البحث التربوي بالمغرب حصيلة وتقويم

  1. #1
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط

    البحث التربوي بالمغرب : حصيلة وتقويم



    شهد قطاع التربية والتعليم ببلادنا في منتصف الثمانينات عدة تحولات أبرزها إقرار نظام التعليم الأساسي سنة 1986، وتطبيق النظام الأكاديمي للامتحانات، كما تم تبني نموذج التدريس بواسطة الأهداف رسميا. وبموازاة مع هذه التحولات ومواكبة للمستدجدات العالمية، اتجهت جهود المربين والباحثين والمهتمين للمساهمة في هذا التغيير وبأقلامهم، وإغناء الحق التربوي باجتهاداتهم، فتوجت هذه الجهود بظهور العديد من المؤلفات والمجلات والملاحق التربوية، واليوم وبعد مرور أزيد من عشر سنوات على هذه التحولات نجد أن أنفسنا أمام حقيقتين :
    - الحقيقة الأولى : يمكن الحديث بكل موضوعية وبدون مبالغة عن تراكم تربوي مهم ومتنوع.
    - الحقيقة الثانية : أن هذا التراكم بحاجة لعملية تقويمية قصد غربلته وتصنيفه وتسهيل عملية الاستفادة منه.


    1- إشكالية النقد التربوي

    يكتسي النقد أهمية قصوى وبعد الأداة الرئيسية التي تدفع بكل إبداع إلى الأمام، فمهمة الناقد لا تقل عن دور الكاتب إن لن نقل إنها أصعب، فاكتشاف النقائص وإبراز الثغرات يتطلب الثقافة الواسعة والمتابعة والاطلاع ويقتضي قوة التركيز ودقة الملاحظة. ولها أهم مفارقة يمكن الوقوف عليها بالنسبة للبحث التربوي وعلاقته بالنقد هي كما يلي :
    أن يكتب المرء في الشعر - القصة - التاريخ - الرواية ... الخ، فعليه أن يتوقع بعد وقت وجيز من صدور أو نشر عمله مجموعة من الانتقادات الشكلية أو الجوهرية، المرتبطة بالمنهجية المتبعة أو الأسلوب، بالمؤثرات والاقتباس والتعميمات.
    أما أن يكتب باحث في مجال البحث التربوي، فحظه سيكون أفضل، إذ سيضمن ترويجا لمادته الخام وإعجابا بمحتوى كتابه، وحتى الذي يلاحظ الفجوات أو يستنتج التناقضات، فلن يجرأ على ترجمة خلاصاته كتابة والجهرة عبر منبر معين بملاحظاته، ونعتقد أن من بين أسباب غياب النقد التربوي ما يرتبط بالحداثة، ذلك أن بداية الاهتمام بهذا الميدان لا تتعدى العقدين من الزمان، وما ظهر مم أعمال وإلى يومنا هو بداية حدوث تراكم قد تعقبه لا محالة عمليات الغربلة والتصفية بواسطة النقد، ويمكننا إضافة عامل ثان يتمثل في انشغال المهمتي التربويتين بالكتابة نظرا لسهولة وسرعة ترويجها، والإقبال على استهلاك ما يعرض منها، فقد لا تتطلب عمليات اختبار الموضوع وجمع المادة وضياغة المضمون من الوقت ما يتطلبه النقد البناء الموضوعي والذي يقتضي التمحيص ومقارعة الأفكار بالحجج الدامغة ودحض وتفنيد الاستنتاجات والخلاصات بالبراهين القوية، وفي كثير من الأحيان يصعب الدخول في مغامرة نقدية عندما يتعلق الأمر بأعمال مقتبسة من كتابات أجنبية أو مساهمات اعتمدت أسلوب القرصنة وإسقاط نتائج أبحاث جرت في بيئات مختلفة عن واقعنا المحلي، وغالبا ما تقابل مثل هذه الأعمال بانبهار القراء وتلصق بأصحابها صفات الاجتهاد والجدية وحسن الاطلاع ... إلخ، مما يجعلهم محميين من كل الملاحظات ومتمتعين "بالحصانة النقدية".

    2- حصيلة البحث التربوي

    بين الفينة والأخرى تطالعنا بعض الاجتهادات بحصيلة مجالات معرفية معينة، مما يسمح بالحكم على الرصيد كما وكيفا، ويتيح إمكانية التقويم والتصنيف والتمييز بين الغث والسمين، ويفتح آفاقا جديدة للتطرق للمواضيع المهمشة. وإذا كانت الكتابة التربوية ببلادنا لا زالت حديثة مقارنة مع الحقول المعرفية العريقة، فإن ما كتب على الأقل منذ الثمانينات وإلى يومنا يشكل تراكما وبالإمكان استثمار هذه الحصيلة،، وعمل كهذا يقتضي القيام بجرد أولي للكم التربوي المتناثر بين الكتب والمجلات والصحف والدوريات والنشرات قبل التفكير في التصنيف، وهو عمل يتسم بالصعوبة ويحتاج إلى التأني والصبر، والدعوة مفتوحة لكل من يأنس في نفسه القدرة على خوض هذه التجربة خدمة لمجال البحث التربوي، أما مساهمتنا المتواضعة فما هي سوى محاولة أولية لمقاربة هذا الميدان وبناءا على ما توفر لدينا من أعمال تربوية وما سبق لنا الاطلاع عليه.

    2-1- الترجمة والاقتباس

    مباشرة بعد تبني المغرب رسميا للتدريس الهادف، ونظرا لطابع التسرع وغياب إلمام المدرسين بهذه البيداغوجية، سارع العديد من الباحثين لملئ الفراغ وظهرت الكثير من الأعمال المترجمة أو المقتبسة، وإذا كنا لا ننكر أهمية وقيمة هذه المؤلفات فإن ما يؤاخذ على الأقل وعلى بعضها هو من جهة اعتماد الترجمة الحرفية - الكلمة ومقابلها - الشيء الذي أبعد المضمون الأصلي عن محتواه الحقيقي وجعل إمكانية الفهم والاستيعاب عسيرة، ومن جهة أخرى وفي غياب معجم تربوي يوحد دلالات المفاهيم بين الباحثين، تعددت الاجتهادات الشخصية وظهرت العديد من المصطلحات والمرادفات التي حاصرت القارئ فاختلط عليه الحابل بالنابل، إلا أن هذه الخطوة كانت ظرفية إذ ظهرت بعد ذلك كتابات اعتمدت على ما هو خارجي كإطار عام وسعت لتكييفه مع خصوصيات البيئة المحلية.

    2-2- القضايا الديداكتيكة

    حظي حقل الديداكتيك بالاهتمام البالغ نظرا لتعدد المواد والتخصصات، وما يميز هذا المجال هو انكباب المحتكين بميدان الممارسة على تشخيص النقائص وإبراز الفجوات وتقديم الاقتراحات، ولقد انعكست هذه الاجتهادات على مستوى الممارسة الفصلية حيث طرأ تحول جذري على تدريسيه كل المواد وأصبح الفعل التعليمي - التعليم يتم بشكل معقلن، وتمرير المضامين الدراسية بطرق فعالة ووفق منهجية مضبوطة ومحكمة.

    2-3- البحوث التربوية

    تزخر العديد من مراكز التكوين بعدد لا يستهان به من البحوث القيمة التي أنجزها الطلبة الأساتذة أو المفتشون المتدربون، يضاف لما سبق البحوث المنجزة على صعيد الأكايديميات وفي إطار المنسقيات وما يميز هذه الأعمال هو مزاوجتها بين النظري والميداني، كما أنها تنطلق من إشكاليات وفرضيات واضحة المعالم تعتمد المنهج العلمي في تمحيص وتحقيق النتائج كالتجربة والاستمارة والملاحظة ... إلخ، وأخيرا تمتاز هذه البحوث بتنوعها بين عام وخاص، أكاديمي وديداكتيكي، ما يرتبط بدراسة الظواهر وتحليل الخطاب، وما يخص العلاقات بين العناصر الفاعلة (المدرس - المشرف - الإداري) والعناصر المتفاعلة (أهداف - مضامين - طرق - وسائل - تقويم)، إلا أن هنا الرصيد لا يزال مهمشا ولا تتم الاستفادة منه بالشكل المرجو، لذا نعتقد أنه قد حان الأوان لإخراجه من الرفوف واستغلاله في مجالات معينة كالتنقيف الذاتي والتكوين المستمر.

    2-4- الممارسة الصفية

    سعت العديد من الكتابات لتشخيص واقع الفعل التعليمي - التعلمي ورصد مختلف الإراغامات والصعوبات التي تعيق نجاح العملية التعليمية، وأغلب هذه المساهمات نابعة من المحتكين مباشرة بميدان التدريس، ولقد حظيت بيداغوجية الأهداف بالحظ الأوفر ضمن هذه الكتابات، علاوة على محاولات الوقوف عند بعض الظواهر السلبية التي تسربت للمؤسسات التعليمية كتنامي روح العدواني والعنف والغش والهدر المدرسي ... إلخ.

    2-5- التلميذ والوسط

    ركزت بعض الكتابات على التلميذ باعتباره محور العملية التعليمية - التعلمية، وسعت إلى تفسير نفسيته وتبرير بعض سلوكته وتصرفاته وعلاقاته بالآخرين، كما بحثت في تأثير الوسط الأسري ووسائل الإعلام والشارع على التحصيل الدراسي، ودور الرياضة ودور الشباب في توجيه الطفل وتوعيته وتجنيبه الانحراف، ووقفت بعض الدراسات القيمة عند خصائص المراهقة وميول واتجاهات الطفل المغربي وأسباب الفشل الدراسي وأوضاع التمدرس بالعالم القروي وأسباب العزوف عن الدراسة.

    2-6- مواكبة المستجدات

    تخصص بعض الباثحين في التنقيب عن جديد التربية والتعليم في العالم وتجارب الدول المتقدمة والنامية، وإذا كان هدف بعضهم من وراء هذا الجهد هو إحاطة رجال التربية ببلادنا بما يجري خارج حدودنا وبمظاهر التجديدن فإن هدف البعض الآخر يتخذ دعوة - ضمنية أو صريحة - لتبني هذه المستجدات وتجربتها دون استحضار الاختلافات والفوارق المرتبطة بطبيعة كل بيئة من حيث الهوية والقيم السائدة والمستوى الاقتصادي والتكنولوجي وخصائص المجتمع، إلى جانب هؤلاء يتجه بعض الباحثين لمسايرة ما يصدر من مذكرات وزارية تتوخى التجديد التربوي أو تطوير النظام التعليمي، كمشروع المؤسسة والدعم التربوي والتقويم ... إلخ، فيساهمون باجتهاداتهم في التعريف بهذه المشاريع وإفادة القارئ والمعني المباشر بالمذكرات.

    3- تقويم أولي للحصيلة

    لا يسعنا إلا أن نبدي كامل الارتياح مع التنويه بما تحقق تراكم تربوي سيزداد لا محالة في ظل التحولات التي تشهدها وخصوصا ما يرتبط بالتعليم الذي تعلق عليه كل الآمال من أجل تحقيق التنمية المنشودة وتجسيد تطلعات المجتمع، سنقتصر في تقويمنا لهذه الحصيلة على إبراز ما يلي :

    3-1- غلبة الديداكتيك

    يتخذ النظام التربوي شكلا هرميا تتموضع في قمته الغايات وتليها الأغراض فالأهداف العامة وأخير الأهداف الخاصة والتي تتجسد على مستوى الممارسة الفصلية، ولعل أي متصفح لمجلة أو ملحق تربوي أو منشورات النيابات والأكاديميات وحتى البحوث الأكاديمية، يلاحظ منذ الوهلة الأولى غلبة المواضيع ذات الطابع الديداكتيكي، بحيث يظل الاهتمام منصبا بالدرجة الأولى على ما هو مرتبط بالمضامين الدراسية والكتب المدرسية وطرق التدريس والوسائل التعليمية وأنشطة التعليم والتعلم والتقويم التربوي. وهذا العمل إيجابي ولا يمكن نكران فوائده ومزاياه. إلا أن هناك تهميش إن لم نقل تغييب للمشروع التربوي بحيث تنعدم الاجتهادات المتعلقة بتطوير المناهج - بعيدا عن التنظير وإعادة الأدبيات العالمية في قالب محلي - تقديم تصورات لما ينتظر من التربية تحقيقه وكيفية بلوغ ذلك، تغييب لاقتراح غايات وأغراض نابعة من خصائص مجتمع وتستحضر مختلف القيم السائدة والعادات والثوابت والمكتسبات، وعلى ضوئها تحدد مسارات للمستقبل، فالاهتمام بالديداكتيك - قاعدة الهرم - على حساب المشروع - قمة الهرم هو بمثابة سياقة حافلة بدون مقود، والديداكتيك يسمد قوته من المشروع ويتطور بتطوره.

    3-2- درجة الاستفتدة من الحصيلة

    جل الأبحاث القيمة التي أنجزت لم تتم الاستفادة منها بالشكل المطلوب علما بأن مواضيعها تتسم بالتنوع ونتائجها على جانب كبير من المصداقية، بينما المجلات التي يصدرها باحثون أو التابعة للنيابات والأكاديميات فإن حظها أفضل إذ يطلع عليها جمهور عريض من المهتمين والفاعلين، كما أنها وبحكم تنوع أبوابها ومواضيعها ومسايرتها لواقع الممارسة تحظى بالتقدير وتلبي حاجيات كل الأذواق.
    وأخيرا تعززت الساحة التربوية بتخصيص أغلب الصحف لملاحق أسبوعية أو نصف شهرية تحريص على متابعة نقل جديد التربية والتعليم ببلادنا وتشكل منبرا لرجال التأطير والتدريس لإبداء وجهات النظر وتقديم التصورات والاقترات وتدارس ومناقشة المستجدات وإبراز الاختلالات.

    خلاصة

    لقد كان الهدف المتوخى من وارء هذه المساهمة المتواضعة هو محاولة ملامسة بعض المجالات المرتبطة بالبحص التربوي بالمغرب، حيث أثرنا إشكالية النقد وتوقفنا عند الحصيلة وأبرزنا بعض الجوانب التقويمية، لا ندعي أننا قد وقفنا، بل بالعكس نقر بأن عملنا طغت عليه الانطباعات والارتسامات ونعترف بأن ما توفر لدينا من مكتوب تربوي لا يفي بالمطلوب ولا يمثل إطلاقا عينة ممثلة، لذلك تبقى بعض الأحكام الصادرة نسبية وغير قابلة للتعميم، وحسبنا في الأخير أننا قد فتحنا باب هذه الإشكالية وأملنا أن يدلي غيرنا بدلوه وبشكل أكثر جدية.




    يوسف عياسي

    مفتش التعليم الثانوي /اجتماعيات - وجدة