نحو بيداغوجية مدرسية متكاملة

  1. #1
    ابواسماعيل

    ابواسماعيل مدون نشيط

    بدايةً، أودّ أن أشكركم على حسن الاستقبال والترحاب والضيافة التي لمستها منذ وصولي إلى فلسطين.
    من خلال نشاطات الأمس، أشير إلى أنّني تعلّمت الكثير، وأتطلّع إلى تعلّم المزيد من نشاطاتكم وتجاربكم في هذا اليوم.
    أحيي زملاءنا في غزّة، وأعتذر عن عدم تمكنّي من زيارتهم.
    اتفق تماماً مع ما طرحته د. جاكلين في مداخلتها (محاضرتها) بالأمس. ولحسن الحظ، فإنّ محاضرتي تلي محاضرتها لأنّها تبدأ من حيث انتهت هي.
    موضوع محاضرتي هو "التعليم وفق السياق الإنساني" وهو موضوع، من وجهة نظري، مفيدٌ ومثير للاهتمام.
    للوهلة الأولى، يبدو أنّ التعليم محصورٌ بالسياق الإنساني فقط، لكن التمعّن قليلاً يكشف أن ذلك بعيدٌ عن الواقع.

    إنها ليست كلمة ذات سياق عامّ فحسب، وبخاصّة عندما يتم تفريغها من محتواها الإنساني، كأن نفكّر في قائمة طويلة من الكلمات: الإيدز، الحرب، المجاعة، الظلم، الفقر، العولمة، العنصرية، عمالة الأطفال واستغلالهم في الدعارة، ... الخ، بل إنها ذات سياقٍ وطني تتجلّى عند التعرض لضغطٍ من قبل "جيرانٍ" أقوياء، بهدف إلغاء صفة الإنسانية، كما اختبرتموه، ولا زلتم، هنا في فلسطين.

    حتى في ما يدعى بـ "العالم المتقدّم"، فإن المستقبل ما زال يحمل خطر إلغاء صفة الإنسانية عندما نواجه المستقبل، وأمامنا هدف يدعى هدفاً إنسانيّاً يتلخص في إنتاج مزيدٍ من السلع لتلبية متطلباتٍ وحاجاتٍ نصنعها ونختلقها. كما قيل: "نحن نعيش في عالمٍ فيه وسائل، لكن لا هدف له". مرةً أخرى أتشرّف بدعوتكم لي للاشتراك في هكذا مؤتمرٍ له مثل هذا الهدف.

    إنّ نضالنا من أجل إيجاد سياقٍ إنسانيٍّ لنظام تعليم أطفالنا. وصراعنا من أجل جعل مناهجنا التعليمية إنسانيّة. والبيداغوجية هي إحدى الوسائل لاغتنام التاريخ، وماذا سنغير فيه، بدءاً من الأطفال الذين نتحمّل مسؤولية تنشئتهم وتعليمهم. هذا الهدف لن يستنفذ من جعل هذا الهدف هدفاً عالمياً، لكن هذا موضوع آخر.

    تعرّف البيداغوجية على أنها علم وفن التعليم. وفي هذا السياق، أودّ مشاطرتكم قصّة حول نسوةٍ ايطاليات استطعن تحويل وضعٍ غير إنساني إلى آخر إنساني ملهمٍ خلاّق. إنّها قصة مدارس ريجيو اميليا في شمال إيطاليا.

    من هذه القصة سأحاول أن أوضّح ما أراه تعريفاً يجسد البيداغوجية التي تم تطويرها في هذه المدارس، وأن أقترحها كبيداغوجية للتعليم في سياقٍ إنساني. لا تمثّل هذه البيداغوجية قدوةً يحتذى بها في التعليم فحسب، بل مثلاً في كيفية النضال من أجل الأهداف الإنسانية، نضالٌ عمره خمسون عاماً ما زال مستمراً حتى يومنا هذا.

    تمثّل البيداغوجية، التي أقدِّم لها، نموذجاً لنوع:
    المنظمّة التي نريدها ونهدف إلى بنائها، هي التي من شأنها المحافظة على جودة التعليم الإنساني.
    العلاقة التي نريدها ونطمح إلى خلقها بين الأطفال والمعلمين وأولياء الأمور.

    كذلك تثبت البيداغوجية المعنيّة أنّ أفضل الطرق لتعليم الأطفال (Teaching of Children) تتأتى من دراسة ما هي أفضل الطرق لتعلّم الأطفال(Children Learning) .

    بشكلٍ عام، أعتقد أنّ نظريات التعلّم (Learning) تأتي دائماً قبل نظريات التعليم (Teaching). كما أعتقد أنّ الأطفال يتعلمّون بشكلٍ أفضل في سياقٍ إنساني. إنّ معنى إنسانيتنا يكمن في أن نتحمّل مسؤولية بعضنا البعض، بدءاً من الشعب الذي ننتمي إليه. إنّ التعلّم بطريقة إنسانية يعني التعلّم مع الآخرين ومن أجلهم، تعلّم بصورةٍ اجتماعية جماعية وليس بشكلٍ فرديّ. وهذا هو جوهر الطريقة التي تمّ تطويرها في مدارس ريجيو اميليا.

    وعدتكم بأن أروي لكم قصّة تحويل وضعٍ لاإنسانيٍّ صعبٍ إلى وضعٍ إنسانيّ خلاّق. أعتقد أنكم ستشعرون بالانتماء لهؤلاء الناس الذين عاشوا قبل خمسين عاماً ... كيف بدأت قصتنا؟

    (يعرض المحاضر فيلماً عن مدارس ريجيو اميليا)1 ......
    بدأت أحداث قصّتنا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بستة أيّام، حين قامت مجموعة من النساء في قرية فيلاجالا بالقرب من مدينة ريجيو اميليا، ببناء أوّل مدرسةٍ من مالٍ جمعنه لقاء بيع دبابة وشاحنة وبعض الخيول التي تركها الجيش الألماني وراءه بعد هزيمته وانسحابه. ومن الطريف ذكره أن رجال القرية رغبوا في استخدام الأموال لبناء مسرح، بينما عارضت النسوة ذلك واقترحن بناء مدرسة، وفي النهاية كان لهن ما أردن.

    سمع أحد المعلمين الشبان، يقطن في القرية المجاورة، بقصة أولئك النسوة، فأثارت حماسه واتّجه على دراجته صوب القرية لعرض خدماته عليهنّ. واصل الرجال والنساء عملهم، ليل نهار، في بناء مدرسة قريتهم. تلك المدرسة التي كانت وسيلةً لإعادة بناء وجودٍ إنساني فقدوه منذ أوائل العشرينيات وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية. كما كان سكان القريّة مصمّمين على جعل عالم أطفالهم مختلفاً عما عايشوه هم أنفسهم.

    من هذه المدرسة الأولى جنى سكان القريّة أموالاً لبناء مدارس أخرى. وفي أواخر الستينيات تمّ دمج هذه المدارس لتصبح جزءاً من الجهاز التعليمي التابع للبلديّة التي تمثّل السلطة المحليّة، وأصبحت تتلقى دعماً ماديّاً منها.

    في العام 1995، تمّ إنشاء مركز الترويج والدفاع عن حقوق الأطفال بهدف تبادل الخبرات، على المستويين الوطني والدولي، ودعم الأبحاث في ذات المجال. يبدو اسم المركز مثيراً للاهتمام من حيث أنّه يعنى بترويج حقوق جميع الأطفال والدفاع عنها، وليس أطفال ريجيو اميليا فقط أو مدارسهم. لاقى المركز نجاحاً كبيراً، ما زاد اهتمام العديد من الباحثين في معرفة عمله ونشاطاته. فقد كان لديهم معرض طاف العالم طيلة خمسة عشر عاماً لعرض نماذج من أعمال الأطفال. وقد رأيته شخصيّاً في انجلترا يعرض أعمالاً للأطفال بالإنجليزية والإيطالية، بينما في النرويج فالعرض بالنرويجية والايطالية، وفي تركيا بالتركية والايطالية، وفي ألمانيا بالألمانية والايطالية ... وهكذا. فعلى سبيل المثال، فالشريط الذي شاهدتموه قبل قليل كان بالانجليزية، ويمكنكم الحصول عليه بأي لغةٍ تشاؤون. لا أستطيع تخيّل كيف استطاعوا أن ينظّموا ويجنّدوا كلّ هذه الموارد في الماضي قبل تأسيس المركز. أمّا اليوم، فإنهم يحصلون على دعمٍ دوليٍ لمشاريع ونشاطات مركزهم، كما أن هناك مراكز مشابهة في عددٍ من الدول تحاول التعلّم من تجربتهم. أعلم أنّ الكثير من هذه المدارس توجد في ثقافاتٍ وظروفٍ مختلفة عن تلك التي وجدت فيها مدارس ريجيو اميليا، إلا أنه لا يزال يوجد كثير مما نستطيع أن نتعلّمه من اكتشافاتهم وإبداعاتهم.

    من المثير للاهتمام أنّ هذه المدارس لم توجِد (تخلق) فقط بيداغوجية المدرسة، أي أن يستخدم جميع المدرسين وفق ذات البيداغوجية، بل قاموا بتعليم ونشر بيداغوجية مشتركة عامّة لجميع المدارس التي تديرها السلطة المحليّة في منطقتهم. تقول فرضيتي أن التعليم في سياق إنساني يحتاج إلى بيداغوجية إنسانية.

    لقد قضيت معظم وقتي بفتح آفاقٍ لتعليم هذه البيداغوجية التي أوجدتها مدارس الأطفال في منطقة ريجيو اميليا التي تستقبل الأطفال من سن 3 شهور إلى 3 سنوات، بينما تستقبل المدارس الابتدائية الأطفال من سن 3 سنوات إلى 6 سنوات، تلك المدارس التي أثّرت في نظام التعليم الايطالي برمتّه. هناك حوالي 19 مدرسة (Early School) ابتدائية و13 مدرسة تديرها البلدية، وتعمل إلى جانب المدارس الحكومية والخاصّة في تقديم خدمات التعليم لما يقرب من 95% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 3 إلى 6 سنوات، و35% من الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 3 أشهر و3 سنوات، علماً بأنّ عدد سكان مدينة ريجيو اميليا يقارب 145 ألف نسمة، وعدد سكان المنطقة التي تحيط بهم 450 ألف نسمةٍ تقريباً. جدير بالذكر أنّ 12% من موازنة هذه المقاطعة تنفق على هذه المدارس؛ أي أنها تنفق على تعليم الأطفال الذين تتراوح أعمارهم ما بين 3 شهور و6 سنوات أكثر من أيّ مقاطعةٍ أخرى.

    في العام 1991 أوردت مجلة نيوزويك تقريراً يفيد بأنّ المدارس الأعضاء في مركز ريجيو اميليا هي أفضل المدارس الطليعية لتعليم الأطفال في العالم. كما حازت تلك المدارس على جوائز عالمية عدّة لتميّزها، كذلك فقد زارها العديد من الباحثين والمهتمين من مختلف أنحاء العالم لدراسة نهجهم وطريقتهم في التعليم.

    أدرك تماماً أن هذه مدارس ما قبل الابتدائية أو حضانات أطفال، وأنني أقدّم لكم شيئاً قد يجده بعضكم مثيراً للاهتمام، بينما قد يعتبره البعض الآخر، ممّن لا يعملون في مجال التعليم، أمراً لا يعنيهم لأنه لا يتعلّق بعملهم البتّة. أيّاً كنتم من المجموعة الأولى أم الثانية، أرجو أن تضعوا هذا جانباً ولو مؤقتاً، إن استطعتم، وأن تنظروا إلى هذا العمل المميّز والمستمر في هذه المدارس. وأن تروا فيه أيّة أفكارٍ مفيدةٍ تستطيعون تطبيقها في التعليم والتعلّم هنا في فلسطين.

    على أية حال، فهدفي ما زال نشر كنز البيداغوجية التي أبدعتها مدارس ريجيو اميليا، إلى أقصى حدٍ ممكن من أجل فحصها وتمحيصها. ومن هنا سأتناول في محاضرتي هذه كيفية إدارة هذه المدارس، ونوع العلاقات التي تبنيها بين الأطفال والمدرسين وأولياء الأمور. وهما المركّب الأوّل لهذه البيداغوجية المأخوذة (المقتبسة) عن فيجوتسكي، ومقالة كتبها هاري دانيالز وهو برفيسور في التربية والثقافة والبيداغوجية في جامعة بار.

    هذه البيداغوجية ليست تلك التي يقدمها فيجوتسكي ودانيالز، بل هي تحليلي الشخصي لكيفية عملهم لها. كيف عملت هذه البيداغوجية في هذه المدارس؟ ماذا حدث في هذه المدارس؟ لنرى.

    في الصورة الأولى، نرى مدرّسةً وطفلاً صغيراً وكتالوجاً يحدّد فيه الطفل صورة "ساعة". لاحظ في الصورة العلاقة الحميمة بين الطفل والمدرّسة. في الصورة الثانية، يحدّد الطفل ويشير إلى ساعة الأستاذ؛ أي أنّه يتحول وينتقل من الصورة إلى الشيء الحقيقي. في الصورة الثالثة يستمع الطفل إلى صوت ساعة المدرّسة. أما في الصورة التالية، وهي مثيرة للاهتمام، فيحاول الطفل الاستماع إلى صوت الساعة في الصورة. هذه الصور أو الشرح البسيط يمثّل المكوّنات المحتملة لهذه البيداغوجية.

    شريحة رقم 1

    يحتاج المعلمون أن يتمكنوا من التواصل مع محاولات الأطفال في تكوين المعرفة بأية طريقة يستخدمونها، وأن يتجاوبوا مع ذلك المعنى.
    يكون هذا التجاوب في متناول الأطفال فكرياً وشعورياً.


    يقوم المدرس بتقييم كيف يستطيع الطفل التعلّم دون ضغطٍ، بل بالتحفيز.
    المدرّس متقدّمٌ (سابقٌ) على ما يستطيع الأطفال القيام به، ولكن في نطاق قدراتهم. نطاق معرفيّ جديد يستطيع الأطفال الوصول إليه بمساعدة الآخرين.

    ميّزة أخرى مهمة للمدارس هي تصميمها (ديكورها) الداخلي. ففي الصورة تظهر قاعة الطعام، حيث يتناول الأطفال طعامهم. جميع اللوحات في المدرسة من صنع الأطفال. في الصورة التالية تقريب (Close) للوحة توجد في قاعة الطعام. أذكّر هنا بأنّ هذا العمل الذي ترون، من صنع أطفالٍ تتراوح أعمارهم ما بين 5 – 6 سنوات.

    ليست غرف التدريس (الصفوف) في المدرسة غرف تدريسٍ عاديّة كتلك التي نعرفها. لكنّها غرفٌ أشبه بمعمل (Workshop). ويوجد في الصف المدرسيّ 24 طفلاً كحدٍّ أقصى، ويخصّص لكلّ صفٍّ مدرّسان وفنانٌ واحد. أستطيع تخيل "حسد" بعضكم لهم وأتفهم ذلك. لكن، ومرّةً أخرى، أذكّر بأنهم بدأوا مشروعهم ببعض الطوب والبيوت المدمّرة، وما ترونه أمامكم هو نتاج نضالٍ مستمرٍ عمره خمسون عاماً.

    يعمل الأطفال في المدرسة على مشاريع جماعية مشتركة، على الرغم من أنهم قد يظهرون في الصورة بأنهم يعملون منفردين. لاحظوا كيفية اهتمام وانغماس الأطفال في عملهم.

    لديهم في المدرسة مساحات مفتوحة واسعة يتحرك الأطفال فيها. يبنون مدارسهم بشكلٍ يسمح للطفل بأن ينتقل وبشكل دائري متراتب من صفٍّ إلى آخر. إلى اليسار ترون مرآةً على شكل مثلّث (هرم) يستطيع الطفل الجلوس تحتها ورؤية نفسه من زوايا عدّة. كذلك فإنهم يدهنون جدران المدرسة بألوانٍ فاتحةٍ جدّاً تسمح بأن يكون الأطفال أنفسهم وملابسهم هي البادية للعيان وتجذب الاهتمام أكثر من جدران المدرسة.

    شريحة رقم 2
    من الضروري الاهتمام بتصميم بيئة المدرسة لتكون مشجعة للعلاقات المنتجة مع أقران أكثر كفاءة لدعم التعلم الاجتماعي.

    يتجسّد المركّب الثاني للبيداغوجية في التمحور والتركيز على التعلّم الاجتماعي، والعمل الجماعي مع الأقران، وليس بناءً على تعليمات وتوجيهات المدرّس فقط.

    الصور التالية، وأعتذر لرداءتها، التقطتها بنفسي بواسطة كاميرا رقمية من كتاب لهم. وآمل أن تكون مناسبةً وكافية لهذه المحاضرة.

    التقطت هذه الصورة إثر انتهاء بعض الأطفال من مشروع معيّن، بعد انتهاء العطلة الصيفية كان الأطفال قضوها بعيداً عن المدرسة. تحدثوا خلال اللقاء في الصورة عن مجموعات وحشود الناس التي رأوها في أماكن مختلفة زاروها خلال العطلة، وما رأوه وما مروا به من تجارب خلالها. والأطفال كما تعلمون يتحدثون بصراحة. تحدّث الأطفال عن شعورهم بصغر حجمهم مقارنة بالحشود التي رأوها. لذا، قرّروا البدء بمشروعٍ عن الحشود. وبدأوا برسم صور والتحدّث مع بعضهم البعض عنها وشرحها. الصورة تظهر صورة رسمتها فتاة تدعى اليسا وعمرها 5 سنوات تقريباً. بدأ الأطفال بمناقشتها والتعليق عليها. وتوصلوا إلى نتيجة مفادها أن حشداً من الناس لا يبدو كما في الصورة. لذا، طلبوا من أحد الأطفال أن يسير في القاعة، وبدأوا يرسمون ما يشاهدونه، فعندما كان يمشي بشكلٍ جانبيّ كان رسم الطفل بعينٍ واحدة، بينما كان رسمه بدون أعين عندما كان يدير ظهره لهم، ... وهكذا. رسم الأطفال صوراً عدة وقاموا بعرضها على الحائط، ثم قاموا بالسير أمامها للإحساس بشعور من يكون في ذلك الحشد. ثم قاموا بلعب دور أناس موجودون في حشود. ثم أحضروا صوراً حقيقية لحشود في مدينة ريجيو اميليا، وبدأوا بانتقاء أشخاص مختلفين من بين الحشد وبدأوا محاولة معرفة ما يفكر به الأشخاص المنتقين. فقد اختاروا رجلاً وامرأة وولداً ... وهكذا. وقرروا أن المرأة تفكر وتتحدث عن شخصٍ عزيز عليها توفي وستقوم بدفنه. أما الولد فيتمنى أن يستطيع الغناء. أما الرجل فيفكر في صديقته.

    وهكذا شجّع هذا العمل على التفكير على الحوار الجماعي والوصول إلى قراراتٍ جماعية مشتركة. دور المدرس هنا حساس ومهم جداً. فأحياناً يستمع وأحيانا يتنحى جانباً ليرى كيف يقوم الأطفال باتخاذ قرارات وارتكاب أخطاء وكيفية قيامهم بتصحيحها، وأحياناً يطرح أسئلة لتحفيزهم.

    وهكذا قرّر الأطفال أن يقوموا بصنع تماثيل للحشد من الناس، ولكنها ستكون عملية صعبة، لذا قرّر الأطفال أن يقسموا أنفسهم إلى مجموعات تتولى كلّ منها جزءاً من العمل، حيث يقوم بعضهم بصناعة الأيدي، وبعضهم بصناعة الأرجل، وبعضهم بصناعة الرؤوس، وهكذا. ثم بدأوا بتجميع هذه الأجزاء لصناعة أشخاص، ومن ثم حشد من الناس. ثم قرّروا أن يصنعوا نماذج ورقية لأناس واقفين في الحشد، وتكون هناك ورقة فوق رأس كل شخص منهم مكتوب عليها ما يفكر به. أخذوا صوراً للحشد الذي صنعوه. ثم التقطوا صوراً من أعلى الكنيسة لبيوت المدينة. وهكذا نرى أنهم أصبحوا يعملون بشكلٍ مجازي. فالتقطوا صوراً لحشد من الدراجات الهوائية، وحشد من الخنازير، وحشد في المحطّة، وحشد يتجمع كما سمّوه، حشداً متجمّعاً، وحشد غير متجمّع. إذن، فلدينا عناصر أخرى من هذه البيداغوجية.
    شريحة رقم 3

    يجب أن تكون المدارس أماكن لبناء المعرفة الجماعية، بدلا من أماكن يتم فيها "تقديم" المعرفة.
    يجب أن يكون الوسط الذي يمكن فيه خلق اندماج اجتماعي مع المنهاج مرتبطاً بالمشاركة الفعالة للطلاب في العالم الاجتماعي.

    هؤلاء الأطفال يبنون معرفتهم بأنفسهم. وهذا يرتبط بما ناقشناه بالأمس. المعرفة لا يتم توصيلها أو إرسالها لهم. ولا يتمّ إملاء ما يفكرون به من قبل المدرّس، بل إنهم يكدون ويناضلون من أجل فهم العالم وفهم كيف يرتبطون به. وهم يفعلون هذا بشكلٍ جماعيّ. إنهم يصنعون إنسانيتهم بأنفسهم من خلال بناء أنفسهم.

    ليسوا سلبيين، بل إنهم مبادرون لا يجلسون ويستقبلون المعرفة، بل إنهم يبادرون بشكلٍ فعال لبناء معرفتهم وتوسيع مداركهم.

    مثال آخر يحتوي على استخدام الأرقام. قرروا أن يبنوا دكاناً. لذا، بدأوا بصنع الأشياء التي يحتاجونها. كذلك فإنهم متمكنون من استخدام الأرقام 1، 2، 5، 10 في العمليات الحسابية، لذا قاموا بعمل المحاسبة من هذه الأرقام. ثم قاموا بصنع البضائع التي سيبيعونها في الدكان، ووضعوا سعراً لكل منها. ثم وضعوا البضائع على رفوفٍ الدكان. وعامل الدكان لديه ماكينة النقود. الأطفال الذين لا يجيدون استخدام الأرقام لديهم حقيبة بيضاء فيها أرقام ويستطيعون شراء بضائع حتى ما قيمته 30، بينما الذين يجيدون استخدام الأرقام فلهم ذلك في حقيبة حمراء وحتى 60.

    ... وهكذا، هذه البنت الصغيرة تشتري أشياء. معظم الأطفال اشتروا شيئاً واحداً في كل مرّة، إلا أنها قرّرت أن تقوم بشراء كل ما تحتاجه مرة واحدة. قام عامل الدكان بجمع قيمة ما اشترته، حيث بلغت 133. فأعطته المبلغ المطلوب (بالطريقة التي ظهرت في الصورة)، إلا أن عامل الدكان انزعج ورفضها لأن المبلغ غير صحيح، إلا أنها جادلته بأنه صحيح. وبعد أن أدركت أنها مخطئة قررت أن تقترض بعض المال من أصدقائها لأنها لا تملك إلا جزءاً بسيطا من المبلغ المطلوب. فاقترضت حتى أصبح لديها مبلغ 131، أي ينقصها 2 لإكمال المبلغ المطلوب. تناولت حبتي فاصوليا من حقيبتها وأعطتهما للبائع اعتقاداً منها بأنّ عليها أن تقوم بإرجاع شيئين (2) بغض النظر عن قيمتهما، فرفضها عامل الدكان لأن قيمة الأشياء المعادة يجب أن تعادل 2. بعد ذلك قامت بإرجاع إحدى البضائع من حقيبتها تعادل قيمتها 2 فوافق البائع.

    هذه تجربة تعلمية مفيدة مثيرة للاهتمام. إذ لم يتم تلقينها، ولم يقم المدرس بإبلاغها أن جوابها خطأ، وأن عليها أن تبحث عن الجواب الصحيح. فقد استكشفت العالم بطريقةٍ آمنة دون مشاكل كما عرفت كيفية استخدام الأرقام.

    شريحة رقم 4

    يجب تصميم خطط التدريس لتطوير التعلم الاجتماعي للأفراد، بدلاً من التركيز على إدخال الطفل في نص أفقي معد مسبقاً يقطع التعلم الاجتماعي وشبكات التعلم.
    يجب أن يركز التعليم والتقييم على القدرات الكامنة لدى المتعلم، بدلاً من امتحان ما تعلمه.

    يجب أن يسبق التعليم التنمية – في منطقة التطور المحوري. إذ يجب أن ترتبط استراتيجيات التعليم مع قدرات الطفل النامية، أي براعم النمو، وليس القدرات التي تمت تنميتها، أو أزهار النمو.
    النقطة الأخيرة مهمة بالنسبة لي. وقد تكون الطريقة المعروفة الوحيدة لفهم البيداغوجية. إنها الفرق الرئيس مع بياجية؛ فبياجية يدعو إلى تقييم قدرات الطفل، وتقييم ما يستطيع الطفل أن يفعله ... تقييم مستوى التطوّر الذي وصل إليه الطفل والقيام بتعليمه بناءً على ذلك. أما فيجوتسكي فيختلف معه في ذلك، إذ يقول إن الطفل يتطور مما يتعلمّه. لذا، على المدرّس أن يقوم بتعليم الطفل ما يسبق المستوى الذي وصل إليه في المجال أو منطقة التطوّر المركزي المحوري الذي يسعى الطفل إلى الوصول إليه، كما حدث مع الفتاة التي اشترت من الدكان، حيث لم تستطع وحدها أن تفهم معنى الأرقام واستخداماتها لكنها استطاعت ذلك ضمن المجموعة. لذا فأنت تنمّي قدرات الطفل على التعلّم ... تركّز على البراعم القابلة للنمو وليس على الزهرة، وهذا عنصر مهم من عناصر البيداغوجية وهو أن يسبق المدرس الطفل عند تعليمه لا أن يعلمّه ما يعرفه حالياً.

    وهنا مشروع آخر. في ايطاليا الجو حار وجاف صيفاً. لذا، قرر الأطفال أن يقوموا ببناء مضخّة مياه في الملعب ليسقوا العصافير. عقدوا بعض الاجتماعات وناقشوا فيها الفكرة. وحيث أن العصافير تكون عطشى فهي إذن قد تكون منهكة، عجوز، أو مريضة. لذا، بدأوا بتصميم مكان (موقف) ممتع للطيور على الأرض. يظهر في الصورة "مصعد" لنقل الطيور المنهكة من الأرض إلى أعلى الشجرة بعد أن تقوم بالشرب. كذلك يظهر في الصورة الثانية أرجوحة صنعها الأطفال للطيور، ثم احتاجوا مضخة مياه، فذهبوا إلى المتنزه العام لرؤية ودراسة الطريقة التي تعمل بها النافورة هناك، وصنعوا نموذجاً مشابها للنافورة من الطين. ثم بدأوا بدراسة كيف تصل المياه إلى هناك وهذه هي طريقتهم في بناء معرفتهم. تنزل المياه من الجبال إلى ممرات تحت الأرض، ثم تتجمّع في حوض تحت الأرض. وخلال سيرها في الممرات قد تشرب الفئران جزءاً منها فقط، ثم تأتي إلى النوافير، ولاحِظوا كيف أن النوافير في الصورة لها شكل شبه دائري في الأعلى لإعادة المياه مرةً أخرى إلى الأرض ... وهكذا. ولأن الأطفال لاحظوا أن المياه لا تغادر النافورة استنتجوا أن المياه تعود مرةً أخرى إلى باطن الأرض. أراد الأطفال كذلك بناء دولاب مياه لتلعب العصافير فوقه. ثم قام طفل ببناء دولاب مياه، إلا أنه جعل الدواسات إلى الأعلى، وعند قيامه بتجربة الدولاب لم يتحرك فقام بإعادة بنائه وجعل الدواسات إلى الأسفل. قام الأطفال بعد ذلك ببناء مضخة المياه في حديقة المدرسة.

    شريحة رقم 5

    يجب أن يكون المناخ النفسي في بيئة المدرسة بعيداً عن الخوف من الفشل، بحيث يكون التعلم "سعياً فاعلاً نحو المعرفة" (برونر)، الأمر الذي يتضمن تشجيع تكوين النظريات، والحرية في ارتكاب الأخطاء، والمساعدة في تخطيها.


    نقطة أخرى حول البيداغوجية. إنها الفرق بين ما أصفه في النشرة التي بين أيديكم بالعلاقة أو النصّ الخطيّ "هذا هو العالم، هذا ما يجب أن تتعلمه، تعلمه، احفظه غيباً، أعِد إنتاجه أو كتابته عند الامتحان". وبين "ما هو العالم؟ كيف يعمل؟ كيف نستطيع أن نفهمه؟ كيف نبني سعياً حثيثاً فاعلاً مبادراً نحو المعرفة؟ كما يسميه "برونر" عندما يتحدّث عن التعلّم. كيف نستطيع أن نشجّع بناء نظريات، يجب ألا نخاف من الفشل، يجب أن نتعلم من ارتكاب أخطاء وكيفية تصحيحها.

    لا أملك كثيراً من الوقت. لذا، لن أبقي هذه الشرائح طويلاً على الشاشة. وسأنتقل إلى المبادئ الستة التي تقوم عليها المدارس. وأقصد بالمبدأ هو شيء لا نتنازل عنه أو عن تطبيقه، نعيش به وله أو نموت دونه.

    لذا، فإن المبادئ الأساسية لهذه المدارس:
    شريحة رقم 6

    حقوق الأطفال (مقتطفات)
    للأطفال الحق بالاعتراف بهم كأصحاب حقوق فردية، وقانونية، ومدنية واجتماعية، وأنهم هم مصدرها ومن يقوم ببنائها، وبالتالي هم مشاركون فاعلون في تنظيم هويتهم، قدراتهم، واستقلاليتهم من خلال علاقات وتفاعلات مع أقرانهم، مع الكبار، مع الأفكار، ومع الأشياء، ومع الأحداث الواقعية والمتخيلة للعوالم المتواصلة مع بعضها البعض.

    شريحة رقم 7

    حقوق المعلمين (مقتطفات)
    من حق المعلمين والعاملين في كل مدرسة أن يساهموا في دراسة وتحضير النماذج المفاهيمية التي تحدد المضمون التربوي والأهداف والممارسات. ويتم هذا من خلال النقاش المفتوح ما بين العاملين، مع المنسقين البيداغوجيين واللجان الاستشارية من الأهل، بشكل يتوافق مع حقوق الأطفال والعائلات، ومن خلال التعاون في اختيار الأساليب، والنظم التعليمية، ومشاريع البحث والمراقبة، ومن خلال تعريف مجالات الخبرة، والتدريب الذاتي المستمر للمعلمين، وتطوير العاملين بشكل عام، والمبادرات الثقافية، ومهام الإدارة المجتمعية. يمتد هذا التعاون أيضاً إلى تنظيم البيئة والأعمال اليومية للمدرسة.

    شريحة رقم 8

    من حق الأهل المشاركة بشكل نشط وبالتزام طوعي بالمبادئ الأساسية في نمو أطفالهم الذين وضعوهم بين أيدي مؤسسة عامة، وتطورهم والعناية بهم. وهذا يعني أن لا يكون هناك تفويض أو اغتراب. وبدلاً من ذلك، التأكيد على أهمية وجود دور للأهل الذين طالما حملنا لهم أكبر تقدير في تراثنا المؤسساتي ... ثم هناك الأهل الصغار في السن، من مهن مختلفة وخلفيات وخبرات مختلفة، وكثيرا ما يكونون أيضاً من أصول عرقية مختلفة. إلا أن هؤلاء الأهل كافة عليهم أن يكافحوا ضد قلة الوقت، وتكاليف المعيشة، وصعوبة مسؤولياتهم كأهل، والرغبة في تحديد مشاكلهم ونقاشها والتأمل فيها، وبشكل خاص تلك المتعلقة بنمو أطفالهم وتعليمهم. حين يتمكن الأهل والمدرسة من الالتقاء في خبرة تعاونية، خبرة تفاعلية تكون عبارة عن الخيار المنطقي والمفيد للمعنيين كافة (فكلنا نبحث عن خبرات ذات معنى إضافي)، يصبح من السهل أن نرى مقدار خطأ بيداغوجية الاكتفاء الذاتي والوصفة الجاهزة وعدوانيتهما، وكم أن إستراتيجية المشاركة والبحث المشترك سهلة وخصبة.



    هذا مفهوم عموماً. إن المدرسين يعملون، عن قرب، مع الأطفال في مشاريعهم، كيف يحلون المشاكل التي تواجههم بشأنها، هذا يأخذنا إلى ما ناقشناه بالأمس حول أساليب التعليم. كيف يتعلّم الأطفال من خلال الملاحظة والمراقبة. المدرسون جزء من عمل الأطفال، جزء من روح هذا النظام. إنهم يسجلون ويوثقون بمختلف الوسائل. يلتقطون الصور ويدوّنون الملاحظات، وينتجون أفلام فيديو ومناقشة ما يحدث.

    شريحة رقم 9

    "تظهر كل وظيفة من وظائف النمو الثقافي للطفل مرتين: المرة الأولى على المستوى الاجتماعي، والثانية على المستوى الفردي، أولاً ما بين الناس (التواصل النفسي البيني)، ومن ثم داخل الطفل (التواصل النفسي عبر الذات). وهذا ينطبق بشكل متساوٍ على الانتباه الطوعي، والذاكرة المنطقية، وتكوين المفاهيم. تبدأ كل الوظائف العليا كعلاقات فعلية ما بين الأفراد (فيجوتسكي، 1978: 57).
    النقطة الرابعة وهي نقطة مهمّة كما أسلفت؛ علاقة المجتمع المحلي وأولياء الأمور مع المدرسة.
    الأهل لهم الحق في تشكيل سياسات المدرسة. ولأولياء الأمور أعضاء يمثلونهم في مجلس إدارة المدرسة. يشجع الأهل على عمل الأبحاث في المدرسة. في العام 1998 قامت مجموعة من أولياء الأمور بالاشتراك في جزءٍ من مشروع امتد لسنة في بحثٍ قضايا تواجه التعليم. ولقد تقدمت بورقتي عمل إلى مؤتمر عقد في العام 1998. إحداهما بعنوان "هل نستطيع التعليم بدون مشاعر؟" قمت بإنتاجها مع أربعة من أولياء الأمور، وثانيتهما بعنوان "التعليم والوقت: هل يجب أن نملأ اليوم أو نعيشه؟".


    شريحة رقم 10

    "توضح التجربة البيداغوجية أن التعليم المباشر للمفاهيم مستحيل، وهو غير مجدٍ بيداغوجياً. والمعلم الذي يحاول أن يستخدم هذا الأسلوب لا يحقق شيئاً سوى التعلم الأبله للكلمات، وتكوينات مفرداتية فارغة تحث على وجود المفاهيم لدى الأطفال أو تقلدها. تحت هذه الظروف لا يتعلم الطفل المفهوم بل الكلمة، وهذه الكلمة يستدخلها الطفل من خلال الذاكرة وليس الفكر. مثل هذه المعرفة غير ملائمة في أي تطبيق ذي معنى. وهذه الطريقة في التعليم هي نقطة الضعف الأساسية في الأساليب التعليمية التي تعتمد في التعليم بشكل كلي على الكلمات التي تم استنكارها عالمياً. فهي تستبدل تعلم المخططات المفرداتية الميتة والفارغة بـ "التمكن من المعرفة الحية." (فيجوتسكي، 1987: 170).
    النقطة الخامسة البيئة الفيزيائية (الماديّة) في المدرسة وهي نقطة مهمّة جدّاً كما أسلفت.

    النقطة السادسة: وهي النقطة الأخيرة. يرى المدرسون أنفسهم كمتعلمين، في المقام الأول، يركزون أولاً على كيفية تعلّم الأطفال، ثم كيفية تعليمهم. يأتون ليتعلموا من الأطفال. هناك نقص كامل في هيكلية التراكيب التنظيمية للمدرسة. ولقد تحدثت عن الأرقام. المدرسون يعملون 36 ساعة أسبوعيا، و30 منها مع الأطفال، و6 في التحضير للدروس والاجتماع مع زملائهم ومع أولياء الأمور. هناك أيضاً طباخون وموظفون مساعدون لهم القيمة والأهمية ذاتها.

    لاحظوا أن الأطفال يحبون تبادل الأشياء فيما بينهم في المدرسة. هذا ما أسميه بتتبع (متابعة) الأطفال، لذا قاموا ببناء صندوق خاص لكلّ طفل، ووضعوا صورة واسم كلّ من لا يستطيع قراءة اسمه. وتم تشجيع الأطفال على إحضار أشياء لبعضهم البعض ووضعها في تلك الصناديق، وكان الأطفال يفحصون صناديقهم يومياً لاستلام رسائل أو حاجيات أرسلها أصدقاؤهم، كما قاموا بكتابة رسائل لبعضهم البعض ووضعها في تلك الصناديق.

    هذه رسالة كتبها أحد الأطفال، بالايطالية، وأرسلها بمناسبة ذكرى أولياء الأمور:

    والديّ الأعزّاء:
    أنتم أفضل والدين لي. ولا أملك غيركما. أتمنى أن تبقيا بقربي حتى زواجي أو حتى بعد ذلك. تمنياتي لكما بذكرى سعيدة من ابنكما.

    طبعاً هذا يظهر عندما يبدأ الحب بالنمو. لذلك، قام لوتشا الذي يحب انييستا كثيراً، وأراد أن يكتب لها رسالة، إلا أنه لا يستطيع كتابة اسمه. لذا، طلب من إحدى طالبات المدرسة أن تكتب له رسالة يمليها عليها، فكتبت فيها:

    عزيزتي انييستا،

    أحبك كثيراً، أحياناً تغيظينني إلى حدّ الجنون عندما تلعبين مع أطفالٍ غيري، ولا أحب ذلك. من لي لألعب معه غيرك. لا أستطيع الابتعاد عنك. سأتزوجك غداً. وسأخيفك غداً بلباسٍ أسود مخيف. مع قبلات لوتشا بونديري.

    إملاء لوتشا وكتابة كارلا

    في اليوم التالي ردّت انييستا على رسالة لوتشا قائلة:

    عزيزي لوتشا،

    لا أستطيع الزواج بك غداً لأنني صغيرة جداً. ولن أتزوج أبداً لأنني لا أريد ذلك. سألعب معك طالما لا تزعجني بقبلاتك الصغيرة، فهي كثيرة وأتمنى أن تصبح أقل من ذلك بكثير. يوماً ما سأدعوك إلى بيتي. أرسل لي رسالة أخرى وسأردّ عليك. وداعاً من انييستا.
    أعتقد أن هذه طريقة رائعة لتعلم الكتابة، كتابة لغة حقيقية، تأتي في سياق واقعي حقيقي، ذات معاني حقيقية، بدوافع حقيقية، وتلبية لحاجة حقيقية.
    شكرا لكم


    ميثاق حقوق مدارس ريجيو إميليا
    حقوق الأطفال
    للأطفال الحق بالاعتراف بهم كأصحاب حقوق فردية، وقانونية، ومدنية واجتماعية، وأنهم هم مصدر يقوم ببنائها، وبالتالي هم مشاركون فاعلون في تنظيم هويتهم، وقدراتهم، واستقلاليتهم من خلال علاقات وتفاعلات مع أقرانهم، مع الكبار، ومع الأفكار، ومع الأشياء، ومع الأحداث الواقعية والمتخيلة للعوالم المتواصلة مع بعضها البعض.

    كل هذا يتم بينما تتجذر الأسس الجوهرية لخلق مواطنين أفضل لهذا العالم، ورفع مستوى التفاعل الإنساني، ما يضيف إلى الأطفال ولكل فرد طفل ثروة غير عادية من القدرات الداخلية والطاقات الكامنة والقوة والإبداع. حين لا يتم الاعتراف بهذه الحقيقة، يتم إفقار الطفل وتعذيبه بشكل لا يمكن تغييره في المستقبل.

    انطلاقا من هذه النقطة، نعترف بحق الأطفال في تحقيق وتوسيع قدراتهم، وإعطاء قيمة كبرى لقدراتهم الاجتماعية، وقبول محبتهم وثقتهم، وتلبية احتياجاتهم ورغبتهم في التعلم. وهذا يكون أصدق حين يطمئن الأطفال من خلال وجود تحالف فعال ما بين جميع الكبار في حياتهم، الكبار المستعدون دائماً للمساعدة الذين يعطون قيمة أكبر للبحث عن إستراتيجيات بناءة للفكر والعمل بدلاً من النقل المباشر للمعرفة والمهارة. هذه الإستراتيجيات البناءة تساهم في تشكيل الذكاء المبدع، والتفكير الحر، والفردية الحساسة والواعية، من خلال عملية مستمرة من الاختلاف والاندماج مع أشخاص وخبرات أخرى.
    أن يتم الاعتراف بحقوق الأطفال على أنها حقوق الأطفال كافة، لهو دليل على مرتبة متقدمة من الإنسانية.

    حقوق المعلمين
    من حق المعلمين والعاملين في كل مدرسة أن يساهموا في دراسة النماذج المفاهيمية التي تحدد المضمون التربوي والأهداف والممارسات وتحضيرها. يتم هذا من خلال النقاش المفتوح ما بين العاملين، مع المنسقين البيداغوجيين واللجان الاستشارية من الأهل، بشكل يتوافق مع حقوق الأطفال والعائلات، ومن خلال التعاون في اختيار الأساليب، والنظم التعليمية، ومشاريع البحث والمراقبة، ومن خلال تعريف مجالات الخبرة، والتدريب الذاتي المستمر للمعلمين، وتطوير العاملين بشكل عام، والمبادرات الثقافية، ومهام الإدارة المجتمعية. يمتد هذا التعاون أيضاً إلى تنظيم البيئة والأعمال اليومية للمدرسة.

    لقد أصبحت مثل هذه الشبكة التعاونية ما بين عمليات متعددة ومتفاعلة التي نأتمنها على المساهمة في أفكار وقدرات كل فرد المساهمين فيها كافة – وهي دائماً مفتوحة للتجريب والتعديل – أصبحت نموذجاً للبحث والتفاعل التربوي والخبرات والحياة. وهي نموذج لا يعطي فقط حياة جديدة لأدوار المدرسة والعائلة، ولكن يؤثر بشكل عميق ويؤكد على الأشكال الاجتماعية لبناء المعرفة وإعادة بنائها، ويمثل بالنسبة للأطفال شيئاً حياً ومحفزاً عضوياً لاحتياجات عالمهم الخاص من العلاقات والاستدخال الذهني ورغباته.

    وهذا شرط بالنسبة للمعلمين، ولكل معلم، لتحسين التواصل ومقارنة الأفكار والخبرات، وكلها تغني أدوات التقييم المهني.

    حقوق الأهل
    من حق الأهل المشاركة بشكل نشط وبالتزام طوعي بالمبادئ الأساسية في نمو أطفالهم الذين وضعوهم في الأيدي الأمينة لمؤسسة عامة وتطورهم والعناية بهم. هذا يعني أن لا يكون هناك تفويض أو اغتراب. وبدلاً من ذلك يتم التأكيد على أهمية وجود دور للأهل الذين طالما حملنا لهم أكبر تقدير في تراثنا المؤسساتي.

    أولاً هناك المدرسة التي تقوم بجهود قوية ومكثفة لإشراك الأهل في الوعي لما يمكن أن نكسبه من التعاون الوثيق مع العائلة نحو تحقيق أمن للأطفال وسعادة أكبر لهم. كما أن مشاركة الأهل تمكننا من تكوين شبكة تواصل تقود إلى معرفة أغنى وتبادلية أكثر، بالإضافة إلى بحث تشاركي أكثر فعالية عن أفضل الأساليب والمضامين والقيم التربوية.

    ثم هناك الأهل الصغار في السن، من مهن مختلفة وخلفيات وخبرات مختلفة، وكثيراً ما يكونون أيضاً من أصول عرقية مختلفة. إلا أن هؤلاء الأهل كافة عليهم أن يكافحوا ضد قلة الوقت، وتكاليف المعيشة، وصعوبة مسؤولياتهم كأهل، والرغبة في تحديد مشاكلهم ونقاشها والتأمل فيها، وبشكل خاص تلك المتعلقة بنمو أطفالهم وتعليمهم. حين يتمكن الأهل والمدرسة من الالتقاء في خبرة تعاونية، خبرة تفاعلية هي عبارة عن الخيار المنطقي والمفيد للمعنيين كافة (فكلنا نبحث عن خبرات ذات معنى إضافي)، يصبح من السهل أن نرى مقدار خطأ بيداغوجية الاكتفاء الذاتي والوصفة الجاهزة وعدوانيتهما، وكم أن إستراتيجية المشاركة والبحث المشترك سهلة وخصبة. والمشاركة والبحث هما في الواقع مصطلحان يلخصان الكثير من المفاهيم المتكاملة لنظريتنا التربوية. ويمكن أن نرى هذين المصطلحين أيضاً على أنهما أفضل المتطلبات للمباشرة بتفاهم تعاوني ما بين الأهل والمعلمين مع القيمة المضافة للتوقعات التعليمية للأطفال والحفاظ عليه.
    لوريس مالاغوزي
    ريجيو أميليا – كانون الثاني 1993


    المداخلات
    المشاركة نعيمة الأحمد
    أطفال فلسطين يعانون من الظلم والقهر بعكس بقية أطفال العالم.

    أعتقد أن الخوف هو المشكلة الرئيسة التي نواجهها: فهناك خوفٌ داخليّ وخارجيّ يأتي من الأعلى ... فالطالب يخاف من الأستاذ، وهذا يخاف بدوره من المشرف، وهكذا في تصاعد ... إذا استطعنا أن نزيح هذا الخوف من طريقنا عندها فقط نستطيع أن نبدع ... يجب أن نخلق لدى المعلّم الرغبة في العطاء، وبالتالي يمكن أن نخلق مبدعين.

    المشارك نبيل صب لبن
    المعلم هو المحور الأساس في صقل شخصية الطفل ... لكن ظروفنا من احتلال وقمع تختلف عن تلك التي شاهدناها في الفيلم.

    من خلال المداخلات التي سمعتها، لفت انتباهي نقطتان؛ الأولى اعتماد الباحث بشكل كلّي على التجربة في ريجيو اميليا وأقصد تجربة الطفولة المبكرة ... إننا نثمن تجربة ريجيو اميليا، ونحن على اطّلاع عليها، وتواصلٍ مع القائمين عليها ... لكن التساؤل أنه إذا أخذنا الورقة بمفهومها الأوسع ... إذا تحدثنا عن التغيير في نظم التفكير الخاصّة بنا كمجتمع فلسطيني ... تغيير يتماشى وبشكلٍ أكبر مع عقلية تربوية فيها نوع من التحجيم والتحديد. أتصور أن التجربة في ايطاليا وفي بلدان أخرى كانت نابعة بالأساس من الواقع الثقافي المجتمعي الخاص بكل ثقافة وكل مجتمع، ولم تكن تقليداً لشيء تمّ نقله من مجتمعٍ لآخر ... هذا لا يعني أن نوجد انغلاقاً، بل يجب أن نكون منفتحين، ونتفاعل مع ثقافاتٍ أخرى ... كذلك فإن من المهمّ جداً أنه إذا أردنا فكراً تربوياً متطوراً ... محدّثاً مدقّقاً فيجب أن يكون مبنياً ونابعاً من الثقافة العربية ... الثقافة المجتمعية التي نعيش فيها.
    النقطة الثانية: بعض النظريات التي اعتمد عليها الدكتور ديفيد فيما يتعلق بفيجوتسكي وبياجية أو أساس الفكر الذي أتى من مالغوزى (Loris Malaguzzi). هذه الأفكار يمكن الاستفادة منها والاسترشاد بها ... لكن يجب أن نرى الموروث الثقافي الجيد للشعب الفلسطيني والعربي وامتدادنا الحضاري، ونحاول أن نخلق النموذج الخاص بنا كشعب فلسطيني بشكل خاص وعربي بشكلٍ عام.

    المشاركة د. جاكلين صفير
    ما هو تعريف البيداغوجية؟
    يجب أن ننتبه إلى أن عمر تجربة ريجيو اميليا 40 سنة، بدأت عندما بنوا مدرسةً من بيوت مهدّمة حتى وصلوا إلى الواقع الذي وصلوا إليه. لم نر كيف انطلقوا من هناك إلى هنا ... لا نريد أن نعتقد أننا من هذا اليوم، من تحت القصف والردم وكل الصعوبات التي نعيشها اليوم ... سنصل إلى هذا الواقع ... ليس هذا هو المقصود ... المقصود هو أن نصنع الأمل بإرادة ... إذا عرفنا أين نريد أن نصل ... بل نحن لدينا اليوم أكثر بكثير مما كان لديهم عندما بدأوا.

    المشاركة شيراز صبح
    أشكر د. ديفيز على الأفكار الرائعة التي قدمها ... ليست بعيدة عن مجتمعنا ... أنا متفائلة جداً لأن كثيراً من الألعاب الشعبية التي نلعبها، وممكن في حال الانتباه إليها والاعتناء بها أن نجمع أفكارنا ... يمكن أن نخلق شيئاً أحسن مما شاهدناه في شريط الفيديو، لأن أطفالنا لا يختلفون عنهم حتى في حال وجودهم تحت القصف ... فعندهم الأمل والمقدرة على التعلم ... أنا شخصياً لعبت مع أحد الأطفال ابن أخي ... أنا مشترٍ وهو بائع ... استغربت عندما كان ينادي على بضاعته ... عندما كنت اشتري منه كان يتخيل وجود ماكينة النقد ويفتح الجارور ويضع النقود وهكذا ... .
    هذه الأفكار الموجودة إذا استطعنا، كمربّين، أن نغير من نظامنا التعليمي، وأن نستفيد من هذه الأفكار ... في الألعاب الشعبية مثلاً هناك أفكار أخرى نستطيع أن نعمل عليها ... من خلال تطويرها ... لكن نريد من الأستاذ الذي يريد التطوير أن يخلق البيئة الجيدة ... وذلك ليس بشيء صعب ... وبالتالي نستطيع أن نحقق أفضل مما حققوا.

    المشاركة سوسن عفيف
    أعتقد بوجوب أن تكون دور الحضانة خاضعة لمراقبة ومؤسسات حتى تستطيع الأم أن تضمن أن طفلها يتعلم أن يكتسب.
    ممكن أن يكون الانجاز في أي مكان ... في ايطاليا ... أم في فلسطين. يجب أن نهتم بالبيئة لان البيئة لدينا محطمة ... يجب الاهتمام بالطالب ... لكن يجب الاهتمام بالمعلّم أكثر ... بحيث نعمل على تطويره.

    مشارك آخر
    أرغب في أن أستعرض قضية المنهاج ... من العام 1945 وحتى الآن ما هو أثر المنهاج في ذلك؟
    من الأمور التي تعرض لها د. ديفيد مساهمة المعلم في العملية التربوية ... أرجو أن يراعي مركز المناهج اشتراك بعض المدرسين في العملية التربوية وفي عملية وضع المناهج وتقييمها.

    مشارك آخر
    اتفقنا وسمعنا من خلال المؤتمر أن على المعلم أن يوفر المناخ النفسي للطالب ... وبيئة تعليمية جيدة وإثارة الدافعية والتواصل مع الأهل ومع المجتمع المحلي، ولم يتحدث عن المعلّم، الذي هو أساس العملية التربوية، في ظلّ وجود قيود مفروضة على المعلم ... من منهاج وغيره .... قد يدّعي البعض أن المعلمين يتلقون تدريباً من خلال مثل هذه الدورات ... لكن لا فعالية لهذه الدورات إلا لعددٍ محدود من المعلمين ... فالمعلم لا تحفيز له ولا متابعة له ... نأخذ دورة ولا نطبق منها شيئاً ... نريد أن يكون هناك شيء فعال يساعدنا على تطبيق ما نتلقاه من تدريب ... في الصف وفي البيئة المدرسية.

    تعقيب ديفيد ديفيز
    من الصعب علي أن أجيب عن جميع الأسئلة التي طرحتموها ... لم أمر في تجربة تماثل تجربتكم ولا أعرف ما هي ... ولم أعايش ظروفاً تشبه تلك التي عشتموها وتعيشونها ... ولن أحاول إحضار أو طرح حلول وأجوبة سهلة من الخارج ... أفهم ذلك بشكل تام وأتفهمه. كثير من النقاط التفصيلية التي طرحتموها يجب أن يتبناها شعبكم ... ويناضل من أجلها. إحدى القضايا الأساسية التي طرحتموها هي بناء ثقافة فلسطينية عربية ... مرة أخرى كل ما أقوله في هذا الموضوع هو خيالي، لأنني لا أملك معلومات أكيدة من الداخل ... لكنني أستطيع التخيل... أن ذلك مهم جداً بالنسبة لكم. كمراقب خارجي، أرى وأتابع أستطيع أن أقول بأنه وخلال 45 سنة، هناك محاولات ما زالت مستمرة لتدمير هذه الثقافة .... ولاجتثاثها .. أستطيع أن أرى ما حلّ بمراكزكم الثقافية وقت الاجتياح في العام 2002 ... هذا العمل الإجرامي ضد ثقافتكم .... نحن بشر أولاً بسبب وجود ثقافةٍ لنا ... وهي الطريقة الوحيدة لنكون بشراً إنسانيين ... إذا ولدت لأي سبب من الأسباب في القطب الشمالي يجب أن تكون إنساناً أولاً لتعيش في هذه الثقافة ... بالمعنى التقليدي ... هناك ثقافة إنسانية أوسع ... .
    هناك أناس يعملون في ظروف مختلفة ... في مناطق مختلفة من العالم ... ويعيشون تجارب مختلفة ويتعلمون منها ... المسألة هي كيف يمكن أن نأخذ المفيد من تلك التجارب ... بهذه الطريقة نستطيع أن نوسع ثقافتنا ... ونطورها ... لكي تصبح هذه التجارب وما يتعلق بها جزءاً من ثقافتنا ... لأن الثقافة ليست شيئاً جامداً، بل هي ما كانت ... وما تكون ... وما ستكون ... هي في تطور وحركة دينامية دائمة ... يجب أن نطورها في مختلف وأحلك الظروف ... في بريطانيا مثلاً نناضل نحن الانجليز ... من أجل المحافظة على ثقافة إنسانية ... التي نتحدث عنها الآن ... فأنا مثلاً قمت برفض جزءٍ كبير من موروثي الثقافي ... . عندما أصبحت واعياً من الناحية السياسية ... نأيت بنفسي عن كل مسؤولية حكومية ... وانضممت للمعارضة بسبب ما فعلته حكومة بلادي ... ابتداءً من وعد بلفور ... وما فعلته خلال الثلاثينيات في هذه المنطق من أعمال مروّعة ... إذا توجب على أن أحمل كل موروثي الثقافي فيجب أن أحمل ذلك وأن افتخر به! ... وأنا لست كذلك ... بل أنا أخجل منه وأشعر بالعار بسببه ... .

    كجزء من تعليمي ونموي الثقافي ... أنا أقرر أي جزء من ثقافتي أريد، وأي جزء أرفضه ... وأي جزء من الثقافة الإنسانية يجب أن أتبناه .... .
    من ناحية أخرى ... لا أحاول وعظكم ... لا أستطيع ذلك ... أنتم من تعايشون واقعكم ونضالكم يومياً ... أما أنا فسأغادر قريباً إلى بلدي ... حيث هناك عالم آخر ... لا أستطيع تقديم أجوبة ... أفهم ذلك .. جاكلين على حق ... فقد تعمدت أن أريكم ما شاهدتموه ... فلديكم ... نقطة اتصال وعلاقة ... مع الواقع الذي شاهدتموه ... فقد بدأوا ببيع دبابة ألمانية وبعض الخيول ... والمال الذي جمعوه ... والطوب الذي استخدموه من البيوت المدمرة .. أدرك أن الظروف تختلف عما تعايشونه الآن ... وأدرك أنه لا يمكن عقد مقارنة سهلة بين وضعكم ووضعهم ... فإيطاليا، بالنسبة لكم، بلد مزدهر حالياً ... وهناك اختلافات أخرى لكن هناك إلهامٌ في هذه القصة ... هناك أيضاً النسوة اللواتي قررن أن يغيرن التاريخ ابتداء بأطفالهن ... قررن: نستطيع أن نفعل ذلك، وإن كان على مستوى محدود، على الرغم من أنهم أناس صغار فإننا نستطيع أن نبدأ بهم ... وهناك حيث بدأوا بعمل جماعي اجتماعي لإيجاد وبناء المعرفة ... حاولوا أن يشكلوا ويقدموا مثلاً لخلق سياق إنساني من وضع غير إنساني ... وأولئك الأطفال الصغار الأوائل عايشوا الحرب ... كما أنهن كن مصممات على تغيير ذلك ... وهذا ما يجب أن تفعلوه وتواجهوه ... نضال مستمر ... لا أحاول اقتراح حل سهل وبسيط آتي به من الخارج ... بتاتاً ... ما اقترحته هو بيداغوجية أكثر من أي شيء آخر ... شيء يمكن أن تكونوا مسؤولين عنه ... بغض النظر عن اكتظاظ صفوف المدرسة أو محدودية الموارد ... لا زلتم تتحكمون في ما يستطيع المعلم أن يفعله أو يقدمه ... ما زال من الممكن القيام بعدة أمور ... والسؤال هو ما هي هذه الأمور التي تجعل من الأجيال القادمة أكثر إنسانية أو أن يحافظوا على الإنسانية بشكلٍ عام. آباؤهم سيحبونهم ولكن قد يكرههم أناس آخرون ... وهم سيعلمون كيف يحفظون كرامتهم ... وفي حال عدم وجود أمل أو أن يعيشوا في خوف كما قدمتم ... فهذا شيء فظيع ... يجب أن يكون لديهم أمل ولو كان بسيطاً ... أما إذا تركوا ليعيشوا في خوف ... بغض النظر عن مصدره ... فهذا فظيع.

    تحدث بعضكم البارحة عن ضرورة وجود نظام تأديب (عقاب) للأطفال في المدارس ... وضرورة أن يبقى الأطفال جالسين في مقاعدهم ... أعتقد أن هناك فرقاً بين ما ذكر وبين كيفية إدارة المدارس ... لقد طرحتم هذا السؤال عليَّ ... لكن وحيث أن الإسرائيليين يجبرونكم على الجلوس دائماً ... فلماذا تفعلون ذلك بأطفالكم. يجب أن تعلموهم أن ينهضوا من مقاعدهم ... لأنكم لا تستطيعون فعل ذلك، وترفضون العيش بالطريقة ذاتها.

    لقد طلبتم أن أقدم بعض الطرق لتطوير المعلمين ... ولكن أقول لكم إنه ليس لدي جواب سهل ... عندما كنت مدرساً، فقد استغرقني عشر سنوات لأطور بيداغوجيتي الخاصة ... لم يعلمني إياها أحد.

    كنت غاضبا جداً في حينها ... بعد عشر سنوات ... جلست وكتبتها ووثقتها ... بعد ذلك تلقيت تعليماً إضافياً ... واكتشفت أنها كانت موجودة ولم يخبرني أحد بذلك ... خلال تدريبي كمدرس لم يُعلمني أيّاً كان بوجودها، وإنما كان علي أن اكتشفها بنفسي ... كما اكتشفت أنها موجودة في دول أخرى ... ببساطة لقد كانت متوفرة في مكان ما، وكان بإمكاني الحصول عليها دون بذل العناء والزمن الذي بذلت.

    اعتقد أن الأمر يعتمد على الحصول على أية أفكار مفيدة والاستفادة منها، بغض النظر عن مكان وجودها. إن تطوير المعلمين يعتمد بالدرجة الأولى على كونهم متعلمين (طلاباً) جيدين ... يجب أن نتفكر في كيفية تعلّم الأطفال ... ماذا يجري في صفوفكم المدرسية ... وأن تكونوا متجاوبين معهم وحساسين اتجاه مشاكلهم، وأن تكونوا قادرين على تصميم ما سيفعلونه في مراحل لاحقة .... لقد سمعت بعضكم، ومراراً، يطلب أن يكون هناك من يضرب، ويعطي أمثلة ضمن تمارين عملية ... واعتقد أنكم محقون في طلبكم هذا. أعتقد أنكم بحاجة لأن تشكلوا مجموعات وتدعو من لديه فكرة أو أفكار بنّاءة لأن يعرضها مع مجموعة من الأطفال، حيث أن التعليم هو نشاط عملي تحكمه نظريات معقدة ... لكنه، في نهاية المطاف، تمرين عملي متتابع الخطوات.

    أي أنه وبإمكانكم أن تتشاركوا في الأفكار والتمارين التعليمية الجيدة، تخلقون شبكات ... فيما بينكم تحافظون فيها على علاقات جيدة، بحيث أن كل من لديه أفكار أو تمارين أو ممارسات أن ينقلها إلى الآخرين، وأن يكون منفتحاً متقبلاً للنقد البناء من بقية زملائه.
    ديفيد ديفيز
    المداخلة والتعقيبات : ترجمة محمد سعيد.
    الشرائح وميثاق حقوق مدارس ريجيو إميليا : ترجمة سيرين حليلة.
     
  2. #2
    ابواسية

    ابواسية مدون نشيط

    رد: نحو بيداغوجية مدرسية متكاملة

    جزاك الله خير الجزاء


     
  3. #3
    kacem9

    kacem9 مدون

    رد: نحو بيداغوجية مدرسية متكاملة

    جزاك الله خير الجزاء