقة التدبير الاستراتيجي المعمول به حاليا، هذا إذا ما علمنا بأن التنمية الاقتصادية المرتكزة على مبادئ الحكامة الجيدة لا يمكن أن تتحقق بمنأى عن معيار التقييم الذي نستطيع من خلاله مواصلة المشروع الإنمائي أو إعادة النظر فيه، وذلك بهدف تنميطه مع الأهداف التي جاءت الاستراتيجية من أجل تحقيقها.


     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏29 أغسطس 2015
  3. #3
    عبد القادر

    عبد القادر مدون جديد

    مفهوم الحكامة الجيدة

    عديدة هي المصطلحات الرائجة في أيامنا هذه، غير أنه كثيرا ما يرافق هذا الرواج التباس في معرفة حقيقتها بسبب الاستعمال المدلس لها. ومن هذه المصطلحات مصطلح "الحكامة" أو "حسن التدبير" كما يطلق عليه البعض، من باب تسمية الكل بالجزء . في هذه السطور، نقف عند دلالة هذا المصطلح في علاقته بتدبير مشاريع التنمية البشرية على اعتبار أن السبب الأساسي في ميلاده راجع لفشل مخططات التنمية في دول الجنوب في تحقيق الأهداف المسطرة.

    أولا: مفهوم الحكامة الجيدة

    مصطلح الحكامة هو إحدى الترجمات المعتمدة للعبارة " bonne gouvernance " إذ أن البعض يستعمل للدلالة على نفس المفهوم مصطلح "حسن التدبير " أو "القيادية الجيدة" . و يعرفه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأنه "نسق جديد من العلاقات والمساطر والمؤسسات التي تتمفصل بها مصالح المجموعات والأفراد، وتمارس الحقوق والواجبات، وتفك الخلافات والنزاعات، يقوم على تذويب التراتبية وتشجيع التشارك بين المسيرين والمساهمين وحسن التنظيم وتوزيع المسؤوليات وصقل القدرات ودعم التواصل داخليا و خارجيا. و"ترتكز موضوعة الحكامة، في منطوقها كما في فلسفتها،على ثلاثة تحديدات مركزية تضبط لها المحتوى والمضمون وترسم لها الفضاء والأبعاد:

    1. فهي تتوخى، بداية، مقاربة التطورات والتحولات التي تطاول المنظمات العمومية المشاع أنها تمر بمرحلة أزمة في المشروعية، وتطاول أيضا ولربما بالقدر ذاته، المنظمات الخاصة المهووسة دائما بقضايا التنظيم الداخلي (اليومي كما الاستراتيجي) والخاضعة باستمرار لسلطان التسيير والتدبير وما سواهما.

    2. وهي تطمح، ثانية، إلى ترجمة أشكال التنظيم الجديدة المحلي منها كما الدولتي كما الدولي كما الكوني سواء بسواء...إما في أفق البحث عن ترابطات بين مختلف المستويات المجالية القائمة أو بجهة خلق تراتبية جديدة بين شتى ضروب التقاطع الناظمة لطبيعة الصراعات والمصالح المستفحلة في ظل العولمة وانفتاح المجالات.

    3. وهي تتغيأ، فضلا عن كل هذا وذاك، إقامة منظومة وصفية وتحليلية(....) يكون من شأنها البناء " لوصفات" قابلة للتطبيق بهذه الجهة من العالم أو تلك...من قبيل مفهوم "الحكامة الجيدة" التي وضعتها المؤسسات المالية الدولية ولا تتوانى في الدفع بها والدفاع عنها في الزمن كما في المكان.
    و يشمل مفهوم" الحكامة" خاصة إذا قرنت بوصف "الجيدة" عدة عناصر أساسية يمكن إجمالها في: الشفافية، التزويد بالمعلومات، حقوق وواجبات المساهمين ومسؤوليات المسيرين. وينبني على أركان ثمانية هي كما يلي:
    الرؤية الإستراتيجية: أي الرؤية المنطلقة من المعطيات الثقافية والاجتماعية الهادفة إلى تحسين شؤون الناس وتنمية المجتمع والقدرات البشرية,
    المشاركة بمعنى حق "الكل" في التأثير "الديمقراطي" في صناعة القرارات ووضع البرامج والسياسات. والمشاركة تتطلب توفر الأطر والوضعيات الضامنة لحرية تشكيل التشكيلات واللوبيات وحرية التعبير والحريات العامة وترسيخ الشرعية الشفافية وتعني توفير المعلومات الدقيقة في وقتها وإفساح المجال أمام الجميع ( وليس فقط المسؤولين) للإطلاع عليها بما يساعدهم على المساهمة في اتخاذ القرارات الصالحة وكذلك من أجل توسيع دائرة المشاركة والرقابة والمحاسبة ومن أجل التخفيف من الهدر ومحاصرة الفساد.

    المحاسبة والمسؤولية أي ضرورة تحديد الالتزامات والواجبات بدقة وإرساء القواعد الكفيلة بعدم إخلال أي بمهامه.
    الفعالية والمقصود بها:القدرة على الاستجابة للحاجيات الفعلية المواطنين وتطلعاتهم على أساس إدارة عقلانية وراشدة للموارد المشتركة.

    التوافق ويعني القدرة على التحكيم بين المصالح المتضاربة من أجل الوصول إلى إجماع واسع حول المصلحة العامة
    حسن الاستجابة بمعنى قدرة المؤسسات و الآليات التي يتم إرساءها على خدمة الجميع بدون استثناء وتمكين الكل من الفرص المتساوية في الارتقاء الاجتماعي من أجل تحسين الأوضاع.

    حسن التدبير أي استثمار الموارد المالية والمادية المتاحة بشكل عقلاني أو هو إنجاز الأهداف بأقل تكلفة ممكنة.

    ثانيا: مفهوم التنمية البشرية:

    ينبني مفهوم التنمية البشرية في أدبيات الهيئات الأممية المختصة على أن الناس هم الثروة الحقيقية للأمم. وأن الهدف الأساسي للتنمية هو إيجاد بيئة تمكن الناس من التمتع بحياة طويلة وصحية وخلاقة وعملية توسيع نطاق خيارات جميع الناس في المجتمع في جميع ميادين سعيهم بتمكينهم من القدرات والفعاليات الأساسية وإتاحتهم الفرص لإعمالها. إنها معادلة يتكون طرفها الأيمن من القدرات الإنسانية ويتكون طرفها الأيسر من الفرص الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الممكنة للإنسان من إعمال قدراته الإنسانية. وليست مجرد تنمية موارد بشرية أو وفاء بالاحتياجات الأساسية للناس لذا ينبغي أن ترتكز أية عملية تنموية على خمسة محاورة أساسية هي:
    التمكين بمعنى توسيع القدرات والخيارات بما يزيد من القدرة على ممارستها بحرية و يتيح المزيد من فرص المشاركة في صناعة القرارات.

    التعاون إذ ينبغي أن تهتم التنمية البشرية بالتفاعل بين الناس في العمل وداخل المجتمع اعتبارا لأهمية الشعور بالانتماء وبوجود هدف ومعنى للحياة.

    الإنصاف وكمثال على ذلك، في موضوع التربية باعتباره حقا أساسيا من حقوق الإنسان كفلته كل الشرائع والقوانين، يجب أن يضمن النظام التعليمي للجميع حق الالتحاق به على وجه المساواة.
    الاستدامة بمعنى العمل على تلبية حاجيات الجيل الحالي دونما مساس بحق الأجيال المقبلة في ممارسة قدراتهم الأساسية.

    الأمن وهو مفهوم شامل يغطي كل المجالات من التحرر من المرض ومن القمع، والحماية من التقلبات الضارة المفاجئة وغير ذلك مما يؤثر على حياة الناس أو يحد من قدرتهم على التنقل بين الخيارات.

    ماذا يعني مشروع للتنمية ثالثا: البشرية؟

    مشروع التنمية البشرية وفق ما سبق تعريف التنمية البشرية أعلاه هو سلسلة من الأنشطة والأعمال، مرتبة بشكل متجانس، ومتكامل، محددة في الزمان والمكان، بقصد الوصول إلى نتائج وأهداف من شأنها تمكين جميع الناس في المجتمع وتوسيع نطاق خياراتهم، من خلال توظيف واستثمار مجموعة من الوسائل المادية والبشرية بكيفية تضمن تعاون الجميع ولا تنتهك حقوق الأجيال المقبلة.

    رابعا: كيف نحقق الحكامة في تدبير مشروع للتنمية البشرية؟

    تحقيق مفهوم الحكامة يعني تفعيل عناصر التي يرتكز علبها والتي سبق تفصيلها أعلاه وفي ما يلي توضيح كيف يمكن أن تتجلى هذه المرتكزات في تدبير مشاريع التنمية:

    الرؤية الإستراتيجية يجب أن يستهدف أي مشروع للتنمية تمكين جميع الناس في المجتمع وتوسيع نطاق خياراتهم.

    المشاركة يتعين أن يشارك في بلورة المشروع مختلف مكونات المجتمع ولتحقيق هذا الركن يمكن اعتماد المقاربة التشاركية في طوري التحليل والتخطيط.

    الشفافية والسلاسة في تبادل المعلومات بين مختلف المتدخلين ضمانة ضرورية للتشخيص السليم وللتخطيط العلمي والتقييم الدقيق.

    المحاسبة: المشروع في المحصلة عبارة عن توافق وتبادل للالتزامات من أجل تحقيق نتائج وأهداف مشتركة وأي إخلال بأي من هذه الالتزامات سيضر بمجمل المشروع لذا يتعين اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لمتابعة تنفيذ التعهدات

    الفعالية: فعالية المشروع رهينة بدرجة مساهمة النتائج المتوقعة منه في تمكين الناس من القدرات الأساسية وتوسيع نطاق خياراتهم الاقتصادية أو الاجتماعية أو غيرها.

    التوافق:توافق المعنيين دعامة أساسية لنجاح أي مشروع تنموي وهو نتيجة طبيعية للمشاركة الفعلية في التشخيص والتخطيط و التنفيذ.

    حسن الاستجابة فالمشروع التنموي الذي بني على تشخيص دقيق وتخطيط علمي إنما يبلور من أجل الاستجابة لوضع غير سليم يستهدف تصحيحه.
    حسن التدبير فالموارد المالية والمادية الأخرى والبشرية التي يتم استثمارها في أي مشروع تنموي هي موارد مشتركة بين أفراد المجتمع من الأجيال الحالية من جهة وبين الأجيال التي ستأتي وفق قدر الله من جهة ثانية والعالمين من جهة ثالثة لذا يتعين استحضار حقوق كل هؤلاء عند التخطيط لاستثمارها ونفس الكلام يسري على ما يترتب عن استغلال هذه

    الموارد من آثار بيئية وغيرها.




    ذ. إبراهيم بايزو
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏29 أغسطس 2015