الجزءُ الأوّلُ من الأخطاءِ اللُّغويةِ الشائعةِ سلسلةٌ متصلةٌ

  1. #1
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط

    الجزءُ الثالثُ منَ الأخطاءِ اللُّغويّةِ الشائعةِ

    ( سِلْسِلةٌ متَّصِلةٌ )




    الموضعُ الأوّلُ :
    خطَّأ الشيخُ عليٌّ الطنطاويُّ أن يُقالَ : ( دهسَه ) بمعنى ( دعسَه ) ؛ قالَ : ( الدعْسُ : الوطْءُ الشديدُ .... وبعضُ الصحفيين عندنا يتفاصحون ؛ فيكتبون : " دهسْت " بالهاء بدلَ العينِ . وذلك خطأ )([1])
    . وكذلكَ زعمَ صاحبُ ( معجم الأخطاءِ الشائعةِ )([2]) ، وصاحبُ ( معجمِ أخطاء الكُتَّابِ )([3]) .
    والحقُّ أنَّه لم يرد في المعاجمِ الفعلُ ( دهسَ ) ؛ ولكني وجدتُّه في شعرِ العجّاجِ - وهو حُجَّةٌ غيرَ ريبٍ - ؛ قالَ :
    ** سنابكُ الخيلِ يصدِّعنَ الأيَرْ **
    ** من الصَّفا العاسي ، ويدْهَسْنَ الغَدَرْ **
    قالَ الأصمعي في شرحِهِ : ( وقوله : " ويدهَسنَ الغدَر " ؛ يقولُ : إذا مررنَ بموضعٍ صُلبٍ مرتفعٍ تركنَه دَهاسًا . والدَّهاسُ الترابُ الليِّنُ ، ما لا يبلغُ أن يكونَ رملاً )([4])
    .
    فقد رأيتَ أنَّ أصلَ الدهْسِ أن تُصيِّرَ الشيءَ الصُّلبَ ، أو المرتفعَ سَهلاً ليِّنًا ، وتسوِّيَه بالأرضِ .
    وإذا كانَ كذلكَ جازَ أن يُطلقَ على الوطء الشديدِ ؛ إذِ من لازمِه أن يدلَّ على هذا المعنَى .
    على أنَّ بينَ ( دعسَ ) ، و ( دهسَ ) فرقًا ؛ فأصلُ الدعسِ الطَّعنُ ، ثمَّ توسّعوا فيهِ . وأصلُ الدَّهسِ ما قد علمتَ ؛ فإذا أردتَّ المبالغةَ في إثباتِ شدةِ الوطء ، فالدَّهسُ أولَى ، وأليقُ .



    فقد تبيَّنَ إذًا جوازُ قولِك : ( دهسَ ) بالمعنى الذي ذكرنا .



    الموضعُ الثاني :
    يخطِّئونَ من يّقولُ : ( هامّ ) بمعنى الأمرِ الذي يُؤبَه لهُ ، ويُحتفلُ بهِ ، وبعضهم يخطّئ ذلكَ بإطلاقٍ ، وبعضٌ آخرُ يعتدّه ضعيفًا . ويزعمونَ أنَّ الصوابَ ، أو الأفصحَ في ذلك ( مُهِمّ )([5])
    . والكلامُ على ( هامّ ) ، و ( مُهِمّ ) يحتاجُ إلى تفصيلٍ يُدارُ على مسائلَ :


    المسألةُ الأولَى : في تصاريفِهما ، ودَِلالةِ بِنيتِهما :
    تقولُ : ( همَّه يهُمُّه هَمًّا ومَهَمَّةً وتَهمامًا . وهذا المصدرُ الأخيرُ لم أجده في المعاجمِ . وشاهدُه قولُ أبي دُوَادٍ الإياديِّ في الأصمعياتِ :
    منعَ النومَ ماويَ التَّهمامُ *** وجديرٌ بالهمِّ مَن لا يَنامُ
    فاهتمَّ ، وهو هامّ ، واسم المفعولِ مهمومٌ ، وصيغةُ التفضيلِ منه أهمُّ ) ، و ( أهَمَّه يُهِمُّه إهمامًا ؛ فهو مُهِمّ ، وهي مُهِمّة ؛ جمعُها مُهِماتٌ ومَهامُّ ، واسم المفعولِ مُهَمّ ، وصيغةُ التفضيلِ منه أشدُّ أو أكثرُ إهمامًا ) . تعديهِ بنفسِه ، وبالهمزةِ ، كما تقولُ : ( بدأ الله الخلقَ ، وأبدأه ) ، و ( رجَعَه ، وأرجعه ) ، و ( حزَنَه ، وأحزنَه ) . أما ( الأهمية ) فمصدرٌ صناعيُّ محدَثٌ منسوبٌ إلى ( الأهمّ ) ، غلّبُوه على المعنى الثاني لهذينِ الفعلينِ - كما سيأتي - .



    المسألة الثانية : في معانيهما في استعمالِ الناسِ اليومَ :
    يستعملُ النَّاسُ اليومَ هاتينِ الكلمتينِ وتصاريفَهما للدلالةِ على معنيينِ :
    الأول : بمعنى الأمرِ الذي يضيقُ منه الصدرُ ، ويحزنُ له القلبُ .
    الثاني : بمعنى الأمرِ الجسيم الذييؤبَهُ له ، سواءٌ كانَ محزِنًا ، أم مفرِحًا .



    المسألةُ الثالثةُ : بيانُ حكمِ استعمالِهما بهذينِ المعنيينِ :
    اعلمْ - وصلَكَ الله بفضلِهِ - أنَّ المُحتَكمَ إليهِ في ذلكَ إما سَماعٌ صحيحٌ عن العربِ الذينَ يُحتَجُّ بهم ، وإما قياسٌ تشهدُ له النظائرُ .
    فأمَّا السَّماعُ ، فهو ثابتٌ فيهما جميعًا بالمعنيينِ ؛ فأمَّا ( همّه ) بالمعنى الأوّلِ ، فله شواهدُ ، منها قولُ رؤبةَ :
    ** وهمُّ مهمومٍ ضَنينِ الأضْنَنِ **
    وقالَ ذو الرمة :
    ما ظلَّ مذ وجفت في كلِّ ظاهرةٍ *** بالأشعثِ الوَرْدِ إلا وهْو مهمومُ
    وقال المرّار الفقعسيّ :
    فإنّ الصبا رِيحٌ إذا ما تنسَّمتْ *** على نفْسِ مهمومٍ تجلتْ همومُها
    وأما ( همّه ) بالمعنى الثاني ، فقد أنكرَ السَّماعَ فيهِ بعضُ المتأخّرينَ ، ولم تُثبِته المعاجمُ . والصوابُ أنه ثابتٌ في كلامِ مَن يُحتَجُّ بهِ ؛ قالَ تأبّط شرًّا :
    قليلُ غِرارِ النّوم ، أكبرُ هَمِّهِ *** دمُ الثأرِ أو يلقى كميًّا مُقَنّعا
    وقالَ حاتم الطائيّ :
    لحى الله صعلوكًا مناه وهمُّه *** من العيش أن يّلقَى لبوسًا ومطعما
    وقالَ طرَفة بن العبد :
    ولا تجعليني كامرئ ليس همُّه *** كهمّي ، ولا يغني غَنائي ومشهدي
    وقالَ الأخطلُ :
    والنَّاسُ همُّهمُ الحياةُ ، ولا أرى *** طولَ الحياةِ يَزيدُ غيرَ خبالِ
    ووجهُ الاستدلالِ أنَّ المرادَ بالهمِّ في ما سلفَ ( ما يعني صاحبَه ، ويَُكرِثُه ) . ولمَّا كانَ ( الهمُّ ) فعلُه لا يكونُ إلا ثلاثيًّا ، ثبتَ بهذا ( همَّه يهُمّه ) . فإن قيلَ : ولِمَ لا يكونُ من بابِ ( أحبَّ ) ؛ فإنهم قالُوا ( أحبَّه حُبًّا ؛ فهو محبوب ) . قلت : إنَّ هذا لا يُسلَّمُ ؛ فإنهم قالوا أيضًا : ( مُحَبّ ) ؛ ومنه قولُ عنترةَ :
    ولقد نزلتِ - فلا تظني غيرَهُ - *** مني بمنزلةِ المُحَبِّ المُكرَمِ
    وحكى الفراءُ ( حبَبْتُه أحِبُّه )([6])
    . ثمّ لو سُلِّمَ ذلك ، لم يكن ليصِحّ أن يُحملَ عليهِ إلا بسماعٍ صحيحٍ ؛ فإن عُدِمَ السَّماعُ ، لم يسُغْ لنا إلا أن نحملَ على الأكثرِ المطَّرِدِ .
    أما ( أهمّه ) بالمعنى الأوّلِ ، فمن شواهدِهِ قولُ أبي ذؤيبٍ الهُذليّ :
    تقولُ له كفيتُك كلَّ شيءٍ *** أهمَّكَ ما تخطتني الحُتُوفُ
    وقالَ أبو دهبلٍ الجُمحيُّ :
    أخًا لي عليهِ ضامنٌ ما أهمَّني *** متى ما يُنلني اليومَ لا يعتللْ غدا
    وقالَ أبو وَجزةَ السَّعديّ :
    فتًى قد كفاني سَيبُه ما أهمّني *** ولي خِلتُ في أعقارِهِ مُتَندَّحُ
    أمّا ( أهمَّه ) بالمعنى الثاني ، فشاهدُه قول الله تعالى : [​IMG] وطائفةٌ قد أهمَّتهم أنفسُهم [​IMG] [ آل عمران : 154 ] . أي عَنَتهم ، وكَرَثتْهم . ثمّ قالَ ابنُ المقفع : ( لا عيبَ على الملكِ في تعيشهِ وتنعمهِ ولعبهِ ولهوهِ ، إذا تعهد الجسيمَ من أمرهِ بنفسهِ ،وأحْكَمَ المُهِمَّ ) ، وقالَ الجاحظُ : ( ولنَقلِ الجنِّ الأخبارَ ، علِمَ الناسُ بوفاةِ الملوكِ ، والأمور المُهِمّةِ ) .
    وهذا المعنَى الثاني لـ ( هامّ ) ، و ( مُهِمّ ) لم يتمكنْ في كلامِ الأوائلِ تمكّنَ الأولِ ، ولم يكثرْ كثرتَه ؛ علَى أنه ثابتٌ كما بيّنّا .


    وأما القياسُ ، فأمرانِ : الاشتقاقُ ، والمجازُ .
    فأما الاشتقاقُ فعلى ضربينِ :
    - الضربُ الأولُ : الاشتقاقُ المجرَّدُ :
    ويحتملُ أن يّكون مشتقًّا من أحدِ أصلينِ :
    الأصلُ الأوَّلُ : أن يَّكونَ مشتقًّا من قولِهم : ( همَّ الشحمَ يهُمُّه هَمًّا ) ، إذا أذابَه . وله ثلاثةُ أوجهٍ من الاشتقاقِ :
    الأول : أن يكونَ الوجهُ هو ( المشابهةَ في الأثرِ المحدَثِ ) ، لأنَّ أثرَ الهمّ في الإنسانِ كأثرِ الإذابةِ للشحم ؛ كلاهما يعملُ في إفناءِ متعلَّقِهِ . فلا يدخلُ في هذا إلا المعنَى الأوَّلُ بتصريفَيهِ ، لأنّ الأمرَ الذي يُؤبَه له لا يَعملُ في إفناءِ متعلَّقِهِ .


    الثاني : أن يكونَ الوجهُ هو ( المشابهةَ في مقدار التأثيرِ ) ؛ فيدخلُ في هذا المعنيانِ معًا بتصريفَيهما ، لأنَّهما جميعًا يُحدِثانِ أثرًا ظاهرًا في نفسِ الإنسانِ ، سواءٌ كان سرورًا أم حزنًا .

    الثالث : أن يكون الوجهُ هو ( المسببية ) ، لأنّ الإذابةَ مسببٌ غالبًا لهذا العارِضِ الذي يعتري نفسَ الإنسانِ . ولذلك قالَ المتنبي - وكأنّه فطَِنَ لهذه العَلاقةِ الاشتقاقيةِ - :

    والهمُّ يخترِمُ الجسيمَ نحافةً *** ويُشيبُ ناصيةَ الصبيِّ ، ويُهرِمُ

    ولا يدخُلُ في هذا إلا المعنى الأوَّلُ بتصريفَيهِ .

    فإن قيلَ :
    إنَّه ليسَ كلُّ همٍّ يذيبُ الجسمَ ؛ فمِن الهمومٌ همومٌ لا يجاوزُ أثرُها القلبَ .
    قلتُ :
    أجلْ ؛ ولكنَّ من عوائدِ الاشتقاقِ وعوارضِه ضربًا اسمُه ( التعميمُ بالاستحقاقِ ) ؛ وتأويلُ ذلكَ أنَّ ( الهمَّ ) كما يدُلُّ عليهِ أصلُ اشتقاقِهِ مِن شأنِهِ أن يذيبَ ؛ ولكنْ ربَّما امتنعت إذابتُه لعارضٍ من الضَُّعفِ فيهِ ، أو عارضٍ من القوَّةِ في المفعولِ بهِ الإذابةُ . ونظيرُ هذا لفظُ ( معلومة ) في كلامِ أهلِ هذا العصرِ ؛ فإنَّهم يطلقونَه على ما مِن شأنِه أن يُعلَم ؛ وإن كانَ لا يعلمُه كثيرٌ من النَّاسِ . وشاهدُه من الشِّعرِ قولُ مُويلكٍ المزمومِ في الحماسةِ :
    فلقد تركتِ صغيرةً مرحومةً *** لم تدرِ ما جزعٌ عليكِ فتجزَعُ
    فمعنَى ( مرحومة ) : ( مستحِقةٌ للرحمةِ ) .


    الأصلُ الثاني : أن نخالفَ ابنَ فارسٍ([7]) ؛ فندعيَ أنّ لمادّة ( همّ ) أصلينِ ، أحدُهما يدلّ على ذوَبانٍ ونحوِه ، والآخر يدلّ على قصدٍ وعزمٍ ؛ فيكونُ المعنى الأوّلُ وحدَه محمولاً اشتقاقُه على ما ذكرنا من وّجوهِ الاشتقاقِ . ويكونُ المعنى الثاني محمولاً على الأصلِ الثاني لمادّة ( همّ ) ، ويكونُ معناه ( حملَه على القصدِ والعزمِ والتدبيرِ ) . ويكونُ قولُهم ( همّ بهِ ) مطاوِعًا في المعنى لا في البناءِ لهُ ؛ كأنه ( همّه، وأهمَّه ؛ فهمّ بهِ ) ، وتكونُ الهمزةُ في المزيدِ للجعلِ ، لا للإيقاعِ المباشرِ .


    - الضربُ الثاني : عوارضُ الاشتقاقِ :
    وهو خاصٌّ بالمعنى الثاني لـ ( همّه ) ، و ( أهمّه ) ، لقلةِ ما وردَ منهما ؛ فلنا أن نحتجَّ لهما من طريقِ ( الاستئثارِ اللفظيِّ ) ؛ وذلكَ أنَّ الهمَّ - كما هو مقتضَى الاشتقاقِ - هو ما أذابَ البدنَ كمَدًا وحزَنًا ؛ فاستأثرَ بعضُ أفرادِ المدلولِ ( أي : المعنى ) على الدالِّ ( أي : اللفظ ) ، لكونِه الأصلَ الاشتقاقيَّ ؛ فسُمِّيَ كلُّ أمرٍ جسيمٍ يعتري المرءَ هامًّا ، ومهِمًّا إلحاقًا له بالمعنى الأوَّلِ . وإنما ساغَ هذا لأن المعنيين يشترِكانِ في معنًى جامعٍ ؛ وهو أنهما عارِضانِ جسيمانِ ذوا خطَرٍ ، يعتريانِ نفسَ المرءِ ، وأنَّ أحدَهما - وهو المعنى الأول - أصلٌ في الاشتقاقِ ؛ فأدخلوا الثانيَ فيهِ ، كما أدخلوا النساءَ في الرجالِ في قولِه تعالى : [​IMG] يا أيها الذينَ آمنوا [​IMG] ؛ إذ سوّغَ هذا فضلُ أحدِ الصنفينِ ؛ وهو الرجالُ ؛ وذلك من وجوهٍ كثيرةٍ ، وأنَّهما يشتركانِ في معنًى جامعٍ ؛ وهو البشريةُ .



    وأمَّا المجازُ ، فأن يكونَ المعنى الثاني لـ ( هام ) ، و ( مهم ) مجازًا مُرسَلاً عن المعنى الأوّلِ ، عَلاقتُه السَّببيةُ . وذلكَ أنَّ الهمَّ بمعنى ( ما يَحزُنُ ) ممَّا يُحدِثُ في نفسِ صاحبِهِ الاحتفالَ ، والعنايةَ .


    وبما مضَى يستبينُ أنَّ لكَ أن تقولَ : ( همَّه يَهُمّه ؛ فهو هامّ ) ، و ( أهمّه يُهِمّه ؛ فهو مُهِم ) للدلالةِ على المعنيينِ اللذينِ ذكرنا .



    الموضع الثالث :
    يقولون : ( كسِبَ يكسَب ) . وهو خطأ . الصواب : ( كسَبَ يكسِب ) ؛ قالَ تعالى : [​IMG] بلى من كسَبَ سيئةً [​IMG] [ البقرة : 81 ] ، وقالَ : [​IMG] ومَن يكسِبْ إثمًا فإنما يكسِبُه على نفسِهِ [​IMG] [ النساء : 111 ] .
    وعلةُ الخطأ - وإن كانتْ علةً قاصرةً - أنَّهم حملوا ( كسَب يكسِبُ ) على ( خسِر يخسَر ) حملَ العامِّ على الخاصِّ ؛ إذِ الكسبُ أعمُّ من الخَسارةِ ؛ ولكن بعد أن توهّموهما ضدَّينِ .




    الموضع الرابع :
    نصَّ مجمعُ اللغة العربيةِ بالقاهرةِ على هذا القَرار : ( لا يجوزُ في ألقابِ المناصبِ والأعمالِ اسمًا كانَ أو صفةً أن يّوصفَ المؤنّثُ بالمذكرِ ؛ فلا يقالُ : فلانة أستاذ ، أو عضو ، أو رئيس ، أو مدير )([8]) .
    وهذا القَرارُ سُخفٌ ، وتخليطٌ ، ولعِبٌ . وهو يكشِف لكَ عما ينطوي عليهِ أمرُ هذا المجمعِ ، وأنَّه أُسِّسَ على سَخَطٍ من العربيةِ وغضَبٍ !
    والردُّ على ذلكَ أن نقولَ :
    الأسماءُ نوعانِ : جامدةٌ ، ومشتقةٌ ؛ فأما المشتقةُ ، فيُفصَلُ مؤنَّثُها عن مذكرِها بالتاءِ ، أو بغيرِها من علاماتِ التأنيثِ ؛ نحوُ : ( ذاهب ، وذاهبة ) ؛ إلا أن يكونَ معناها مما يغلبُ أن يقومَ بالمذكَّرِ ؛ فإنَّ لكَ فيهِ وجهينِ : أحدُهما أن تجرِّدَه من التاءِ مطلقًا . والآخرُ أن تبقيَه على الأصلِ ؛ فتفصلَ مؤنّثَه عن مذكرهِ بالتاءِ . والأولُ أحسنُ . ومن أمثلةِ هذا الضربِ ( الشاهد ) ، و ( أمير المؤمنين ) ، و ( الوكيل ) . وأما الجامدةُ ، فإن كانت ممَّا له مذكرٌ ومؤنثٌ حقيقيانِ ، فإنه يجِبُ تأنيثِ مؤنثه ، وتذكير مذكره . وقد استعملَ العربُ لذلك ثلاثةَ أوجهٍ ؛ الأولُ : أن تفصلَ المؤنثَ عن المذكرِ بلفظٍ يخالفُه ، كما قالوا : ( حمار ، وأتان ) ، و ( تيس ، وعنز ) ، و ( رجل ، وامرأة ) . وهو الأكثرُ . الثاني : أن تفصِل المؤنثَ عن المذكر بالتاءِ ، كما تفعلُ في المشتقِّ ؛ ومن ذلكَ ( أسَد ، وأسدة ) ، و ( حمار ، وحمارة ) . الثالث : أن تجعلَ للمذكر والمؤنث لفظًا واحدًا ، إمَّا مختومًا بالتاءِ ، وإما غيرَ مختومٍ ؛ فمن الأولِ نحوُ ( فرس ) . ومن الثاني نحوُ ( حمامة ) . وللتفصيلِ في هذا ، والتعليلِ مَقامٌ آخرُ .
    أما الأسماءُ الجامدةُ التي ليسَ لها مذكرٌ ومؤنّثٌ حقيقيانِ - وهو مقصَدنا - ، فإنَّ العربَ تستعملُ له لفظًا أو ألفاظًا ، ولا تلتزمُ فيهِ وجهًا ؛ فربما جعلوه مذكَّرًا ؛ نحو ( قَلَم ) ، و ( قمَر ) . وربما جعلوه مؤنثًا ، إما تأنيثًا بعلامةٍ ؛ نحو ( ظُلْمة ) ، أو بغيرِ علامةٍ ؛ نحو ( شمس ) . وربما جعلوه مذكّرًا مؤنثًا ؛ نحو ( حالٍ ) ، و ( دِرْعٍ ) . وهذا الضربُ - أعني غيرَ الحقيقي - ليسَ له وجهٌ ثابتٌ في لُغاتِ العالَمِ ؛ بلِ هيَ في أمرٍ منه مختلِفٍ .
    فهذا سبيلُ الاستقراءِ ، قدَّمناه إليكَ موجَزًا .


    أما بيانُ وجهِ القياسِ في ذلكَ ، فنقولُ :
    إنْ وردَ عليكَ لفظٌ مشتقّ ( وهو هنا اسمُ الفاعل ، والمفعول ، وصيغ المبالغة ، والصفة المشبهة ) في غيرِ ما استثنته العرب ، كـ ( فَعول ) ، و ( مِفعال ) ، فإنَّك تفصِل مؤنثَه عن مذكرِهِ بالتاءِ ؛ فتقولُ : ( كاتب ، وكاتبة ) ، و ( رئيس ، ورئيسة ) ، إلا أن يكونَ معناه مما يغلب أن يقومَ بالمذكر ؛ فإن لك فيهِ الوجهينِ ، كـ ( مُدير ) ، و ( رئيس ) . وإلا أن يكونَ من بابِ ( أفعل فعلاء ) ، أو ( فعلان فعلى ) ؛ فإنَّ تأنيثه بالألفِ .


    وإنْ وردَ عليكَ لفظٌ جامدٌ ، فله حالانِ :
    الحالُ الأولى : ألا يبلغَك عن العربِ فيهِ سَماعٌ ، فإنْ كانَ معناه معنى المشتقِّ ، وكانَ له مؤنثٌ حقيقيٌّ ، فصَلْتَ مؤنثَه بالتاء ؛ تقولُ : ( تلميذ ، وتلميذة ) ، و ( أستاذ ، وأستاذة ) . والعربُ كثيرًا مَّا تحملُ الشيءَ على الشيءِ لُعلقةٍ بينَهما في المعنى ، كما فعلوا في بعضِ الأسماءِ الجامدةِ في النعتِ ، والحالِ .
    فإن لَّم يكن له مؤنّثٌ حقيقيٌّ ، فليسَ لكَ إلا أن تلتزمَ تذكيرَه ، لأن التذكيرَ هو الأصلُ ؛ ولذلكَ يخطئ بعضُ الناسِ ؛ فيؤنثُ ( الكمبيوتر ) .
    فإن قيلَ :
    ألا ترَى أنَّه بمعنى ( الآلةِ ) ؟
    قلتُ :
    ألا ترَى أنتَ كذلكَ أنّه بمعنى ( الجهاز ) ؟ وليسَ أحدُهما بأولَى من الآخرِ . وإذْ ثبتَ أن العربَ لا تستنِد في تذكيرِ ما كانَ كذلكَ ، وتأنيثِه إلى علةٍ بيِّنةٍ ، فإنه ليسَ لنا أن نقيسَ على شيءٍ من ذلكَ ؛ ألا ترَى أنهم أنثوا ( الشمس ) ، وذكروا ( القمر ) لغيرِ علةٍ ظاهرةٍ ؛ وإن كنتَ لو فتشتَ واجدًا علةً ؛ غيرَ أنها علةٌ غيرُ موجبةٍ ؛ يبيِّنُ لكَ ذلكَ اختلافُ لغاتِ الأممِ في تذكيرِ ما كانَ كذلكَ وتأنيثِهِ . فلمَّا عدِمنا العلةَ الظاهرةَ ، امتنعَ علينا القياسُ ، لأنك لا تقيسُ على الشيءٍ حتى تعرفَ علتَه . فإن قلتَ : لا أقيسُ عليهِ قِياسَ علةٍ ؛ ولكن قياسَ شبهٍ ؛ أشبِّهُهُ بـ ( الآلةِ ) من جهةِ المعنَى . قلتُ : ليسَ للمحدَثِ أن يقيسَ قياسَ شبهٍ إلا في المواضعِ التي طردتَها العربُ ، كالفعلِ المضارعِ ؛ إذ شبهوه بالاسمِ ؛ فأعربوه ؛ ألا تَرى أنه ليس شيءٌ إلا هو يشبه غيرَه من وجهٍ ، أو وجوهٍ ؛ فلو أخذنا بالقياسِ في ذلكَ ، لأفضَى بنا هذا إلى اضطرابِ الأصولِ ، وانتقاضِ عُقدِ القياسِ . ولذلك لو شبهتَ ( الكمبيوتر ) بـ ( الآلةِ ) ، لأنه أحدُ أفرادِها ، للزِمَك أن تشبهَه بـ ( الجهاز ) ، لأنه أحدُ أفرادِه أيضًا ؛ فتذكرَه ، وتؤنّثَه في حالٍ . وهذا فاسِدٌ . فإذا امتنعَ قياسُ العلة ، وقياسُ الشبهِ ، وجبَ عليكَ الحملُ على الأصلِ في الأسماءِ ؛ وهو التذكيرُ
    ([9]) ؛ فتذكرُ لفظَ ( الكمبيوتر ) . ومثلُه أيضًا لفظُ ( الإنترنت ) ؛ فإنه مذكر ، وتأنيثُه خطأ .

    الحال الثانية : أن يبلغَك عن العربِ فيهِ سَماعٌ ؛ ولكنَّ المحدَثينَ عدَلوا بهِ عن حقيقةِ وضعِهِ إلى ضربٍ من المجازِ ، فإنَّك لا تغيّره عن حالِه لاختلافِ المسنَد إليه تذكيرًا ، وتأنيثًا ؛ بل تطلقُ عليهما لفظًا واحدًا ؛ فتقولُ : ( هذا عضوٌ في مجمعِ كذا ، وهذه عضوٌ في مجمعِ كذا ) .

    فإن قيلَ :
    ما لكَ فرَّقتَ بينَ ( أستاذ ) ، و ( عضو ) ؛ فادعيتَ أن مؤنثَ الأولِ بالتاء ، وجعلتَ الثاني لفظُه لفظُ المذكَرِ ؟
    قلتُ : لأنَّهما مفترقانِ ؛ فالأولُ بُنيَ في أصلِ وضعِهِ على معنى المشتقِّ . ألا ترَى أن معنَى ( أستاذٍ ) : ( معلِّمٌ )
    ([10]) ؛ يشهَدُ لهذا أنهم جمعوه جمعَ مذكَّرٍ سالمًا ؛ فقالوا : ( الأستاذُونَ ) ؛ إذ كانَ بهذا المعنى . ولولا ذلكَ ، لم يسُغْ لهم جمعُه جمعَ سلامةٍ . وممَّن صنَعَ هذا ابنُ قتيبةَ([11]) ، والحريريُّ([12]) . أما الثاني ، فإنه على التشبيهِ البليغِ ؛ إذ إنك إذا قلتَ : ( هذه عضوُ مجمع كذا ) ؛ فكأنك قلتَ : ( هذه في المجمعِ مثلُ العضوِ في البدنِ ) ؛ فتكونُ شبهتَها بالعضوِ ؛ فيستحيلُ أن تقولَ : ( هذه عضوة ) ، لأنك تكونُ شبهتَها بالعضوةِ . وليسَ ذلكَ من كلامِ العربِ .
    فإن قلتَ :
    أحملُها على معنَى المشتقِّ ، كما قالُوا : ( مررتُ برجلٍ أسدٍ أبوه ) ؛ أي : شجاع ، و ( شربتُ ماءً عسلاً طعمُه ) ؛ أي : شديد الحلاوةِ .
    قلتُ :
    هذا محمَلٌ بعيدٌ في هذا اللفظِ . وقد أبَى العلماءُ قياسَه
    ([13]) . ولو سلَّمنا أنّه مقيسٌ ، لم نُسلِّمْ أنَّه يؤنّثُ إذا أسنِدَ إلى مؤنّثٍ ، أو كانَ وصفًا له ؛ إذ لم يردْ في كلامِهم مثلُ هذا . ذلكَ أنَّه وإن ضُمّنَ معنى المشتقِّ ، فإنه باقٍ على إرادةِ التشبيهِ ؛ ألا ترَى أنّ معنى قولِك : ( هذا رجلٌ حديدٌ ) هو : ( هذا رجلٌ كالحديدِ في الصلابةِ ) . وممَّا يُثبتُ لكَ امتناعَه أنّا لو أجزناه ، لكانَ لكَ أن تقولَ : ( مررتُ برجلٍ بدرةٍ أمُّه ) ، و ( هذه امرأة بدرةٌ ) ؛ أي : جميلة كالبدرِ ، كما قلتَ : ( هذه امرأةٌ عضوةٌ ) . وهذا بيِّنُ القبحِ والفسادِ .
    هذا إذا عدِمتَ السماعَ .
    أما إذا بلغَك السَّماعُ عن العربِ في شيءٍ مما انقضَى ذِكرُه ، فليسَ لك إلا أن تتبعَ سبيلَهم ، وتقفوَ آثارَهم . ولذلكَ خطّأ الأصمعيُّ أن يّقالَ للمرأةِ : ( زوجةٌ )
    ([14]) ، لأنه يزعمُ أنه لم يثبت عن العربِ . وردُّوا عليهِ بثبوتِ ذلكَ . على أنّ هذا يفيدُ أن مردَّ هذا الأمرِ إلى السَّماعِ . ويخطئ من يّظنّ أن الأصلَ في مفرداتِ العربيةِ وأحوالِ أبنيتِها القياسُ ؛ بلِ الأصلُ فيها السّماعُ . والقياسُ إنما هو سبيلٌ إلى إدراكِ مذاهبِ العربِ متى ما عُدِم السماعُ .
    ولذلكَ ليسَ لكَ أن تؤنثَ لفظًا ، أو تذكّرَه حملاً على المعنَى ؛ بل تقتصِر في ذلك على السماعِ . أمَّا خبرُ الأعرابيِّ الذي أنّثَ ( الكتاب ) حملاً على ( الصحيفةِ )
    ([15]) ، فشاذٌّ . ولو أبحنا قياسَه ، لكانَ لكَ أن تذكِّرَ كلَّ مؤنّثٍ ، لأنه ليسَ شيءٌ من الموجوداتِ إلا هو يقبلُ أن تئوّلَه بمعنى ( شيء ) . وهذا لازمٌ لا يصِحّ ؛ وإذا امتنعَ ، امتنعَ ملزومُه .


    وبما تقدَّمَ بيانُه يظهرُ أنَّ المجمعَ خلَّطَ بينَ المسائلِ ، وجعلَ حُكْمَها واحدًا ، معَ أنّ حكم ( رئيس ) غيرُ حكمِ ( أستاذ ) ، وحكمَ ( أستاذ ) غيرُ حكم ( عضو ) ؛ بل بلغت بهِ الجرأةُ أن يّجعلَ الفرْضَ محرَّمًا ، والمحرَّمَ فرضًا واجبًا . وفي هذا إضرارٌ بالعربيةِ ، وإغواءٌ للناشئةِ ، واستهانةٌ بأهلِ العلمِ الذينَ يسوءُهم كلَّ المساءةِ أن يتصدَّرَ للفتيا من ليسَ من أهلها ، ويقضيَ في مسائلِ العلمِ من لا يفقُهها ، ولا يدرِك عللَها ، ولا يبصِرُ ما وراءَها . وما يغني عنه أن يكونَ انتسبَ إلى صرحٍ ظاهرُه الصلاحُ ، أو أن يكونَ لبسَ لبوسَ العلماءِ ، وتزيّا بزِيّهم ، وشيَّعَه من الناسِ من شيَّعَه ! فمتَى كانَ العلمُ بالمظاهرِ ، أو كانَ الاعتدادُ بمواطأةِ العامّةِ ؟
    عجِبتُ لإدلالِ العَيِّيِّ بنفسِهِ *** وصمتِ الذي قد كانَ بالقولِ أعلما
    ([16])

    ومن أسفٍ أنَّه قد اغترَّ بهؤلاءِ فريقٌ من الناسِ ممّن رضيَ بالتقليدِ ، واستوطأ مركَبَ التسليمِ ، وجعلَ معيارَ التفاضلِ بينَ الناسِ تلكَ الشَّهاداتِ التي قد تبيّنَ للجاهلِ الأميِّ بلهَ العالمَِ زيفُها ، وانكشفَت له خفاياها ، وأنه إن كانت تَزيدُ صاحبَها شيئًا ، فالجهلَ أقربُ أن تزيدَهُ ، وأنها إن كانت تَكسِبُ أهلَها أمرًا ، فإنما تَكسِبُهم ضِيقَ التَّفكيرِ ، والاتّباعَ المرسومَ ، والمنهجَ المحدَّدَ ، وتسدُّ عليهم مسالكَ الإبداعِ والتجديدِ ، وتصيِّرُهم كالعمَّالِ في سُخرةٍ ، يَسعَون في خدمةِ أغراضٍ منصوبةٍ لهم تَشغلُ عقولَهم عن صُلبِ العلمِ ، ومتينِهِ ، وتشحنُها بما لا يَجدي نفعًا ، ولا يهدي إلى سبيلٍ ؛ حتى إذا غلبَ أربابُها على نفسِهِ ، واستمكنوا من عقلِهِ ، ووثِقُوا من طاعِتهِ لمناهجِهم التي وضعوها ، وشقُّوا مذاهبَها ، إذا هو خاملُ الذِّهنِ ، معطَّلُ التفكيرِ ، مسلوبُ الرأيِ . ثمَّ تجدُ من بعدِ ذلكَ كلَّه مِن الجُهّالِ الأغمارِ مَن آلَى على نفسِهِ ألا يَرى الحقَّ إلا ما قالوه ، ولا يعملَ إلا بما شرعوه ، وأن يجعلَ أصابعَه في آذانِهِ ، ويستغشيَ ثيابَه ، ويُعرِضَ بقلبِهِ عن قولِ غيرِهم ؛ ولو ظهرَ له أن الحقّ معهم ، والعلمَ عندَهم ، إمَّا جهلاً بالفرقِ بينَ الطيِّبِ والخبيثِ ، والجيِّدِ والرديء ، وإما حسَدًا من عندِ نفسِهِ وبغيًا ( أعاذنا الله من حسدٍ يسدّ بابَ الإنصافِ ، ويصُدّ عن جميل الأوصافِ )([17]) .
    أما هذا المجمعُ ، فإنما أقولُ لهُ :
    فلو كانَ عبدُ الله مولًى هجوتُه *** ولكنّ عبدَ الله مولى مواليا
    فهو كما قالَ ابنُ قتيبةَ : ( له تَرجمةٌ تَروقُ بلا معنى ، واسمٌ يهول بلا جسمٍ )
    ([18]) .



    الموضع الخامس :
    خطَّأ صاحبُ ( معجمِ الأغلاطِ اللُّغويةِ المعاصرةِ )([19]) وغيرُه من يقولُ في النسبةِ إلى ( نحْو ) : ( نحَوي ) . وليسَ ذلكَ بخطأ ، لأن ( نحْو ) حلقيُّ العينِ على زنةِ ( فَعْل ) ؛ فيجوزُ لكَ فيه الفتحُ قياسًا ؛ نحو ( الشَّعْر ، والشَّعَر ) ، و ( البحْر ، والبحَر ) ، و ( النّهْرِ ، والنهَرِ ) . ثمَّ تنسِبُ إليهِ بعدَ فتحِهِ .
    فإن قيلَ :
    إنَّ ورودَ مثلِ هذا لا يسوّغُ قياسَهُ ؛ إذ يكونُ لغاتٍ لبعضِ العربِ ، كما قالوا : ( نشْز ، ونشَز ) مثلاً - وهو قولُ البصريينَ
    ([20]) - .
    قلتُ :
    بلِ القولُ الحقُّ الذي يؤدّي إليهِ النظرُ الصحيحُ أنَّ مسألتنا تفارقُ هذه المسألةَ ؛ إذ هي في ما كان حلقيَّ العينِ على زنةِ ( فَعْل ) . وبينَهما فروقٌ ، منها :

    الأولُ : أنَّا لو جعلنا فتحَ العينِ لغةً ، لأفضَى بنا هذا إلى أن نُثبتَ أوزانًا لا تَثبتُ ؛ فنجعلَ لاسمِ المفعولِ بناء ( مَفْعول ) ، و ( مَفَعول ) ؛ فقد حكَى ابنُ جني عن الشجريِّ أنه يقولُ : ( أنا محَمومٌ ) . قالَ ابنُ جني : ( وليس أحدٌ يدَّعي أن في الكلام " مفَعول " بفتح الفاءِ )([21]) . ونظيرُ هذا نفيُ البصريينَ غيرَ الأخفشِ بناءَ ( فُعْلَل ) . وأوّلوا ما وردَ من السماع على ذلكَ كـ ( سُؤدَد ) ، و ( جُخْدَب ) بأنّه مخّففٌ عن ( فُعْلُل )([22]) ؛ والمخفَّفُ لا يَثبتُ بهِ الوزنُ .

    الثاني : أنا لو جعلناه لغةً ، لأفضَى بنا هذا أيضًا إلى أن نصحِّحَ ما يستحقّ الإعلالَ ؛ نحوُ : ( سارُوا نحَوَه ) ؛ إذِ من حقِّ الواوِ أن تقلبَ ألفًا ، لتحركها وانفتاح ما قبلَها . فلولا أنَّها مخّففةٌ عن ( نحْو ) لوجبَ قلبُها . ألا ترى أن ( دِيْوانًا ) التقت فيه الواو ، والياء ، والأولُ منهما ساكنٌ ، ثمَّ لم تقلب الواوُ ياءً ، لكونِ الياءِ عارضةً ؛ إذ أصلُها واوٌ ( دِوَّان ) .

    فإن قيلَ :
    سلَّمنا أنَّ فتحَ العينِ في ذلكَ ليسَ لغةً ؛ وإنما هو تخفيفٌ ؛ فكيفَ حكمتَ بقياسِهِ ؟
    قلتُ :
    إنَّ شرطَ القياسِ في غيرِ ما تطلبُه الحاجةُ المعنويةُ من الألفاظِ - كما أرى - اثنانِ :
    الأولُ : أن تكونَ علتُه وجيهةً ، تشهدُ لها النظائرُ ، ويُقِرّ بها النظرُ .
    الثاني : أن نجِدَ العربَ تعتدُّ بها ، وتبني عليها الحكمَ في أفرادِ هذا الموضعِ كثيرًا .
    وهذانِ الشرطانِ متحقِّقانِ في ما كانَ حلقيَّ العينِ على زنةِ ( فَعْل ) ؛ فأمَّا الشرطُ الأولُ ، فهو ثابتٌ فيهِ ؛ إذ علتُه وجيهةٌ ؛ وهي علةُ التأثّر الصوتيِّ ، من قِبَل تأثّر الحركاتِ بالأصواتِ الصامتةِ
    ([23]) . وهي علةٌ فطريّةٌ ؛ يقوِّي ذلكَ أنَّها باقيةٌ منذُ القديمِ إلى اليومِ في كلامِ النَّاسِ ؛ فقد ذكرَ ابنُ جني أنه رأى كثيرًا من عُقيلٍ يُحركون من ذلك ما لا يتحركُ لولا حرفُ الحلقِ([24]) . والذي يثبتُ رسوخَ مناسبةِ الفتحِ لحرفِ الحلقِ في كلامِهم أنَّهم وضعوا في مضارعِ الثلاثيِّ بناءً فرعيًّا خصُّوا بهِ حروفَ الحلقِ ؛ هو بناءُ ( يفْعَل ) ؛ فخرجوا بهِ عن أصلهِ لهذه العلةِ . ولا يزالُ أهلُ نجدٍ إلى اليومِ يراعُون ذلكَ ؛ ألا ترى أنهم يقولون : ( مَحْجوز ) ، و ( اِمْحَجوز ) ، و ( مَغْسول ) ، و ( اِمْغَسُول ) ، و ( مَعْزول ) ، و ( امْعَزول ) ، و ( مَهْجور ) ، و ( امْهَجور ) ؛ فيفتحون حرفَ الحلقِ ؛ فإذا قالوا مثلاً : ( مَكْتوب ) لم يفتحوا . [ كما أنهم يقولون في ( الوعْد ، والفخْر ، والنحْر ، والمهْر ) : ( الوعَد ، والفخَر ، والنحَر ، والمهَر ) ؛ وربَّما بقُوا على السَّكونِ . فإذا قالوا : ( البدْر ، والعصْر ، والفجْر ، والصَّبْر ) لم يفتحوا البتةَ ]([25]) .
    أما الشرطُ الثاني ، وهو كثرةُ اعتدادِ العربِ ببناءِ الحكمِ على هذه العلةِ في أفرادِ هذه المسألةِ بالنسبةِ إلى عُروضِها لهم ، فهو بيِّنٌ ؛ إذ لهذا أمثلةٌ كثيرةٌ ؛ منها ( جهْرة ، وجهَرة ) ، و ( نهْر ، ونهَر ) ، و ( وحْل ، ووحَل ) ، و ( شعْر ، وشعَر ) ، و ( بحْر ، وبحَر ) ، و ( بهْت ، وبهَت ) ، و ( صخْر ، وصخَر ) ، و ( نعْل ، ونعَل ) ، و ( لحْم ، ولحَم ) . هذا غيرُ ما روى ابنُ جنّيْ عن عُقيلٍ .
    فقد رأيتَ تحققَ شرطي القياسِ في هذه المسألةِ .
    فإن قلتَ :
    ولكنَّ المرويَّ عن العربِ مخصوصٌ باسمِ الذاتِ ؛ و ( نحْو ) في أصلِه مصدرٌ .
    قلتُ :
    ليس هذا مسلَّمًا بهِ من جهةِ السماعِ ، والقياسِ .
    أما السّماعُ ، فقد نصَّ ابنُ جنيْ على السَّماعِ في ( نحْو ) ؛ قالَ : ( وسمعتُ بعضَهم وهو يقولُ في كلامِه : " ساروا نحَوَه " بفتح الحاءِ )
    ([26]) .

    وأما القياسُ ، فمن وجهينِ :
    الأولُ : إلغاءُ الفارقِ بينَها وبينَ ( فُعْل ) ؛ فإنهم مثّلوا له بـ ( عُسْر ) ، ( يُسْر ) ؛ وهما مصدرانِ ؛ ولا فرقَ بينَ تخفيفِ ( فُعْل ) مصدرًا ، وتخفيفِ ( فَعْل ) مصدرًا . وكذلك إلغاءُ الفارقِ بين المصدرِ ، واسمِ الذاتِ ؛ إذ الاستقراءُ لا يُثبت بينهما فرقًا إلا في المصدريةِ ؛ والمصدريةُ فرقٌ غيرُ مؤثّرٍ في حكمِ التخفيفِ .


    الثاني : دورانُ الحكمِ معَ العلةِ ثبوتًا وعدَمًا ؛ فإنَّ اسمَ الذاتِ إنّما خُفِّف بالفتحِ لمناسبةِ حرفِ الحلقِ . وهذه العلةُ نفسُها ثابتةٌ في المصدرِ ، ولا مُعارضَ .


    وبهذا نخلُصُ إلى جوازِ قولِك : ( نحَوي ) بمعنى ( نحْويّ ) . والقولُ بالقياسِ هو قولُ الكوفيينَ([27]) ، واختارَه ابنُ جنّي ؛ إذ قالَ : ( وما أرى القولَ من بعدُ إلا معَهم ، والحقَّ إلا في أيديهم )([28])
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏31 يناير 2016
  2. #2
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط

    الجزءُ الثّاني من الأخطاءِ اللُّغويةِ الشائعةِ ( سلسلةٌ متصلةٌ )

    الجزءُ الثّاني من الأخطاءِ اللُّغويةِ الشائعةِ

    ( سلسلةٌ متصلةٌ )



    [​IMG]


    - الموضع الأول :
    يخطِّئون من يَّقولُ : ( لا ينبغي للمرءِ أن يفعلَ كذا ) ، ويقولون : الصوابُ أن يقال : ( ينبغي للمرء ألا يفعلَ كذا ) . ويحتجون بأن ( ينبغي ) بمعنى ( يجب ) ، وأنك إذا قلتَ مثلاً : ( لا ينبغي للمسلمِ أن يعصيَ ربَّه ) كان معنى كلامِك : ( لا يجب على المسلمِ أن يعصيَ ربَّه ) كأنَّ عصيانَ ربِّه جائزٌ ، ولكن الخلافَ في وجوبِه !
    وهذا القولُ قولُ من لا علمَ له ، ولا فقهَ ، ولا بصرَ بالعربيةِ ، ومَن بَلاءُ العربيةِ به كبلاءِ النصرانيةِ ببولسَ اليهوديِّ .
    وإني ليَحزُنني أن أجِد كثيرًا من هؤلاءِ قد اتخذوا العلمَ هزوًا ولعبًا ، وجعلوه مِهنةً لهم يتكفَّفون بها ثناءَ الناسِ ، ويستوصِلونَ بها إلى الشهرةِ والذكرِ الحسنِ – ظنُّوا - .
    واعلمْ – رضيَ الله عنك - أن العلمَ ليس بكثرةِ النقولِ ؛ ولكنه بإدمانِ الفكرةِ ، ودقّةِ النظر ، وحسنِ التعليلِ ، وبراعةِ الترتيبِ .
    ونحن إلى عالمٍ محقّقٍ أحوجُ منا إلى امرئ جمَّاعةٍ كلُّ همّه أن يؤلّف بين ما تشتت في بطونِ الكتبِ ، ثم يرجح بينها ترجيحًا خيرٌ منه تركُه ؛ فلا يأتي بجديدٍ ؛ كأن العلمَ انقضَى كلُّه ، وكأنَّ أغصان العقولِ ذبَلت !
    فواكبدا للغتنا ؛ مَن يحمي حقيقتَها ، ويدرأ عنها أعداءَها ، وأدعياءَها ؟
    وأنا الآنَ مبتدئٌ ردًّا على مَن يقول بهذا الرأي ؛ فمبيِّنٌ أنَّ كلامَه مبنيٌّ على باطلٍ . وما بني على باطلٍ فباطلٌ .
    فنقولُ : لا نسلِّم أنَّ ( ينبغي ) بمعنى ( يجب ) ؛ فنمنع مقدمتَه الصغرى هذه بهذا التفصيلِ غيرِ الطويلِ مقسومًا على مسائلَ .

    المسألة الأولى : في اشتقاقِها :
    ( ينبغي ) فعلٌ مضارعٌ ماضيه ( انبغَى ) . وهو مطاوعٌ لـ ( بغَى ) . و ( بغَى ) من مجرَّد الثلاثي ، حروفه كلها أصولٌ ، هي ( ب غ ي ) .

    المسألة الثانية : في تحليلِها تصريفيًّا :
    ( ينبغي ) فعلٌ ، مضارعٌ ، لازمٌ ، معتلٌّ ناقصٌ ، ثلاثيّ مزيد بحرفينِ ، ناقصُ التصرفِ ، تامٌّ ، مبنيٌّ للمعلومِ . وزنُه ( يَنفعِل ) .

    المسألة الثالثة : في معناها من جهةِ دَِلالةِ بِنيتها ، ودَِلالةِ اشتقاقِها :
    ( ينبغي ) مضارعُ ( انبغَى ) ، و ( انبغى ) مطاوعُ ( بغَى ) . وبناءُ ( انفعلَ ) لا يكونُ إلا للمطاوعةِ . فإن قلتَ : كيفَ يكونُ للمطاوعةِ ؟ أفيدخلُ في حدِّها ؟ قلتُ : قبلَ ذلك أبيّن معنى المطاوعةِ . وقد ذكرتُها في كتابي في التصريفِ ؛ قلتُ : ( فإن كانَ الفعل قابلاً معنى المطاوعةِ ؛ وهي ما كانَ الحدثُ فيها حسيًّا ؛ أي : لا يقعَ في أصلِ معناه إلا بالحركةِ الظاهرةِ من الفاعلِ ، ولا يتِمّ إلا بمطاوعةٍ وقَبولٍ من المفعولِ به ؛ سواءٌ كان دالاًّ على معالجةٍ أم غيرَ دالٍّ (1) . وبيانُه أنك تجدَ مفعولَه متفاوتًا في الواقعِ بطبيعتِه ؛ فمنه ما ينقادُ للفاعلِ ، ومنه ما يمتنعُ ؛ على أن يكونَ امتناعُه راجعًا إلى طبيعةٍ فيهِ ، لا إلى تكلُّفٍ ؛ وبما تقدَّم من القيودِ خرجَ ( طردَ ) ؛ فلا تقولُ فيه : ( طردته فانطردَ ) ، لأنه لا يستلزمُ حركةً ؛ فربما تطردُ الرجلَ بإشارةٍ منكَ (2) . أما ( صرفتُه فانصرفَ ) فإن أصلَ معناه أن يكونَ في المحسوسِ ، ؛ قالَ تعالى : ) صرف الله قلوبَهم ( [ التوبة : 127 ] ، وقال : ) وإذا صُرفت أبصارُهم تلقاءَ أصحاب النار ... ( [ الأعراف : 47 ] ، وكما تقولُ : ( صرفتُ وجهَك ) وذلك أن الشيءَ المرادَ صرفُه ربما انصرفَ لسهولةِ طبيعتِه ، وربما لم ينصرِف لصعوبتِها . ومنه ( شواه فانشوى ) ؛ إذ من شأنِ ما يُشوى أن يكونَ إما قابلاً بطبيعتِه للشيِّ ، وإما ممتنعًا ، وإما أن ينشويَ بعد مدةٍ . وكذلك ( حطمَه فانحطَم ) إذ الأشياءُ تتفاوت بطبيعتِها ؛ فمنها ما لا ينحطِم كالحديدِ ، ومنها ما ينحطم بسرعةٍ كالزجاجِ ، ومنها ما بين ذلك . ومن ذلك ( أطلقتُه فانطلقَ ) فإنَّ ما يُخلى عنه أشكالٌ ؛ فمنه ما ينطلق ، ومنه ما لا ينطلِق كما لا روح فيه . ومنه ( قطَعه فانقطع ) و ( كسرَه فانكسرَ ) فإن الأشياءُ لا تستوي فيهما ؛ فمنها ما ينقطع بطبيعتِه ، ومنها ما لا ينقطع ، ومنها ما ينقطع بعد محاولةٍ . وكذلك الكسرُ ، بخلافِ الضربِ ؛ فإنه خارجٌ عن الحدِّ ؛ إذِ الأشياءُ تتساوى طبائعها في قَبولِ الضربِ ؛ فليس يمتنع على الضربِ شيء ؛ إلا أن يكونَ ذلك راجعًا إلى غيرِ الطبيعةِ ، كضعفِ مريدِ الضربِ ، أو قوةِ المرادِ ضربُه ؛ فلذلك لا تقولُ فيه ( انضربَ ) ؛ ولذلك خطئوا قولَ بعضِهم ( انعدمَ ) . ووجهُ كونِ هذه العلةِ مقتضيةً بناءً للمطاوعةِ أنها لما كانت تتفاوتُ كانَ السامعُ يترقبُ عاقبةِ الفعلِ ؛ فإذا قلتَ : ( سحبتُ السيارةَ ) – مثلاً – لم يُدرَ أطاوعتك فانسحبت أم لم تطاوعك ؛ فلذلك كان مناسبًا الإتيانُ بهذا البناءِ . فإن كانَ الفعل قابلاً معنى المطاوعة الذي ذكرنا فإن لك أن تبنيَه قياسًا من خمسةِ أنواعٍ من الفِعلِ ؛ الأول : من ( فعَلَ ) المتعدي ؛ فتجعله على ( انفعلَ ) ، إلا أن تكونَ فاؤه لامًا أو ميمًا أو نونًا أو راءًا أو واوًا ، وإلا أن يُسمَع له ( افتعلَ ) مطاوِعًا ؛ قال ذو الرمةِ :
    سيلاً من الدِّعصِ أغشته معارفَها ** نكباءُ تسحبُ أعلاهُ فينسحِبُ
    ... ) ا . هـ .
    فإذا تبيَّن لك معنى المطاوعةِ ، فهل ( بغَى ) يقبلُ هذا المعنى ، ولِمَ قالوا : ( بغاه فانبغَى ) ، ولم يقولوا : ( طلبه فانطلب ) ؟
    الجواب :
    نعم ؛ فإنا نجده يقبلُ معنى المطاوعةِ . و ( بغَى ) أخصُّ من ( طلبَ ) من قِبَلِ أنه يقتضي الطلبَ بالعملِ الظاهرِ الدائبِ ؛ ولذا قالَ تعالى : ) يبغونكم الفتنةَ ( [ التوبة :] ، و ) ويبغونها عوجًا ( [ الأعراف : 45 ] . أما ( طلبَ ) فتقتضي رغبةَ القلبِ ومرادَه ؛ سواءٌ صدَّقَ ذلك العملُ أم لا . فهذا فرقُ ما بينهما ؛ ولذلك جاءَ لـ ( بغى ) مطاوعٌ ، ولم يأتِ لـ ( طلبَ ) . وفي هذا ردٌّ على الزجاجِ ؛ إذ زعمَ أن علةَ ذلك استغناؤهم بـ ( انبغَى ) كما استغنوا بـ ( ترك ) عن ( وذرَ ) . وذلك أن علةَ الاستغناءِ علةٌ كالاعتباطيةِ ؛ لا تنقادُ ؛ إذ ليس شيءٌ من الكلامِ أولى بها من الآخَر . ومتى أمكنَ العدولُ عنها كانَ أجدرَ .
    وعلى هذا يكونُ المعنى ( بغاه فانبغَى ) إذا طلبَه بالعملِ فانقادَ له وأمكنَه وتيسَّر له . والأشياءُ تتفاوتُ بطبائعِها في هذا ؛ فمنها ما ينقادُ لكَ إذا بغَيتَه بعملِك ، ومنها ما لا ينقادُ ؛ قال رؤبة :
    فاذكرْ بخيرٍ وابغِني ما ينبغي
    ولها معنيانِ ؛
    الأول : حقيقيٌّ ، جارٍ على وجهِ القياسِ . وتأويله ( لا يمكن ولا يتيسَّر ) .
    الثاني : مجازيٌّ ، على جهةِ الاستعارةِ المكنيَّةِ . ومنه قولُنا : ( لا ينبغي للمسلم أن يعصيَ ربَّه ) ؛ كأنك شبهتَ الشيء المفترضَ ألا يكونَ في الواقع بالشيء الذي لا يكونُ في الواقعِ . فحذفتَ المشبه به ، ورمزتَ له بشيء من لوازمه ؛ وهو ( لا ينبغي ) . وفي هذا بلاغةٌ ظاهرةٌ ، ودلالةٌ مبينةٌ على أنَّ عصيانِ اللهِ الحقُّ فيه أن يكونَ كالمعدومِ . ومثالُ هذا ما روي عن عائشةَ [​IMG]ا أن رسولَ الله [​IMG] قالَ : ( لا يكونُ لمسلمٍ أن يهجرَ مسلِمًا فوقَ ثلاثةٍ ) [ رواه أبو داود ] . ومثالٌ آخرُ لو قلتَ : المسلِم لا يستطيعُ أن يكذبَ . وهو في الواقِع يستطيعُ ؛ ولكنَّك شبهتَ امتناعَ الكذب عليهِ بسببِ دينِه ، بما يمتنعُ عليه في الواقعِ لو حاولَه .
    هذا أصلُ معناهُ . أما استعمالُه بمعنى ( لا يحسُن ولا يليقُ ) فمعنًى مفهومٌ من المعنى الأصليِّ ؛ فإنَّك إذا قلتَ : ( لا ينبغي كذا ) تريدُ ( هذا كالشيء الذي لا يُمكن في الواقع فِعلُه ) ؛ استلزم هذا أن فِعلَه مع أنه كالشيء الذي لا يُمكِنُ في الواقعِ ( لا يليقُ ولا يحسُن ) ؛ يُفهم هذا المعنى من طريقِ دَِلالةِ اللزومِ .
    أما زعْمُ بعضِ الجهلةِ أن ما تقدمَ خطأ ، وأن الصوابَ ( ينبغي للمسلم ألا يفعلَ كذا ) فسفَهٌ وحُمقٌ ، لأنَّ فيه عُدوانًا على كلامِ الله تعالى ، وكلام رسوله [​IMG] ولو كانَ كما يقولُ لقيل : ( ينبغي على المسلمِ ألا يفعل كذا ) بـ ( على ) . وهو خطأ شائعٌ لا وجهَ له من مجازٍ أو تضمينٍ . وقد وقع فيه بعضُ العلماءِ ، كالثعالبيِّ في ( الإعجاز والإيجاز ) ناقلاً عن بعضِهم ؛ قالَ : ( ينبغي على الملك أن يعتني بملك رعيته كعنايته بملكه ) ؛ فلا أدري أكانَ نقلُه باللفظِ أم بالمعنى !
    ---
    والاستدلالُ لقولِ ( لا ينبغي ) بالمعنى الحقيقي أو المجازي من سُبُلٍ عدةٍ :
    الأولى : القرآن الكريم :
    قال تعالى : [​IMG]أنْ دعَوا للرحمنِ ولدًا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا [​IMG] [ مريم : 91 ، 92 ] أي : وما يمكنُ في حقِّه ، ولا يسوغُ لو طلبتم له ذلك . وهي تحتملُ الإطلاقَ الحقيقيَّ ، والمجازيَّ . وكانَ الصوابَ على لازمِ كلامِ بعضِ جُهَّالِ هذا الزمانِ أن يقالَ : ( وينبغي للرحمن ألا يتخذ ولدًا ) فيفسد معنى كتاب الله تعالى !
    وقالَ : [​IMG] وما علمناه الشعرَ وما ينبغِي له [​IMG] أي : وما ينقاد له ، ولا يمكنه لو طلبَه . يحتمل الحقيقةَ والمجازَ .
    وقالَ : [​IMG] لا الشمس ينبغي لها أن تدركَ القمرَ [​IMG] [ ياسين : 40 ] أي لا يمكنها ذلك . معناه حقيقي .
    وقالَ : [​IMG] وما تنزَّلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعونَ [​IMG] [ الشعراء : 210 ، 211 ] . بيَّن في هذه الآيةَ معناها بما بعدها . وهو معنًى حقيقيٌّ .
    وقال : [​IMG] ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياءَ [​IMG] [ الفرقان : 18 ] أي : ما يسوغ ، ولا يليقُ ، ولا يمكن . مجازيّ .
    وقال : [​IMG] وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي [​IMG] [ صاد : 35 ] أي : لا يمكن . معناه حقيقيّ .

    الثانية : الحديث الشريف :
    قالَ [​IMG] : ( لا ينبغي عند نبيٍّ تنازع ) [ متفقٌ عليه ] . معناه مجازيّ .
    وقال عن الله تعالى : ( يشتِمني ابنُ آدم ، وما ينبغي له أن يشتِمَني ) [ رواه البخاريُّ ] . معناه مجازيّ .
    وقال : ( لا ينبغي لعبدٍ أن يقولَ : أنا خيرٌ من يونسَ بنِ متَّى ) [ متفقٌ عليه ] . مجازيّ .
    وقالَ : ( لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي ) [ رواه مسلمٌ ] . لعلَّ إطلاقَه حقيقيّ ؛ أي : لا يستطيعُ .
    والأحاديث في ذلك لا تُحصَى !

    الثالثة : الشعر :
    قالت زينب بنت فروة التميمية ( جاهلية ) ، ويروى لليلى الأخيلية ( أموية ) :
    لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونَه ** وأنتَ لأخرى صاحبٌ وخليلُ
    وقالَ ورقة بن نوفل ( مخضرم ) :
    مسخَّرٌ كلُّ مَن تحت السماء له ** لا ينبغي أن يناوي ملكَه أحدُ
    وقالَ جرير ( أمويّ ) :
    ما ينبغي للمسلمين ذمُّهُ

    الرابعة : كلام العلماءِ :
    وليس بحجةٍ إذا كانوا في غير زمن الاحتجاجِ ؛ ولكنه مما يستأنسُ به ؛ ولا سيما إذا كثُروا :
    قالَ ابنُ المقفَّع في كليلة ودمنة : ( لا ينبغي لأحدٍ أن يخاطرَ بنفسه وهو يستطيع غير ذلك ) .
    وقالَ في الأدب الصغير : ( لا ينبغي للمرء أن يعتدَّ بعلمِه ورأيِه ما لم يذاكره ذوو الألباب ) .
    وقالَ الجاحظ في الحيوانِ : ( فلا ينبغي لنا أيضًا أن نأخذ في هذا البابِ ... ) .
    وقالَ في البيان والتبيين : ( وكما لا ينبغي أن يكونَ اللفظ عاميًّا ، وساقطًا سوقيًّا ... ) .
    وقالَ المبرد في الكاملِ : ( ولا ينبغي على حكم الإسلام أن يكونَ هذا مستعملاً ... ) .
    وقال الصولي في أدب الكتاب : ( ولا ينبغي لمن رفعته حالٌ ... ) .
    وقال ابن الأثير في المثل السائر : ( ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة ... ) .
    وقال أبو العلاء المعري في الصاهل والشاحج : ( فمثل هذا الحديث لا ينبغي أن يلتفتَ إليه ) .
    وفي نهجِ البلاغةِ المنسوبِ لعليٍّ [​IMG] : ( ولا ينبغي لي أن أدع الجندَ والمِصرَ ) .
    والأمثلة لذلك مما لا يحيطُ به الذكرُ . وما إن أرى بعد كلام الله تعالى ولا كلام رسوله [​IMG] كلامًا .

    المسألة الرابعة : في حكمِ قولِ ( ينبغي ) بالإثباتِ :
    تقدمَ الكلامُ على ( لا ينبغي ) بالنفي مفصَّلاً .
    والكلامُ في ما ها هنا على ( ينبغي ) بالإثباتِ ، كقولِك : ( ينبغي للمسلمِ أن يتقيَ ربَّه ) .
    فنقولُ :
    إنا بيَّنا أن معنى ( ينبغي ) الحقيقي هو ( يمكن ويجوز ويتيسَّر ) . واستعمالُها بالإثباتِ على أربعةِ أضربٍ :
    الأول : استعمال على جهة الحقيقة ؛ ومعناه : ( يجوزُ ويمكنُ ) أو ( ربما ) أو ( لعلَّه ) . ومنه قولُ الجاحظِ في الحيوانِ : ( ينبغي أن يكون قد نزعت بك حاجة ؛ فإن شئتَ فأقم بمكانك شهرًا أو شهرينِ ) ، وقالَ : ( وقد كان ينبغي في قياسكُمْ هذا لو قال: حُرِّمت عَلَيْكُمُ الميتَةُ والدَّم وشَحْم الخنزير ، أن تحرِّموا الشحم ، وإنَّما ذكر اللَّحم ، فلِمَ حرّمتم الشحم ؛ وما بالُكُمْ تحرِّمونَ الشّحم عند ذكْر غيرِ الشّحم ؛ فهلاّ حرَّمتم اللَّحم بالكتاب ، وحرَّمتم ما سِواه بالخبر الذي لا يُدْفَع ؟ ) .
    الثاني : غيرُ جارٍ على حقيقة الكلمةِ في العربيةِ ؛ وإنما هو مجازٌ .
    وتأويلُه أنك إذا قلتَ : ( ينبغي للمسلم أن يتقيَ ربَّه ) كانَ معنى كلامِك على الحقيقةِ ( يستطيع المسلِمُ أن يتقيَ ربَّه ويقدِر على ذلك ) . تريدُ ( وإذا كانَ قادرًا على ذلك فليفعلْ ) فهو كنايةٌ عن الأمرِ مركَّبةٌ . ولا أعلمُ البلاغيينَ ذكروها . والحقُّ ذكرُها . وليسَ صوابًا ما يزعمونَ من أنَّ نحوَ هذا مجاز مرسلٌ مركَّبٌ ، علاقتُه الملزومية ؛ فإن المجازَ المرسلَ لا يرادُ به المعنى الحقيقيّ ، على خلافِ الكنايةِ ؛ فالمعنيانِ الحقيقيّ والمجازيّ لا يمتنعانِ فيها . ثم لو قلنا بأنه مجاز مرسل لكنا قد ذهبنا ببلاغة تلك الجملةِ ؛ إذ إن غرضَها الحقَّ كراهيةُ التصريحِ ؛ ولا سيما في الأمرِ ؛ إذ يُكرَه توجيهه لذي الجاهِ والمنزلةِ ؛ فكأنهم عدلوا عنه إلى الكنايةِ بذكر الخبر الذي يستلزمُ الأمرَ لا الأمرِ المباشِرِ .
    ---
    فإن قلتَ : فما القرينةُ ؟
    قلتُ : إنه لما كثُر في كلامِهم : ( لا ينبغي ) بالمعنى المجازيّ – وذكرناه – كأنهم أحسّوا أن السامعَ يسأل : فما الذي ينبغي إذًا ؟ كقولهم : لا ينبغي للمسلم أن يكونَ كذابًّا ، ولا نمامًّا ، ولا خوَّانًا . فيسأل السامعُ : فما الذي ينبغي ؟ فيكون الجواب : ينبغي له أن يكونَ صدوقًا ، ثقةً ، عدْلاً ، أمينًا . ثم غلبت في كلامِهم ؛ حتى إذا قيلَ : ينبغي ؛ أي : يمكنُ ، عُلِم أنه يلزمُ من أُسنِد إليه أن يَّفعلَه .
    فالقرينة إذًا حاليّةٌ من طريقِ حملِ الضدِّ على ضدِّه ، ثم اتسعت حتى أصبحت حقيقةً عرفيةً ؛ فلا تحتاجُ من بعدُ إلى قرينةٍ .
    ---
    وعلمُ البلاغةِ من العلومِ التي لم تبيَّن للناسِ حقَّ التبيينِ ، ولم يُكشف عن أسرارها ؛ فقد جمَد منذ عهد الخطيبِ القزوينيّ ؛ لم يُزد فيه ، ولم يُنقَص .
    الثالث : استعمالٌ مجازيٌّ ؛ وذلك أنا وجدناهم ربما استعملوا ( ينبغي ) غيرَ دالٍّ على الأمر ؛ وإنما دالاًّ على الوجوبِ من طريقِ المجازِ . والعَلاقة بينهما أنَّ الأمرَ يستلزمُ الوجوبَ استلزامًا وضعيًّا ؛ فالعَلاقة المَلزوميةُ ؛ فهو مجازٌ عن كنايةٍ .
    ومنه قول صُحير بن عُمير ( جاهلي ) ، وينسب لغيره :
    ولم أُضِع ما ينبغي أن أفعلَهْ
    الرابع : استعمالٌ مجازيٌ ، وذلك حينَ يستعملونها بمعنى ( يليق ويحسُن ويجمُل ) . وهو مجازٌ مرسَلٌ ، عَلاقتُه السببيةُ . وذلك أن إمكانَ الشيء في الواقعِ سببٌ لكونِه لائقًا ؛ فلا يَكونُ هذا إلا بهذا . وهذه العَلاقةُ مجرَّدةً ضعيفةٌ ؛ ألا ترى أن السببيةَ هذه غيرُ مشتهرةٍ في العرفِ ، ولا مُدرَكةٍ بالعقلِ . وإنما قوِيت بالقرينةِ الحاليةِ ؛ حملوها على ( لا ينبغي ) حملَ الضدِّ على ضدِّه ؛ فلما كانت ( لا ينبغي ) بمعنى ( لا يليق ) ، وكان وجهُ حملِها على المجازِ بيِّنًا على خلافِ ( ينبغي ) ، وكانَ لا يصِح حملُ الثانية على الأولى من غيرِ عَلاقةِ مجازٍ فيها ، لما كانَ الأمرُ كذلك ، ووجدوا في ( ينبغي ) وجهًا يسوِّغُ وقوعَ المجازَ ، واستضعفُوا قرينتَه ، حملوه على ضدّه ( لا ينبغي ) ؛ وهو مذهبٌ لهم في الكلامِ .
    ---
    وإنما فصَّلتُ القولَ في ذلك لأبيِّنَ أنْ ليس كلُّ تطورٍ دلاليٍّ مقبولاً ؛ وإنما في ما كانَ مستوفيًا شروطَ القياسِ البلاغيِّ .
    ---
    ونحن ذاكرونَ للاحتجاجِ لـ ( ينبغي ) بالإثباتِ عدةَ شواهدَ من الكلامِ الفصيحِ :
    قال [​IMG] : ( إنْ نزلتم بقوم فأُمِر لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا [​IMG] [ رواه البخاري ] . من الضرب الثالث .
    وقالَ : ( يا ربّ لك الحمد كما ينبغي لجلالِ وجهك ) [ رواه ابن ماجه ] . من الضرب الرابع .
    وقالَ ابنُ المقفع في كليلة ودمنة : ( ينبغي للملك أن يحصّن أموره من أهل النميمة ) يحتملُ الضرب الثاني والثالث والرابع .
    وقال في الأدب : ( ولكن ينبغي لكَ في حبِّ ما تُحب من الخير التحاملُ على ما تستثقلُ منه ) يحتمل الثلاثة .
    وقالَ في الآيين (3) : ( ينبغي للحاكم أن يعرفَ القضاءَ الحقَّ العدْلَ ... ) وهو أقربُ إلى الضرب الثاني .
    وفي نهجِ البلاغة المنسوب إلى عليٍّ [​IMG] : ( وإنَّمَا ينبغِي لأهلِ العِصمة والمصنوعِ إِليهِم في السَّلامةِ أن يرحمُوا أهلَ الذُّنُوبِ والمَعْصيةِ ) . من الثاني .

    المسألةُ الخامسة : في حكمِ قولِ ( ينبغي ألا يكونَ كذا ) :
    أما قولُ ( ينبغي للمسلم ألا يعصيَ ربه ) فلم أجده شائعًا في كلامِ البلغاء المتقدِّمينَ . ومما وردَ منه قولُ ابن المقفع في ( كليلة ودمنة ) : ( ينبغي للعاقلِ ألا يغفُل عن التماس ما في نفسِ أهله وولده ) .
    وتوجيه ذلك كتوجيه : ( ينبغي ) بالإثباتِ ، في كونِه كنايةً عن النهيِ .

    [​IMG][​IMG][​IMG]

    - الموضع الثاني :
    يقولون : ( الغِواية ) بكسر الغينِ . والصوابُ : ( الغَواية ) بالفتحِ ؛ قالَ الفيروزبادي في قاموسِه : ( ... وغَوايةً ، ولا يُكسَرُ ) ؛ قالَ امرؤ القيسِ في معلَّقتِه :
    فقالت : يمين الله ، ما لك حيلةٌ ** وما إن أرى عنك الغَوايةَ تنجلي


    [​IMG][​IMG][​IMG]

    - الموضع الثالث :
    زعمَ بعضُهم أنَّ كلمةَ ( رئيسيٍّ ) التي يستعملُها الناسُ وصفًا وأمثالَها من المشتقاتِ المنسوبِ إليها في اصطلاحِ النحوِ ، صوابٌ ؛ وذلك كقولِهم : ( شارعٌ رئيسيُّ ) ؛ بل من طريفِ ما بلغني أن بعضَهم احتجَّ لذلكَ بأن ( رئيسًا ) ليست محضةً في الوصفيةِ من حيثِ إِنهم يطلقونَها على ( رأسِ القومِ ) . وصدقَ رسول الله [​IMG] إذ قالَ : ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد ؛ ولكن يقبض العلمَ بقبض العلماء ؛ حتى إذا لم يُبقِ عالمًا اتخذ الناسُ رءوسًا جُهَّالاً ، فسُئِلوا ، فأفتوا بغير علمٍ ، فضلُّوا وأضلُّوا ) [ متفقٌ عليه ] . إن هذا لجهلٌ وضلالٌ عن القصدِ ، وليٌّ لعنقِ العربيةِ إلى ما يشتهي العامَّة ويدَّعون ؛ فما لهولاء القومِ – لا لعًا لهم – يُرضُون الناسَ بسخطِ العربيةِ !
    ومَزعمُهم هذا مردودٌ بأنَّ غلبةَ المفهومِ على بعضِ أفرادِه لا يعني استحواذَه عليه كلِّه ؛ فعلى هذا إذا كانَ ( الرئيس ) غلبَ على ( رأسِ القومِ ) فلكَ أمرانِ ؛
    الأولُ : أن تنسبَ إلى الغالبِ على المفهومِ ، كنسبتِك إلى رأسِ القومِ .
    الثاني : أن تنسِبَ إلى المعنى غيرَ غالبٍ على شيءٍ ، كنسبتِك إلى ( رئيس ) تريدُ رأسَ كلِّ شيءٍِ ؛ فأما الوجه الأولُ فإنك إذا نسبتَ إلى ( رأسِ القومِ ) أحلتَ المعنى ، وصرفتَه عن وجهِه ؛ فكيفَ يصِح في نحو ( الصفحةِ الرئيسيةِ ) أن تُنسَبَ إلى ( رأسِ القومِ ) ، مع ما هو معلومٌ من أن النسبةَ كالإضافةِ تُلصِقَ موصوفَها بما لحِقته ، و ( الصفحةُ ) هي ذاتُ الرئاسةِ ، بكونِها رأسَ الصفحاتِ ، لا منسوبةٌ إلى رأسِ القومِ . ومتى انتفَى هذا الوجهُ صِارَ إلى الوجهِ الثاني ، كما هو معلومٌ من طريقِ النظرِ في البواقي ، أو طريقِ السبرِ والتقسيمِ ؛ وهو النسبةُ إلى موصوفِ ( رئيسي ) غيرِ المعلومِ ؛ فيكون رجعَ عن قولِه إلى هذا القولِ الذي يأتي – إن شاء الله - بيانُ فسادِه .
    ---
    والقولُ الفصلُ في هذه الكلمةِ أنه يجوزُ بتصفُّحِ الأوجهِ المحتملةِ ، لا الجائزةِ أن تُحملَ على أربعةِ أوجهٍ :
    الأول : أن تكونَ الياءُ ياءَ النسبِ الحقيقية ، أفادت معنى المبالغةِ . وهو قولُ ابنِ مالكٍ في الجملة ، وقولُ الرضيِّ . ومما أذكرُ من نظائرِ ذلك قولهم ( أعجم وأعجميّ ) ، و ( أحمر وأحمري ) ، و قولُ العجاجِ في قصيدته المشهورة التي مطلعُها :
    أطربًا وأنت قِنَّسريُّ
    قال :
    والدهرُ بالإنسانِ دوَّاريُّ
    وهو وجهٌ مردودٌ بأنَّ ياءَ النسبِ تُلصِق مدخولَها بموصوفِها ؛ وإذا كانَ كذلك لم يصحَّ أن تفيدَ معنى المبالغةِ ، لأنَّ المنسوبَ أدنى درجةً من المنسوبِ إليه ؛ فكانَ الوجهَ أن تفيدَ خلافَ ذلك . وبيانُ ذلك أنك إذا قلتَ : ( أمرٌ رئيسيّ ) لم تصفه بأنه ( رئيس ) أي : موصوفٌ بالرئاسةِ ؛ ولكنك جعلتَه منسوبًا إلى الرئيسِ . وليس هذا المرادَ ، ولا يصِح به المعنى . فإن قلتَ : فما بالنا نقولُ : شيء أساسيّ . ولا نقول : رئيسي . قلتُ : ذلك بأنّ ( أساسًا ) اسمُ ذاتٍ ، فيُنسب إليه كما يُنسبِ إلى كل اسم دالٍّ على ذاتٍ . أما ( رئيس ) فصيغة مبالغةٍ من ( رأسَ ) . ويجوزُ عندي أن يَّكونَ صفةً مشبهةً من ( رؤُس ) المقدَّر ، وإن لم يُسمَعْ ؛ إذ الرئاسةُ من المعاني الثابتةِ ، كـ ( عظُم ) فهو ( عظيم ) ؛ قالَ ابنُ جنيْ في الخصائصِ : ( ولا يُستنكَر الاعتدادُ بما لم يَخرج من اللفظِ ، لأن الدليلَ إذا قامَ على شيء كانَ في حكم الملفوظ به ؛ وإن لم يجرِ على ألسنتِهم استعمالُه ... ) قلتُ : كما قالُوا : ( فقيرٌ ) ، ولم يقولوا ( فقُر ) . أو يكون من بابِ ( حريص ) فيكونُ فِعلُه من بابِ ( فعَل ) وصفتُه المشبَّهة على ( فعيل ) ، كـ ( حرَص ) فهو ( حريص ) . وهو شاذٌّ .

    الثاني : أن تكونَ الياءُ ياءَ النسب الحقيقية ، أفادت النِّسبة إلى ما اتصلت به حقيقةً . وهو مردودٌ بما سبقَ . ويأتي شيء من الكلام عليه في الوجه الثالث .

    الثالث : أن تكونَ الياءُ ياءَ النسبِ الحقيقيةِ ، لم تفد معنًى ؛ وإنما هي من قبيلِ التصرُّف والتوسُّعِ في الكلامِ . فإن قلتَ : كيفَ وقد بينتَ آنفًا أنَّ ياءَ النسبِ لا بدَّ أن تفيدَ نسبةَ ما لحِقته إلى الموصوفِ ؟ قلتُ : إنَّ الأصلَ في النسبِ أن يَّكونَ إلى غيرِ المشتقِّ ، لأن المشتقَّ دالٌّ على معنًى وصاحبِه ؛ فإذا قلتَ : هذا أمرٌ رئيسٌ . كنتَ وصفتَ الأمر بأنه ذو رئاسةٍ ؛ فتكونُ قد نسبتَ إليه بدِلالةِ البِنيةِ ؛ فلا تحتاجُ من بعدِ إلى ياءِ النسبِ . وإذا قلتَ : هذا كتابٌ أدبٌ . لم يكن كلامًا ، لأنّ ( أدَبًا ) ليس بمشتقٍّ ، فيدلَّ ببِنيته على النسبةِ ؛ فلا تجد بدًّا من النسبةِ بياءِ النسبِ ؛ فتقولُ : ( هذا كتابٌ أدبيٌّ ) فتقومُ الياءُ مَقامَ اسم المفعولِ ؛ كأنك جئتَ بمشتقٍّ اسمِ مفعولٍ ؛ فقلتَ : ( هذا كتابٌ منسوبٌ إلى الأدبِ ) .
    فإذا علمتَ هذا انبغَى لك أن تعلمَ أنك إذا نسبتَ إلى الاسم المشتقِّ كنتَ ناسِبًا إلى مَن قامَ به المعنى . وهذا بحسبِ التقسيمِ العقليّ إما أن يَّكونَ مرادًا ، وإما أن يَّكونَ غيرَ مرادٍ ؛ فالأول لا إخالُه يقعُ في الكلامِ ، إلا أن يَّكونَ غلبَ على المشتقِّ الاسميةُ ؛ فلا تقولُ : هذا شارعٌ رئيسيٌّ . لأنك نسبتَ إلى ( الرئيس ) ، وهو وصفٌ لا يُعلَم موصوفُه ؛ أي مَن قامَ به المعنى . فإن غلبَ على المشتقِّ الاسميةُ بأيِّ سبيلٍ جازَ لك ذلك لتعرُّف موصوفِه ، كما تقولُ : ( هذه قصةٌ واقعيةٌ ) تنسبُ القصةَ إلى الشيءِ الواقعِ ، وذلك لتعرُّفِ صاحبِ المعنى من قِبَلِ عمومِه ؛ وهو أحدُ سبُلِ انتقالِ الكلمةِ من الوصفيةِ إلى الاسميةِ .
    وإما أن يَّكونَ غيرَ مرادٍ ، فلا يصِحُّ لمخالفتِه قانونَ النسبِ ، إلا أن نجعلَ ما وردَ محمولاً على ذلكِ من قبيلِ الشذوذِ . ولنا أن نعلِّلَ له – وإن كانت العلةُ قاصرةً – بالتوهُّم ، أو الغلَطِ المحضِ .

    الرابع : أن تكونَ الياءُ على صورةِ ياءِ النسبِ ، وليست بها ؛ فلا تفيدُ إذًا معنًى . وهو قولُ أبي عليٍّ الفارسيّ ، وهو المختارُ عندي . فإن قلتَ : كيفَ وهي منسوبةٌ إلى اسمٍ تامٍّ ؛ تقولُ : ( أحمريّ ) ، فترفع الياءَ ، فترجع إلى ( أحمرَ ) . قلتُ : ليس هذا بمرادٍ ؛ وإنما هو من بابِ الاتفاقِ لا القصدِ . ولو كانوا يريدونَ النسبَ لاختلَف المعنى ؛ فدلَّ ما لحِقته على النسبِ ، ولم نجده كذلك . ومثالُه قولُهم في التصغير ( كُميت ) ؛ فجاءَ على صورةِ التصغيرِ مع أنه ليس بتصغيرٍ ؛ فهذا يشهَدُ لذاكَ . فعلى هذا يكونُ ( أحمريّ ) كـ ( كرسيّ ) و ( بختيّ ) و ( داذيّ ) [ وهو الخمر ] غيرَ منسوبٍ إلى ( أحمرَ ) كما أنها غيرُ منسوبةٍ إلى ( كرس ) أو ( بخت ) أو ( داذ ) .

    - مسألةُ القياسِ والسماعِ على ذلك :
    لو قلنا بالوجهِ الأولِ ؛ فسلمنا أن الياءَ أفادت المبالغةِ في ما اتصلت به من الكلمِ المشقِّ المسموعِ ، فإن هذه العلةَ علةٌ استئناسيةٌ ؛ والعلةُ الاستئناسيةُ – كما بينتُها في كتابٍ لي في أصولِ النحو وعللِه – هي ما يعتدُّ بها العربيّ في موضعٍ ، ولا يعتدُّ بها في مثلِ ذلك الموضعِ مع عُروضها له . كما فعلوا في جموعِ التكسيرِ ؛ فجعلوا لبعضِ الأسماء جموعَ قلةٍ ، ولأخرى جموعَ كثرةٍ ، ومنها ما جعلوا له جموعَ قلةٍ وجموعَ كثرةٍ . وهذه العلةُ لا يقاسُ عليها ؛ إذ لو كانت علةً محكَمةً راسخةً لقاسوها هم ؛ فلمَّا استغنوا عنها ، ولم يأخذوا بقياسِها ، كانَ علينا أن نتبعَهم في ذلكَ ، لأنَّ اللغةَ ليست كلُّها سماعًا . وقد أخطأ مَن زعمَ ذلك . وإذا نحنُ نظرنا في مسألة ( أحمر ) و ( أحمريّ ) وجدنا أنَّ ما وردَ من بابِها قليلٌ ، وأكثرُه قابلٌ للتأويلِ ؛ فلو سلمنا أنه وردَ منه ثلاثونَ كلمةً غير مُئولةٍ – وليس كذلك - ، فأينَ هذا في جنبِ مشتقاتِ العربيةِ التي لا يكادُ يحصيها عدٌّ .
    هذا لو سلمنا أنَّ دخولَ الياء على ( أحمريّ ) أفادَ المبالغةِ ؛ فكيفَ وهو غيرُ مسلِّم به – كما قدمنا - .
    وإذا تبيَّن هذا لم يجُز لنا قياس ( رئيسي ) على ( أحمري ) ونحوِه بمقتَضَى هذا الوجهِ . وبمنعِ القياسِ قالَ ابنُ عقيلٍ وغيرُه .
    أما الوجه الثاني فمردودٌ .
    وأما الوجه الثالث ، فذكرنا أنه من قبيلِ التوهُّم والغلطِ . وهو داخلٌ في العللِ القاصِرةِ التي لا تتعدى موضعَها الذي سُمِعت فيه .
    وأما الوجه الرابع ، فإنه ليسَ له علةٌ ثانيةٌ ، إلا الوضعَ ؛ وهو في الحقيقةِ ليسَ بعلةٍ ؛ وإنما هو توقُّفٌ في بيانِها ، لأنَّ السؤالَ عنها يستلزمُ التسلسلَ ؛ وهو من المستحيلاتِ العقليةِ . ولهذا قالَ أبو حيانَ : ( إن التعرضِ لـ ... وأشباهِ ذلك من تعليلِ الوضعياتِ ، والسؤال عن مبادئ اللغات ممنوعٌ ، لأنه يؤدي إلى تسلسلِ السؤالِ ... ) (4) .
    فكلُّ ما كانت علتُه الثانيةُ الوضعَ لم يجُز القياسَ عليه ، لأن الوضعَ ليس موكولاً لأحدٍ غيرِ العرب .
    وبهذا يستبينُ خطأُ قولِ ( رئيسيّ ) بالياء ، وأن الصوابَ ( رئيس ) .

    [​IMG][​IMG][​IMG]

    - الموضع الرابع :
    زعمَ صاحبُ ( معجمِ الأغلاط اللغوية المعاصِرة ) و ( معجم الأخطاء الشائعةِ ) في الأولِ منهما (5) ، وصاحب ( تطهير اللغة من الأخطاء الشائعة ) (6) أنَّ قولَ : ( أذَّنَ العصرُ ) خطأ ، وأن الصوابَ بناؤه للمجهولِ : ( أُذِّنَ بالعصرِ ) . وهو في ذلكَ تبعٌ لابنِ بري .
    وهذا القولُ باطلٌ . فإن كانَ تخطِئتُهم ذلك لأن الفعلَ هذا لا يكونُ إلا مبنيٍّا للمجهولِ فمردودٌ عليهم بكثيرٍ من الشواهدِ ، منها قوله تعالى : [​IMG] فأذَّنَ مؤذّنٌ بينَهم [​IMG][ الأعراف : 44 ] ، وقولِه : [​IMG] وأذِّنْ في الناسِ بالحجِّ [​IMG] [ الحج : 27 ] ؛ فأسندَ الفعلَ إلى ضميرٍ مستترٍ .
    وإن كانَ ذلك لأن الفاعلَ ليسَ ( العصرَ ) فمردودٌ عليهم بأن ذلك على جهةِ المجازِ العقليِّ ، الذي عَلاقته الزمانية ، كقوله تعالى : [​IMG] فكيف تتقونَ إن كفرتم يومًا يجعلُ الولدانَ شيبًا [​IMG] [ المزمل : 17 ] . والقرينة فيه عقليةٌ ، عرفيةٌ ؛ فالعقلُ أحالَ صدورَ الفعلِ من ( العصرِ ) ، لأنه جمادٌ ، والعُرفُ دلَّ على الفاعلِ الحقيقيّ ؛ وهو ( الرجلُ الموكَّل بالأذانِ ) . فإنْ قيلَ : إنَّ المجازَ العقليَّ ليسَ بقياسٍ ؛ ألا ترى أنَّ ذلك يفضي بنا إلى أن نجيزَ : ( كَسَّر الزجاجُ ) بمعنى انكسر ، و ( شَبَّبت المرأةُ ) بمعنى شُبِّب بها . قلتُ : هذا ليسَ لي بلازمٍ ؛ لأني لا أرى أن يسندَ اللفظُ إلى المفعولِ ، إذ لم يرِدْ.؛ أما ( عيشة راضية ) ، فمخرجٌ على الاستعارة التصريحيةِ التبعيةِ ، أو على الاستعارةِ المكنيةِ ، أو على النسبِ ، أو على وجوهٍ أخرَ . فيبقَى المجازُ العقليُّ مقيسًا ، لأنه متعلّقٌ بالتركيبِ ، لا بالإفرادِ . ومن شأنِ التركيبِ أن يكونَ مبنيًّا على أن يكونَ قياسًا ؛ وإن لم يسمع منه إلا قليلٌ - وهذا ما لم يفطن له النحاة - ؛ إلا أن يكونَ هذا القليلٌ مطعونًا في نقلِه ، أو محمولاً على وهَمِ قائلِه بتخريجٍ سائغٍ يقوّي جانبَ الوهَم - ولا يكون هذا في القرآنِ - ؛ فإنه حينئذٍ يمتنعُ قياسُه . وإنما تُشترَط الكثرةُ في ما هو مبنيّ في أصلِه على السماعِ ؛ وذلكَ الألفاظُ المفردةُ ؛ إذِ الأصلُ في اللغةِ السماعُ ، وعليهِ المعوَّلُ ؛ والقياسُ إنما هو سبيلٌ إلى إدراكِ السماعِ ؛ ولذلك متى وُجِدَ السماعُ في مسألةٍ لم يُجَزْ أن يصارَ إلى القياسِ ، كما في مصادرِ الأفعالِ الثلاثيةِ وِفاقًا لسيبويهِ . فأما إن قامت الحاجةُ ، وقلَّ السماعُ ، فإن القياسَ لا يمتنعُ ، كما في المصادرِ الصناعيةِ . ثمّ لو سلّمنا أنَّه يرد على ذلكَ نحوُ ( شببتِ المرأةُ ) - ولا نسلم به - ، فإن الشيءُ إذا ثبتَ قياسُه بمسلَكٍ من المسالكِ ، لم يلتفتْ فيه إلى دعوى اللبسِ ؛ إذ العربُ لم تبنِ كلَّ قوانينِها على اجتنابِ اللبسِ ، كما في ( مختار ) ونحوِهِ .


    [​IMG][​IMG][​IMG]

    - الموضع الخامس :
    يقولون مكانَ ( موجودٍ ) : ( متواجِد ) . وهو خطأ لا يصِح سماعًا ، ولا قياسًا ؛ فالسماعُ معلومٌ ؛ إذ وردَ ( تواجدَ ) من ( الوجْدِ ) . أما القياسُ فلا يُجيزُ بناءَ ( تفاعلَ ) من ( وُجِدَ ) ، لأنهم إن كانوا يريدونَ به معنى ( التشاركِ ) فالردُّ ما ذكرتُه في كتابِ التصريف ؛ قلت :


    ( 9- تفاعلَ

    من معانيه :
    الأول : المطاوعة لـ ( فاعلَ ) . ويكون في موضعين :
    1- التشارَك . وهو أضربٌ ؛ فإن كان الفعل لازمًا فمعناه التشارك فيه ؛ نحوُ ( تجالسَ الرجلانِ ) . وإن كانَ متعديًا ؛ فإن كانَ لواحدٍ فمعناه أنَّ كلّ واحدٍ منهما أوقعَ الفعلَ على الآخرِ ؛ نحو ( تضاربَ الرجلانِ ) إذا جعلَ كلّ واحد منهما يضرِب الآخرَ . ولا يجوز أن يكونَ المعنى : تشاركا في ضربِ غيرِهما ؛ ولذلك من الخطأ أن يُقال : ( تواجدَ الرجلانِ ) بمعنى : اشتركا في الوجودِ ؛ وإنما يكون معناه ( وجدَ كلُّ واحدٍ منهما الآخرَ ) ) ا . هـ .
    وإن كانوا يريدون معنًى آخرَ ؛ فليسَ منها ما هو مقيسٌ غير الإيهامِ ؛ وهو غيرُ مرادٍ ، ولا يصِح لو أُريدَ ، لأنه لا يُبنى إلا من اللازمِ ، من قِبَلِ أنَّ معناه لا يتعدَّى صاحبَه ، و ( ووجَد ) متعدٍّ . ومتى بطلَ ذلك بطلَ قولُ ( تواجدَ ) ؛ فافهَم هذا واعملْ به .

    [​IMG][​IMG][​IMG]

    وليس هذا الذي ذكرتُ بموجبٍ تبرئةَ نفسي من الخطأ ؛ فإني لا أدّعي ذلك لنفسي . وكيفَ يحُلُّ بمنجاةٍ من الخطأ مَن لا يسمع ليلَه ونهارَه إلا كلامًا عاميًّا ، أو كالعاميِّ ، ومَن إذا قرأ كانَ كثيرٌ مما يقرأ مكتوبًا بلسانِ هذا العصرِ المدخولِ :
    فأينَ إلى أينَ النجاء ببغلتي ** أتاك أتاك اللاحقون ، احبسِ ، احبسِ
    وما أحسنَ ما قالَ الجاحظُ في كتابِه الحيوانِ : ( فإنْ نَظَرْتَ في هذا الكتاب فانظُرْ فيه نظَرَ مَنْ يلتمس لصاحبه المخارجَ ، ولا يَذْهَبُ مذهبَ التعنُّتِ ، وَمَذْهَبَ مَنْ إذا رأى خيرًا كتَمَهُ ، وإذا رأى شَرًّا أذاعه ) .




    [​IMG][​IMG][​IMG]

    - الهوامش :
    (1) : مما لا يدلّ على معالجةٍ ( أطلقه فانطلقَ ) . وبهذا يُردّ على ابن الحاجبِ ومن تبِعه . ولا تكونُ المطاوعة إلا في الحسيّ من قِبَل أنه موضع القَبولِ والامتناعِ .
    ( وبهذا يُردّ على سيبويه رحمه الله في إنكاره قياسَ المطاوعة بـ ( انفعلَ ) محتجًّا بأنك لا تقولُ : ( انطرد ) ؛ وذلك أن ( انطرد ) ليس داخلاً في حدّ القياسِ الذي ذكرنا حتى يُحتجَّ به . ( الكتاب / 4 / 66 ) . وآية ذلك أنك إذا أردتَّ بـ ( طرَد ) المعنى الحسّي كقولك : طردتِ الريحُ الحصَى ؛ إذا عصفت به ، فإن لك أن تبني منه بناء مطاوعة ؛ فلذا قالوا : ( اطّرد ) على زنة ( افتعل ) ، ومنه ( اطّرد الماء ) .
    (3) : وهو مما فُقِد من كتبه . والذي ذكرتُ مما نقلَه عنه ابن قتيبة في ( عيونِ الأخبارِ ) .
    (4) : انظر : التذييل والتكميل / 1 / 139 .
    (5) : ص 8 .
    (6) : ص 68 .




     
  3. #3
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط

    الأخطاءِ اللُّغويةِ الشائعةِ ( سلسلةٌ متصلةٌ )

    الجزءُ الأوّلُ من الأخطاءِ اللُّغويةِ الشائعةِ

    ( سلسلةٌ متصلةٌ )




    [​IMG]


    [​IMG]


    كائنْ أرى من أخطاءٍ كثيرةٍ يقعُ فيها جمهرةُ الأدباءِ والكُتّابِ غير معصومٍ منها إلا شرذمةٌ قليلونَ تعدُّهم عدًّا . وتالِكمُ الأخطاءُ تُزري بصاحبِها ، وتَخفِضُ من قدرِه ، وتكشِفُ عن جهلِه بعلومِ العربيةِ من نحوٍ وصرفٍ وبلاغةٍ وغيرِها ، وتنبّهُ على غفلتِه في شئونِ العلمِ ، وضَُعفِ بصرِه بالاستنباطِ ، ودِقّةِ النظرِ في التصويبِ والتخطئةِ . ولتريَنّ من أسفٍ كثيرًا من أُلئكَ يتبوءُونَ من الجاهِ منازلَ عليةً . ولترينَّ الاحتفالَ بهم ، والاعتدادَ ظاهرًا لدى العامّةِ والخاصّةِ ؛ وهمُْ كما قدمتُ منَ الجاهلينَ ، أوْ منْ أشباهِ الجاهلينَ . ولا جرمَ أنَّ هذا من فسادِ الزمانِ ، وخُبثِ الطبعِ ، واستواءِ العامةِ والخاصةِ ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللهِ .


    منْ أجلِ هذا بدا لي أنْ أنبّهَ على فريقٍ كبيرٍ منْ هذيكَ الأخطاءِ مستعينًا باللهِ ، لائذًا بحماه .


    وسأجعلُ هذا الموضوعَ على حلَقاتٍ متدارِكةٍ ، أذكرُ في كلِّ حَلْقةٍ خمسَةَ أخطاءٍ ذائعةٍ . وربما عمَدتُ إلى مداورةِ بعضِ الشئونِ اللغويةِ ، غيرَ حاجزٍ نفسي في مكانٍ أزْلٍ ، ومجالٍ ضيّقٍ .


    وأنا لا أستغني عن تعاليقِ إخواني الكرامِ ؛ فإن المرءَ قليلٌ بنفسِه ، كثيرٌ بإخوانِه .


    وإن أكن أصبتُ فمن اللهِ ، وإن أكن أخطأتُ فرأيٌ رأيتُه ، والرأيُ فيهِ مخطئٌ مصيبٌ - كما قالَ خُفافُ بنُ نَُدبةَ الشاعرُ -(1) .


    [​IMG][​IMG][​IMG]


    * الموضع الأول :
    يقولون : ( طبعًا ) . وهاتي الكلمةُ يلوكها في لسانه كلُّ أحدٍ ، جاهلٍ ، أو مؤتزرٍ بإزارِ العلمِ . وهي كلمة دخيلة في العربية ، أحسَِبها وردت علينا من تَرْجَمة الكتبِ الأجنبيةِ مع بِداءةِ عصر النهضة أو السقطةِ . وللحديثِ عما جرته علينا الترجمةُ من مصائبَ مقامٌ طويلٌ . وربتما أراد بعضُ المترجمين أن يترجم الكلمة الإنجليزيةَ ( of course ) ، فلم يعرف لها في العربية مرادفًا ؛ فترجمها لفسادِ الطبعِ ( بالطبع أو طبعًا ) . وهي حشوٌ من القولِ ، وعِيّ في الكلامِ ، لا ينبغي أن يلفظها من في قلبِه ذرةٌ من أنفةٍ ، أو قليلٌ من فقهٍ (2) . وإني أرى لها في العربيةِ بدَلاً هو ( لا جرم ) و ( حقًّا ) و ( أجَلْ ) و ( نعَم ) و ( لا ريب ) و ( لا شك ) ونحوُها . فإنْ قيلَ : إنَّ ( طبعًا ) تستعملُ في مواضعَ أُخَرَ غيرَ حشوٍ ، كقولِك : ( طبعًا ) في جوابِ من سألكَ : ( هل العرب كرماء ؟ ) . قلتُ : إن ظاهرَ المعنى يقضي بإعرابِ " طبعًا " في هذا السياقِ مفعولاً مطلَقًا مؤكّدًا للجملةِ قبلَه ؛ نحو : ( هذا صاحبي صدقًا ) . وهذا في رأيي غيرُ سائغٍ ، لأن " الطبعَ " في نحوِ جوابِ ( هل العربُ كرماءُ ؟ ) تقديرُه ( طُبعَ هذا الكلامُ طبعًا ) بالبناءِ للمجهولِ ، لا ( طَبعَ ) بالبناءِ للمعلوم . وهذا مخالِفٌ لنحو : ( هذا صاحبي صدقًا ) ؛ إذْ تقديرُه : ( صدقَ هذا الكلامُ صِدقًا ) بالبناءِ للمعلومِ . فإنِ احتججتَ بالسماعِ على ذلكَ ، قلنا : لا نعرفُ في ذلك سماعًا ؛ فإن يكنْ فهو قليلٌ . وإن احتججتَ بعلةِ عدمِ الفرقِ ؛ وذلك أن تزعمَ أن العلةَ المجيزةَ لقياسِ المبنيّ للمعلومِ ينبغي أن تجيزَ القياسَ في المبنيّ للمجهولِ ، وإن لم يوجدْ سماعٌ ؛ إذْ لا فرقَ بينَهما ، كما أجازَ ابنُ السرّاجِ القياسَ على إلغاءِ " ما " المتصلةِ بـ " إنّ " وأخواتِها حملاً لها على إلغاءِ " ليتَ " إذا اتصلت بها ، كما روى سيبويهِ بيتَ النابغةِ :
    قالت : ألا ليتما هذا الحمامَ لنا *** إلى حمامتِنا ، أو نصفَه ، فقدِ
    وإنما أجازَ ذلك من طريقِ ادّعاءِ عدمِ الفرقِ .
    قلنا : كلا ؛ فإن بينَ المبني للمعلومِ ، والمبني للمجهولِ فرقًا ؛ وذلكَ أنّ إجراءَ أحدِهما مُجرى الآخرِ مدعاةٌ إلى اللبسِ . والعربُ يعتدّونَ كثيرًا بهذه العلةِ ، ويَبنونَ قوانينَهم عليها ، كما فعلوا في الإعرابِ ، وفي الزياداتِ التصريفيةِ الدالّةِ على معنًى ، وفي غيرِ ذلكَ . وربّما لم يعتدّوا بها ، كما فعلوا في " مختار " اسمَ فاعلٍ ، واسمَ مفعولٍ . فإنْ بلغنا عنهم سماعٌ ، لم يكن لنا أن نجاوزَه إلى غيرِه ؛ قالَ الإمامُ سيبويهِ رحمه الله تعالى : ( فاستعملْ من هذا ما استعملتْه العربُ ، وأجزْ ما أجازوا ) (3) . ولذلك أنكروا على ابنِ مالكٍ أنّه فرقَ بين ( بِعت ) مبنيًّا للفاعلِ ، والمفعولِ ، معَ أنَّه كما نقلَ المازنيُّ لغةٌ لبعضِ العربِ فقطْ . وعلى كلِّ حالٍ فما تقدَّم يكشِفُ لنا التفاتَ العربِ إلى هذه العلةِ ، واعتدادَهم بها كثيرًا . وإذا كانَ اللبسُ ثابتًا في أصلِ المسألةِ التي نحنُ بسبيلِها كانَ هذا موجِبًا للفرقِ ؛ وإذا ثبتَ الفرقُ امتنعَ القياسُ . فإن قالَ قائلٌ : ما لكَ حملتَ المسألةَ على مذهبِ العربِ في اجتنابِ اللبسِ ، ولم تحملها على مذهبِهم الآخرِ في عدمِ الاعتدادِ بهِ ، كما في " مختار " ؟ قلتُ : لأنَّ الاحتجاجَ بـ " عدمِ الفرقِ " احتجاجٌ ظنّيّ ؛ فأدنى احتمالٍ ينقضُه ، كالاحتجاجِ باستصحابِ الأصلِ ؛ وقد وُجدَ احتمالُ مراعاةِ اللبسِ . ثمَّ إنّا وجدنا العربَ يعتدّونَ بها في نحوٍ من مسألتِنا ؛ وذلك في مسألتينِ يجمعُها ومسألتَنا أصلٌ واحدٌ ؛ هو الفرقُ بينَ المبنيّ للفاعلِ ، والمبنيِّ للمفعولِ ؛ فالمسألةُ الأولى في أفعلِ التعجبِ ، والثانيةُ في اسمِ التفضيلِ ؛ فإنهم منعوا بناءَهما من المبنيِّ للمفعولِ ، لئلا يلتبسا بالمبنيّ للفاعلِ ؛ فلا تقولُ مثلاً : محمدٌ أضربُ من زيدٍ . تريدُ أنه يُضرَبُ أكثرَ من زيدٍ . وبذلك يتبيّنُ أنّ بينَهما فرقًا ؛ فلم يبقَ لهم إلا السّماعُ ؛ ولا سَماعَ يسوّغُ القياسَ .



    وإنْ أريدَ بـ " طبعًا " في مثالِ هذه المسألةِ أنهم كرماءُ عن طبعٍ ، لا عن تصنّعٍ ، فهذا أصلاً ليسَ موضعَ خلافٍ ؛ إذْ يكونُ حينئذٍ تمييزًا . معَ أنه ينبغي العلمُ أني لا أنفي " طبعًا " من العربيةِ ؛ ولكني أنفي استعمالَها حيثُ لا يسنِدها القياسُ .



    [​IMG][​IMG][​IMG]


    * الموضع الثاني :
    يقولون : نحن كمسلمين نخافُ الله . وهذا التعبير المرذول المحرِّف للمعنى عن موضعه من تبِعات الترجمة الرديئة . وأنا أحسبها مترجمة حرفيًّا من الكلمةِ الإنجليزيةِ ( as ) ؛ فإنها تستعمل بمعنى الكاف ، ويضعونها موضع الاختصاص في العربية . وذِهِْ مما عمت وطمت حتى لا ترى لسانًا إلا يتشدق بها ، وبئسَ من لسانٍ يتبعُ كل ما يسمعُ ، ويجعل لغته حلالاً لكل مفسدٍ !
    وفي لغتنا بديل عن هذا التعبير ، أُفردَ له في النحو بابٌ مستقلٌّ هو بابُ ( الاختصاصِ ) تقولُ ـ مثلاً ـ : نحنُ المسلمين نخافُ الله . نُصب ( المسلمين ) بفعل مضمر وجوبًا تقديره أعني أو نحوُه . أو تقول : نحن أيها المسلمون نخاف الله . ومما ورد في ذلك قول الشاعر :
    جُد بعفوٍ فإنني أيها العبـ *** ـدُ إلى العفو يا إلهي فقيرُ
    وقول الآخر :
    إنا بني نهشلٍ لا ندّعي لأبٍ *** عنه ولا هو بالآباءِ يشرينا
    وأنبه على أن هذا التعبيرَ الفاسدَ قد أجازه مجمع اللغة العربية في القاهرة بحجج واهيةٍ داحضةٍ لا يُلتفتُ إليها . وهذا شأن المجمع في كل ما يفشو على ألسنةِ الناسِ ؛ إذ يتكلفونَ له التأويلَ تكلفًا ظاهرًا ! فإن قيلَ : وما تُنكرُ أن يكونَ هذا من قبيلِ التطوُّرِ الدَِّلاليِّ ؟ قلتُ : من الخطأ أن تقاسَ العربيةُ على سائرِ اللُّغاتِ ، وأن تكونَ تابعةً لها ؛ فإنَّ اللغاتِ الأخرَ ليسَ لها مُحتَكمٌ ، ولا مرجِعٌ ثابتٌ ؛ فهي تتطوّرُ كلَّ يومٍ من غيرِ أن يعُدّوا هذا التطوُّرَ لحنًا ، أو خروجًا عن الجادّةِ . أما العربيةُ فشأنُها شأنٌ آخرُ ؛ إذ خصَّها الله تعالى بحفظِهِ ، وهيّأ لها البقاءَ ؛ فأصحابُ هذا العصرِ يقرءونَ كلامَ الله تعالى المنزلَ قبلَ أربعةَ عشرَ قرنًا ؛ فيفهمونَ كثيرًا منه ، والإنجليزُ مثلاً يقرءونَ كلامَ شكسبيرَ ؛ فلا يفهمونَه ، على قربِ عَهدِه منهم . والقولُ في التطوّرِ الدّلاليِّ أنه على ثلاثة أضربٍ ؛ الضرب الأول : تطور في زمن الاحتجاج ، سواءٌ كان بملابسة أم بغيرها . فهذا يُعتدّ به ، كتطور كلمة ( بأس ) ؛ فقد كان يراد بها الحرب ، ثم كثرت حتى قيل : لا بأس عليك ؛ أي : لا خوف . الثاني : تطور في غير زمن الاحتجاج . وهذا لا يصحّ إلا بملابسة ، إما مشابهة ، أو غير مشابهة ؛ نحوُ تسمية صاحب العلم بـ ( الشيخ ) ؛ فإن هذا من باب الاستعارة ؛ إذ شُبه العالم بكبير السن بجامع لزوم الاحترام والتوقير في كلٍّ . ثم إن هذا الضرب من التطور إما أن يظل مجازًا ، كـ ( البدر ) بمعنى ( الحسنِ الجميلِ ) ، وإما أن يكون حقيقةً عرفيةً إذا اشتهر ، وأصبح هو السابقَ إلى الذهن عند إطلاقه لدى الناس ، كـ ( الشيخ ) بمعنى العالم . الضرب الثالث : تطور في غير زمن الاحتجاج بغير ملابسة . فهذا يُطّرح ، ولا يُعتد به ، وهو خطأ في اللغة وضلال عن القصد فيها . وهذا بيّن معلوم عند علماء العربية جميعًا ؛ ولهذا ألفت الكتب في التنبيه على ما يلحن فيه العامة والخاصة ؛ من ذلك كتاب ( إصلاح المنطق ) لابن السكيت ، و ( الفصيح ) لثعلب ، و ( ما تلحن فيه العوام ) للكسائي ، و ( فقه اللغة ) للثعالبي ، و ( درة الغواص في أوهام الخواص ) للحريري ، و ( تقويم اللسان ) لابن الجوزي ، و ( تثقيف اللسان ) لابن مكي الصقليّ ، و ( لحن العوام ) للزبيدي . فإن قيلَ : إنَّ منعَ التوسع في التطوّرِ الدلاليّ يجعلُ اللغةَ ميّتةً هامدةً . قلتُ : ليس هذا بحقٍّ ؛ فإنَّ ثَمَّ مسالك كثيرة من الاشتقاق ، والتصريف ، والقياس . بلِ الذي يسيءُ إلى العربيةِ ، ويُسرِع في القضاءِ عليها أن يُفتحَ بابُ التطوّر على مصراعيهِ ؛ فيصيبَها ما أصابَ اللغاتِ مِن قَبلِها .




    [​IMG][​IMG][​IMG]


    * الموضع الثالث :
    يقولون : في هذه الفترة . أو بعد فترة ؛ أي : مدة . وهو خطأ ؛ فإن الفترة في اللغة هي الضعفُ والسكون وانكسارُ الحدة والنشاطِ ؛ ولهذا يطلق على ما بين النبيَّين ، كما قال ـ تعالى ـ : [​IMG] يا أهل الكتابِ قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل [​IMG] [ المائدة : 19 ] .
    والبديل من ذلك هو ( مدة ) و ( زمن ) و ( حقبة ) ونحوُها . أما تصريفُ ( الفَترةِ ) ، فإنها تحتملُ أن تكونَ اسمَ مرة ؛ نحو ضرْبة ، أو مصدرً عامًّا ؛ نحو رَحْمة - وهو الأرجح - ، من ( فَتَرَ ) الذي مضارعه من باب " ضرب " ، و " نصر " ، بمعنى سكن وضعُف ، وانكسرت حِدَّته ونشاطه .



    [​IMG][​IMG][​IMG]


    * الموضع الرابع :
    يخطئون من يقولُ من العامة ( تَفْتَر ) في ( دَِفتر ) وهو صواب ؛ فـ ( التفتر ) لغة بني أسدٍ ، حكاها الفراءُ ، واللحيانيّ (4) .



    [​IMG][​IMG][​IMG]


    *الموضع الخامس :
    يقفونَ على التنوين ؛ فيقولون ـ مثلاً ـ هذا كتابُن ، أو قرأت كتابَن ، أو اطلعت على كتابِن . وهو غلط ؛ فإن العربَ لا تقف على التنوين البتةَ إلا تنوينَ الترنم ، والتنوينَ الغالي ، كما ذكر أبو سعيد السيرافيُّ وابن جنيْ وغيرُهما ، وقال ابن مالك في ألفيته :
    تنوينًا اثْرَ فتحٍ اجعلْ ألفا *** وقفًا وتلوَ غيرِ فتحٍ احذفا (5)



    [​IMG][​IMG][​IMG]


    - الهوامش :
    (1) : الأصمعيات 27 ( شاكر وهارون ) . وتمامُ البيتِ :
    فلئنْ صرمتِ الحبلَ يا بنةَ مالكٍ *** والرأيُ فيهِ مخطئ ومصيبُ
    (2) : انظر : البيان والتبيين 1 / 113 ( هارون ) .
    (3) : الكتاب 1 / 414 ( هارون ) .
    (4) : لسان العرب ، وتاج العروس ( تفتر ) .
    (5) انظر مثلاً : ضرورة الشعر ، للسيرافيِّ 37 ( رمضان عبد التواب ) ، وسرّ صناعة الإعراب ، لابن جني 2 / 518 ( حسن هنداوي ) .




    للفائدة
     
  4. #4
    فارس المحيط

    فارس المحيط مدون جديد

    رد: الجزءُ الثّاني من الأخطاءِ اللُّغويةِ الشائعةِ ( سلسلةٌ متصلةٌ )

    شكرا لك أخي على هذه المعلومات المفيدة . ما أحوجنا إلى الغيرة على لغتنا العربية.
     
  5. #5
    زهر

    زهر مدون

    رد: الجزءُ الأوّلُ من الأخطاءِ اللُّغويةِ الشائعةِ ( سلسلةٌ متصلةٌ )

    بارك الله فيك و في مجهوداتك أخي الفاضل
    جزاك الله خير الجزاء