المدرسة والسلوك المدني

  1. #1
    عبداللطيف غياط

    عبداللطيف غياط مدون جديد

    مداخلة تحت عنوان:

    المدرسة والسلوك المدني

    الدكتور عبداللطيف غياط

    هناك تداخل بين هذا المفهوم ومفاهيم أخرى مثل: التربية على المواطنة والتربية على حقوق الإنسان. كما تتداخل ضمنه مجموعة من المستويات والحقول المعرفية الأخرى التي تدور في فلكه. من هنا سنحاول تفكيك هذا العنوان وتجزيئه قصد دراسة كل لفظ على حدة لمعرفة ما يحيل عليه من معان ودلالات.

    السلوك: وهو مرتبط بسلوك الأفراد والجماعات، ويحيل على الوجه الفردي للممارسة الاجتماعية أي الأخلاق التي يتحلى بها الفرد والتي يكون قد اكتسبها خلال حياته في وسط معين وهذا السلوك يختلف باختلاف الوسط سواء المكان أو المستوى الاجتماعي وينعكس هذا السلوك في العلاقات بين الأفراد أو مع مؤسسات الدولة أو مؤسسات المجتمع.

    المدني: وهو لفظ يحيل على التمدن أي على وجه من أوجه تطور المجتمعات الإنسانية الذي تمت فيه عملية تنظيم بنيات المجتمع وفق تصورات مختلفة وهو مرتبط بتاريخ تطور المجتمعات. وهنا نستحضر مقولة ابن خلدون التي يرى فيها أن الإنسان مدني بطبعه أي أنه مجبول على العيش في جماعات وهذه الجماعات تتكون وتتشكل من فئات مختلفة تتعايش فيما بينها وتجمعها مصالح مختلفة وأهداف تكون مشتركة في بعض الأحيان ( أستاذ ـ حداد ـ طبيب ـ حرفي ...) من هنا جاء مفهوم المدنية الذي يحيل على أن كل فرد مدين لغيره.
    ويرى كارل ماركس أن المجتمع المدني هو مجموعة من البنى مثل النقابات ـ الأحزاب ـ الصحافة ـ المدارس ـ والكنيسة وغيرها، وهي تنبني على مجموعة من العلاقات الثقافية والإيديولوجية وبعبارة أخرى فالمجتمع المدني هو ما بمثله الرأي العام غير الرسمي ( أي الذي لا يخضع للسلطة المباشرة للدولة ).
    وخلاصة القول فإن مفهوم المجتمع المدني قد ظهر في إطار تبلور فكرة التصدي للاستبداد السياسي خلال القرن الثامن عشر. وفي مرحلة عصر الأنوار وهي المرحلة التي مهدت للثورات البورجوازية حيث ناقش كبار المفكرين ،أمثال هوبز ـ ديدرو ـ روسو ـ هيجل ـ أدام سميث ، مفاهيم جديدة مثل مفهوم: الوطن ، الدولة، المجتمع، الإنسان. كما تبلورت مكونات مفهوم المجتمع المدني في إطار النظرية اللبرالية بمفاهيم مثل:
    ـ العقد الاجتماعي في مقابل نظرية الحق الإلهي للسلوك
    ـ التعددية السياسية في مقابل الحكم المطلق
    ـ إقرار حق المواطنة والحريات العامة في مقابل اقتصارها على الملوك والنبلاء
    ـ الانتقال إلى سيادة الأمة المأخوذ من حق المواطنة
    إن المجتمع المدني هو جملة من المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تعمل في استقلال نسبي عن سلطة الدولة لتحقيق أهداف: سياسيةـ نقابيةـ ثقافيةـ اجتماعيةـ حقوقية.
    وبالعودة إلى السلوك المدني نجد أنه تتداخل فيه عدة مفاهيم، إلا أننا سنقتصر هنا على مفهومين أساسين هما: مفهوم التربية على حقوق الإنسان، ومفهوم التربية على المواطنة:
    1ـ التربية على حقوق الإنسان:وهو مفهوم يدعو إلى التشبع بالبعد الكوني الشمولي لقيم حقوق الإنسان من حرية في التعبير والتفكير وتقبل الآخر واحترام رأيه والتضامن معه والإقرار بالديمقراطية.
    2ـ التربية على المواطنة: ترتبط بالبعد القانوني لثنائية الحق والواجب وما يتبعها من الرغبة في الحصول على الحقوق المخولة ومن وجوب الالتزام بأداء الواجبات. والتربية على المواطنة ظهرت كتعبير عن تطور المدينة من جهة وتحول القيم من جهة ثانية، ذلك أن توفر المدينة على طابع قانوني وسياسي وترابي فرض على المواطنين واجبات ومسؤوليات جديدة تربط علاقتهم بالدولة وبغيرهم من المواطنين. فالقيام بهذه المسؤوليات هدفه خلق المواطن الصالح المتمتع بالحقوق والملتزم بأداء الواجبات والمتمتع أيضا بالخصال المدنية والوطنية والأخلاقية.
    وخلاصة القول فالسلوك المدني مفهوم يتموقع بين الأخلاق والقانون لأنه لا يمكن أن نتصور السلوك المدني إلا مؤطرا بمنظومة أخلاقية محددة وبإجراءات قانونية معينة. وبين هذين الموقعين توجد منظومة غير مصرح بها وتتجلى في الأعراف والتقاليد والقيم الاجتماعية.

    المدرسة والسلوك المدني:
    يندرج السلوك المدني في مجال التربية باعتبارها تنشئة اجتماعية وتحيل إلى المؤسسات التربوية وأدوارها الأساسية.
    لقد ظهر هذا المصطلح ما بين 1995 و 2004 مع إعلان العشرية الأممية للتربية على حقوق الإنسان في إطار الشراكة بين وزارة التربية الوطنية ووزارة حقوق الإنسان، من خلال البرامج والمناهج التعليمية المدرجة بالمواد الدراسية، في حين نجد أن الحاجة إلى التربية على القيم المدنية قد ظهر في البلدان ذات الهياكل المدرسية العمومية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مثلا ظهرت في بلجيكا سنة 1968ـ النمسا 1870ـ بروسيا 1872ـ فرنسا 1983.
    لكن بالنسبة لنا هناك عدة أسئلة تطرح نفسها بإلحاح يمكن إدراجها كالتالي:
    ـ ما هو واقع مؤسساتنا التعليمية؟
    ـ هل هناك سلوك مدني بالمعنى الصحيح يمارس داخلها؟ أم هناك سلوك ما سائد ويتنامى باستمرار داخل المؤسسات التعليمية؟
    ـ ماذا تهيئ المؤسسات التعليمية من ظروف لاستثمار هذا المفهوم؟
    ـ هل هناك وسائل مساعدة لتنمية هذا السلوك؟
    ـ هل هناك تكوين أو تأطير أو رصيد علمي للعاملين بالمؤسسات التعليمية يؤهلهم لغرس هذا السلوك في المتعلمين؟
    لا شك أن واقع الحال يحمل إجابات كثيرة تصب كلها في اتجاه واحد يعكس بوضوح شبه انعدام هذا السلوك بالمؤسسات التعليمية. كما يلقي باللائمة على بعض الظروف وإعطاء تبريرات لا تعفي من تحمل مسؤولية الكل سواء بصفة مباشرة أو غير مباشرة. ومهما يكن فإننا مدعوون جميعا إلى إعادة النظر في كثير من الأشياء ومراجعة الأوراق إن نحن أردنا أن نكتسب سلوكا مدنيا يرقى إلى مستوى تطلعاتنا.
     
  2. #2
    قاسم1

    قاسم1 مدون متميز

    رد: المدرسة والسلوك المدني

    راهنا على ذلك منذ التحاقك بالمعهد عزيزي عبد اللطيف . عندما تكتب نرى الإبداع الحق والموهبة المصقولة نرى الفن والجمال الذي تخطه الأنامل الرقيقة بمنتديات صناع الأجيال، مرفأ القلم. سلامي إلى حبيبي محمد


     
  3. #3
    يوسف المراكشي

    يوسف المراكشي مدون جديد

    رد: المدرسة والسلوك المدني

    جزاك الله خيرا , على هذا الموضوع المفيد ,و عيد مبارك سعيد
     
  4. #4
    عبداللطيف غياط

    عبداللطيف غياط مدون جديد

    رد: المدرسة والسلوك المدني

    شكرا جزيلا إخوتي الصناع الكرام، إن مروركم علينا هو الذي يدكي الهمم: همم البحث والتنقيب عن الأحسن والأفيد للجميع. سلامي المعطر بعبق المودة والأخوة الحقة لمربي الأجيال الأستاذ الباحث المجد المعطاء أخي وحبيب ابني: قاسم حميدو .وألف سلام للجميع. ودامت كل أيامكم أعيادا وأفراحا.