الخطاب التربوي بالمغرب Educational discourse in Morocco

  1. #1
    Said Alkawtari

    Said Alkawtari مدون جديد

    الخطاب التربوي بالمغرب
    وإشكالية التغير الاجتماعي
    تحديد مفاهيمي و منهجي :

    سنستعمل مفهوم (( الخطاب التربوي )), في معنيين : معنى أول سيحيلنا إلى كل أشكال الممارسات التربوية ذات الطابع المؤسسي, كالخطاب الأسري, الخطاب المدرسي, الخطاب الإعلامي... ومعنى ثاني سيحيلنا, مرجعيا, إلى كل أشكال الممارسات الفكرية و التربوية التي راكمت منذ سنوات خطابا تربويا عقلن ذاته , انطلاقا من تفاعله مع محيطه الفكري و المحيط السوسيوثقافي المغربي .

    كما سنستعمل مفهوم (( المنظومة )) كإحالة مرجعية على ما يشير النسق إليه من انتظامات لمختلف عناصره , كالنسق التربوي الأسري , النسق التربوي التعليمي , و النسق التربوي الإعلامي .

    أما مقاربتنا لهذا الموضوع ,,فستكون سوسيولوجية تحليلية تركيبية ووصفية , لاعتبارات ذاتية و أخرى موضوعية :

    الأولى يمكن إجمالها في كوننا مقتنعين, تمام الاقتناع , بأهمية التحليل السوسيولوجي الذي يستلزم منا, منهجيا , الرؤية الشمولية في دراسته لمثل هذا النمط من الظواهر المتسمة بالتعقد و التركيب : فكما يعلم الجميع . تعتبر الظاهرة التربوية ظاهرة نفسية واجتماعية و ثقافية و انثروبولوجية . لذا لا ينبغي النظر إليها من زاوية أو بعد واحد .



    أما الثانية, فهي مرتبطة بمواقف مبدئية يمكن إجمالها في اعتبارنا الشخصي, أن المنظومة التربوية تعيش أزمة هوية ( 1) وذلك لعدة أسباب أهمها: خضوع هذه المنظومة لنسق مركب تتسم عناصره بالتنافر و التباعد, يجعل التغير الاجتماعي إشكالية يصعب حلها 0

    المنظومة التربوية المغربية وإشكالية التأقلم مع مستجدات العصر.

    لقد تأثرت المنظومة المجتمعية المغربية, تأثيرا سلبيا, كغيرها من المنظومات الأخرى, أوائل القرن الماضي, بصدمة الحداثة.(2) الشيء الذي انعكس, سلبا , على بنياتها , المتسمة بالثبات , انعكاسا جعل المشهد التربوي يفرز تعايش نمطين مختلفين من أنماط التربية : نمط تقليدي و آخر عصري . ( 3) فهي بفعل ذالك, تضع , في نظرنا , الخطاب الابستيمولوجي التعليمي العالم ( بكسر اللام ) في مأزق منهجي عندما نراه يختزل الظاهرة التعليمية في بعد أحادي الجانب . وذلك من خلال النظر إليها كوحدة متجانسة وظيفيا, مستقلة , على مستوى التحليل , عن باقي الوحدات الأخرى . ويكتفي , بالتالي , بتحليل المكونات والعناصر الداخلية التي تتحكم في الفعل التعلمي –التعليمي , وكأن المشكل , في أساسه مشكل بيداغوجي أو ديداكتيكي محض . في حين نرى أن المشكل أعمق من أن يرد إلى خلل وظيفي في البنية التعليمية – التعلمية . فهذه الأخيرة , مرتبطة بنيويا , بمنظومتها العامة التي تتحكم فيها : يتعلق الأمر بارتباطها بالمنظومة التربوية التي تشكلت , منذ زمن طويل , في المجتمع المغربي وأصبحت المتغير المستقل لكل منظومة فرعية .

    وبناء عليه , نطرح التساؤل التالي : هل يمكن تفسير الآليات التي تشتغل عليها المنظومة التعليمية بمعزل عن الحديث , بشكل أساسي , عن الخطاب التربوي الذي تنتجه الأسرة المغربية ؟ فالشعار الذي رفعته وزارة التربية الوطنية خلال الموسم الدراسي المنصرم ( 2006/2007 ) الأسرة والمدرسة معا من أجل الجودة, يوضح, بالملموس, لديها , أهمية الارتباط بين المدرسة و المجتمع. هل يمكن الحديث أيضا , عن الخلل الذي نراه في العملية التعلمية – التعلمية دون الرجوع إلى تفكيك للخطاب الإعلامي , الذي بدأ ينافس , إيديولوجيا , و معرفيا , خطاب المدرسة ؟( 4)

    فأمام غياب , شبه كلي , للدراسات الميدانية المبنية على ا لقياسات الكمية الإحصائية و القياسات الكيفية , الكاشفة للمتغيرات المستقلة و المتغيرات التابعة . وأيضا, أمام غلبة البعد التنظيري الذي تتسم به المسألة التربوية ببلادنا . كل هذا يجعل الموقف السوسيولوجي موقفا يتمتع بمصداقية نظرية و منهجية , لا ينافسه عليها أحد . فما كتب ويكتب في المجلات المتخصصة و الجرائد الوطنية و الكتب ذات المنحى و التوجه التربويين , لا يقوم سوى بدور ثانوي و تكميلي مؤداه تحديد إمكانيات نسق تربوي أو جمع معطيات ناقصة تساعد الدارس في تحديد شروط معينة , أو تحليل الظاهرة التربوية المدروسة من زاوية معينة دون أخرى .(5)

    لقد لجم المغرب, كسائر البلدان المستعمرة, نفسه باتفاقيات ومعاهدات رسمية. وربط على إثرها, مجالاته الحيوية , والفاعلة , كالاقتصاد و السياسة و الثقافة , بمصالح الغرب المستعمر . وإلى جانب ذاك , نراه , وبشكل مفارق , منشدا انشدادا قويا , ثقافيا, و إيديولوجيا , إلى بنياته التقليدية العميقة . . فأمام هذه الوضعية الصعبة , يجد المغرب نفسه الآن , مطالب حضاريا , أن يحسم , وبسرعة , في تحديات العولمة بجميع أشكالها وتلاوينها , التي يفرضها عليه محيطه الجيواقتصلدي و الجيوسياسي التابع للدوائر الرأسمالية الليبرالية الغربية .(6) فما يحتاجه المغرب هو ليس رفض العولمة أو قبولها, ولكن ما يحتاجه هو بناء الذات القادرة على الإبداع , والاستثمار العقلاني لإمكانياته المتاحة من أجل التعامل مع الآخر. فالتوجيهات التي قدمها البنك الدولي له هي نصائح تقنية حول تأهيل العنصر البشري , كعنصر من عناصر التنمية و الاستقرار السياسي و المجتمعي. فاندماج المغرب في السوق العالمي يتطلب منه تأهيل أطر لها كفايات تكون رهن إشارة الشركات العابرة للقارات . ولا يمكن تكييف النظام التربوي مع النظام الاقتصادي دون إصلاح للإطار الإداري الممخزن , وإصلاح الماكرواقتصادي .
    كيف يمكن تحقيق هذه التوجهات في ظل التأرجحات في اختيارات متعارضة بين الفرانكفونية الثقافية ذات النفوذ على مراكز القرار السياسي والاقتصادي , وبين منطق الهوية و الخصوصية المغربية ؟ كيف السبيل إلى ذلك في ظل تجربة ديمقراطية هشة ؟ يقول المهدي المنجرة في هذا الصدد : ((إذا لم تكن هناك ديمقراطية حقيقية و إذا لم يكن هناك برلمان يحترم , وله مصداقية في أخد القرار , تبقى الأشياء كلها مسألة خبراء و مسألة تقنيات لا تتعلق بالأولويات . )) (7)

    وهكذا , وبناء على هذه الحيثيات , فقد سعى المغرب , جادا , منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي إلى الآن ,نحو خلق توافقات شبه مجتمعية بين مختلف أطيافه وحساسياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وذلك, حول بلورة منظومة شمولية تأخذ بعين الاعتبار, المنظومة التعليمية , لمواجهة هذه التحديات . وقد تمخض عن ذلك ,بشكل خاص, إقرار الميثاق الوطني للتربية والتكوين . و نهج سياسة تكرس ثقافة حقوق الإنسان (خاصة حقوق الطفل و حقوق المرأة ) وإقرار مدونة للأسرة, كخطوة أولية نحو تطبيق دولة الحق والقانون وتكريس السلوك والنهج الديمقراطيين. كما سعى أيضا, إلى تبني منظومة إصلاحية وضعت الإنسان المغربي كمورد بشري هام , انطلاقا من التفكير في إيجاد أنجع الوسائل المساعدة على تنمية و إبراز قدراته الإبداعية ومواهبه المتعددة حتى يتكيف , بشكل إيجابي, مع محيطه القريب و البعيد , ويكون قادرا على العطاء و الإنتاج الخلاق .

    على ضوء هذا التوجه العام لأصحاب القرار السياسي بالمغرب, وبعد مرور سنوات (ثماني سنوات ) على تطبيق الميثاق الوطني للتربة و التكوين, وبعدما شاهدناه من تعثرات في تنفيذ بعض بنوده و دعاماته الأساسية, يمكن طرح تساؤلات.عديدة , وهي على الشكل التالي :

    هل مفهوم التربية, كممارسة واقعية و المتجسدة ضمن مؤسسات معينة, كالأسرة, المدرسة, الإعلام... قادرة , في شكلها الحالي , وفي موازاة مع هذه التوجهات السالفة الذكر , على خلق شروط موضوعية وذاتية للطفل المغربي , وتأهيله تأهيلا صحيحا حتى يكون في المستوى المطلوب , أم هي مجرد أنماط جاهزة و مستعارة , ومستهلكة الغرض منها هو صناعة مجتمع عصري , في الظاهر , وتقليدي حتى النخاع , في العمق , يعيد إنتاج نفس المنظومات السابقة , لكن بأشكال مختلفة تمويهية للأنظار والألباب ؟ .. بتعبير آخر , هل الخطاب التربوي المغربي استطاع ,أو على الأقل سيستطيع في السنوات القليلة القادمة , تأهيل المنظومة المجتمعية , و ذلك من خلال إنتاج بنية فكرية مقاومة لميكانزمات مضادة لها , تبعد الإنسان المغربي عن دائرة التخلف الفكري , والتالي التخلف الاقتصادي الذي يعيشه ؟

    صحيح أنه, لا يمكن إنكار الوقائع التي تقرأن المغرب قد عاش, منذ الاستقلال, في مخاض وفي صراع وجودي مع مخلفات هذه الوضعية. و صحيح أيضا, أنه قد عاش فترة الانجذاب القوي للماضي وما يكتنفها من حقائق وأوهام , وفترة التطلع للمستقبل المجهول , وما نتج عن ذلك من تفكك تدريجي للمنظومة التربوية المنبنية على سلطة الأب, و تراجع ملحوظ لبعض الأشكال التقليدية في تربية الأبناء , لصالح منظومة تربوية استمدت وجودها من النموذج الحداتي الغربي الليبرالي ,. فغدت الأسرة نووية بعد أن كانت ممتدة. وطفت على سطح العلاقات الاجتماعية, هوامش من الحرية في طريقة تربية الأبناء و تدبير الشأن الأسري. إذ على إثر ذلك تقلصت المسافات بين الراشد وبين الطفل . (8) . لكن ما نلاحظه , في الوقت الراهن, هو هذا التأرجح في اختيار المجتمع المغربي لصيغ تربوية (( غير مهضومة)) أملتها ظروف هذا العصر المتميز بالسرعة في التطور و التحول , خاصة على المستوى الإعلامي و المستوي التعليمي , في شقه البيداغوجي. الشيء الذي يؤكد لنا صحة فرضيتنا التي انطلقنا منها, والتي عبرنا عنها انطلاقا من التساؤلات السابقة و التساؤلات اللاحقة التالية : هل يمكن لمجتمع أن يذهب بعيدا بمشروعه التنموي و النهضوي القائم على تصورات عقلانية حداثية معينة , والأمية ما تزال متفشية فيه بنسبة كبيرة؟ هل يمكن إعطاء مصداقية حقيقية لأي مشروع تنموي والعالم القروي ما يزال يعيش في عزلة شبه تامة عن صيرورات مجتمعه الذي ينتمي إليه , مع تركه عرضة للتهميش والضياع , وجعله يقوم بتصدير أفواج من العائلات القروية إلى المدن للقيام بإعادة إنتاج نفس القيم السلبية الموروثة عن النظام القبلي العشائري الذي يتميز به هذا العالم القروي ؟ هل استطاع الخطاب التربوي المدرسي بعد مرور سنين عديدة في نهج خطط تنموية اقتباسية من الغرب الليبرالي, أن يمد جسور التواصل و الوصل بين المدرسة و البيت ؟ فالخطاب التربوي العالم ( بكسر اللام ) يقر بأن العملية التربوية داخل المدارس لم تعد عملية تلقين معارف ولا تقنيات جاهزة , بل هي عملية تعلم(( كيفية التعلم)) وذلك انطلاقا من مخاطبة الذكاء و تنمية الوظائف العليا للدماغ البشري , من فهم و إبداع وقدرة على الخلق والابتكار.( أوليس الذكاء هو أرقى صورة للتكيف مع المحيط , كما يقول جان بياجي ؟). و أن المربي المغربي في حاجة إلى معرفة قوانين النمو الذهني للأطفال, لإيجاد المنهاج الأنسب والأنجح لنمط التكوين التربوي المرغوب فيه .. هل استطاع الخطاب التربوي المدرسي, كما نفهمه كممارسة في المدارس , أن يبلور أشكالا جديدة تؤثث المشهد التربوي وتكشف عن مستويات جديدة لطبيعة العلاقة المتبادلة بين الأستاذ والمتعلم , بين الأستاذ والإدارة بين الأستاذ و المؤطر التربوي ؟ بين المدرسة ومحيطها ؟ .. لماذا لم تنفتح المراكز التربوية على الجامعات و المعاهد و باقي المؤسسات العلمية المهتمة بالشأن التربوي, و بقيت منغلقة على نفسها تجتر مفاهيم وأدبيات المدارس الكلاسيكية في مجالات تخص العلوم الإنسانية ؟ .. هل تثق المدرسة , واقعيا , في قدرات المتعلم الطبيعية على التعلم ؟ (9)


    ليس مهما, في نظرنا, الإجابة على هذه التساؤلات, جوابا يدعي طرح حلول جاهزة. و لكن المهم هو دفع القارئ إلي التفكير بجدية في مثل هذه القضايا الحساسة و الخطيرة التي نطرحها بين يديه. و ذلك قصد التفكير معا في حلول ممكنة و واقعية, تخرج المجتمع المغربي من هذا المأزق الحضاري الذي لا يحسد عليه.

    قد يتبادر إلى ذهن القارئ العزيز, أن اللهجة التي نخاطبه بها هي لهجة تصدر عن ذات تشاؤمية تميل إلى التفكير العدمي , الذي لا يرى سوى ما تصوره له هذه الذات , لكن, يكفي قارئنا , المتبصر والمتنور , فقط, لكي يقتنع , أن يقرأ في نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة ,نتائج 2007 , ليرى حجم المشكلة التي يتخبط فيها المغرب , و يعرف , تمام المعرفة , لماذا توجه السلوك الانتخابي لشريحة كبيرة من الشعب , نحو وجهة مقاطعة الانتخابات التشريعية , أو اختياره للبطاقة الملغاة ؟ .. فالمسألة مسألة موقف مبدئي اختارته الأغلبية الصامتة من المجتمع, كخطاب إنذاري تشعر المسئولين السياسيين, أن الخيارات التي يتم الآن نهجها هي خيارات تسعى فقط إلى تدبير الأزمة وليس إلى حلها !

    فنحن لما طرحنا فرضيتنا, السابقة الذكر , فإننا نقصد من وراء ذلك, الربط البنيوي للمنظومة التعليمية بالمنظومة التربوية و المجتمعية السائدة . إيمانا منا أن التنمية المستدامة لا يمكن تحقيقها إلا بتأهيل العنصر البشري تأهيلا علميا و ثقافيا . و كذلك لا يمكن تحقيق هذا كله إلا بإصلاح الأسرة المغربية و المدرسة الابتدائية و القائمين عليها و تأهيلهما تأهيلا صحيحا.. أو ليسا هما الأصل !!؟ ( 10)

    إذن, هذه المساهمة, هي دعوة إلى إعادة الاعتبار إلى المدرسة الابتدائية المغربية, فالأطفال, فلذات الأكباد, يقضون فيها مدة ست سنوات من عمرهم. وهي فترة زمنية تعتبر حاسمة , بشكل كبير, لمستقبلهم , و مستقبل جيل كبير من رجال و نساء الغد الذين يعول عليهم المغرب في رفع تحدياته الكبرى .. هل يمكن فعل ذالك, دون فهم دقيق للقائمين على المدرسة الأساسيين: المتعلم , المدرس , المدير , المؤطر التربوي . ودراسة التفاعلات الحاصلة , واقعيا , فيما بينهم .


    المتعلم, المدرس, المدير, المفتش: أربعة أوجه لعملة واحدة.

    سنسلط الضوء على هذه الشخصيات المألوفة .. وفي نفس الوقت , الغربية الأطوار.. أربع شخصيات و أربع محافظ: الأولى, تضم ما يقارب قياس وزن هذا الكائن الصغير /الكبير( المتعلم ) يحملها جسده الغض. تقسم ظهره وهو ما يزال لم يختبر من تقلبات الأقدار أي شيء. و الثانية , تضم تحاضير وكتب المقرر الدراسي, وهموم أخرى كبيرة و صغيرة .. أما الثالثة, فهي من كثرة الغدو و الرواح.. من المدرسة إلى النيابة تشبه تلك التي بحوزة ساعي البريد ,!!! أما الأخيرة , الحاملة لتقارير مرفوعة إلى النيابة, فقد أريد لها أن تروم السلوك التربوي و المنهاج التعليمي و تطوير الأساليب الديداكتيكية للمدرس , لكن غياب التعاون بين كل الفاعلين التربويين , وعدم كفاية الوسائل اللازمة لرصد الزيارات الصفية .. تحول تلك التقارير إلى مجرد وثائق مغرقة في شكليات إدارية و تربوية لا تفي بالغرض المرجو منها.

    شخصيات ذات سمات نفسية مختلفة :

    فشخصية المدرس مثيرة لكل ملاحظة عابرة .. محفزة للمزاج التنكيثي الذي يتمتع بع الشعب المغربي . لقد قيلت في حقها عدد كبير من النكث , وضعتها في مواقف فكاهية ساخرة أعطتها صورة سلبية , بحيث أظهرتها كشخصية نمطية تتصف بالبخل .فموقعها في سلم الارتقاء الاجتماعي يفيد أنها تنتمي إلى الطبقة المتوسطة . هذا التحديد الاجتماعي , يعتبر عاملا مساعدا في فهم مختلف ميكانيزماتها النفسية – الاجتماعية المساعدة للباحثين في علم الاجتماع و علم النفس .

    أما شخصية المدير فهي بفعل تأثيرا لحمولة الرمزية للفظة(( مدير)) تريد أن تتجاوز شروط وجودها ك((معلم مكلف بمهمة تسيير إدارة تربوية )) وإطارها الوظيفي المرسوم لها ( مسؤولة عن التمويل والمعدات والتجهيزات المدرسية وصيانتها انضباط وعمل هيأة التدريس و المتعلمين ... َََ!!!) لتجعل من نفسها إطارا, مكلفا بعدة مهام دون إتقان ولو لواحدة !! . تريد أن ترقى إلى مصاف ووضعيات مديري القطاعات الأخرى ( لأبناك مثلا ), الذين يتمتعون بامتيازات حيوية ( وهذا حقها ! ) , لكن وضعها الحقيقي و الواقعي يجعل الصورة التي رسمتها لنفسها أكثر كاريكاتورية .

    أما شخصية المفتش, فإن هذا اللقب : ( مفتش) الذي توشحته إثر تخرجها من مركز المفتشين , شكل عنصرا دالا على البنية الخفية التي تتحكم في مختلف تصرفاتها. فنسيانها لتاريخها التربوي وهويتها الأصيلة كشخصية مؤطرة , واكتفاءها فقط , باصطياد هفوات المدرسين . ومراقبة مختلف وثائقهم التربوية ( جذاذات , توازيع ... ) يجعلها دركي العملية التعليمية –التعلمية بامتياز!!!
    أما شخصية المتعلم , أو بالأحرى .. التلميذ. فإنه تبعا لهذه الأنماط والسمات السالفة الذكر, فإنها, منطقيا, تبقى في نظرنا, مجرد تحصيل حاصل !!! (11)

    ماذا يمكن أن نقول عنها أكثر مما قيل في حقها ؟
    إنها الشخصية المحورية في كل منظومة تربوية. لكن , ما نلاحظه , على مستوى الواقع ,هو أن المدرسة الابتدائية تتعامل فقط مع التلاميذ العاديين ولا تهتم بسواهم من الموهوبين والضعفاء. فإدماج الكل في فصل واحد, يجعلها مدرسة ظالمة وغير منصفة. ( 12)
    و تجدر الإشارة , أن هذا التصورالنمطي حول هذه العملة ذات الأوجه الأربعة , قد ارتبط بخلفيات سياسية واجتماعية أرخت لفترة الغليان السياسي الذي شهده المغرب أوائل السبعينيات من القرن العشرين , حيث برهن فيها المعلم المغربي عن كفاءته التربوية والتأطيرية , كحامل لمشعل التنوير في البلاد, وذلك من خلال , بناء تعليم متصف بالجودة . وقد تكاملت صورة هذا المشهد , الذي أريد له أن يكون فكاهيا رخيصا ممزوجا بالسخرية اللاذعة, لما قامت وزارة التربية الوطنية , بداية الثمانينات , بتفعيل مشروعها الجديد, أنداك , مشروع بيداغوجيا الأهداف . وقد تحمس له عدد كبير من الباحثين المشتغلين في حقل البيداغوجيا وعلم التدريس , يشرحون ويحللون وقائع العمل الديداكتيكي داخل الحجر الدراسية ,و يربطون نجاح العملية التعليمية –التعلمية بمدى قدرة المدرس على وضع تخطيط للدرس وفق شبكة يحدد فيها مختلف الأهداف ويشرح كيفية تدبير درسه ( 13) مما جعل عملة التعليم رخيصة لا تساوي شيئا أمام عملات العالم: المدير يضبط السلوك والمفتش يراقب سير العمل التربوي و المدرس ينفذ للحصول على امتياز في ترقيته, والتلميذ ينصاع للأوامر وينتقل إلى المستوى الأعلى وفق ما رسمته الخريطة المدرسية.

    فالدور( الجديد) الذى أعطي للمدرس في هذه الموجة هو تنفيذ البرنامج والمنهاج الدراسيين . الغرض منه هو شل القدرات الإبداعية و الخلاقة لرجل التعليم , واختزال مجهوده المنهجي و التنظيري في إبراز سلوكات محدودة في الزمان و المكان , ينبغي عليها أن تتماشى والخطة المرسومة سلفا . وبهذا الإجراء فسد العمل التربوي برمته داخل المدرسة, و تفكك النسق التربوي. فأصبحت المدرسة في واد و الأسرة في واد . وبين هذه وتلك مسافة كبيرة تأثث فيها مشهد تربوي ينذر بالضياع و الخراب !!! وأدخلت العملية التعليمية – التعلمية لمدة عقديين من الزمان , في أنفاق مظلمة تخبط فيها المدرسون وتلامذتهم , وعانوا , و ما يزالون يعانون من تبعاتها نفسيا , و اجتماعيا , و أخلاقيا .

    نطرح السؤال التالي , على سبيل المزحة , حتى نقرب المشهد أكثر للقارئ العزيز : لماذا لا يقوم المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وباقي الجمعيات و المنظمات الحقوقية بفتح جلسات استماع علنية , للمدرسين ومتعلميهم لسرد فترات سنوات المداد التي سالت , لما كانت ترفع التقارير, والتي راح ضحيتها عدد كبير من المدرسين , الذين حرموا من حقوقهم في الترقيات السريعة , ولا يزالون , لأنهم تصادموا مع مفتشيهم أو رؤسائهم المباشرين , لعدم اقتناعهم بجدوى وأهمية هذه الموجة الجديدة ( بيداغوجيا التدريس بواسطة الأهداف ) ؟؟؟

    فالأطفال الذين ازدادوا في الثمانينات , الذين تلقوا تعليمهم وفق يبداغوجيا الأهداف , هم الآن شباب اليوم , ونبض الأمة المغربية !!! أصبحوا يشكلون طوابير العطالة و الموت في ضفاف بحارا لقارة الأوروبية , لانعدام الشغل . أو نجدهم عرضة للعدوانية التي تستهدف الذات و الموضوع بسبب الغلو في التدين , أو بسبب تردي الأوضاع الاقتصادية ( 14) .. فمن كان محظوظا منهم وحصل على وظيفة, خاصة في سلك التعليم الابتدائي. نجده يعاني, من ضعف مزمن في التكوين الأكاديمي, خاصة في مجال اللغات الحية. الشيء الذي انعكس, سلبا, على مردود يته المهنية, وأصبح ينتج, من حيث يدري أو لا يدري, أجيالا من الشباب غير المؤهلين, المتذمرين الساخطين على وضعيتهم.

    لقد أفرز النظام التعليمي , نمطين متغايرين من رجال التعليم الابتدائي ,متجاورين في مدرسة واحدة . يتعايشان ككتلتين غير منسجمتين في, إذ يمثل كل نمط منهما بنيتين فكريتين متباعدتين تباعد الأرض عن قمرها !!!

    النمط الأول أصيل ينتمي إلى التعليم, وكأنه خلق من أجل هذه المهنة النبيلة و الشريفة, مهنة المتاعب.. مدرس نشيط محب لعمله , و مدير شاب رابط بين فعاليات مؤسسته ومحيطها , و مفتش يعرف كيف يوازن بين متطلبات المراقبة التربوية و متطلبات التأطير التربوي ولا يجعل الغلبة لأحدهما على الأخرى. لهذا النمط الأول سمات وخصائص نفسية يمتاز بها عن بقية خلق الله (حب العلم و المعرفة, حب المهنة, حب الطفولة, التضحية, الوفاء... )

    النمط الثاني دخيل ومتطفل على مهنة المتاعب , يستهلك وقته وجهده بشكل سلبي . يعيش, وجوديا , علاقة استلابية مع عمله الشريف . ففلسفة العمل تقتضي منه أن يرى في العمل الذي يمارسه, و الذي يتقاضى عليه أجرا, عامل تحرر وليس عامل استلاب واغتراب !!! لكن ما نراه في هذا النمط هو بروز سمات نفسية تميزه, هو أيضا عن بقية خلق الله ( النفور من كل ما يمت بصلة بالكتب, كره العمل, كره الأطفال و الحقد عليهم, العدمية... )

    لمن الغلبة إذن على مستوى الواقع ؟ هل للنمط الأول أم للنمط الثاني في المدرسة الابتدائية ؟

    فرصد الممارسة التربوية الفعلية كما تحدث في المؤسسات , هو الكاشف الحقيقي لمن تؤول له الغلبة.

    فعلى مستوى الممارسة الفعلية للتربية و التعليم , نرى أن المدرسة المغربية , التي أريد لها أن تكون( جديدة )لا تثق , تربويا , إلا في القدرات الديداكتيكية للمعلم . كما أنها لا تثق, إداريا, إلا في مراسلات المدير و لا تثق, أخيرا , إلا في محتويات المقرر و المنهاج الدراسيين . و الدليل على ما نقوله, هو تقارير السادة المؤطرين التربويين . فمن خلال القراءات المتأنية لها نجد أن المجهود التأطيري لديهم يكون منصبا ,بشكل أكبر, على تقويم هاته القدرات الديداكتيكية للمدرسين والحكم عليها, بالسلب أو بالإيجاب , تبعا لانسجامها و احترامها ( أو عدم احترامها) للتعليمات الرسمية المسطرة في المذكرات الوزارية الحاثة على تطبيق المقررات أو المناهج المسطرة .

    و في هذا الصدد, يتبادر إلى الذهن التساؤل التالي: ما موقع المتعلم من هذا كله ؟ أليس لب وجوهر العملية التعليمية – التعلمية هو أن يتمركز مجهودها حول المتعلمين , بدل المدرسين , أو المقرر الدراسي, كما تقرر ذلك البيداغوجيات الحديثة ( المشروع , الفارقية , الكفايات ... ) ؟ إذا كانت المنظومة التعليمية صادقة في مسعاها , لماذا لا تستجيب المدارس المغربية لتطلعات متعلميها و انشغالاتهم التي تواكب سير و روح العصر؟ أين هي البنيات التحتية اللازمة ( بنايات جديدة , مطاعم مدرسية , قاعات متعددة الاختصاصات , أماكن مخصصة للوسائط السمعية البصرية ... ) القادرة على تحقيق الأهداف و المرامي المسطرة من قبل الدولة المغربية ؟ فرغم النداءات المتكررة للمدرسين عبر تقارير مجالس الفرق التربوية ,,سابقا, وتقارير مجالس الأقسام و المجالس التعليمية و مجالس التدبير . حاليا , المحددة للحاجيات الأساسية و اللازمة التي تخص مدارسهم ,ورغم إقرار الميثاق الوطني للتربية والتكوين لمقررات دراسية متعددة بحسب مراعاة الخصوصيات الجهوية لكل جهة , فإن المهام تبقى ناقصة و المجهودات المبذولة لا تفي بالغرض المطلوب أمام غياب وسائل الإيضاح ,التي أصبحت تشكل البنيات التحتية اللازمة لكل معرفة . أما نهج سياسة التقشف, في هذا الباب ,تحت غطاء ترشيد النفقات , فما هو إلى إهدار للطاقات و مضيعة للجهد و للوقت و للموارد البشرية التي يعول عليها المغرب في مواجهته لزحف العولمة بجميع أشكالها .

    فإذا كنا نؤمن , أيمانا راسخا , أن المتعلم يستشعر, دائما وأبدا , الحاجة الداخلية للتعلم , لأنها , بكل بساطة , تدخل في مشروعه الشخصي المعرفي , فلماذا , إذن , هذا الغياب المتكرر و اللامسؤول لوسائل الإيضاح , و المراهنة على جيوب المدرسين في توفيرها وإعدادها ؟ ألا يؤدي هذا الغياب إلى بناء تعلمات غير عميقة لا تمس السلوك و لا المواقف الشخصية ولا الأطر العليا للدماغ المراد استهدافها من خلال التعلم ؟

    مقترحات

    الخطاب التربوي الذي تنتجه المنظومة التعليمية التربوية , بتعاون وتآزر مع مثيلتها , المنظومة التربوية الأسرية و الإعلامية , هو خطاب يدعي مالا يسلكه ,عمليا, في سلوكياته وتوجهاته الكبرى. فهو بهذا المعنى , خطاب تربوي راكد يتسم بالسكونية والتحجر .وكل منظومة تتسم بهذه السمات السلبية , ينبغي التفكير, بجدية, في إصلاحها إصلاحا شموليا وليس جزئيا . فليس هذا بالسهل ولا بالصعب ,.إذ يكفي فقط, أن تكون النيات خالصة تبغي وجه الله و الوطن لتتحقق الأماني.
    يجب , إذن :
    - تشجيع الكفاءات. وذلك بوضع الأطر المناسبة في المكان المناسب . ( مفتشا كان أو مديرا أو مدرسا ).
    - ينبغي إشراك المدرسين في عملية إعداد البرامج و المناهج (( فالمدرس كمنفذ لكل سياسة تربوية أصبح جاهلا لأسسها ونظمها )) ( 15)
    - كما يجب أيضا, تطبيق ما سطر, في أجله المحدد بدون زيادة أو نقصان. ولا ينبغي المزايدة عليه سياسيا. فمشروع وزارة التربية الوطنية في كل إصلاح للتعليم هو مشروع وطني تابع للمشروع الكبير للدولة المغربية. فإذا لم يستطع الحزب ا لسياسي الذي أسندت إليه حقيبة التعليم, استكماله.بسبب عدم تواجده ضمن التشكيلة الحكومية , ينبغي على الدولة حماية المكتسبات , لأنها ملك للشعب المغربي و ليس ملك لأي حساسية سياسية .(( فما ينبغي أن يكون)) يجب أن يواصل المسيرة, ولا يلغي(( ما هو كائن)). فالوزارة كمنصب ينبغي أن تبقى هي هي لا تتغير, و الشخص المادي هو أيل للزوال إذا ما فشل في إقناع المواطنين في أعادة انتخابه. و المشروع لا ينبغي أن يتحكم فيه لأنه ليس مشروعه, بل هو مشروع أمة تريد أ، ترفع عنها التخلف الفكري و التخلف الاقتصادي. وهذا المبدأ الوطني يجب أن ينطبق على جميع القطاعات الأخرى بدون تمييز.
    هذه أوجه من أوجه الركود في المنظومة التربوية , بشكل عام, و المنظومة التربوية التعليمية بشكل خاص, مصاحبة لاقتراحات حلول , ارتأينا, خالصين , أن نضعها بين يدي القراء الأعزاء و القارئات العزيزات , أملنا أن تثير النقاش لتوضيح ما غمض , وتوسع قاعدة الاختلاف في الرأي . فالمنظومة التربوية التي تشمل ,إلى جانب التعليم , الأسرة و الإعلام تحتاج إلى دراسات ميدانية ومنوغرافيات ينبغي على الدارسين في علم النفس وفي علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاهتمام بها, لفهم طبيعة الشأن التربوي في بلادنا . فلا تقدم اقتصادي إذا لم يصاحبه, بشكل مواز, تغير وتحول في البنية الفكرية. ولن يتحقق هذا التغير و هذا التحول, إلا (( بتحديث ))المدرسة ووجوب حصول تعلم عميق في شخصية المتعلم

    الهوامش:
    ( 1) أنظر إلى نص الحوار الذي قامت به مجلة عالم التربية العدد الأول شتاء 1996 حول أزمة نظام التعليم في المغرب مع عالم الاجتماع محمد جسوس ص ص 2-31
    (2) الحداثة و ما بعد الحداثة . محمد سبيلا . ص95 دار تبقال للنشر
    ( 3) نسوق هنا أطروحتا كل من دافيد هارت وإرنست كلنر حول الطبيعة الانقسامية للمجتمع المغربي , ودور(( الصلحاء )) و(( العائلات المبجلة )) في الحفاظ على استقرار البنية القبلية مدة قرون عديدة , حتى بداية تغلغل الاستعمار ومحاولة هذا الأخير تفكيكها . أنظر الانقسامية و التراتب الاجتماعي و السلطة السياسية و القداسة (ملاحظات حول أطروحة كلنر ) ترجمة عبد الأحد السبتي و عبد اللطيف الفلق . ص ص 193-224 مجلة كلية الآداب و العلوم الإنسانية الرباط العدد 11 السنة 1985
    ( 4 ) التلفزيون و الأطفال : التسرب الايد يولوجي من خلال الصورة . د رالف رزق الله . في كتاب "ثقافة الطفل العربي بين التغريب و الأصالة ". تاليف الدكتور مصطفى حجازي مع مجموعة من الباحثين . ص. ص : 260- 262 .
    ( 5) يعلم الجميع أن جل الدراسات التربوية المغربية , المتخصصة و غير المتخصصة , لا تعتمد على البحوث الميدانية . وهذا مشكل مرتبط بالإرث العلمي ذو المنحى الفرنكوفوني الذي يغلب الاتجاه النظري التحليلي على الاتجاه الأمبيريقي التقريري . عكس الإرث العلمي الأنجلوساكسوني .
    (6) التعليم المغربي والدور الرسالي للأستاذ. بقلم ذ : عبد المجيد بنمسعود. سلسلة بحوث ودراسات.( التعليم بالمغرب بين تحديات العولمة و الإصلاح المنشود) . ص: 88
    ( 7) الإصلاح التعليمي و معركة الصراع الحضاري . ذ نور الدين قربال . ص: 56 المرجع السابق
    ( 8) مفهوم العائلة : استعمالاته و تطبيقاته في المجتمع المغربي . د محمد شقرون ص ص: 113-129 مجلة كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط العدد 10السنة 1985
    ( 9) نحو بدائل للرفع من جودة التعليم . فضاء المدرسة . رشيد الخديمي . ص ص : 93-94 مجلة علوم التربية العدد: 30 فبراير 2006
    (10) دور التربية ما قبل مدرسية في تكوين شخصية الطفل . د : الغالي أحرشاو . ص ص : 26-27 . مجلة علوم التربية . العدد 5 . أكتوبر 1993
    ( 11) واقع التلميذ المغربي و الدور المطلوب . ذ : فتيحة حيضارة . المرجع السابق ( سلسلة بحوث ودراسات ) ص ص : 111 و112
    ( 12) الكفايات . عبد الكريم غريب . منشورات عالم التربية دجنبر 2003 ص: 44

    ( 13) أنظر على سبيل المثال لا الحصر كتاب: كيف تدرس بواسطة الأهداف ؟ (سلسلة علوم التربية 2
    ( 14) كتاب : 16 ماي 2003 الواقعة والدرس . د : سعيد بنسعيد العلوي . ص ص: 44-45
    ( 15) نحو بدائل للرفع من جودة التربية : فضاء المدرسة . ذ : رشيد الخديمي . ص: 93 مجلة علوم التربية . عدد 30 فبراير 2006

    Said Alkawtari.
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏25 ابريل 2016
    أعجب بهذه المشاركة جمال
  2. #2
    Prof Adam

    Prof Adam مدون مجتهد

    ان انجاز اي دراسة للفكر التراثي في الخطاب التربوي المغربي المعاصر ,يحيلنا دائما الى دراسة قضايا التربية الحداثية بمنضور الماضي اي بالعودة دائما الى الاساس والتاسيس للفعل التربوي والتعليمي بشكل عام حيث ان مسيرة هذا الفعل سواء في مجال التدريس او البحث التربوي ,ان هذا الخطاب الذي نحن بمقاربته يشمل عقلنة وتنقية التربية داخل الاسرة والمدرسة والمجتمع في الجابب التربوي الخالص (اي الادب والتاديب والتخليق الخ) اما الجانب البيداغوجي الصرف اي الذي يتعلق بالتربية المدرسية اي الخطاب البيداغوجي في جميع مستويات التعلم (التريس =التكوين البحث = ودائما في حقل التربية والتعليم ) علما ان هذا النوع من الخطاب لا يرقى دائما الى المستوى المامول لان الجانب الطاغي هو الجانب الرسمي ( مذكرات ,مقررات ,مناهج الخ) لكن هناك بيداغوجيا اكثر انفتاحا ,والتي تتعلق بانتاج الفكر والبحث العلمي ’وهو اساس التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية , فالصراع القائم الان بين دول المركز ( المتقدمة ) ودول المحيط( المتخلفة) او في طريق النمو هي بالضبط مجالات العلم والمعرفة والبحث الملمي بالتاكيد لقد اكدت الدراسات العلمية والنظريات الحديثة ان الدول الفقيرة تتوفر على ادمغة عالية الجودة نادرة الوجود فالغرب يتصورانه لو اتيحت فرص التعلم والبحث العلمي والتنمية الشاملة لهذه الدول ,كيف ستصبح؟, وكيف سيكون مصير الغرب؟ مع العبقرية الخلاقة لهذه الدول التي تعيش على هامش التاريخ, فالغرب يبذل قصارى الجهود في الدراسات العامة المستقبلية لكي يبقى التفوق بين الغرب ودول الشمال والجنوب فرقا شاسعا يعد ويحصى بالسنوات الضوئية لان اي غفلة من الغرب قد تكون السيطرة لدول الجنوب ,وهذا ما يحتاط منه مهندسوا التربية الغربية ويعملون جاهدين لابتكار طرق شتى للحد من انتشار البحث العلمي بدولالعالم الثالث حتى تبقى السيطرةالعلمية والتكنولوجية سمة غربية بامتياز ,,,,,,لي عودة للموضوع,,,,,,,,,,,,


     
  3. #3
    Prof Adam

    Prof Adam مدون مجتهد

    سيرورة الخطاب التربوي بالمغرب
    بقلم: رشيد أمشنوك

    لا يختلف اثنان حول الدور الهام الذي بات يلعبه التعليم في حياة الأمم، إذ هو السراج الذي تستنير به الإرادات التغييرية، وبواسطته يصبح الصراط قويما ولاحبا؛ لذا فالتغيير منوط بمدى اعتناء المجتمعات بهذه البوابة، وبمدى جعله أولى الأولويات، ناهيك عن طبيعة الإرادة السياسية التي تؤطره، من حيث الغايات التي يرنوها والوسائل التي يتوسل بها.

    في هذا السياق يعتبر المغرب ضمن البلدان التي عرفت خطابات تربوية متعددة، تتراوح ما بين الكلاسيكي والحديث، والمؤثلة على أسس تربوية ونظرية محكمة، تسعى جميعها إلى المساهمة في رقي المدرسة المغربية، وبعث دم الحياة في شرايينها، بيد أنها تختلف من حيث الفلسفة التطبيقية التي تدعو إليها والمرجعية النظرية التي انبثقت منها، إلى جانب المرامي التي تروم تحقيقها.

    إذا كان التعليم بالمغرب منذ زمن ليس ببعيد، يغلب عليه الطابع الكلاسيكي من خلال الطرق التي تنتهجها هيأة التعليم، بقصد شحن المتعلم بالمعارف وتلقينه أقصى ما يمكن من المعلومات، بشكل غير هادف أو محكم، والتي تتم أساسا ضمن ما يسمى في حقل التربية ببداغوجية التعليم الموسوعي، التي تعلي من شأن المعلم على حساب المتعلم، عاملة بمقولة الشيخ والمريدين، الأول يخطب ويلقي أحاديثه، والآخرون ينصتون ويستقبلون، فتكون "القدسية" بذلك سمة يوسم بها ذاك الموقف ما دامت الأفكار لا تناقش والسكون يتسيد على الفضاء، وكأن على رؤوسهم الطير، ولا مجال لصقل ذكاءات المتعلمين وإعطاءهم فرصة للتعبير عن ما يخالج صدورهم من قدرات معرفية وتواصلية، الأمر الذي ينتج عنه نوع من الانغلاق والتفكير الأحادي إزاء القضايا المثارة، ناهيك عن سيادة ثقافة الحفظ على العملية التعلمية.

    إن هذا النهج الذي يقتفيه رواد المدرسة التقليدية، كان محط نقاش وجدل فكري تربوي، بين العديد من المهتمين بالشؤون التربوية، والذي تمخض عنه في الأخير إعادة النظر في الفلسفة التي تقوم عليها تلك المدرسة، إلى جانب عقلنة العملية التعلمية، وجعلها تحمل في طياتها أهداف ومرامي معينة، دون التيه أو المجازفة اللتين لا ينتج عنهما إلا الفشل والسير في حلكة الظلام الدامس، تلكم المزالق التي جاءت بيداغوجية الأهداف لكي تحد من أثرها، رامية إلى جعل العملية التعلمية تأخذ بعدا رساليا يسعى إلى تحقيق أهداف معينة وفق تصورات تربوية محددة، إلا أن هذه الأطروحة وإن كانت لها مزايا تتميز بها، اختزلت التعلم في البعد المعرفي، متجاهلة أبعاد أخرى، تلكم التي حاولت المقاربة بالكفايات أن تتداركها بجميع البيداغوجيات التي تنضوي تحتها، ومقلصة من صلاحيات المدرس، وجاعلة إياه بمثابة موجه ومساعد يتدخل من حين لآخر لتوجيه سكة العملية التعلمية إذا انحرفت عن سيرها العادي، إنه التلميذ الذي احتل موقعا مركزيا ما دام هو الذي يقوم ببناء المعرفة وتثقيف نفسه بنفسه ضمن ما يسمى بالتكوين الذاتي. إن التعلم في أتون هذه المقاربة يعتبر أشمل وأعم مقارنة بسابقاتها، بحيث يسعى إلى بناء شخصية المتعلم، من خلال صقل مواهبه، وتعبئة جميع موارده من قدرات ومهارات ومواقف، للتعامل مع مختلف الوضعيات العملية التي قد يتصادف معها في حياته اليومية، فالتعليم وفق هذا التصور إذن لا يمكن حصره في شحن المعارف وفرض سلطة معينة على المتعلم تكبل حريته وتقيد طموحاته وقدراته، بل الأمر يكمن في إقدار التلميذ على اكتساب كفايات متعددة على مدى زمن طويل، تجعل منه شخصية متكاملة، بحيث يقدر على التواصل، ويتعامل مع الأمور بمنهجية محددة، تتنافى والتيه، إلى جانب التصرف بعين نقدية وعدم تقبل الآراء كيف ما كانت نوعيتها بدون أية حصافة وتمحيص.

    وأخيرا وليس آخرا، تعتبر المدرسة بما هي مجال للتعلم، بمثابة القاعدة الثانية بعد الأسرة التي تمكن المتعلم من آليات مضبوطة ووسائل معينة، تؤهله للاندماج داخل المجتمع، من خلال القدرة على التعامل مع وضعيات مختلفة يياومها المرء في حياته اليومية، باعتماد الرصيد الثقافي والتواصلي والمنهجي الذي اكتسبه أثناء الدرس، ويعتبر هذا بمثابة الفلسفة التي تنبني عليها بيداغوجية الإدماج متحرية أن لا يكون للتعلم سجن مبوب لا يكاد المتعلم يخرج منه بدون أية أسلحة تجدي له نفعا، وتشفي له غليلا وتطبب له علة، واعتبارا لهذا المزلق جاءت هذه الرؤية لكي يكون التعلم مفتاحا لجميع الأبواب الموصدة، ونبراسا تستنير بها الأفئدة حيال ما قد يعكر صفوها، ومنظارا ترى به الأزمات لتحل.

    حاصل القول أن نشير إلى أن الخطابات التربوية التي عرفتها الساحة التعليمية، وبدون اعتبار للأسس التي تتأثل عليها، لا يمكن أن نجد لها صدى في الواقع، لتكشف عن جدواها ونجاعتها، إن لم تكن هناك إرادة حقيقية، مبنية على قيم التشارك والديمقراطية الحقيقية، ووضوح الرؤية، ووضع حد للمزايدات السياسية التي تعكر صفو الكينونة الوظيفية للتعليم.
     
  4. #4
    Prof Adam

    Prof Adam مدون مجتهد

    نحو تجديد الخطاب التربوي

    التجديد: ضرورة.. ومفهوماً.. وقواعد:

    إننا نقرأ في كتاب الله عز وجل قوله سبحانه وتعالى: (( ٱلْيَوْمَ يَئِسَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَٱخْشَوْنِ ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلأسْلاَمَ دِيناً)) (المائدة:3)، ونجد في السنة النبوية الشريفة قول رسولنا الكريم e: « إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (أخرجه أبو داود في الملاحم)، فيشير لنا المنهج الإسلامي ووسطيته أن ليس هناك تناقض بين اكتمال الدين بتمام الوحي وختم النبوة والرسالة، وبين التجديد الدائم أبداً لهذا الدين، الذي اكتمل بختم الوحي وتمام القرآن الكريم، ذلك أن الإسلام عقيدة وشريعة، وأركان العقيدة فيه: الإيمان بالله ورسله وكتبه وملائكته واليوم الآخر، أما الشريعة فهي تتناول ما ينهجه المسلم ويسلكه ويقيمه من عبادات، وقيم، ومعاملات، كي يعتقد هذه العقيدة ويتدين بها.

    ولكل من العقيدة والشريعة أصول وقواعد وأركان، اكتملت بتمام الوحي الذي اكتمل به الدين، لكن الإنسان المسلم، بحكم استخلاف الله سبحانه وتعالى له، في عمارة الأرض، وسياسة المجتمع، وتنمية العمران، لابد، وهو يقوم بمسؤوليات هذه الخلافة، من إقامة أبنية أخرى، فكرية وحضارية، يبدعها هو فوق هذه الأصول والقواعد والأركان.

    وعملية النهوض الحضاري وقودها الرئيس الذي لا يختلف عليه اثنان هو: المعرفة المتجددة المتطورة، لأن كل ما نفعله يستند إلى هذا النوع من المعرفة، فلكي نعيش، يتعين علينا بكل بساطة أن نحول الموارد المتاحة لنا إلى الأشياء التي نحتاج إليها، وهو ما يتطلب تجديداً في المعرفة. وإذا أردنا أن نعيش في الغد أفضل مما نعيش اليوم، وإذا أردنا أن نرفع مستوى حياتنا كأسرة أو كبلد، وأن نحسن صناعة ونعلم أولادنا أفضل تعليم، وأن نحافظ على بيئتنا المشتركة، فعلينا أن نقوم بما هو أكثر من تحويل المزيد من الموارد، لأن الموارد شحيحة، وعلينا أن نستخدم هذه الموارد بالطرق الكفيلة بتوليد عائد متزايد بما نبذله من جهود ونقوم به من استثمارات، وهذا أيضاً يتطلب معرفة تتحسن وتتطور وتتجدد يوماً بعد يوم، بل ساعة بعد ساعة.

    ويعتبر تجديد التعليم للأفراد والبلدان مفتاح تطوير المعرفة وتطويعها ونشرها، فالتجديد والتطوير في التعليم الأساسي يزيد من قدرة الناس على التعليم وتفسير المعلومات، ولكن تلك هي البداية فقط، لأن هناك حاجة كذلك تطويراً وتجديداً للتعليم العالي والتدريب الفني من أجل بناء قوة عمل قادرة على مسايرة التيار المتدفق في التدفق التكنولوجي، ذلك التيار الذي يضغط الأدوات ويزيد من سرعة انخفاض رأس المال البشري.

    وفي خارج غرف الدراسة، تشكل بيئات عمل الناس ومعيشتهم مجالاً لمزيد من تجديد التعلم، فيما وراء المراحل العمرية المرتبطة بالتعليم الرسمي، وذلك بالإضافة إلى أن نطاق منافع التعليم المتطور يمكن أن تمتد إلى ما هو أبعد من دائرة المتعلمين، فتعليم الأم ما يستجد من المعرفة ينعكس في شكل رعاية صحية أفضل، وتغذية أفضل لأبنائها، كما أن المزارعين المتابعين للتطوير المعرفي يميلون إلى الأخذ بالتكنولوجيات الجديدة قبل غيرهم، وهم بذلك يوفرون لمن يتبعونهم معلومات قيمة ومجانية عن أفضل الطرق لاستعمال الأساليب الجديدة.

    ولكي يقوم «خطاب التربية الإسلامية» بما هو مأمول له في عصرنا الحاضر، وفي المستقبل، فلابد من أن يرتكز تجديده إلى ثلاث ركائز: العقل، والنص، والأدوات:

    فأما العقل فأول شروطه، ليكون في ذلك التجديد مساهماً، «الحرية»، ونعني بها انطلاقة ذاتية غير متأثرة بمنفعة شخصية، أو هوى متبع، أو فكرة سابقة مسيطرة.

    وأما النص، فشرطه: المناسبة والمواءمة للإنسان كله، داخله وخارجه، ظاهره وباطنه، وكلنا يدرك أن الإنسان، والقياس مع الفارق، كالآلة التي تحتاج إلى دليل يبين تركيبها وطريقة عملها وتشغيلها، وهذا الدليل من فعل صانع الآلة، وكذلك الإنسان، ومن باب أولى، لابد له – كما أسلفنا – من دليل يجد فيه تركيبته ووصفه ووظيفته، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان من صانعه، فلنبحث عن صانعنا، وقد بحثنا، فكان الله عز وجل، ودليله إلينا كتابه القرآن الكريم، فإن كان هناك شك في الصانع، أو في الدليل، من حيث الثبوت والنقل، فليقدم كلٌ ما عنده، وبيننا وبينه الحوار والمجادلة بالتي هي أحسن.

    وأما الأدوات، فيجب استنفار كل ما كان، وما صار في خدمة النص، تستخدمها الحركة العقلية. والاقتصار على أدوات ما ضية يفقد التجديد بعض مصداقيته، كما أن اعتماد الأدوات المستجدة فقط يجعل التجديد قطيعة مع النص، لأننا لم نعتبره من خلال السابقين فقط، ومثالنا على ذلك أن أسلافنا قد اعتمدوا أدوات منها المنطق واللغة والبلاغة، واليوم يطلع علينا عالَم الاستنباط بأدواتٍ جديدة منها: اللسانيات، والإنسانيات، والتحريات الأثرية، والاجتماعيات، والنفسيات.. إلخ، فلم لا تُتقن من قِبَلنا وسائلُ نتفاعل بها مع النص الإلهي لخدمة التربية؟

    ولابد أن يكون من الواضح لنا أن التجديد هنا يطال «الخطاب»، وليس الدين نفسه، لأن الدين كما هو مرتكز في أذهاننا جميعاً ثابت في عناصره الأساسـية والجوهرية، وفي نصوصـه الثابتة، وبالتالي فإن التجديد لا يمكن أن يطال القيم الأساسية والمبدئية للدين، وإنما يطال الجوانب القابلة للتغيير والتطور، وأبرز ما يمكن أن يكون ميداناً للتجديد هو قراءة النصوص الإسلامية وقراءة المفاهيم الإسلامية، التي تتغير من مرحلة إلى مرحلة، ومن عصر إلى عصر، ومن مجتمع إلى مجتمع، على نحو يكون التجديد فيه هو القراءة التي تحاول أن تستلهم النص الديني في ثوابته الأساسية، ولكن في الوقت نفسه أن تضفي على هذه القراءة روح العصر التي تتم فيه هذه القراءة، وبالتالي يصـبح لكل عصر، ولكل مرحلة سماتها المميزة لقراءة النص الإسلامي.

    ومن هنا كان من المهم للغاية الالتزام بعدد من القواعد المنهجية في هذا التجديد، هي:

    أولاً: إن التجديد الذي يريد «الخطاب التربوي الإسلامي» هو الذي لا ينقطع ولا ينفصل عن التأصيل، وإن ما نريده هو التجديد وليس الإحياء، فالتجديد هو أعمق من الإحياء، ذلك أن الإحياء بعث للروح، والتجديد بناء وتطوير، والتكامل بينهما. والإحياء قد يسبق التجديد، ويكون مقدمة له. والتجديد لا يعني مجرد المعاصرة، كما لا يعني مجرد التجديد، بمعنى التغير التلقائي الذي لا يخضع لتخطيط .

    ثانياً: إن التجديد الذي نريده في «الخطاب التربوي الإسلامي» ليس دينياً منقطعاً عن الجانب المدني، ولا مدنياً مفصولاً عن الجانب الديني.

    ثالثاً: إن التجديد في «الخطاب التربوي الإسلامي» إنما يكون بعودة الفروع إلى الأصول، وانطباق الأصول على الفروع.

    وإذا كان «الخطاب التربوي» القديم قد اشتغل على الصعيد الداخلي بالأبعاد التربوية للإشكاليات الناتجة عن الفهم البشري للإسلام ولعقائده وتصوراته، مثل القضايا الكلامية والعقائد وشروحها، والعمق فيها والتفلسف فيها، فقد اشتغل على الصعيد الخارجي بالجولات والحوارات مع الأفكار التي احتك بها مع الجماعات التي اعتنقت الإسلام، وانتقلت أفكارها إلى المجتمع الإسلامي، كالفلسفة اليونانية والديانات القديمة الموجود كاليهودية والنصرانية والزرادشـتية والبراهـمية، وهذه كلها ديانات كان لها وجود وحضور وممثلون، ولها مؤلفات وأفكار رائجة في البلدان التي انتشر فيها الإسلام، وقد اشتغل «الخطاب التربوي الإسلامي» بهذه القضايا، وكان لزاماً عليه أن يشتغل بها.

    و«الخطاب التربوي الإسلامي المعاصر» له قضاياه التي يعيشها اليوم، مثل العدل التربوي، وتمويل التعليم، والتعليم المستمر، والتعليم المفتوح.

    فهذا اختلاف بين القديم والحديث من حيث مادة العمل والمعارك، وهو اختلاف طبيعي، يبقى القاسم المشترك للقديم والحديث والمعاصر معاً هو المرجعية الإسلامية، والفضاء الإسلامي الذي يتحرك ويتنفس فيه هذا «الخطاب».

    ويمكن الحديث عن «خطاب إسلامي تربوي تقليدي» ولو كان معاصراً، و«خطاب إسلامي تربوي معاصر»، ولو كان تقليدياً، وهذه هي مسألة التقليد والتجديد في الفكر و«الخطاب الإسلامي».

    «فالخطاب الإسلامي التجديدي» هو: «الخطاب» الذي يعتمد البحث والنظر والدليل والحجـة، ويبدع ويبـتكر ويتعامل مع النصوص مباشرة، كما يتعامل مع واقعه فيفهمه ويستوعبه ويستخرج له الحلول من هدي الإسلام ومقاصده، دون أن يلتزم بالتقليد أو يتقيد بما اشتغل به السابقون من حيث إنهم أغلقوا أبوابهم على علومهم فقط، واشتغلوا بما أعطاه سـابقوهم فقط، حتى ولو كان معاصراً، فلدينا اليوم تقليديون معاصرون كُثر منكمشون في البحث بين سطور القديم، باحثون عما قاله فلان، ومحققون لما رواه أو كتبه فلان!!

    مهام ومجالات التجديد:

    ومن هنا، فإن من مهام ومجالات التجديد:

    أولاً: إن أولى مهام «الخطاب التربوي» الكفيل حقاً بالمساهمة في النهوض الحضاري للأمة لابد أن يكون نابعاً بالدرجة الأولى من الإسلام عقيدة وشريعة، ذلك أن الخروج من أزمة التخلف الذي تعيشه التربية الإسلامية المعاصرة لا يمكن أن يتحقق بأدوات حضارية مقطوعة الصلة بالإسلام وحضارته وثقافته ونظامه القيمي. ومهما بدا لبعض المحللين والمؤرخين والمصلحين من وجود «أدوات للنهضة» مستقلة تماماً عن روح الحضارات المتميزة فإن الحقيقة التاريخية تؤكد أن التفاعل مع هذه الأدوات والاستجابة لتأثيرها لا يكتملان أبداً في إطار الشعور «بالغربة عنها»، وهو شعور يضيع الثقة بالنفس، ويزرع الاعتقاد بالعجز.

    إن الدعوة إلى الأخذ من ثقافة الآخرين، مهما بدت مبررة ومقنعة، فإنها تظل محملة بخطرين كبيرين:

    أولهما، أن تتحول الاستجابة لها إلى استجابة مطلقة، تأخذ مع «الأدوات الحضارية»، «قيماً حضارية»، ومع الأساليب التقنية أساليب حياة ومعيشة، ونظماً للعلاقات الإنسانية، أي تحمل مع «أدوات النهضة» أدوات «للانتكاس» في ميادين أخرى، وتنتقل إلى البيئة المحلية مع أسباب التقدم، أمراضُ التقدم وأعراض الأزمة المصاحبة له.

    أما الخطر الآخر، فهو خطر الاستجابة الناقصة، نتيجة المقاومة الداخلية والباطنية الناشئة من الإحساس بالخطر، والشعور بالغربة إزاء «أدوات التقدم» المستعارة. إن الشعوب في مراحل ضعفها، وإحساسها بأخطار الغزو الثقافي والسياسي تميل – بتلقائية فطرية – إلى الانغلاق على نفسها، وإغلاق النوافذ في وجه التيارات الوافدة، وتثبيت أقدامها في أرضها المحلية خوفاً من أن تقتلعها العواصف القادمة.

    لهذا فإن استخراج أدوات النهضة، وشروط التقدم، يغدو المسلك الأمثل، إن لم يـكن الطريق الوحـيد الفعال، لمتابعة مسـيرة التقدم متابعة لا يتهددها خطر الاندفاع الذي ينخلع أصحابه من ذاتهم، ولا خطر الرفض والتحفظ ومقاومة «الأدوات الجديدة» لأنها وافدة وغريبة، وتحمل في طياتها مداخل متعددة للتبعية، وفقدان الاستقلال وضياع الهوية.

    ومؤدى هذا أن يضع «الخطاب التربوي الإسلامي» نصب عينيه أن لكل حضـارة ما أصبح يعرف «بالنموذج المعرفي» أو «النظام المعرفي»، فكل إنسان، شاء أم أبى، يستخدم نماذج معرفية تحوي مسلمات كافية ونهائية، وذلك في أبسط عمليات الإدراك، بوعي أو بدون وعي منه، وقد شبه استخدام النماذج باستخدام قواعد النحو أو قواعد الهندسة، فحينما يتحدث الإنسان لغته، وحينما يبني بيتاً (وبخاصة في المجتمعات التقليدية) فإنه يستخدم قواعد النحو أو الهندسة دون معرفة سابقة أو واعية بهما.

    وإذا كان هذا صحيحاً – وهو بالفعل صحيح – في كل عصر، فإنه يزداد أهمية بالنسبة للمسلمين في عصرنا الراهن، ذلك لأن النموذج الفقهي (الإسلامي التقليدي) كان يعيش داخل الحضارة الإسلامية، يعيش مفرداتها، ونحوها الإسلامي، ولذا كان الفقيه القديم يواجه تحديات، ويحاول الإجابة على أسئلة تطرح عليه داخل الحضارة الإسلامية لا من خارجها، ولكن اختلفت الآية الآن، فنحن نتحرك داخل حيز غير إسلامي، وداخل تشكيلات حضارية غير إسلامية، وواقعنا ليس من صنعنا، ومن ثم تطرح علينا قضايا وأسئلة غير إسلامية.

    ومن هنا فإن المطلوب من «الخطاب التربوي» هو أن يتبنى مبدأ أن يكون الإسلام هو منطلق العلوم التي يتم تعليمها في معاهد التعليم ومنهاجها في العمل، وهي في ذلك بحاجة إلى أن تعتمد على فهم أصيل للإسلام، ومعاصر في الوقت نفسه.. أصيل، بمعنى أن أصوله تستمد من القرآن والسنة الصحيحة وتلتزم بهما وحدهما، مستأنسة بما عداهما.. ومعاصر، من حيث استشرافه تطبيقات معاصرة لتلك الأصول تلبي الحاجات الحقيقية للأجيال المعاصرة، ولا تنكفئ عقلياً ونفسياً على مشكلات وحاجات أمم قد خلت (( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُم )).

    كذلك فإن عملية التأصيل العام «للخطاب التربوي الإسلامي» لابد أن تقوم على أساس الوعي بالتمييز بين جانبين:

    أولهما، هو الإطار الفلسفي العام الحاكم للنظر العلمي، فما من حركة نهضة، وما من حركة علم إلا – كما نؤكد مراراً وتكراراً - وهي محكومة بمنطق معرفي فلسفي عام، هو الذي يعطي الحضارة تميزها الخاص، ويجعلنا نقول: بأن هذه حضارة هندية مثلاً، وتلك حضارة إسلامية، وهذه حضارة يونانية، وتلك حضارة صينية... وهكذا.

    ثاني الأمرين، هو المحتوى المعرفي للأنساق المعرفية المختلفة: فيزياء، كيمياء، طب، اقتصاد... وهكذا، في مثل هذا الجانب لا نجد اختلافات بين الأمم والشعوب، إلا بمقدار درجة التقدم العلمي بحكم التطور التاريخي.

    ويمكن إيجاز المعالم الأساسية للإطار الفكري الفلسفي الذي يبرز عملية التوجيه الإسلامي في الخطوط العريضة التالية:

    - خلق الله كل شيء بقدر، لذلك لا يجوز وصف أي من الموجودات الكونية بالعبثية.

    - يحكم الكون نظام دقيق يتأسس على مجموعة من القوانين المطردة القابلة للاكتشاف بواسطة العقل البشري، لذلك لا يصـح إضفاء الصدفة أو العشوائية على ظواهر الوجود.

    - يضفي النظام الكوني وحدة وتكاملاً على الخليقة من خلال ربط مكونات الوجود بنوعين من العلاقات: علاقات عِلِّـيَّة تربط العلل بمعلولاتها، وعلاقات غائية تربط الغايات بالوسائل المؤدية إليها.

    - المعتقدات الإسلامية التي تشكل القاعدة القَبْلية للتفكير لا يمكن أن تتناقض مع مبادئ العقل من خلال الخبرة الإنسانية.

    - إن تسخير الكون للإنسان يجعله خاضعاً لقدرات الإنسان، وقابلاً للتكيف والتشكل وفق إرادته والاستجابة لحاجاته ومقاصده.

    - لا يمكن اعتبار أي بحث في طبيعة الخلق نهائياً أو ختامياً، نظراً لاستحالة حصر أنساق الخلق والإبداع الإلهي، ولذلك فإن إبداع العقل المسلم على الأدلة المتجددة والنظر في المعطيات المستجدة ضرورة عقلية وإيمانية.

    - ترتكز معاني التنـزيل على ركنين أساسيين: القواعد البيانية والبلاغية للغة العربية، والواقع الإنسانى المعيش.

    - يتميز السلوك الطبيعي عن الفعل الإنساني في خضوع الأول إلى قوانين ضرورية لازمة، واعتماد الثاني على قواعد مختارة، تبناها الإنسان بمحض إرادته الـحرة، وتبرز مصداقيتها عبر الوساطة الإنسانية بمختلف تجلياتها التاريخية.

    ثانياً: ومطلوب من «الخطاب التربوي» أن يعطي اهتماماً بالغاً لقضية «التنمية العقلية»، دون أن يعني هذا أن هناك قوة معينة اسمها العقل كامنة داخل الدماغ، ذلك أن المفهوم الذي ساد طويلاً عن العقل باعتباره قوة قائمة بذاتها، دفع مفكري التربية إلى التأكيد على أهمية حشوه بالمعارف والمعلومات، على أساس أن هذا من شأنه أن «يقويه»، تماماً مثل القول: بأن تناول الجسم كماً معيناً من الغذاء من شأنه أن يقويه. إننا نشير إليه هنا باعتبار أنه «فعل»، ونمط معين من السلوك يتسم بالمنطقية والرشد.

    ولعل هذا يفسر لماذا لم يرد اسم «العقل» بالقرآن، وإنما جاءت الإشارة إلى عملياته مثل التدبر والتفكر والتبصر... وهكذا.

    وأهمية هذه النظرة تربوياً تكمن في أننا لا نسعى إلى أن «نخزن» معارف ومعلومات داخل عقل، خاصة وأننا في عصر عرف بأنه يمثل عصر المعلوماتية بما يتسم به من سيولة لا مثيل لها في تدفق المعلومات، بحيث أصبح من المستحيل أن يستهدف التعليم تزويد المتعلمين بمثل هذا الكم الرهيب، ومن ثم فالحل يكمن في تنمية التفكير، وفي التنمية العقلية، بحيث يمتلك المتعلم قدرة ومهارة على أن يبحث عن المعرفة بنفسه، ليظل دائماً أبداً متعلماً، وبحيث يملك القدرة والمهارة على الفحص النقدي لما يرد إليه من معلومات، وبحيث يملك القدرة والمهارة على توظيف مثل هذه المعلومات فيما هو نافع له ولأمته، وبحيث يملك القدرة والمهارة على حسن الاختيار والانتقاء من هذه المعلومات. وفضلاً عن ذلك، فإن أجهزة الحاسب الآلي أصبحت تقوم عن الإنسان بعمليات خزن المعرفة واستدعائها بدرجات ومستويات تفوق قدرة الإنسان الفرد بمراحل، وبالتالي يكون على التعليم أن يستغل هذه الفرصة فيوجه اهتمامه وتركيزه على العمليات العقلية نفسها.

    ومن أولى خطوات التنمية العقلية، تحرير العقل المسلم من الجمود والتقليد الأعمى، وتحريره من الغرور، وتحريره من الهوى.. تحريره من الجمود والتقليد الأعمى للسلف، سـواء أكان هذا السلف هو سلفنا نحن، أم سلف الحضارة الغربية، فالجمود النصوصي آفة، سواء أكانت هذه النصوص من موروثنا نحن أم مستوردة عن (الآخر) الحضاري.. والغرور العقلاني الذي يزعم أهله قدرة العقل على الاستقلال بإدراك أي شيء، إلى الحد الذي يحكمون فيه «بالاستحالة» على كل ما لا تدركه عقولهم، هو موقف أشبه بعبث الطفولة، مع افتقاره إلى براءة الأطفال.

    ويبدو أن تقاليد «احترام» الأكبر في السن أو المقام تقاليد متأصلة في ثقافتنا، صاحبها نوع من الانحراف بمفهوم «الاحترام» ليضم إلى معانيه قبول الرأي من الأكبر وعدم إظهار المخالفة إلا في أضيق الحدود. رجعت امرأة عمر زوجها في شيء فغضب فقالت: ولِمَ تغضب من مراجعتي وابنتك حفصة تراجع رسول الله e والوحى ينـزل عليه؟ فقال: أو تفعل ذلك؟ فقالت: نعم، فذهب عمر إلى حفصة مغضباً فأخبرته بصحة ذلك، وبأن ذلك من خـلق رسول الله، فظن أن ابنته متأثرة بما تفعل عائشة لصغر سنها، وقربها من رسول الله، فأكدت حفصة أن الأمر أمر سلوك يريده رسول الله e ويشجع عليه كل من حوله، وليس أمر خصوصية لأحد.

    وشبيه بهذا أن نطالب المعلمين ألا يرددوا ما كلفوا بتدريسه ترديداً أعمى، بل لابد أن ينقدوه، فيتصورون هذا مستحيلاً، على أساس أن الكتب المقررة قد كتبها – غالباً – أساتذة جامعيون كبار، وكأن هؤلاء محصنون ضد النقد، والشيء نفسه بالنسبة للطلاب، حيث يتصورون أن المعلمين دائماً فوق مستوى الشبهات، ومعصومون من الخطأ.

    وإذا كان السبيل الأساس لتنمية العقل هو إتاحة فرصة حرية التفكير أمامه، فإن بعضهم يضع محاذير خاصة بكتابات قد تكون ضالة تنشر الضلالات بين الناس، لكن التجربة تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن فساد الرأي لا يستقيم بحجبه ومصادرته، وإنما الوسيلة الأوفق هي إفساح المجال أمامه كي يظهر ويعلن عن نفسه، مسفراً عن وجهه وحقيقته وحجته، حتى يتعامل معه المصلحون على مرأى ومسمع من الجميع، وليس هذا هو منطق العقل وحـده، وإنما هو منطق الشرع أيضاً، الذي نستدل عليه من مطالعة كتاب الله، الذي أثبت بين دفتيه جميع المقولات التي ترددت في نقض الرسالة والنبوة، بل وفكرة الألوهية والتوحيد ذاتها، سواء صدرت تلك الدعاوى عن الكارهين، من أتباع الديانات السماوية، أو صدرت عن المنافقين أو المشركين.

    ومن سبل تنمية العقل، الإيمان الذي لا يتزعزع بالتكامل بين الوحي والعقل، فإذا كان العقل هو وسيلة الإنسان للإدراك وطلب الأسباب وحمل المسؤولية، فإن الوحي المنـزل إلى الإنسان من لدن الخالق العظيم مقصود به هداية الإنسان وتكميل إدراكاته بتحديد غايات الحياة الرشيدة للإنسان وتحديد مسؤولياته في هذه الحياة وترشيد توجهاته فيها ووصل إدراكه الجزئي بالمدركات الكلية فيما وراء الحياة وعلاقات الكون، وكليات المركبات والعلاقات والمفاهيم الإنسانية والاجتماعية اللازمة لتمكين العقل الإنساني والإرادة الإنسانية من حمل مسؤوليتها وترشيد جهودها وتصرفاتها وفق الغايات المحددة لها في هذه الحياة، ولذلك فالوحي والعقل كلاهما ضروري للإنسان، وهما متكاملان لتحقيق الحياة الإنسانية الصحيحة في هذه الأرض.

    كذلك يجب على «الخطاب التربوي» أن يوجه الانتباه إلى أهمية تدريب المتعلم على النقد الذاتي بدلاً من التفكير التبريري.. والنقد الذاتي هو ذلك الأسلوب من التفكير الذي يحمل صاحبه المسؤولية في جميع ما يصيبه من مشكلات ونوازل، أو ما ينتهي إليه من فشل.. والمقصود بالتفكير التبريري ذلك التفكير الذي يفترض الكمال بصاحبه، وإذا أخطا برأه من المسؤولية وراح يبحث عن مبررات خارجية وينسب أسـباب الأخـطاء أو القصور والفشـل إلى الآخرين، ومن هـنا يجيئ قـول المولى عز وجل: ((وَمَا أَصَـٰبَكُمْ مّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ)) (الشورى:30).

    والواقع أن التحليل الدقيق للأخطاء التي تقع يوضح أن هذه الأخطاء والمصائب هي مسؤولية من تنـزل به؛ لأن المصيبة هي وليد يولدٌ من تزاوج قوة بقوة، يقول عز وجل: (( إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَفَّـٰهُمُ ٱلْمَلَـئِكَةُ ظَـٰلِمِى أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِى ٱلاْرْضِ قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ ٱللَّهِ وٰسِعَةً فَتُهَـٰجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَـئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيراً)) (النساء:97).

    ومما يندرج في هذا الإطار كذلك الإقلاع عن ذهنية القطع بالصحة والصواب فيما كان رأياً أو اجتهاداً، ذلك أن من مقومات تكوين النظرة الصحيحة نحو المسلم المختلف، التعامل معه من منطلق الشعور بقصور الذات واتهام الرأي الشخصي والإقرار بمحدودية القرارات الخاصة، كيلا يقع المرء –وهو يختلف ويحاور – بوهم العُجب فينساق إلى الادعاء بأنه قد قبض على الحقيقة كاملة، وأن الحق معه غير منقوص، وما كان عند الآخرين ليس باطلاً أو سراباً.

    ثالثاً: وإذا كنا قد أشرنا في جزء سابق إلى أن من أهم سلبيات «الخطاب التربوي الإسلامي»، ندرة الاهتمام بقضايا ومشكلات الواقع التربوي، فإن هذا يستدعي بالضرورة الإلحاح على حتمية التخلص من هذه السلبية، فبقدر حرص «الخطاب التربوي» على الاهتمام بالهموم التربوية المعاصرة والمستقبلة، بالقدر الذي يقـدم فيه أوراق اعتماده لدى الجمهور - إذا صح هذا التعبير الدبلوماسي المعروف - كي يكون مقبولاً معترفاً به، فالحديث عن الماضي وحده لا يكفي، ذلك أن الناس تكاد تغرق في كم من المشكلات التي تحاصرهم ليل نهار، يتوقون إلى من يقدم لها حلولاً شافية.

    ولو شئنا أن نسوق مثالاً لذلك، فهناك في الوقت الحالي مشكلة معقدة تتعلق بتمويل التعليم، فقد عاش بعض من البلدان العربية، وبلدان إسلامية أخرى، تحت مظلة توجه سياسي وفكري يرى أن تقوم الدولة عن الأفراد بعبء تكلفة التعليم. فلما هبت أعاصير أخرى مغايرة، إذا بتوجه مختلف ينادي بضرورة أن يتحمل الأفراد هذه التكلفة، خاصة وأن الدولة قد ناءت بأعباء كثيرة أصبحت معها قدرتها على استمرار التمويل الكامل مستحيلة. وتم بالفعل فتح الباب لمشاركة الجهود الخاصة في هذا الشأن، لكن النتيجة الحاصلة حتى الآن قد لا تبشر بخير، ذلك أن رأس المال الخاص قد توحش، فإذا به يسعى إلى افتراس الناس امتصاصاً لما في جيوبهم!

    - فما الحل؟

    يحتاج الأمر من نفر من علماء التربية، ورجال الجهاز التنفيذي للتعليم، وعلماء شريعة وقانون واقتصاد كي يتدارسوا كيفية الاستفادة من خبرة الحضارة الإسلامية بالنسبة للوقف الخيري، الذي كان يقوم بتمويل مؤسسات التعليم طوال العصور الإسلامية إلى الدرجة التي كفل عندها رفع عبء المصروفات عن كاهل الطلاب، بل والقيام بكفالة ملبسهم وإقامتهم وتغذيتهم، والقيام على كافة الخدمات المطلوبة للمؤسسة التعليمية، فضلاً بطبيعة الحال عن دفع رواتب المعلمين، والإداريين، والعمال اللازمين للمؤسسة.

    كذلك شهدنا، منذ أواسط السبعينيات، في بعض البلدان العربية والإسلامية، اندفاعاً كبيراً إلى افتتاح مدارس تعلم باللغة الأجنبية، وخاصة الإنجليزية، استناداً إلى دعوى بأن الإنتاج الحضاري كله على وجه التقريب، هو باللغات الأجنبية عامة والإنجليزية خاصة، ولابد من إتقانها حتى يمكن استيعاب مثل هذا الإنتاج الحضاري، ونسي هؤلاء أن اليابانيين، والصينيين، مثلاً، هم ممن أصبحـوا في مقدمة ركب التقدم الحضـاري، ولا يعلمون إلا بلغتهم القومية.

    وترتب على هذا انحسار تدريجي للغة العربية، الذي لابد أن يترتب عليه انقطاع تدريجي بين ملايين من أبنائنا من الأجيال القادمة وبين الأداة الرئيسة للتواصل مع منابع الثقافة الإسلامية، حتى المدارس التي رفعت شعار الإسلامية في اسمها، وجدت نفسها بكل الأسى وبكل أسف وقد انجرفت كارهة، إلى المنـزلق نفسه.

    مثل هذه القضية الخطيرة، تحتاج من علماء التربية والدين واللغة، عربية وأجنبية، إلى تدارسها، بحيث يظل أبناؤنا متواصلين مع عيون ذاتهم الحضارية الإسلامية، قادرين على التواصل كذلك مع الإنتاج الحضاري الغربي.

    وما زالت الإحصاءات تشير إلى أن ما قد يصل إلى عشرات الملايين من أبناء الأمة العربية والإسلامية على حال من الأمية الأبجدية، في الوقت الذي تجاوزت فيه دول كثيرة في العالم مثل هذه الأمية وبدأوا يتناولون أنواعاً أخرى مثل الأبجدية «الكومبيوترية»، وغيرها من الأنواع التي تؤكد رغبة عارمة في اللحاق بركب الإنتاج الحضاري.

    مثل هذه القضية، لابد أن تكون من هموم «الخطاب الإسلامي التربوي»، خاصـة وأن الأمة الإسلامية في حال استضعاف لن تتخلص منه - بعد حسن الوعي والاستيعاب والعمل بدينها - إلا بأن تعب إلى أقصى درجة ممكنة من العلم الحديث والتكنولوجيا، ولها في القرآن الكريم والسنة النبوية زاد لا ينضب من الدعوة الملحة على طلب العلم والتعليم، مما تناولته كتب متعددة، ويكفي هنا أن نكرر الإشارة إلى النموذج العملي التطبيقي الشهير الذي سبق أن أشرنا إليه إبان غزوة بدر، حيث كان فداء الأسير من كفار قريش أن يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة.

    وفي أيامنا الحالية تجيء إلينا الأنباء مفزعة، ذلك أن القوى المهيمنة، بعد أن مكناها نحن المسلمين، أو الأحرى بعض منا، من أن تغتال بلداناً إسلامية، بدأت تخطط لوأد التعليم الديني الإسلامي، وعلى أقل تقدير، لتحجيمه والإقلال منه بزعم أنه يشكل بؤراً لما يسمونه بالإرهاب (!)

    وهاتان خطوتان على جانب كبير من الخطورة، ولسنا في معرض التأكيد على جوهرية هذا التعليم للأمة جميعاً، بإعادة تشكيل أبنائها ليكونوا ذوي شخصيات إسلامية وفقاً للهدى القرآني والنبوي، مما يفرض على القائمين «بالخطاب الإسلامي التربوي» أن يهرعوا إلى كشف أوجه الزيف في هذه الخطوات، مستخدمين الإحصاء الذي يؤكد أن الكثرة الغالبة من الذين ارتكبوا أعمال عنف تحت المظلة الدينية لم يكونوا نتاج تعليم إسلامي، بل نتاج تعليم مدني، دون أن يعني هذا الدعوة إلى التقليل من التعليم المدني، وضرورة التساؤل عن الموقف من معاهد التعليم غير الإسلامية، وخاصة اليهودية التي تعلن صراحة نهج البغض والتحريض ضد غير اليهود ؟!

    ولابد أن نعترف أن هناك عدداً من المشكلات التعليمية تتصل اتصالاً وثيقاً بصور خلل هيكلي في البنية المجتمعية، ولا يعني هذا أنها تصبح خارج مسؤولية «الخطاب التربوي الإسلامي»، كلا، فدوره هنا أن يقتحمها تحليلاً وشرحاً وتفسيراً وتصوراً لما يمكن أن يقدم حلاً لها.

    وعلى سبيل المثال، فإن مشكلتي (الدروس الخصوصية)، و(الغش الدراسي)، إذا كانت لهما أسبابهما القائمة في جسم التعليم، فإن الجزء الأكبر من هذه الأسباب إنما يكمن في مستوى الأداء الاقتصادي القائم، وشروخ واضحة في بنية النظام الاقتصادي. كذلك فإن ( الغش ) ليس غشاً فقط في الامتحانات، وإنما تفسره نظرية الأواني المستطرقة المعروفة، فهناك غش تجاري، والصحف لا تكاد تخلو في الفترة الأخيرة من أخبار صور تزوير، أي غش من أجل الحصول على قروض ضخمة من البنوك بغير وجه حق، وغش إداري، وغش سياسي، وغش إعلامي... وهكذا، ومن الظلم حقاً «للخطاب التربوي» أن نطلب منه أن يواجه مثل هذه القضايا بمعزل عن بقية القطاعات الأخرى.

    رابعاً: مطلوب من «الخطاب التربوي الإسلامي» أن يجعل من قضية (العدل التربوي) قضية مركزية، فمثلما هي القاعدة الإسلامية في العدل على وجه العموم أنه لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فهكذا قاعدة العدل التربوي: أن يحصل كل إنسان، وخصوصاً هؤلاء الذين في سن التعليم التي تقابل بداية مرحلة التعليم الإبتدائي، إلى نهاية التعليم العالي، على حقه في التعليم وفي التربية، بغض النظر عن أية عوائق ليست من كسب يده هو، مثل الفقر، والطبقة، والمذهب، والبيئة، واللون، والنوع، والعرق، والجنسية، بحيث يكون فيصل التفرقة هو القدرة على التعلم. بل إن الباحثين والمفكرين قد كشفوا من خلال العديد من البحوث والدراسات أن المسألة ربما تكون أبعد من ذلك على أساس أن جملة الظروف المجتمعية التي يعيشها طالب التعلم غالباً ما تؤثر على كم ونوع الكسب التربوي، وبالتالي فمن الضروري أن يمتد البصر بحقيقة العدل التربوي إلى ما يتصل بالعدل الاجتماعي، وهو ما يحتم علينا ألا نعزل بين الأمرين.

    ويؤكد هذا ما نجده من إلحاح «الخطاب القرآني» على أن يكون المؤمنون «قوامين بالعدل»، أي كثيري القيام بالعدل في نظم حياتهم وإدارتهم وممارساتهم وقيمهم وعاداتهم، إلى الدرجة التي يصبح العدل هو السمة المميزة لمجتمعهم وحضارتهم، وأن لا يحول دون تجسيد هذه الصفة في واقعهم صلة رحم أو حمية قرابة أو شنآن كراهية:

    - ((إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإْحْسَانِ)) (النحل:90).

    - ((وَقُلْ ءامَنتُ بِمَا أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبٍ وَأُمِرْتُ لاِعْدِلَ بَيْنَكُمُ)) (الشورى:15).

    - ((يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِٱلْقِسْطِ شُهَدَاء للَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ ٱلْوٰلِدَيْنِ وَٱلاْقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً فَٱللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُواْ...)) (النساء:135).

    وإذا كانت الكثرة الغالبة من الدول الإسلامية قد أصدرت العديد من التشريعات التي من شأنها أن تكفل العدل بين أفراد الأمة في سعيهم للتعلم، وفي مقدمة هذه التشريعات: التشريعات الخاصة بمجانية التعليم، وخاصة في مرحلة التعليم الأساسي، والمساواة بين الذكور والإناث، فضلاً عن أن قوانين التعليم المختلفة ولوائحه الخاصة بتنظيم العمل التعليمي مفروض أن تطبق على الجميع دون تمييز، إلا أن المشكلة الكبري حقاً تنبع من منابع عدة تنقص من العدل التربوي:

    فالمنشأ الاجتماعي للطلاب له دوره المؤثر على تعلمهم. إن قوانين التعليم ولوائحه إذ تحرص على مراعاة العدل، فهي أشبه بمن يحرص على اصطفاف المتسابقين – مثلاً – في العدو على خط واحد، بحيث يسفر الجهد المبذول من كل فرد عن مدى استحقاقه للفوز، لكن «المنبت الاجتماعي» يمكن أن يسـتنفد الكثـير من طاقة كل منهم، فيصل بعضهم وهو مريض أو متعب أو مجهد أو جائع أو غير هذا وذاك من متغيرات، فإذا به يعجز عن بذل ما هو مفروض من جهد في عملية التسابق.

    ومن ناحية أخرى، فإن كثيراً من المجتمعات تضم بين صفوفها قوى وشـرائح اجتماعية يكون لها من النفوذ والمواقع الإدارية والسياسية ما يتيح لها فرصة تكييف النظام التربوي بحيث يكون ملائماً لثقافتها وليس لثقافة الجمهرة الكبرى من أبناء الأمة، فإذا بالتعليم يجنح إلى محاباة أبناء هؤلاء القادرين المهيمنين على حساب الضعفاء.

    ومن ناحية ثالثة فهناك ما هو معروف «بالمنهج المستتر» والذي يتمثل في ما يشيع في المناخ المدرسي من قيم وأساليب تعامل ومفاهيم وصور تحيز، يفوق في تأثيره المنهج العلني المعروف الذي يتم تعليمه ويُمتحن الطلاب فيه، وهذا المنهج المستتر يعمل لصالح أبناء الفئات والشرائح ذات النفوذ السياسي والإداري والعسكري والاقتصادي.

    ويوجب العدل التربوي من «الخطاب الإسلامي» مزيداً من الاهتمام بالأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فإذا كانت الأسرة هي المدرسة الأولى، لكن، عندما يكون الوسط الأسري غائباً أو مُغيّباً، يتعين على المدرسة أن تأخذ على عاتقها تعهد قدرات التعلم لدى الطفل بالرعاية وتنشيطها، بل وربما استحداثها.

    كذلك من المهم إيلاء عناية خاصة لجميع أشكال التربية الموجهة للأطفال المنتمين إلى أوساط محرومة، فيجب أن يدعو «الخطاب» إلى بذل جهود منسقة من جانب المربين لصالح أطفال الشوارع والأيتام وضحايا الحروب وغيرها من الكوارث. وعندما يجد «الخطاب» أن لدى الأطفال احتياجات خاصة يتعذر تشخيصها أو الوفاء بها داخل الأسرة، فعليه دعوة المدرسة أن تقدم المساعدة المتخصصة والتوجيه اللازم لتنمية مواهبهم، على الرغم من المصاعب التي يواجهونها في مجال التعلم، أو بسبب عوائقهم البدنية.

    خامساً: ومن المهام المنوطة «بالخطاب التربوي الإسلامي» توجيه الفكر التربوي والعمل التعليمي نحو أن تستهدف التربية الإسلامية «العمران البشري»، وهو المعادل لعملية النهوض الحضاري أو التنمية البشرية في مصطلحات العصر الجارية.

    وهنا نجد أن النموذج الحضاري الإسلامي يجعل أهداف الإنتاج والاقتصاد في خدمة الأهداف الأشمل للمجتمع وفق قواعد الاستخلاف كما حددها الشرع، وهي لا تغالي بالتالي في وزن الأمور الاقتصادية على نحو ما فعل أهل الغرب، وعلى هذا فإنه إذا كان الإتقان في صناعة السلع المادية أمراً مطلوباً وإنجازاً محموداً، فإن الإتقان في تربية ذرية صالحة يعتبر عندنا أولى بالطلب والحمد، ولكن أهل الغرب لا يرون ذلك، فهذه العملية لا تُقوم عندهم بنقود ولا تدخل في حساباتهم القومية المعتمدة لديهم، ولا يعتبر الجهد المبذول فيها من معايير التقدم. ويتفرع عن هذا أنه لا حرج عند أتباع النموذج الغربي من خروج المرأة للعمل خارج المنـزل (من غير حاجة ملحة تدعو إلى ذلك)، حتى إذا كان على حساب إنجاب الأطفال وإدارة شؤون الأسرة، طالما أن العمل في المنشآت خارج المنـزل سوف يزيد حساباتهم للناتج القومي.

    ونحن نؤمن بأن دعم الأسرة وتنشئة أجيال جديدة مؤمنة ومجاهدة يأتي قبل إنتاج مزيد من الأحذية والأقمشة.. وحتى بمعايير هذا الإنتاج الاقتصادي والسلعي فإن تنشـئة أجيال جـديدة مؤمنة وتربيتها على المجاهدة والنظام - وهي مهمة تعجز عنها المدارس وحدها - يزيد الطاقة الإنتاجية وبمعدلات مستمرة مطردة.. وإهمال التربية للأجيال الجديدة، والأثر السلبي لذلك على العملية الإنتاجية لا يحتاج إلى إثبات.

    ولا ينبغي أن يعني هذا بأي حال من الأحوال انقاصاً من دور المرأة، بل هو تنظيم لقدراتها ولدورها في إطار مفهوم أرحب لما يعنيه الإنتاج، ذلك أننا لا نحصر معنى الإنتاج بالمصانع وما أشبه خارج المنـزل، فالعمل داخل المنـزل هو في كثير من الأحيان أكثر إنتاجية وأكثر بركة من المنظور الاجتماعي، بل ومن المنظـور الاقتصـادي أيضاً، وفي كل الأحوال، فإننا لا نغلق باب العمل خارج المنـزل أمام أصحاب الكفاءات الخاصة من النساء، أو أمام من تتطلب حاجات المجتمع جهدهن، وكذلك لا نقف في وجه من تفضلن هذا النوع من العمل لسبب أو لآخر، ما نعارضه هو ازدراء المتغربين لدور المرأة في العمل داخل المنـزل، واعتبار ذلك نوعاً من التخلف وتبديد الطاقات والكفاءات، مع أن حكمة الله عز وجل قضت بأن تتمتع غالبية النساء بالقدرات التي تؤهلهن لهذا الدور، وكان هذا الدور خلف ازدهار الحضارة والتقدم الاجتماعي.

    وإذا كانت هناك أحـاديث نبوية في مدح الزهـد في الدنيا، فإن هذا لا يعني مدح الفقر، فإن الزهد يقتضي ملك شيء يزهد فيه، فالزاهد حقاً، من ملك الدنيا فجعلها في يده ولم يجعلها في قلبه، بل إن الإسلام يجعل الغنى نعمة يمتن بها الله، ويطالب بشكرها، ويجعل الفقر مشكلة، بل مصيبة يستعاذ بالله منها، ويضع مختلف الوسائل لعلاجها، ذلك لأن الفقر خطر على أمن المجتمع وسـلامته واسـتقرار أوضاعه، وفي ذلك روي عن أبى ذر قوله: «عجبت لمن لا يجد القوت في بيته، كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه»؟ وقد يصبر المرء إذا كان الفقر ناشئاً عن قلة الموارد وكثرة الناس، أما إذا نشأ عن سوء توزيع الثروة وبغي بعض الناس على بعض، وترف أقلية المجتمع على حساب الأكثرية، فهذا هو الفقر الذي يثير النفوس، ويحدث الفتن والاضطراب، ويقوض أركان المحبة والإخاء بين الناس.

    وما دام في المجتمع أكواخ وقصور، وسفوح وقمم، وتخمة وفقر دم، فإن الحقد والبغضاء يوقدان في القلوب ناراً تأكل الأخضر واليابس، وستتسع الشقة بين المترفين والمحرومين، ومن هنا تتخذ المبادئ المضللة والأفكار المنحرفة أوكارها بين ضحايا الفقر والحرمان والضياع. كذلك فإن الفقر خطر أيضاً على سيادة الأمة وحريتها واستقلالها، فالبائس المحتاج لا يجد في صدره حماسة للدفـاع عن وطنه والذود عن حرمـات أمـته، فإن وطنه لم يطعمه من جوع ولم يؤمنه من خوف، وأمته لم تمد إليه يد العون لتنتشله من وهدة الشقاء.

    ومن البديهي أنه لا إعمـار ولا إنتاج بغير علم، وكلما زاد نصيب الفرد أو الجماعة من العلم، ومن استغلال حقائق العلم ومدلولاته ومكتشفاته ومخترعاته، كلما تضاعف الإنتاج وتكاثر في شتى المجالات، فاغتنى الفرد واغتنت الجماعة، فحيث وجد العلم وجدت الثروة، وقد خطت البشرية خطوات واسعـة، كان العلم مقياساً لكل خطوة تخطوها، وكان كل توقف في حياتها، أو تخلف في سيرها، أساسه الجهل والظلام والحاجة.

    وعلى هذا كان العلم في تطوره تسجيلاً لتطور الإنسانية نحو القوة والحضارة، وحيث انطفأ مصباح العلم انتقلت الثروة إلى الغرب، الذي انكب على مجالات العلم المختلفة يغترف منها بأقصى ما يستطيع من قدرة، وليس ذلك لأن الشرق فقد موارده، وأن الغرب قد اكتشف لنفسه موارد جديدة لم تكن له من قبل، فقد بقيت الموارد كما كانت من قبل في الشرق وفي الغرب، وإنما جهل الشرق موارده وينابيع ثروته، فكم في باطن التربة الشرقية، وعلى سطحها، من كنوز وثروات وجواهر، ولكن وباء الجهل حجبها عن أبصار أبناء الشرق، فإذا علموا أمرها، حال بينهم الجهل وبين طرق استغلالها، فإذا استغلوها حال بينهم وبين طريق تصريفها في الأسواق وبيعها، ومن هنا ليس أمامنا سوى العلم، هادياً ومرشداً ومخرجاً من الفقر والفاقة إلى الثروة والكفاية والتنمية.

    ويحرص الإسلام على تكامل النظرة في التنمية وشمولها، فحتى في مجال التنمية الاقتصادية التي قد ينصرف مفهومها إلى النواحي المادية وحدها، نجد تربية الإسلام تبرز تلك العروة الوثقى بين القيم الاقتصادية والأخلاقية، وهذا ما يتبدى لنا في ذلك الموقف الذي نرى فيه رسول الله e يعطينا في قضية المتسول الذي أتى يسأل عن «لقمة عيش»، كان من «حقه» أن يأخذها من المجتمع بنص من القرآن الكريم في الزكاة، وكان النبي e أدرى الناس بتطبيقه، كما كان e أجود من الرياح السخية في الربيع لتقديم هذه اللقمة لمسكين جاء يطلبها، ولكن أعمال النبي e تشريع أو عبرة لأمته، فأشار على من حوله من الصحابة بأن يجهزوا هذا الفقير ليحتطب، وأشار على الرجل بأن يحتطب ليأكل من عمل يده.

    فإذا حللنا هذه القصـة من حيث أبعادها الخلقية نرى كيف يحل الرسولe أزمة اجتماعية تعرض عليه صـورة متسـول من المساكين، فيفضل e حلها في نطاق «الواجب» على «الحق»، أو إذا قدرنا الأبعاد الاقتصادية فإننا نراه e يفضل الحل في نطاق «الإنتاج».

    سادساً: ومن مهام «الخطاب التربوي الإسلامي» الدعوة إلى غرس قيم ومبادئ ومقومات الحرية وممارستها، على مستوى الفكر والتطبيق، ذلك أن المنفعة الاجتماعية إذا كانت تقتضي أن تلتزم الدولة العدل في توزيع العدل، في توزيع المسؤولية، وإذا حملت الدولة وحدها تبعات المجتمع ومسؤوليات مصيره، فإنها، على الرغم مما ستبذله من جهد وتضحية، تكون قد أخلَّت بمقتضيات العدل والنفع الاجتماعي. وإذا كانت الدولة، لكي تباشر مسؤولياتها تفكر في حرية وتعلن رأيها في حرية، وتقول في أمن، فإن المجتمع، لكي يباشر مسؤولياته لابد أن يظفر بالفرصة نفسها فيفكر حراً، ويقول رأيه وكلمته في غير خوف ورهبة.

    وإذا كانت الحرية بمثل هذه الضرورة بالنسبة للمجتمع عامة، فإنها أكثر ضرورة بالنسبة لمجتمع العلماء، فالعلم الذي يتم بحثه والتفكير في مسائله في ظل إرهاب السلطة وتدخل الدولة، ثمراته فقيرة، بطيئ النمو، فالحرية بالنسبة للباحثين والمعلمين والمتعلمين تكاد أن تكون شرط حياة.

    ومما لا شك فيه أن حركة التقدم على مستوى العالم، إذا كانت قد أنجزت ما لا حصر له من نظريات علمية واجتماعية وأجهزة ومعدات تكنولوجية، فإن مما لا يقل عن ذلك أهمية حقاً، هو هذا الزخم الواضح حديثاً وتنظيراً وسعياً نحو ممارسة الديموقراطية، وحق الإنسان في أن يفكر حراً، وبالتالي، فإن لنا أن نمسك بما نجد في موروثنا التربوي من أفكار ودعوات وممارسات على طريق الحرية والتحرر والتحرير.

    لكننا في الوقت الذي نثبت فيه آيات ونماذج لكتابات تؤكد على حرية المتعلم، وحث المعلـم على أن يمـكن المتعلم ويدربه على حرية التفكير، فلا ينبغي أن نغض الطرف عن صور ونماذج أخرى سارت على العكس من ذلك، فكم من مفكرين وعلماء سلسلوا بالقيود ورموا في غياهب السجون، ونالوا من العذاب ما لا يكاد يصدقه عقل، ويكفي الإشـارة هنا إلى محنة ابن حنبل، لا لشيء إلا لأنه رفض أن يتبنى الرأي الذي تبناه المأمون، خليفة المسلمين ورئيس الدولـة، ويكفي أن نشير أيضاً إلى ما تم بالنسبة لكتب ابن رشد… إلى غير هذا وذاك من أمثلة سلبية.

    لكن هذا البحر، عندما نغوص فيه بحثاً عما هو ثمين، نجد أنه في الوقت الذي يمكن أن يكون فيه حافلاً بما هو ثمين من لآلئ، وكائنات حية تفيد، فهو أيضا يحوي في أعماقه ما هو عكس ذلك، فهل يدفعنا الصنف الأخير أن ننصرف عن الغوص في أعماق البحر بحثاً عما هو ثمين ومفيد ؟

    لقد كان نظام التعليم في الدول الإسلامية كلها يتيح الفرصة لكل طالب أن يجلـس إلى من يريد أن يتعـلم على يديه، العـلم الذي يريد، ولم يكن هذا النظام يعرف ما هو سائد اليوم من حيث تقرير مقررات بعينها على الطالب يتحـتم عليه دراسـتها في وقت معين على يد معلم بعينه، وما نظام الساعات المعتمدة إلا صورة عصرية متقدمة لهذا الذي كان.

    ومن هنا نجد دعوات في موروثنا التربوي تنصح الطالب بأن يتوقف طويلاً قبل أن يختار المعلم الذي يدرس على يديه، فهذا هو «الزرنوجي» ينصح طالبه بألا يتعجل في الاختلاف إلى الأئمة، وأن يمكث شهرين حتى يتأمل ويختار أستاذاً، فإذا ذهب إلى عالم وبدأ بالسبق عنده، فلربما لم يعجبه درسه فيتركه وذهب إلى آخر، فلا يبارك له الله في التعلم. فإذا تأمل واختار، فعليه أن يثبت ويصبر على الأستاذ المختار.

    ولهذا كان الطلبة عندما يأتون إلى المدن يقضون فترة قد تقصر أو تطول بحسب الأحوال، ينتقلون فيها بين الحلقات العلمية، يستمعون إلى الشيوخ في دروسهم، ويقارنون بينهم، ويفحصون على الطبيعة أو في جو العمل وعلى أرض الواقع، كفاءات الأساتذة وطرائق تعليمهم، وبلاغة تعليقاتهم. وقد تكون نية أحدهم في انتقاله من بلده أن يرحل للقاء شيخ معين يتلقى على يديه، فإذا به يجد من هو أكفأ في نظره، أو من هو أشد جذباً له من غيره من الأساتذة فينصرف عن الأول ويلتحق عند الثاني، ويكون للأستاذ في شخصيته وعلمه العامل الأول في اختيار الطالب لمادته التي يدرسها.

    وهاجم الشوكاني «التعصب» و«التقليد»، وهما آفتان خطيرتان على حياة الحرية. لقد كان الرجل يدعو إلى العقيدة السلفية في بساطتها أيام رسول الله e، ويدعو إلى الاجتهاد ونبذ التقليد، وذلك بأخذ الأدلة الشرعية من مواطنها، من الكتاب والسنة، بحيث يفترض المرء نفسه موجوداً في زمن النبـوة، وعند نزول الوحـي، وإن كان في آخر الزمـان، وكأنه لم يسبقه عالم، ولا تقدمه مجتهد، فإن الخطابات الشرعية تتناوله كما تناولت الصحابة من غير فرق.. إن الأقوام متساوية، ليس لواحد منهم أن يدعي أنه غير متعبد بما تعبد به الله عباده، أو خارج عن التكليف، أو أنه غير محكوم عليه بأحكام الشرع، ومطلوب منه ما طلبه الله من عباده من سائر الناس، وليس لواحد أن يرتقي إلى درجة التشريع، وإثبات الأحكام الشرعية، وتكليف العباد بما يصدر عنه من رأي، إلا فيما فوضه إلى رسله.

    ثم يوجه الشوكاني خطابه إلى طالب المعرفة بأن أهم ما يجب عليه أن يكون منصفاً لا أن يكون متعصباً في شيء من هذه الشريعة، فلا يمحق بركتها بالتعصب لعالم من علماء الإسلام، ذلك أن هذا العالم وإن فضله بنوع من أنواع العلـم، فهو لم يخرج بذلك عن كونه محكوماً عليه، متعبداً بما هو متعبد به، فضلاً عن أن يرتفع عن هذه الدرجة إلى درجة أن يكون رأيه فيها حجة على العباد واجتهاده لديها لازماً لهم.

    وكان العلماء يشجعون طلبتهم على المناقشة والمناظرة، ويوجبون عليهم التمرن عليها، وكان الطالب يخالف أستاذه في الرأي أحياناً، مع مراعاة التأدب والاحترام.

    ورأى «الزرنوجي» أن قضاء ساعة واحدة في المناقشة والمناظرة أجدى على المتعلم من مكث شهر كامل في الحفظ والتكرار.

    وقد كان للعناية بالمناقشة والمناظرة والحوار بالأسئلة والأجوبة أثر حيوي كبير في طالب العلم، جعله يشترك في أن يعلم نفسه بنفسه، ويعتاد حسن التفكير، وجودة التعبير، والقدرة على النقد، والقوة في الإقناع، والاعتماد على النفس، وحرية التفكير.

    سابعاً: ومما يجب أن يعنى به «الخطاب التربوي الإسلامي»، الحرص على أن تحل منظومـة القيم محل القلب من العمل التربوي، فإذا كان الدين - وفقاً للخطاب النبوي - هو المعاملة، فإن المعاملة «سلوك» بمواصفات بعينها ومعايير محددة.

    وعندما يكون مناط الأمر هو السلوك، فإن ما يؤكده علماء النفس والتربية والفلسفة والاجتماع أن السلوك إنما يتحرك بمنظومة من القيم.

    وإذا كان للقيم مضمونها الفكري، إلا أن لحمتها وسداها مما يعتمد على الوجدان والعاطفة.

    لقد حسب فلاسفة منذ سقراط في بلاد الإغريق، أن العلم فضيلة، وأن المعرفة وحدها تكفي لتحسين الأخلاق وتحقيق القيم وتقدم المجتمع، ولكن المشاهدة والبحث حملاً باحثين معاصرين على العناية بالعواطف والميول، بل والغرائز، وصاروا إلى اعتبارها العنصر الأكثر فطرية والأعظم تأثيراً، حتى أن منهم من أحل الذكاء منـزلة ثانوية بالإضافة إليها.

    ويبقى من الثابت أن لاضطراب الحياة العاطفية أو شذوذها عقابيل وخيمة كما أن بعض المتميزين بالذكاء والموهبة لا ينتجون ما هم به جديرون لضآلة حساسيتهم، على نقيض الأبطال والمصلحين وكبار الرواد المتميزين بقوة عواطفهم وخصبها. إن العلماء العباقرة ليسوا باردين حقاً كما يبدو من أمرهم في الوهلة الأولى، ذلك أنهم لا يشاطرون عامة الناس أذواقهم، أو أنهم يعيشون جانحين إلى الصمت والتأمل، وهم يتمتعون بحساسية شديدة جداً هي حساسية حب الحقيقة وكل ما يتصل بجمالها القيمي.

    والقيم الأخلاقية في التربية الإسلامية، بالإضافة إلى قيامها بدور الموجه والضابط، فهي تقوم بالنسبة لمجمل الأمة بدور الرابط، والجامع، والموحد، هذه الروح الخلقية منحة من السماء إلى الأرض تأتيها مع نزول الأديان عندما تولد الحضـارات، ومهمتها في المجتمع ربط الأفراد بعضهم ببعض، كما يشير إلى ذلك القرآن الكريم في قوله تعالى: ((... وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلاْرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )) (الأنفال:63).

    ومن الأمور الأساسية للقيم هو التمييز بين نوعي التعلم: التعلم للصيانة، والتعلم المجـدد، فمن شـأن التعلم للصيانة أن يتجاهل القيم التي لا تكون جزءاً لا يتجزأ من البنية الاجتماعية والسياسية المطلوب صيانتها، وأن تجعل قيمها الذاتية قيماً ضمنية غير مكشوفة. ومع ذلك فإن التشدد والتوتر الناتجين عن الضغط للاختيار من بين مجموعة من القيم هو الذي يساعد على ظهور التعلم المجدد، وهذه يمكن أن تكون عملية لها وضوحها وبروزها واستثارتها، وهي عملية لابد أن تكون قد مارسها كل فرد، فحين تقوم التحديات في وجه ما عنده من قيم، فإن عملية التعلم تدب فيها الحياة، ومن هذه الوجهة يمكن القول: بأن القيم هي «إنزيمات» عملية التعلم المجدد.

    وقد حرص الباحثون في قضية القيم على تصنيفها، وظهرت اجتهادات متعددة، لكن الكثير منها يتشابه بعضه مع بعض، ولكن هناك من اجتهدوا حديثاً من علماء المسلمين ليؤسسوا تصنيفاً جديداً: فهناك القيم التأسيسية الحاكمة، وتشير إلى التوحيد، والتزكية، والعمران، على تفاعل فيما بينها. ويرتبط بها القيم الوسيطة الناظمة: العدل، الكرامة، الأمانة، المساواة، الاختيار، الشورى، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن هذه وتلك تخرج القيم التي ترتبط بحقل التفاعل الدولي والعلاقات المتفاعلة فيه مثل: الاستخلاف، والعالمية، والدعوة، الآخر، التسامح، الوفاء بالعهد، المعاملة بالمثل، الأمن.

    وفي داخل هذا التنظيم، تبرز القيمة الكلية الحاكمة: التوحيد، فعنها تصدر كل القيم، وبمعاييرها ينضبط العمل وحركة السير والتفكير.

    ثم قيمة العدل، فهي القيمة الأساسـية الحاكمة كذلك لنظام القيم، إنها تعطي للقيم الأخرى مذاقها الخاص.

    ومع الأسف الشديد، فقد اتجهت المؤسسات التعليمية في العقود الأخيرة إلى تركيز انتباهها إلى الوظيفة المعرفية للتعليم، وأخذ اهتمامها بالجانب القيمي يضعف، مما يحتم العودة إلى الجانب الذي عده بعض المفكرين حقيقة «فريضة غائبة».

    وإن التسليم بماهية القيم، بأهمية تعليمها، يسوغ لنا أن نؤكد أن برامج التنمية بعامة، وبرامج تطوير التعليم بخاصة، إذا لم تؤسس على أعمال مقصودة تهدف إلى تنمية القيمة لدى الناس، عبث لا جدوى منه، ومضيعة للوقت وللجهد والمال، لأن القيم هي الموجهات الأساسية لكل ما يحرزه المتعلمون في مجالات العلوم، والتطبيقات التقنية.

    ثامناً: وإذا كان على «الخطاب التربوي الإسلامي» أن يؤكد على أخلاقيات التسامح وسعة الصدر، وكظم الغيظ، والتعامل بالرفق... إلى غير هذا وذاك من الأخلاقيات الإسلامية التي تشير إليها آيات كثيرة من آيات القرآن الكريم، وأحاديث متعددة لرسول الله e، لكن هذا وذاك لا يمكن أن يعني أبداً التراخي في المطالبة بالحقوق والدفاع عن الحق وصلابة الموقف في بعض الأحوال التي يكون فيها تهديد يمكن أن يقع على مصالح الأمة الآنية والمستقبلية، ومن هنا يجد «الخطاب» نفسه ملزماً بأن يؤكد على تكوين الشخصية المسلمة القادرة على المقاومة للظلم والاستغلال، والقادرة على تحمل الصعاب والمجاهدة ومواجهة التحديات.

    وهناك آيات كريمة عدة من كتاب الله المجيد، القرآن الكريم، تشير لنا إلى أن الله سبحانه وتعالى عندما خلق الإنسان في هذه الحياة الدنيا لم يضعه على طريق مفروش بالورود والرياحين، وإنما على طريق «الابتلاء» سائر، وقد زوده المولى عز وجل بإمكانات وقدرات «المغالبة» وأرشده إلى غاية السعي، وهداه إلى أساليب وآداب «الكدح»: ((إِنَّا عَرَضْنَا ٱلاْمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَـٰوٰتِ وَٱلاْرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَـٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)) (الأحزاب:72)

    فها هنا الموقف الأول للتحدي والابتلاء، لقد ألقى الله عز وجل تبعات جسام على عاتق هذا المخلوق «الإنسان» في الوقت الذي ناءت بحملها مخلوقات أخرى تبدو ذات قوة وبأس شديد، كالسموات والأرض والجبال. إنها التكاليف والحقوق المرعية التي أودعها الله المكلفين وائتمنهم عليها وأوجب عليهم تلقيها بحسن الطاعة والانقياد، وأمرهم بمراعاتها وأدائها والمحافظة عليها من غير إخلال بشيء من حقوقها.

    والصراع أبرز صور التحدي، فهناك من يسعون في الأرض فساداً، لكن الله سبحانه وتعالى يقيض لهذه الأمة من أبنائها من يحملون على عاتقهم مسؤولية التصدي لهؤلاء، فيرفعون لواء النضال والكفاح، ولولا هذا لتداعت حياة الأمة: ((...وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلارْضُ...)) (البقرة:251).

    وتتعدد آيات «الابتلاء» بمعنى الامتحان والاختبار، ويكون بالخير والشر والنعمة، وأيضا النقمة:

    - ((وَبَلَوْنَـٰهُمْ بِٱلْحَسَنَـٰتِ وَٱلسَّيّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)) (الأعراف:168).

    - ((وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)) (الأنبياء:35).

    - (( وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ ٱلْخَوفْ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ ٱلاْمَوَالِ وَٱلاْنفُسِ... )) (البقرة:155).

    - (( لَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ)) (محمد:4).

    - ((وَلَوْ شَاء ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَلَـٰكِن لّيَبْلُوَكُمْ فِى مَا ءاتَـٰكُم)) (المائدة:48)... وكذلك في: (الأنعام:165)، و(هود:7)، و(النحل:92)، و(الملك:2)... وهكذا.

    بل إن الله سبحانه وتعالى ينص في كتابه العزيز على أن الحياة الإنسانية بكليتها إنما هي سلسلة متصلة الحلقات من الأمل والمشقة: ((لَقَدْ خَلَقْنَا ٱلإِنسَـٰنَ فِى كَبَدٍ)) (البلد:4).

    ويقول عز من قال: ((يأَيُّهَا ٱلإِنسَـٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبّكَ كَدْحاً فَمُلَـٰقِيهِ...)) (الانشقاق:6)، أي لا تنفك تجد وتعمل إلى أن تلقى ربك فيجزيك وفقاً لما فعلت.

    من هنا يكون «التحدي» و«الابتلاء» من علامات الطريق الإنساني، لابد أن يبرز الوعي به حتى يمد المسلم بطاقة صمود ومقاومة وقدرة على المغالبة.

    تاسعاً: كذلك فإذا كنا نشكو من غياب الرؤية المستقبلية عن «الخطاب التربوي»، فلابد أن نتيقن من أن مكونات الطاقة البشرية لم تستنبط بعد، وهناك حاجة لاستخراجها وتجميعها وتوجيهها وتصويبها لخير الأمة ومستقبل الإنسان. ولابد أيضاً أن نستحضر لأذهاننا أننا نُعلم لمجتمع لم يولد بعد، ولا نعُلم للمجتمع الراهن، الذي هو في طريقه إلى التحول والتغير لتحل أوضاع أخرى ربما تكون مغايرة إلى حد كبير ما كان سائداً.

    ولا شك أن هذا العمل المنوط بالمؤسسات التربوية يعتبر جديداً، لأن وظيفة التربية في الماضي انحصرت على وجه العموم في ربط ماضي الأمة بحاضرها، وفي المحافظة على العلاقات الاجتماعية، ويمكن أن ندرك بسهولة سبب هذا التحول، إذا قارنا بين الاستقرار النسبي للمجتمعات في الماضي وبين التطور المتسارع للمجتمع المعاصر، ولعلنا اليوم في وقت يجب أن تعمل فيه التربية من أجل «تكوين أطفال لا نعرفهم»، وإعـدادهم للحياة في مستقبل لا نعرفه، وبناء على ذلك، فإن طبيعة الأمور تفرض أن يكون هدفها هو التفكير في المستقبل، ورسم صورته كما نريدها أن تكون.

    وهذا الاتجاه ملحوظ في الدول التي حصلت فيها تحولات عميقة، وأصبحت مقاليد الحكم فيها بيد قوى اجتماعية وسياسية جديدة، مما جعل تلك الدول تعمل على تنظيم المجتمع بتغييره جذرياً، وهو ملحوظ أيضاً في الدول التي لها إمكانات تقانية واسعة، ولها مشروع للنهوض بالإنسان الجديد، من غير أن تتعرض لما تعرض له غيرها من الطفرات السياسية المفاجئة. وقد منع الوضع السياسي المضطرب في بعض البلدان، والمشكلات العويصة والتناقضات الداخلية التي تعاني منها، منعها ذلك من إدراك مصير شعوبها بكل تبصر. ولئن كانت العقول النيرة، والإرادة الفعالة، متوافرة في تلك البلاد، فإنها من ناحية أخرى في حاجة إلى وضع أسس متينة، وتوفير الوسائل اللازمة للنهوض بأمرها.

    وهكذا نجد أن حسن قيام «الخطاب التربوي الإسلامي» بمهمة المساهمة في النهوض الحضاري للأمة يقتضي أن تكون وجهة التفكير فيه «مستقبلية».

    إن كثيرين يخطئون عندما يتصورون أن الوجهة المستقبلية للتفكير في النهوض الحضاري إنما هي أثر من آثار العصر الراهن، ذلك أن استقراء سريعاً لعدد من المحاولات الفكرية التي قام بها العقل البشري منذ آلاف السنين تؤكد على هذا التوجه.

    رأيناه فيما رواه القرآن الكريم عن خطط يوسف عليه السلام، عندما مكنه عزيز مصر في العصر الفرعوني من تدبير أمر ما كان متوقعاً من مجاعة في المستقبل..

    ورأيناه في جمهورية أفلاطون...

    وفي آراء أهل المدينة الفاضلة للفارابي...

    وغير هذا وذاك، كثيرون..

    لكن الفرق أن بناء تصور للمستقبل لم يعد أمراً يقوم على التأمل الفكري الذي يقوم به هذا الفرد أو ذاك، مهما أوتي من قدرات عالية..

    ولم يعد أمر أحلام وفيضان من المشاعر والرغبات التي ترنو إلى غد يتسم بالرفاه والتقدم..

    إنه جهد علمي يقوم على التلاقح الفكري بين عديد من العقول وفق أساليب تقوم على التدقيق المنهجي، وعمق الرؤية، وسعة الإحاطة.

    إن مستقبل الشعوب اليوم لا يبنى من خلال تجربة الماضي أو تجربة الحاضر فقط، بل يبنى من خلال التعرف على المستقبل، المستقبل المتوقع من جهة، والمستقبل المنشود الذي نريد أن نبنيه، انطلاقاً من ذلك المستقبل المتوقع من جهة ثانية.

    لم تعد تجربة الماضي والحاضر، على أهميتها، تكفي لبناء حياة الشعوب، بل لابد من نظرة مستقبلية تحسبية، نحدد في ضوئها مهماتنا وخطواتنا ورؤانا: أين سيكون العالم في مستقبل الأيام؟ أين سيكون موقعنا من العالم إذ ذاك؟ وما هي المشكلات التي ستواجهنا في المستقبل في ضوء تلك الصورة العالمية وفي ضوء الصورة المتوقعة لمجتمعاتنا؟ ما هي الجهود التي علينا أن نبذلها لنجعل من صورة المستقبل عندنا صورة تساير الركب العالمي وتنجو من هوة التخلف والانسحاق؟ أسئلة كثيرة لابد من طرحها أمام «الخطاب التربوي الإسلامي»، تساعده على الإجابة عنها الدراسات المستقبلية في مجال التعليم.

    ويمكن القول: بأن فاعلية النظر المستقبلي «للخطاب» تفرض القيام بعدة عمليات، منها:

    - تشخيص الوضع الراهن وتحديد عناصره، وعوامله الإيجابية والسلبية، والعلاقات المباشرة، وغير المباشرة، بين هذه العوامل، إيجاباً وسلباً.

    - كيفية تعبئة وحشد القوى والوسائل المتاحة، واختبار الأكثر ملاءمة من بينها.

    - الطريق إلى تعبئة وحشد القوى والمواد اللازمة.

    - سبل استغلال العوامل الإيجابية، وإتاحة الظروف المناسبة لنموها.

    - تحديد العوامل السلبية، ووضع الخطط والظروف الملائمة لحصرها.

    - الوعي بأهمية تنسيق استخدام العوامل والوسائل والظروف والقوى ووضعها في نسق واحد مترابط يحقق التكامل والتفاعل.

    - كيفية تحريك النسق الموضوع بما يتلاءم مع تحقيق الأهداف.

    - التشديد على مراعاة المواءمة مع المواقف المتغيرة والمرونة وفق الظروف المتجددة، والقدرة على الحركة الواسعة بسرعة كافية.

    وبعد،

    ولعلنا هنا ننتهي بما بدأنا به..

    فإذا كان الجزء الأخير يؤكد لنا ضرورة التكامل والتنسيق، فإن الخطوة الأساسية للنظر الشامل المتكامل، هي الاستناد إلى عقيدة لها رؤاها المجتمعية الشاملة المتكاملة، ألا وهي العقيدة الإسلامية.

    لكن العقيدة، كما أكدنا، وأكد كثير غيرنا، ليست شعائر تؤدى فقط، وليست أفكاراً تمتلئ بها عقولنا وقلوبنا، وإنما هي كذلك «سلوك» نسلكه مع خالقنا سبحـانه وتعالى، ومع أنفسـنا، ومع الناس، والاستعانة في هذا بما أفاء الله به على الإنسان من مستويات تقدم معرفي، وخاصة في علوم التربية وعلم النفس، مما يعطي في جملته تأكيداً عملياً بأن هذه العقيدة تملك ما لا حصر له من إمكانات بناء الإنسان.

    تلك هي سبيلنا: (( هَـٰذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَىٰ ٱللَّهِ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ)) ، وهي سبيل نفر: (( دَعْوٰهُمْ فِيهَا سُبْحَـٰنَكَ ٱللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ وَءاخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ ٱلْحَمْدُ للَّهِ رَبّ ٱلْعَـٰلَمِينَ )).