كتاب قيم جدا جدا كبار علماء المسلمين يتخذوه مرجع هام

  1. #1
    sisimou

    sisimou مدون مشارك

    دع القلق وابدأ الحياة
    ديل كارنيجى


    ترجمة
    عبدالمنعم الزيادى




    مقدمــة :


    نشأ ديل كارنيجى شابا فقيرا بإحدى القرى المنتشرة بولاية ميسورى لأبوين فلاحين ، وكان يذهب لمدرسته ممتطيا ظهر دابة بملابس بسيطة وكان ضعيف الجسد هزيلا وترك كل هذا فى نفسه أثرا بالنقص وفى نفس الوقت رغبة ملحة فى التفوق والظهورولأنه ضعيف البنية فكان التفوق الرياضى مستحيلا بالنسبة له فاتجه بدوره إلى فريق المناظرة والخطابة العامة ومن هنا بدأ تفوقه وظهوره الحقيقى .

    عمل بأكثر من وظيفة ولقى فيها كلها فشلا ذريعا وفى عام 1908 اشتغل ببيع اللحوم المحفوظة وحقق نجاحا باهرا حتى تم تعيينه مديرا لأحد فروع الشركة لكنه على الرغم من نجاحه استقال وشد رحاله إلى نيويورك يبغى ظفرا أكبر .

    التحق بالأكاديمية الأمريكية لفنون التمثيل بنيويورك مؤملا أن تزدهر موهبته فى الإلقاء والخطابة العامة ، وقضى بالأكاديمية تسعة أشهر ولما انقضت تلك الاشهر ترك الأكاديمية سئما متبرما وحاول أن يقنع زميلا له بأن يترك الدراسة بدوره وقال له :

    "لا أحسب أنك ستصبح شيئا مذكورا إذا داومت على هذه الدراسة"

    ولم يكن زميله هذا سوى "هوارد ليندساى" الكاتب الروائى وما زال كارنيجى يذكر هذه العبارة التى قالها لصديقه لندساى باعتبارها أول محاولة من جانبه للتأثير فى شخص ما .

    فى 1912 أنشأ "معهد كارنيجى للخطابة المؤثرة والعلاقات الإنسانية" وقد لقيت برامج معهده نجاحا كبيرا واقبالا عظيما ثم سرعان ما أصبح للمعهد فروع كثيرة أربى عددها على 300 فرع فى مدن شتى بلغ تعدادها 168 مدينة فى أمريكا وكندا وجزر هاواى والنرويج . ويقدر عدد الطلبة الذين يلتحقون بالمعهد سنويا 15 ألف طالب من سائر أنحاء العالم .

    ومن الطريف أن زوجته "دوروثى" كانت طالبة بالمعهد وكثيرا ما يحلو لها أن تداعبه إذا رأت منه انسياقا وراء غضبه أو تقاعسه عن أخذ الأمور بحكمة فتذكره أنها انفقت على الدراسة فى معهده 60 دولار ثم تطالبه برد هذا المبلغ حيث أنه هو صاحب المبادىء والتعاليم لا يطبقها على نفسه .

    من أشهر كتبه "كيف تكسب الأصدقاء وتؤثر فى الناس" الذى أعيد طبعه 56 مرة وبيع منه ما يقارب 3 ملايين نسخة وترجم إلى 56 لغة .



    ( إن سر نجاح هذا الكتاب هو أنه لا يقول لك افعل ولا تفعل ، بل يسرد تجارب واقعية فهو لا يحكى عن رجل اسمه جون أو سيدة ما بل يسمى لك هذا الكتاب الأشخاص بأسمائهم ويذكر مواطنهم .. المقدمة طويلة ورائعة لكنى اختصرتها وربما أعود لها لاحقا – قوس المطر)


    الفصل الأول



    عش فى حدود يومك


    فى ربيع 1871 التقط شابا كتابا وقرا فيه 22 كلمة كان لها أبعد الأثر فى تكييف مستقبله ، كان الشاب طالبا يدرس الطب فى مستشفى مونتريال العام بكندا وحين أوشك على دخول الإمتحان النهائى ساوره القلق على مستقبله ولم يدر ماذا يفعل ، ولا كيف يكتسب خبرة ولا كيف يكسب رزقه فيما لو تخرج . لكنه بفضل هذه الكلمات الإثنتين والعشرين أصبح أشهر طبيب فى جيله فهو الذى أسس مدرسة جون هوبكنز للطب ذات الشهرة العالمية وتربع زمنا على كرسى الأستاذية فى الطب بجامعة أكسفورد وأنعم عليه ملك انجلترا بلقب سير ، وحيت توفى نشرت سيرته فى مجلدين كبيرين من 1466 صفحة ، ذلك هو "سير أوسلر" .

    وهذه الكلمات الإثنتين والعشرون التى قرأها فى ربيع 1871 فى كتاب للأديب الإنجليزى الكبير "توماس كارليل" هى :

    "ليس علينا أن نتطلع إلى هدف يلوح لنا باهتا على البعد ، وإنما علينا أن ننجز ما بين ايدينا من عمل واضح بيّن"

    وانقضت على تخرج طالب الطب اثنتان واربعون سنة ، وفى ذات يوم وقف يخاطب طلبة جامعة بيل وأعزى نجاحه كله إلى ما سماه "الحياة فى حدود اليوم" ، قبل أن يلقى كلمته فى جامعة بيل ببضعة اشهر عبر الأطلنطى على عابرة محيط ضخمة ، حيث شاهد القبطان يقف فوق برج الباخرة ويضغط زرا فتجلجل آلات السفينة ويحجب جانب منها خلف حاجز حديدى ولا يبقى منها إلا ما يلزم السفينة فى يومها وقد وقف الدكتور أوسلر يشرح ذلك لطلبته :
    "وكل منكم اروع بنيانا من عابرة المحيط الضخمة ، فعليكم ان تتعلموا السيطرة على آلاتكم فلا تبقوا منها إلا ما يلزم لرحلة اليوم ، فليتصور كل منكم نفسه واقفا فوق البرج وليتخيل أنه ضغط زرا فيسمع صوت الابواب الحديدية وهى تغلق على الماضى (الماضى الذى لم يعد له وجود) ثم ليضغط زرا آخر فتسدل ستائر حديدية على المستقبل (المستقبل الذى لو يولد بعد) وبذلك يضمن السلامة فى يومه هذا ، عوّدوا أنفسكم العيش فى حدود اليوم " .

    وقد نصح الدكتور أوسلر أن يبدؤا يومهم بالدعاء الذى كان يتلوه المسيح "خبزنا كفافنا أعطنا اليوم" وذكرهم أن هذا الدعاء كان من أجل خبز اليوم وحسب ، فلا هو يحتج على الخبز الردىء الذى كان بالأمس ولا هو يقول مثلا "يا الهى لقد عم الجفاف ونخشى ألا نحصل على خبزنا فى الخريف القادم" أو يقول "لو أننى فقدت وظيفتى فكيف أحصل عندئذ على الخبز" .

    هل كان الدكتور أوسلر يعنى أنه لا ينبغى لنا أن نستعد للغد أو نفكر فيه ؟ كلا ! فقد مضى فى خطبته تلك فقال " أن أفضل الطرق للإستعداد للغد ، هى أن نركز كل ذكاءنا وحماسنا فى إنهاء عمل اليوم على أحسن ما يكون .. هذا هو الطريق الوحيد الذى نستعد به للغد !

    لقد اعترض الكثيرون على قول السيد المسيح:" فلا تهتموا للغد ، لأن الغد يهتم بما لنفسه . يكفى اليوم شرّه" وقال هؤلاء :" كيف لا نفكر فى الغد ، بل ينبغى أن نفكر فيه ونتأهب له وينبغى أن نوفر مالا لأوقا الشيخوخة وأن نعد المشروعات لمستقبل حياتنا"
    وهذا حق !
    نعم يتحتم عليك أن "تفكر" فى الغد وتعد العدة له ولكن لا يجب أن "تهتم" له . والهم مرادف القلق .

    حظيت أخيرا بمقابلة "آرثر هيلر سلزبرجر" وهو ناشر جريدة "نيويورك تايمز" إحدى كبريات الصحف فى العالم فقال لى :
    انه عندما نشأت الحرب العالمية فى أوربا ساوره القلق والإشفاق من المستقبل حتى استحال عليه أن ينام فكان كثيرا ما يصحو من نومه ليلا فيتناول قلما وقرطاسا وينظر إلى صورته فى المرآة وينقلها على القرطاس ولم يكن يعلم شيئا عن فن الرسم . فقط لكى يبعد القلق عن ذهنه وذكر لى مستر سلزبرجر أنه لم يستطع مع ذلك أن يطرد القلق إلا حين اتخذ شعارا هو هذه الكلمات الثلاث المقتطفة من أحد التراتيل :

    "خذ بيدى أيها الضوء الكريم ، وثبت قدمى "
    "إنى لا أطمع فى الأفق البعيد ، خطوة واحدة تكفينى "

    وفى نفس الوقت كان هناك شاب فى مكان ما فى أوربا يرتدى البزة العسكرية ويتلقى هذا الدرس ، ذلك هو "تيد بنجرمينو" من أهالى بلتيمور بولاية ماريلاند .

    وقد كتب إلىّ "تيد" يقول :
    فى أبريل عام 1945 اجتاحنى القلق حتى سبب لى داءا عضالا فى القولون عانيت منه الألم المرير ولو أن الحرب لم تنته يوم انتهت لكنت قد أصبت بانهيار تام .

    فقد كنت أعمل ضابطا فى لجنة سجلات القبور التابعة لفرقة المشاة الرابعة والتسعين . وكانت مهمتى أن أساهم فى إعداد سجلات بأسماء الجنود والضباط القتلى والمفقودين والجرحى ، كما كنت أساهم فضلا عن هذا فى استخراج جثث القتلى من الحلفاء والأعداء على السواء وكان علىّ أن أجمع مخلفات هؤلاء القتلى وأرسل بها إلى ذويهم الذين يحلّون مثل هذه المخلفات محلا كبيرا فى نفوسهم ومن هنا اعترانى القلق خشية ان يوقعنى الإرتباك فى خطأ جسيم وكنت دائم التساؤل :
    ترى أيمكن أن تتاح لى النجاة بعد هذا كله ؟ ايقدر لى أن أحمل طفلى الأوحد الذى يبلغ من العمر ستة عشر شهرا والذى لم أكن قد رأيته بعد ؟
    كنت قلقا مجهدا حتى اننى فقدت من وزنى 34 رطلا فلا أرى غير عظام يكسوها الجلد فيستبد بى الفزع من أن أعود غلى وطنى آدميا محطما وأنفجر باكيا كالطفل وقد حدث عقب إحدى المعرك الكبرى أن انتابتنى نوبة طويلة من البكاء وانتهى بى المطاف إلى مستشفى حربى .
    وهناك وجه لى الطبيب نصيحة غيرت مجرى حياتى تماما ، فبعد أن فحصنى فحصا دقيقا أنهى إلىّ بأن مشكلتى ليست جسمانية بل عقلية ... قال :

    "اسمع يا تيد .. إنى أريدك ن تنظر إلى حياتك كأنها ساعة زجاجية كتلك التى استخدمت قديما لتحديد الوقت . أنت تعلم أن هناك آلافا من حبات الرمل توضع فى نصف الساعة الأعلى فتمر ببطء وفى نظام دقيق من خلال الرقبة الضيقة إلى نصفها الأسفل فلا أنت ولا أنا نستطيع أن ندفع بأكثر من حبة واحدة إلى عنق الساعة دون أن نصيبها بخلل ، وأنا وأنت والناس جميعا كهذه الساعة الزجاجية ، فعندما نصحو فى الصباح نجد مئات الأعمال فى انتظارنا فإذا لم نصف هذه الأعمال كلا بدوره على حدة وفى بطء وانتظام مثل حبات الرمل من عنق الساعة ، فإننا نعرض كياننا الجسمانى والعقلى لخطر التحطيم" .

    وقد سرت وفق هذه الفلسفة منذ ذلك اليوم التاريخى . وقد أنقذتنى هذه النصيحة جسمانيا وعقليا أثناء الحرب وساعدتنى كثيرا فى عملى بعد انهاء الحرب فكنت دائما ما اردد :

    "حبة واحدة من الرمل فى الوقت الواحد .. عمل واحد فى الوقت الواحد" .

    وما زلت أكرر ذلك حتى اصبحت وفى وسعى أن أنجز أعمالى بمعزل عن القلق الذى كاد يحطمنى فى ساحة المعركة"




    ...


    أنت وأنا نقف اللحظة فى ملتقى طريقين أبديين :

    الماضى الفسيح الذى ولّى بغير رجعة .. والمستقبل المجهول الذى يطارد الزمن ويتربص بكل لحظة حاضرة .. ولسنا بمستطيعين العيش ولو بمقدار جزء من الثانية فى أحد هذين الطريقين الأبديين .. فإذا حاولنا ذلك لم تجدينا المحاولة إلا تحطيم أجسامنا وعقولنا . وإذن فدعنا نرض بالعيش فى الحاضر الذى لا يمكن أن نعيش إلا فيه .. دعنا نعش اليوم إلى أن يحين وقت النوم . لقد كتب الروائى الكبير "روبرت لويس ستيفنسون" يقول :

    "كل امرىء يستطيع أن يحمل عبئه مهما ثقل ، إلى أن يرخى الليل سدوله . وكل امرىء يستطيع أن ينجز عمل يوم واحد مهما صعب ، وكل امرىء يستطيع أن يعيش قرير العين راضيا صبورا محبا نقيا إلى أن تغرب الشمس ، وهو كل ما تبغيه منا الحياة فى الحقيقة" .

    نعم ، هذا هو كل ما تتطلبه منا الحياة ، ولكن "مسز أ . ك . شيلد" من أهالى ولاية متشيجان ، تملكها اليأس مرة إلى حد الإشراف على الإنتحار ، قبل أن تتعلم كيف تعيش إلى أن يحين وقت النوم . روت لى مسز شيلدز قصتها فقالت :

    "فى عام 1937 فقدت زوجى ، فانتابنى الحزن الشديد فضلا عن الفقر المدقع الذى وجدت نفسى أكابده . فكتبت إلى مخدومى السابق "مستر ليون روش" صاحب شركة روش كارلر فى مدينة كانساس أطلب عملا واستطعت أن أحصل على عملى السابق ، وهو بيع الكتب إلى المدارس الريفية والداخلية بالعمولة . وكنت قد بعت سيارتى حين انتاب المرض زوجى ولكنى استطعت تدبير شىء من المال دفعته دفعة أولى فى سيارة مستعملة وعدت ابيع الكتب من جديد . وكنت أظن أن العودة إلى العمل قد تذهب بعض حزنى ولكن خاب فألى .

    وفى ربيع 1938 اقتضانى العمل أن أرتحل إلى بلدة "فرساى" بولاية ميسورى . وهناك استشعرت الوحدة والإكتئاب حتى فكرت جديا فى الإنتحار .. فقد لاح لى أن استمرار حياتى على هذا المنوال أمر مستحيل . إذ كنت أخشى أن أستيقظ كل يوم لأواجه الحياة التى أظلمت فى عينى ، وكنت دائمة القلق : أخشى ألا أستطيع تسديد اقساط السيارة أو دفع إيجار الغرفة ، وأخشى ألا أجد طعاما أقتات به .. وأخشى أن تتدهور صحتى فلا أجد الطبيب . وما منعنى من الإنتحار إلا شيئان : تصورى مدى حزن شقيقتى لموتى ، وعدم توافر ما يكفى من المال لجنازتى .

    وفى ذات يوم .. قرأت مقالا انتشلنى من هذه الوحدة ووهبنى القدرة على مواجهة الحياة . ولن افتأ أشكر لهذه الجملة التى قرأتها فى ذلك المقال وهى :

    "ليس اليوم إلا حياة جديدة لقوم يعقلون"

    وكتبت لفورى هذه الجملة على الآلة الكاتبة وألصقتها على نافذة سيارتى فى مواجهة مقعد القيادة لكى أراها طول الوقت . لقد علمتنى هذه العبارة أن أعيش كل يوم على حدة ، وأن أنس الأمس وألا أفكر إلا فى الغد" .

    من تظنه نظم الكلمات التالية :

    "ما أسعد الرجل .. ما أسعده وحده ..
    ذلك الذى يسمى اليوم يومه ،
    والذى يقول وقد أحس الثقة فى نفسه ..
    يا أيها الغد كن ما شئت ..
    فقد عشت اليوم لليوم ، لا غده ولا أمسه"

    إنها تبدو متمشية مع روح العصر الحديث .. أليس كذلك ؟
    لكنها كُتبت قبل ميلاد المسيح بثلاثين عاما ، كتبها الشاعر الرومانى "هوارس" .

    ومن أفجع الحقائق التى أعرفها عن الطبيعة الإنسانية ، أننا جميعا ميالون إلى نبذ الحياة ! أننا يلذ لنا جميعا أن نحلم بروضة مزهرة عبر الأفق ، بدلا من أن ننعم بالأزاهير المتفتحة خارج نوافذنا فى يومنا هذا .

    ^


    ^

    ..

    كتب "ستيفن ليكوك" يقول :

    "ما أعجب الحياة ! يقول الطفل : عندما أشب فأصبح غلاما .. ويقول الغلام ، عندما أترعرع فأصبح شابا .. فإذا واتته الشيخوخة ، تطلع إلى المرحلة التى قطعها من عمره ، فإذا هى تلوح كأن ريحا اكتسحتها اكتساحا ، إننا لا نتعلم إلا بعد فوات الأوان ، أن قيمة الحياة فى أن نحياها ، فى أن نحيا كل يوم منها وكل ساعة" .

    لقد أوشك "ادوارد إيفانزا" من أهالى ديترويت ، أن يقتل نفسه قلقا واكتئابا ، قبل أن يتعلم أن قيمة الحياة فى أن يحياها ، وأن يحيا كل يوم منها وكل ساعة" .. نشأ إيفانزا فقيرا معدما يكتسب رزقه من بيع الجرائد ، فقد اشتغل كاتبا فى محل بقالة ثم التحق بوظيفة مساعد لمدير مكتبه ، كل ذلك وهو يعول سبعة اشخاص ويكدّ ليوفر لهم القوت . ورغم أن أجره عن عمله الأخير كان ضئيلا فإنه كان يخشى الإستقالة منه مخافة أن يتضور هو وعائلته جوعا .

    وانقضت ثمانية أعوام قبل أن يستجمع إيفانزا أطراف شجاعته ، ليبدأ عملا مستقلا . وقد بدأ بدأ عمله المستقلّ برأس مال مقترض قدره خمسة وخمسون دولارا . لكنه اصبح يربح عشرين الف دولار فى العام ! ثم حلّت به نكبة . فقد أمدّ صديقا له بمبلغ كبير من المال فما لبث صديقه أن أفلس !

    وفى أعقاب هذه الكارثة حلّت كارثة أخرى . فقد أفلس بدوره المصرف الذى يودع فيه إيفانزا أمواله جميعا . وأصبح إيفانزا فإذا هو مفلس لا يملك مليما واحدا بل أصبح مدينا بمبلغ ستة عشر ألف دولار ، ولم تتحمل أعصابه ذلك كله ، قال لى :

    "لم استطع أن آكل أو أنام وانتابنى المرض .. المرض الذى جرّه علىّ القلق ولا شىء غير القلق وبينما أنا اسير ذات يوم أدركنى الإعياء وتهاويت فى عرض الطريق وحملنى الناس إلى بيتى . ولم البث حتى تفجر جسمى بثورا مؤلمة حتى أن مجرد الرقاد فى الفراش أصبح محنة شديدة ، وكان هزالى يزداد يوما بعد يوم ، وأخيرا أنهى إلىّ الطبيب أننى لنم أمكث حيا أكثر من اسبوعين ّ وصدقت ذلك وكتبت وصيّتى ولبثت فى الفراش أنتظر النهاية المحتومة .

    لم يعد يجدى إذ ذاك الخوف ولا القلق ، ومن ثم امتثلت للاقدار واسترخيت ورحت فى نوم عميق . ولم يكن مجموع ما قطعته فى النوم خلال الاسابيع الماضية يزيد على ساعتين ! ولكنى وقد أوشكت مشكلتى أن تحل بالموت ، استغرقت فى النوم كالطفل ، وبدأت المتاعب التى كنت أحسها تختفى وعادت إلىّ شهيتى وازداد وزنى مرة أخرى لفرط دهشتى !!

    ومرت أسابيع قليلة ، فاستطعت أن أمشى متوكئا على عصايتين ، ثم مرت ستة اسابيع فاستطعت أن أعود مرّة أخرى إلى العمل ! وكنت قبل مرضى أربح عشرين ألف دولار فى السنة ، ولكنى اليوم قانع بعمل يدر علىّ ثلاثين دولار فى الاسبوع . ولقد وعيت الدرس الآن . فمحوت القلق من نفسى وركزت كل وقتى ونشاطى وحماستى فى عملى الجديد .

    وقد تقدم إيفانزا فى عمله المتواضع ذلك . فلم تمض سنوات قلائل حتى أصبح مديرا للشركة التى يعمل بها .. شركة "إيفانزا للإنتاج" !
    وعندما توفى عام 1945 ، كان يعد رجلا من اشد رجال الأعمال فى الولايات المتحدى نجاحا . وإذا قُدر لك أن تطير يوما فوق جرينلاند فقد تهبط فى "مطار إيفانزا" المطار الذى أطلق عليه اسمه تخليدا لذكراه .

    وإليك مغزى هذه القصة :

    لم يكن ادوارد ايفانزا ليحرز النجاح الذى أحرزه فى ميدان الأعمال وفى الحياة عموما ، لو لم يُقدر له أن يعيش فى حدود يومه ، وأن يمحو القلق على الناشى وعلى المستقبل .

    منذ خمسة آلاف سنة قبل الميلاد ، قال الفيلسوف الإغريقى "هرقليط" :

    كل شىء يتغير ، إلا قانون التغير .. إنكم لا تهبطون نهرا بعينه مرتين فالنهر .. فالنهر يتغير كل ثانية ، وكذلك الرجل الذى يهبطه فالحياة فى تغير لا ينقطع ، والشىء الأكيد فى هذه الحياة هو اللحظة التى نعيش فيها ، فلماذا نشوه جمال لحظتنا هذه ويومنا هذا ، بحمل هموم المستقبل الذى يخضع لقانون التغير ؟

    وفى هذا المعنى نفسه وضع الرومان الأقدمون مثلا من كلمتين (caros diem) "استمتع باليوم" أو "استمسك باليوم" .

    وكان جون راسكن يضع على مكتبه قطعة من الحجر منقوش عليها كلمة واحدة هى "اليوم" .
    وأنا لا أضع قطعة من الحجر على مكتبى وإنما ألصق على مرآتى قصاصة ورق مكتوبة عليها هذه القصيدة لكى أطالعها كل صباح .. قصيدة كان سير وليم أوسلر يحتفظ بها على مكتبه ، وهى من نظم الكاتب الهندى الشهير "كاليداسا" :


    تحية إلى الفجر

    أنظر إلى هذا اليوم ..
    إنه الحياة .. جوهر الحياة ..
    فى ساعاته القليلة ..
    تكمن حقيقة وجودك ..
    معجزة النمو ..
    ومجد العمل ..
    وروعة الإنتاج ..
    فالأمس ليس إلا حلما ..
    والغد ليس إلا خيالا ..
    أما اليوم إذا عشناه كما ينبغى ..
    فإنه يحعل من الأمس حلما سعيدا ..
    ويجعل من الغد خيالا حافلا بالأمل ..
    هكذا ينبغى أن نحيى الفجر ..




    ملاحظة هامة: هذه فقط لمحة عن الكتاب
    طلبي الوحيد اقرؤوا الكتاب وردوا علي الجواب من فضلكم وهذاما نصحت به احد الاخوة في المنتدى لما ضاقت عليه الارض بما رحبت






    ^
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏31 يناير 2016