الفروق الدلالية والسياقية للفظتي جاء وأتى في القرآن الكريم

  1. #1
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط


    الفروق الدلالية والسياقية للفظتي "جاء وأتى" في القرآن الكريم

    هناك من لا يرى فرقاً بين لفظتي: "جاء، وأتى"، ويرى أنهما من المترادفات، فتراه يفسر الإتيان بالمجيء والمجيءَ بالإتيان( 1)، بيد أن هناك فروقاً بين هاتين اللفظتين؛ إذ تختص كل واحدة منهما بدلالة عن الأخرى، وبإيحاء ليس في أختها، فقد وردت هاتان اللفظتان في كتاب الله كثيراً، و لكل واحدة منهما موضعها المناسب، وسياقها الملائم، مما يستحيل معه أن تأخذ كل واحدة منهما موضع الأخرى، وقد تنبه كثير من العلماء إلى ما بين اللفظتين من فروق، فأشاروا إليها، وذكروها في مواضعها، ومن ذلك ما يفرده بعض العلماء في مصنفاتهم فصولاً تحت عنوان ( ألفاظ يُظن بها الترادف وليست منه ) ويذكرون من هذه الألفاظ لفظتي : جاء وأتى (2 )، ثم يذكرون ما بينهما من فروق.
    ومن الفروق بين هاتين اللفظتين ما يلي
    : أول فرق يُلحظ بينهما ما يتعلق بالجانب الإيقاعي في نطق اللفظتين، وذلك أن لفظة( أتى ) أخف في النطق من ( جاء ) بما فيها من ثقل المد وإطالة الصوت به( 3)، ولعل هذاالسبب هو السرّ في أن لفظة ( جاء ) لم تأتِ في القرآن إلاَّ بهذه الصيغة، بخلافلفظة ( أتى ) فقد جاء الماضي منها والمضارع والأمر ، فقد جاء في القرآن ( أتى،يأتي، أئتِ، يأتون، فأتنا، فأتوا ) بخلاف اللفظة الأخرى التي لم تأتِ في القرآنإلاّ بصيغة المضي (4 )، ولا مراء في أن لفظة ( يأتي ) أخف من لفظة ( يجيء) .
    فهذا فرق بينهما يتعلق بالجانب الإيقاعي، بيد أن هذا الفارق لا يكاد يُذكر
    أمام الفروق المعنوية بين هاتين اللفظتين، فقد اختصت كل واحدة من هاتين اللفظتينبمعاني لا تشاركها الأخرى فيها، يدل على هذا الأمر استعمال القرآن لهاتين اللفظتينفي مقامات متعددة، وفي سياقات مختلفة، ومن خلال استقراء لتلك المقامات، والنظر فيتلك السياقات تتبين بعض الفروق بين هاتين اللفظتين.
    ومن هذه الفروق ما يلي
    :
    أولاً : أن لفظة ( جاء ) تأتي - غالباً - مع الأعيان والأمور المشاهدة
    المحسوسة، بخلاف لفظة ( أتى ) فإنها تأتي مع المعاني المعنوية التي لا تُشاهد،يدل على هذا أمثلة كثيرة من كتاب الله، ومن ذلك قوله { ولمن جاء به حملبعير ... } [ يوسف : 72 ] ، يعني صواع الملك؛ وهو عين، وقوله { وجاءوا على قميصهبدم كذب ... } [ يوسف : 18] ( 5)، ولهذا فرَّق بينهما - سبحانه - في قوله { قالوابل جئناك بما كانوا فيه يمترون * وأتيناك بالحق وإنا لصادقون } [ الحجر : 63 - 64] فقد جاءت لفظة { جئناك } ؛ لأنها للعذاب وهو مشاهد، بخلاف { الحق } فليس مرئياًفجاءت معه لفظة { أتيناك } . (6)
    ثانياً : ما قام به أحد الباحثين ( 7
    ) باستقراء مواضع كل من ( جاء ) و ( أتى ) في القرآن الكريم، وبعد نظر وتأمل لهذاالاستقراء في مواضعهما توصل إلى أن ( جاء ) لا تُستعمل في القرآن إلاَّ دليلاً علىالقرب، سواء كان هذا القرب زمانياً أو مكانياً بخلاف لفظة ( أتى ) فإنها لاتُستخدمفي القرآن إلاّ دليلاً على البعد، سواء كان هذا البعد، زمانياً أو مكانياً أونفسياً، ثم ذكر بعد ذلك الشواهد الكثيرة من القرآن التي تؤيد ما ذهب إليه،ومن هذه الشواهد قوله { فأتتْ به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئاً فرياً} [ مريم : 27 ]، فقد أقبلت عليهم به من مكانها القصي البعيد، فعُبِّر عن ذلك بلفظة{ أتت } ثم قالوا منكرين عليها بلفظة { جئت } ؛ لأنها حينما وصلت إلى قومها كان عيسىقريباً منهم، فقد كانت حاملته بين يديها، ومن الشواهد - أيضاً - قوله - تعالى- { وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوةاللاتي قطعن أيديهن... } [ يوسف : 50 ] فقد جاءت - أولاً- لفظة { أتى }؛ بسبب مابين مكان يوسفومكان الملك من بعد؛ إذ كان يوسف فيالسجن، وما أبعد السجنَ عن قصر الملك، ثم جاءت - ثانياً - لفظة { جاءه }؛ وذلك لقربيوسف وقتها من الملك، فقد كان ماثلاً بين يديه، ومن الأمثلة - أيضاً - على ذلك قوله- تعالى - في حديثه عن القرآن { لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل منحكيم حميد } [ فصلت : 42 ] فقد جاءت هذه اللفظة { لا يأتيه }؛ وذلك لبعد حدوث هذاالأمر، بل لانتفاء وقوعه أصلاً، ومن هنا جاءت هذه اللفظة الموحية بهذا المعنى. ( 8)
    ثالثاً : ومن الفروق بينهما : ما قام به أحد الباحثين (9 ) - أيضاً - من استقراء لمواضع كل من ( جاء ، وأتى ) في القرآن، من خلال النظر في مواضعهما، والغرض الذي سيقتا له، مستصحباً معه دلالتهما، فبعد نظر وتأمل اهتدى إلى أن بين اللفظتين فوارق دقيقة تتضح بجلاء من خلال سياق كل واحدة منهما، وخلاصة هذا الفرق : أن ( الإتيان ) تحيط به ثلة من الغموض والشك والجهل وعدم القصد، في حين أن ( المجيء ) تحيط به ثلة من معاني العلم واليقين وتحقق الوقوع، ثم ذكر شواهده على ذلك من الكتاب العزيز، ومن ذلك ما ذكره - تعالى - في قصة موسى مع فرعون ، فإن فيها خير شاهد - كما يقول - على ما ذهب إليه من معنى الشك في ( الإتيان )، واليقين في ( المجيء ) يقول تعالى : { فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور ناراً قال لأهله امكثوا إني آنست ناراً لعلى آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون * فلما أتاها نُودي من شاطىء الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة ...} [ القصص : 29 - 30 ] ، ويقول في موضع آخر { إذ قال موسى لأهله إنى آنست ناراً سآتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون * فلما جاءها نُودي أن بُورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين } [ النمل : 7 - 8 ] ، فقد جاء في الموضع الأول { فلما أتاها }، وفي الموضع الثاني { فلما جاءها }، وسبب هذه المغايرة اختلاف المقامين بين الشك واليقين، ففي سورة ( القصص ) سبق الإتيانَ شكٌ ورجاء، يدل على ذلك قوله { لعلى آتيكم } في حين سبق المجيءَ عزم ويقين في قوله { فلما جاءها }، ومن الشواهد على هذا - أيضاً - قوله - تعالى - { قال إنْ كنتَ جئتَ بآية فأت بها إن كنت من الصادقين } [ الأعراف : 106 ] فالمجيء في الآية ذُكر في حق موسى ، وقد كان مستيقيناً من هذه الآية، أما الإتيان بها فقد كان طلباً من فرعون على وجه التحدي، يدل على شك في نفسه كما يدل عليه قوله { إن كنت من الصادقين} .
    ومن
    الشواهد على مجيء كلمة ( جاء ) في الأمور المحقق وقوعها اليقينية قوله - تعالى- { وجاء ربك والملَك صفاً صفاً } [ الفجر :22 ] وقوله { وجيء يؤمئذ بجهنم...} [ الفجر:23 ]، وغيرها من الآيات التي تدل على هذا الأمر . ( 10)
    وبهذا يتبين أن هاتين
    اللفظتين تختص كل واحدة منهما بإيحاءات خاصة بها، مما ينتفي معه أن تقوم كل واحدةمنهما مكان الأخرى، إذ ليست اللفظتان مترادفتين، كما اتضح هذا الأمر من خلال سياقكل واحدة منهما في القرآن الكريم، وقد كان القرآن هو الحكم الفصل في هذه القضية،فرأينا كيف يفرق بين هاتين اللفظتين في استخدامهما، نظراً إلى اختصاص كل واحدةمنهما بدلالة مغايرة للأخرى، مما يستحيل معه أن تحلَّ كل واحدة منهما محل الأخرىمما يجعل القول بترادفهما قولاً مردوداً مرفوضاً.
    ويتضح مما تقدم، ومن خلال هذا
    المبحث كله أن لا ترادف في ألفاظ القرآن كلها؛ فلكل لفظة من هذه الألفاظ خصائصهاالتي تميزها عن غيرها، وتنفرد بها من بين سائر الألفاظ، مما يستحيل معه القولبترادفها، أو أن تحل محل أختها؛ وذلك أن لكل لفظ قرآني خصائصه الفريدة، ودلائلهالدقيقة، التي لا توجد في سواه من الألفاظ التي تشترك مع ذلك اللفظ في أصل المعنى.

     
  2. #2
    ابواسية

    ابواسية مدون نشيط

    رد: الفروق الدلالية والسياقية للفظتي "جاء وأتى" في القرآن الكريم

    جزاك الله خير الجزاء


     
  3. #3
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط

    رد: الفروق الدلالية والسياقية للفظتي "جاء وأتى" في القرآن الكريم



    شرفني مرورك الطيب وردك العطر أخي أبا آسية.

    لك مني أطيب تحية.
     
  4. #4
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    رد: الفروق الدلالية والسياقية للفظتي "جاء وأتى" في القرآن الكريم

    مشكور أخي على بحثك الطيب
     
  5. #5
    nouzha

    nouzha مدون

    رد: الفروق الدلالية والسياقية للفظتي "جاء وأتى" في القرآن الكريم

    ما اجمل لغتنا العربية وهنيئا لكل ملم بها
    بحثك يستحق الشكر والثناء
    تحياتي