الجودة في التربية والتكوين

  1. #1
    الجودة في التربية والتكوين


    تقديم

    يخترق الحديث عن الجودة فضاء المجتمع عبر تعامله مع استهلاك المنتوج والخدمة، ويبقى هذا البحث للانهائي عن الجودة بدون مرافئ، كما تبقى الجودة ذاك المفهوم المجرد المتنطع المتلون بتلاوين الهنا والآن صعب الالتقاط والتحديد ليبقى في أغلب الأحوال منشودا يلبس لبوس القيمة المطلقة. فالوصول يبقى مؤجلا ومسطرة البحث تبقى سارية.

    لم تبق قضية التعليم والتكوين كخدمة مجتمعية محتفظة بحيادها تجاه هذا الموضوع بل سقطت بدورها في شراك السؤال المتعدد حول جودة الخدمات والمنتجات في ظل زمن انفتاح الأسواق والعولمة الكاسحة، ومن مظاهرها الأساسية انتقال المعارف إلى كيانات هلامية لا ترتبط بزمان ومكان حيث سهلت الشبكة العالمية انتشارها واستعمالها ونقلها الآني... وتشهد عولمة الثقافة وانفتاحها قبل رفع الحدود الجمركية. لامناص إذن من ركوب البحر بدل البقاء على الشاطئ. لكن بأدوات قادرة على الانتقاء النفعي للمعرفة من أجل تحقيق التنمية بإعداد الأجيال لربح معركة الذكاء لتحقيق التنمية. ولن يتم ذلك إلا بجودة التعليم والتكوين. فهل يمكن كسب رهان الجودة في الهنا والآن؟

    يبدو السؤال صعبا ومحاولة الجواب أصعب. لذلك سنحاول بناء مقاربة تروم الإمكان دون السقوط في صرامة الجزم،واستراتيجية الاقتراح دون إغفال التحليل التشخيصي حيث يبدو لنا أن هذا المسلك المتعدد المداخل سوف يفتح النقاش ويتيح التبادل الإيجابي دون إعطاء وصفات جاهزة وكذا تشكيل محفل للتبادل المنتج يجعل من المدرسة فضاء للنقاش حول جودة الدرس والعلاقة والمصير… لأن الجودة اختبار جماعي توضع لبناتها مع الفاعلين المباشرين وليس لهم أو مكانهم.

    على ضوء هذه المقاربة سنطرح سؤال الجودة كمفهوم ثم سنحاول تحديد تماساته مع التربية والتكوين ثم سنركبه ضمن مقاربة تعي الانتماء الاقتصادي للمغرب في إطار مقاربة الجودة من منظور تنموي يطرح سؤال المكونات والآليات مع تقديم بعض نماذج الإمكان لنخلص إلى أن تدبير الزمن عنصر أساس في بناء مقاربة الجودة في محاولة لمساءلة الإيقاعات المدرسية وعلاقاتها بالمردود . ثم طرحنا علاقة الجودة بالتكوين من زوايا نظر مختلفة من خلال الذات والموضوع قبل أن نطرح اقتراحات عملية نابعة من تجارب منفتحة على الإغناء والتعدد، سوف تحملنا الأسئلة ذاتها إلي طرح موضوعة الفضاء ضمن مقاربة الجودة والإشارة إلي عدم إيلاء الأهمية التي يستحق . لن نبقى خارج فضاء الفصل الدراسي بل سنطرح سؤال الأنشطة الكتابية الجانبية والتقويم ثم سنختم بلعبة مراة تقابل آل ما نسجناه كامكان لمقاربة الجودة وذلك برسم لوحة معكوسة عن الجودة عبر طرح موضوع الغش في الامتحانات كنموذج عن اللاجودة والذي يختزل الأعطاب التي حلت بالمنظومة وتدعو الجميع إلى تحمل المسؤولية وطرح سؤال المصير . هذا الرسم المعكوس يطرح من جديد الإشكال ليفيد أن الإمكان محفوف بالمجازفة وأن المعالجة الشمولية كفيلة بتحقيق الانتقال.

    مقاربة الجودة في التعليم بين الاستحالة والإمكان

    احتل مفهوم الجودة فضاء النقاش المجتمعي كالحديث عن جودة الماء و والهواء والغذاء ثم الخدمات فأصبحت وسائل الإعلام تعين النقط البيضاء والنقط السوداء من حيث عدم الجودة، وبما أن التربية والتعليم يعدان منتوجا خدماتيا بامتياز فإن التساؤل حول جودته يعد مشروعا في ظل التحولات الآنية والمستقبلية لذلك نجد الميثاق يفرد له حيزا مهما .. فما درجة وضوح مفهوم الجودة ؟ وما هي ظرفية ظهور مطلب الجودة في ميدان التربية ؟ ثم ما هي مكونات ورهانات جودة التربية والتكوين؟

    أولا : من مفهوم الجودة إلى جودة المفهوم

    -1 مفهوم الجودة:

    جاد الشيء جودة وجودة أي صار جيدا. بمعنى ضد رديء وأجاد جودة أي أتى بالجيد من القول والفعل (ابن منظور، لسان العرب) إذن فالمفهوم المعجمي يحيل على حقل دلالي يشير إلى التفوق والإتقان ويناقض الرداءة. إذن يوجد ضمن سلم قيمي إيجابي ومرغوب فيه. أما المفهوم الاصطلاحي فهو القدرة على الاستجابة لحاجيات المستعملين وفي ميدان التربية فهي درجة ملاءمة التعليم لخصوصيات التلاميذ .(Cruchan.1995.p سواء المعبر عنها أو المحتملة ( 12 بهدف تحقيق النتائج القصوى (الفاربي، 1994 ، ص 279 ). إذن فالجودة مواصفات إيجابية موجهة لخدمة المستعملين / التلاميذ أي بصفة عامة المجتمع.

    ويرتبط هذا المفهوم عبر شبكة مفاهيمية مع عناصر أخرى تجعله يحتل موقعا ما ضمن جواره المفاهيمي وهذه المفاهيم عبارة عن آليات تجعل الاشتغال على الدلالة ممكنا.

    وهي تحديد ووضع الآليات الضرورية لتقديم منتوج يستجيب للمواصفات المرغوب فيها :

    M.Q أ- التحكم في الجودة من الناحية التقنية والمنهجية.

    هي العمل على توفير المعطيات القادرة على الوصول إلى الجودة المرغوبة .

    A.Q ب- تأمين الجودة الأساس تبنى الثقة الداخلية للجودة أي داخل المنظومة التربوية وكذا الثقة الخارجية أي لدى المجتمع.

    وقع تحول عميق في هذا المفهوم، من مراقبة تقليدية معتمدة على عمليات ظرفية وآنية :

    C.Q ت- مراقبة الجودة وانتقائية. إلى مفهوم تعديلي تأطيري متواصل ومواكب للفعل وهو يلائم المنظومة التربوية ذات البناء المعقد والمتشابك (المازوني، 2000).

    يتأرجح هذا المفهوم ما بين المراقبة والتقويم حيث يتم البحث عن مدى تحقق الجودة :

    Audi.Q ث- تدقيق الجودة المطلوبة. وآذا تأطير قرار التدخل من أجل تحسينها. كإعادة النظر في الوسائل التعليمية أو الكتب المدرسية وفق دفتر تحملات واضح (المازوني، 2000).

    وهي مجموع الأنشطة التي تحدد سياسة الجودة وتعمل على تطبيقها على :

    Management.Q ج- تدبير الجودة أرض الواقع بحيث تصبح الجودة من تمظهرات الأنشطة العادية للمنظومة وليست منفصلة عنها حيث تحاول إظهارها في مناسبات معروفة مثلا بمناسبة المراقبة التربوية داخل الفصول الدراسية.

    وهو أحدث المفاهيم في هذا المجال ويشير إلى اعتماد الجودة كشعور عام ليس فقط :

    Q.T ح- الجودة الشاملة ضمن أنشطة معينة (صناعية، تجارية..) بل كتفكير وفعل يأخذ بعين الاعتبار الانتاج والتسيير وانسجام وجدوى الأهداف في علاقة الكل بالبنية العامة للمجتمع فتصبح الجودة ليست منتوجا قطاعيا بل صورة - نموذج. ضمن هذه الخريطة المفاهيمية يتحرك مفهوم الجودة فبواسطتها يمكن مقاربة مجال فعل أنشطة البحث وتنفيذ وتقويم مقاربة الجودة، إلا أن الأبحاث المتقدمة في هذا المجال تحذر من منهجية" الوصفات الإضافية" وبعض " الإجراءات الرمزية" التي تظهر على السطح وتوحي بأن هناك هما لإدخال الجودة، فمقاربة الجودة في التربية والتعليم تنبني على إعادة نظر شمولي في المفاهيم و دلالاتها آي تتحول الممارسات وذلك بإحداث انسجام بين الخطاب والتمثلات وكذا الأثر وهذا يتأتى بالاشتراك الفعلي المحتمل على الممارسات اليومية الدقيقة داخل الفصول الدراسية ( 634(Aktouf,1994.pلجميع المتدخلين آي لا يكون هم الجودة هم مجموعة دون أخرى.

    -2 مفهوم الجودة والمنظومة التربوية :

    ينتمي مفهوم الجودة إلي عالم الاقتصاد وإلى ثقافة المقاولة، لذلك نجد النقاشات التي تلت تعميم نشر ميثاق التربية والتكوين تبدي ملاحظات وانتقادات علي أساس أن المدرسة ليست مقاولة ضمن مفاهيم "الرأسمالية الجشعة " وأن الهدف من إدخال هذا المفهوم هو "تبضيع للتعلم" و "تعليب المعرفة". لاشك أن هذه الآراء تحمل هما وطنيا يروم عدم حرمان الأغلبية من نعمة المعرفة وآذلك تطرح تساؤلات مشروعة حول مآل المنظومة التربوية في عالم متحول.

    إلا أننا إذا حاولنا الغوص في دلالات المفهوم وليس في منطلقاته الذاتية نجد أن هم الجودة هم إنساني قد يم، فأول نص قانوني في التاريخ هو لحمورابي ( 2000 ق-م) يقول في أحد بنوده :" عندما يتهدم منزل على ساكنيه بعد بنائه مباشرة يحكم بالإعدام على من بناه، وبغض النظر عن صواب الحكم إلا أن فكرة الجودة في المنتوج حاضرة نفس الملاحظة يمكن تعميمها على المساجد والمدارس العتيقة وكذا المخطوطات المحفوظة بعناية، فهذه مقاربة ضمن مقاربات جودة معينة. أما في مجال التربية ففي القرن 14 م نجد ابن خلدون يستعمل مفاهيم "الإجادة " و "الاستحكام " و"الإمساك بيد الصناعة" (ابن خلدون، المقدمة،ص ص 405 ) في تعليم العلوم والصنائع ويحدد شروطا لتحقيق ذلك على المستوى المنهجي كالتدرج واليسر وكذا على المستوى العلائقي كالإقلاع عن الشدة على المتعلمين وكذا ضرورة الاتصال بالمشايخ (ابن خلدون، نفسه، ص 541 ) أي أخذ المعرفة من مصادرها. إذن فهم التطوير والتحسين ونبذ الرداءة حاضر كهم تربوي سواء في العصور القديمة أو الوسطى أو حتى الحديثة التي هي قرون الأنوار و الإصلاح والنهضة بامتياز.

    لنعد الآن إلى انزياح مفهوم الجودة من الاقتصاد إلي التربية فلابد من الإشارة إلى أن عملية التطور السريع شهدها أولاعالم الاقتصاد. وقد اعتبر التعليم أحد الوجوه الاستثمارية في المجال البشري. إذن فالجودة في التعليم تؤخذ راهنا في بعدها الإنساني التي يفرغ المفاهيم الاقتصادية المقاولاتية من بعدها الجشع المحاسباتي. فالمنتج والبائع في ميدان التربية يبقى هو المجتمع حيث إن منتوج التربية يستجيب لحاجات المجتمع الذي أنتجه ويتوجه هذا المنتوج إلى زبون الذي هو طفل اليوم وعنصر من عناصر مجتمع الغد. أما منطق الربح والخسارة الذي تقوم عليها المحاسبة المقاولاتية فهي تخضع في إطار المدرسة إلى ربح وخسارة جماعية. فالمنتوج التربوي الرديء يضر البائع والزبون بنفس الدرجة لكن بمستويات مختلفة . نفس المنطلق نجده فيما يخص ا لاستثمار، فالاستثمار في التربية والتكوين لا يهم فقط المساهم المباشر أي الدولة بل عند الغوص في مكونات الرأسمال نجده يتأسس على الإسهام المادي (ضرائب ) والمعنوي في الكتلة النقدية للاستثمار. إذن فالحدود هنا ليست ميكانيكية آما يظهر ذلك فالتعلم هو نشاط لامتلاك معرفة لا نملكها، حيث نقول "نتعلم "أشياء كثيرة في المدرسة" أي تنتقل ملكيتها من جهة إلى أخرى أو بلغة المقاولة من منتج إلى زبون، إلا أن التأمل الفاحص يؤدي بنا إلى أن علاقة الفرد /المتعلم بالمعرفة تسمو على هذا الانتقال الميكانيكي الذي يوثق بعقد أو بتفحيص. فالمعرفة ليست بقعا أرضية بعضها يطل على الشاطئ وبعضها يوجد على يتفرع إلي أبعاد ذاتية واجتماعية يصعب معها الجزم بانتقال الملكية Virtuel الشارع الرئيسي. إن الامتلاك يكون افتراضيا التام والنهائي. نأتي الآن إلى الاستهلاك، فإذا كان الاستهلاك لصيقا بالمستهلك/الزبون ففي هذه الحالة تتشابك الأدوار.

    فالتمدرس كمنتوج استهلاكي خدماتي أثر على تحسين القطاعات الاقتصادية الأخرى ومن ضمنها خدمة التعليم . وقد أثبتت الدراسات أن هناك علاقة بين درجة التعليم، وحوادث الشغل وصيانة الآلات وشيوع ثقافة المواطنة كالحفاظ على البيئة وصيانة الفضاء العمومي (إتلاف المنشآت والأدوات العمومية كالهواتف العمومية ) والتضامن داخل المجتمع بل وحتى تحسين مكانة وصورة المدرسة/ المعرفة ضمن سلم قيم المجتمع.

    إذن فانزياح مفهوم الجودة داخل هذا المنظور الإنساني جر معه انزياحا مفاهيميا شاملا جعل زاوية النظر تروم الشمولي الميكانيكي للمقاربات دون إطار نظري يروم التفكير حول Transposition والنظرة النسقية المستقبلية بدل النقل الإنسان من داخل العلوم الإنسانية.

    ثانيا : ظرفية مطلب الجودة

    -1 من التشخيص إلى التجاوز

    لكن ذلك سرعان ما أجهض حيث دخل » الجهاد الأكبر « فتح الاستقلال السياسي آمالا عريضة حيث اعتبر التعليم بوابة القطاع في سرداب من الارتجال والإجهاض. زاد من تأزمه فشل المناظرات الخاصة به ثم دخوله عصر المقاربة الأمنية حيث وسمت المؤسسات التعليمية بفضاء للفوضى واللانظام لذا يجب محاصرتها وقد اتخذت هذه المحاصرة الأشكال الآتية:

    حاصرة الأمنية : وذلك بزرع جو من الرعب في أوساط التلاميذ والمدرسين وأصبح الاعتقال من المؤسسة ظاهرة يومية . ▪ حيث غدا قطاع التعليم خطرا على الحاآمين (جسوس 1996 ص 9) فعزلت المدرسة عن المجتمع مثلما تعزل الفوضى عن "النظام.!!" التعليم غير « ٪محاصرة مالية : تم إنتاج خطاب سياسي يتساوق مع المقاربة الأمنية لاستساغته يقول لسان حاله ،فبدأت برامج التقويم الهيكلي من المدرسة وتمت تغطية الكل بحملات إعلامية/أمنية لتبرير الخصاص والعوز. » منتج - محاصرة رمزية : في ظل هذه الأجواء تمت عملية إنتاج لخطاب مجتمعي قدحي تجاه صورة المدرسة والمعلم والأستاذ حيث انطلقت حملات التبخيس عبر القنوات الشفوية المختلفة. كما تمت محاصرة المنتوج الثقافي الخاص بالمدرسة :

    الكتاب، المجلة، المحاضرة وكذا الأوعية التي يمكن أن تحتضنه جمعيات أندية منابر إعلامية.

    كانت نتائج هذا الوضع كارثية على القطاع حيث أن الخسارة المعنوية والاقتصادية سترهن مستقبل البلاد برمتها . وقد كان تقرير البنك الدولي أهم وثيقة في هذا المجال حيث أكد على احتلال المغرب نفس مراتب الدول الإفريقية الفقيرة ،بالإضافة إلى تصنيفات التنمية البشرية التي تضع المغرب في صف مخجل!! ثم جاءت التشخيصات من داخل الجهاز الحكومي معترفة لأول مرة بالأزمة العميقة. في ظل تحولات عالمية كبرى التي تفتح الباب نحو العولمة التي تعتمد على الثورة المعلوماتية التي تجعل التعلم بوابة القرن 21 خصوصا وأن المغرب احتضن توقيع اتفاقية GATT.

    فأصبح سوق الأفكار (المعلومات الصور، الرموز، المفاهيم) مربحا أكثر من بيع البضائع والموادالطبيعية

    فانكسر طوق الحصار فظهر أن التفكير في التعليم هو تفكير في المآل والمصير (جسوس،)نفسه) وأن المتغيرات المعلوماتية وثورة الاتصال تحتم علينا توسيع التعليم حيث أنه يعد ضرورة تنموية وخطا أساسيا من خطوط الدفاع الوطني، فأظهرت الدراسات أن الاقتصاد في التعليم هو رفع لكلفة ميادين أخرى وتصبح المواجهة المتأخرة دون جدوى ويغدو ما ينفق عليها دون أثر يذكر (بوبكري، 1999 ). في إطار هذا التشخيص القائم ظهرت بوادر ما يسمى إصلاح التعليم فأفرز ظهور الميثاق الوطني للتربية والتكوين...

    -2 الجودة في ميثاق التربية والتكوين:

    جاء الميثاق في إطار ظرفية جديدة على المستوى السياسي والاجتماعي حيث ظهر وعي الجميع بأن المسألة

    مصيرية لذلك نجد الميثاق يتوجه إلى موضوعة الجودة بشكل مختلف عما كان في السابق كيف ذلك؟.

    عند القيام بعملية استقصائية نجد أن مفهوم الجودة ذكر في نص الميثاق 24 مرة ولهذا الرقم دلالة رمزية قوية، هذا بغض النظر على الحديث عن ما يفيدها كالتحسين والتطوير والاتقان والمتانة .. أما من حيث الترتيب فقد جاء مجال الجودة ثالثا بعد نشر التعليم وربطه بالمحيط والتنظيم البيداغوجي، وهذا يدل على أن النص يراهن على الجودة أولا قبل الحديث على الموارد البشرية وحتى التمويل، ومن المعلوم أن الميثاق يحتوي على 177 بندا تحتل فيه الجودة 28 بندا أي نسبة 15,8 % لكن ترددها من حيث التعيين اللفظي مرتفع. أي أن الجودة تذكر بعد آل سبعة بن ود. أما إذا انتقلنا إلى المجالات التي يتحدث عنها الميثاق نجدها ست مجالات وفي آل مجال عدد من الدعامات . فالمجالات الخمس تتراوح دعاماتها بين دعامتين أو ثلاث ماعدا مجال الرفع من جودة التعليم والذي نجد به 6 دعامات أي نفس عدد المجالات وهذه الأرقام غير اعتباطية. وعلى هذا الأساس نلاحظ وآأن الميثاق يريد أن يرفع بنيان الجودة على أكبر عدد من الدعامات آي يبقي على سلامتها حيث إنه زودها بثلث الدعامات ( 31,5 %). وبعبارة أخرى فإن ثلث جهد إصلاح المنظمومة التربوية يجب أن يتجه إلى الرفع من جودة التعليم. ونظن أن هذه هي الخلاصة ا لأساسية التي يمكن أن يخرج بها آل مطلع فاحص لنص الميثاق.

    ثالثا : مكونات ورهانات الجودة

    -1 الجودة ضمن مكونات الإنتاج

    خلصنا إلى أن الجودة لابد وأن تدخل في آل مكونات العملية الإنتاجية، وأكدنا كذلك على أن منتوج المدرسة خدماتي بامتياز لا يختلف كثيرا عن المنتوجا ت الأخرى . لكن مقاربته تختلف على أساس أن الأدوار تتشابك بتشابك العلاقات الإنسانية ذاتها.

    فالمنتج - المستثمر، أي المقاولة تمثلها الدولة التي تنوب عن المجتمع كقطاع حكومي، وتفوض له أمر تدبير مجال التربية والتكوين كمطلب مجتمعي يهم الحاضر والمستقبل، اعتمادا على طاقم بشري وبنية تحتية تساهم في تسويق المنتوج عبر توسيع الشبكة رغبة في التعميم وخفض الكلفة . هنا لابد من طرح مسألة أساسية وهي مسألة المجانية. فالمدرسة والتمدرس لهما ثمن يؤديه المجتمع عبر الضرائب المباشرة، أو غير المباشرة فلا مجال للحديث عن في مقاولة المدرسة... وعليه أن يطالب بجودة Actionnaire المجانية في هذا المجال لأن المجتمع برمته يملك أسهما،أما المستهلكون فهم بصفة مباشرة الأطفال في سن التمدرس القانوني حتى المنتوج (Cruchant, 19995, p11).

    خروجهم الإرادي أو الاضطراري من صفوف المدرسة. لكن الأبحاث أثبتت أن ا لمجتمع برمته يستهلك منتوج المدرسة عبر مهارات وسلوكات تتم في الشارع العمومي أو في حديقة الحيوان أو حتى في الغابة، فاحترام قانون السير، والرفق بالحيوان، والحس البيئي كسلوكات، نجد أن إطاراتها النظرية وضعت في الأقسام على السبورة والكراس أو في الكتاب المدرسي.

    يبقى السوق من أهم مكونات ثقافة المقاولة التي أفرزت مقاربة الجودة . فللمدرسة ثمن والثمن يتحدد عبر قانوني العرض والطلب. وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن ارتفاع عرض التربية عند توفير البنية التحتية المدرسية والتجهيزات والأطر الكافية. وكلما كان العرض ناقصا إلا وتأثرت الجودة وارتفعت الكلفة، آما أنه يمكن الحديث عن الطلب على التربية بالإحالة على الفئات المستهدفة . ويعد قرار وزارة التربية الوطنية (خفض سن التمدرس من 7 إلى 6 سنوات ) رفعا للطلب على التربية من أجل رفع المردودية الداخلية للتعليم (المردودية الداخلية = الإنفاق العام/عدد التلاميذ ) ومن تم حفظ الكلفة.

    وانخفاض الثمن يعد من مؤشرات تحسين الجودة والإقبال على المنتوج الخدماتي، هذا المنتوج الخدماتي المدرسي يتميز بعدة خاصيات أهمها.

    - إنه غير ملموس وغير قابل للخزن من أجل التأثير على العرض؛

    - إنه إنتاج مشترك لا يمكنه أن يكون بدون إشراك المنتج والمستهلك في وضعه؛

    - إن ملكيته لا تنتقل بالتسويق؛

    - إنه لا يحتمل التعديلات اللاحقة

    وبصفة عامة تشير الأدبيات التدبيرية إلى الاهتمام بأربع مجالات للوصول إلى الجودة وهي مؤشرات يمكن اعتمادها في المقاولات الخدماتية وآلها تبدأ بحرف ." P"

    فالترويج الكبير للمنتوج عبر وسائل الاتصال .Promotion والترويج Place والمكانة Prix والثمن Produit– المنتوج الجماهيري يعزز من مكانته وصورته، مما يرفع من الاستهلاك فيخفض السعر لتستفيد مواصفات صنع وتقديم المنتوج .

    ولعل بداية الترويج لمنتوج "إصلاح التعليم" آفيل بفتح أبواب المدرسة على الجودة.

    -2 رهانات الجودة :

    يتساءل أحد علماء الاجتماع عن الكيفية التي يمكن أن يتحول فيها التعليم من خطر على النظام إلى وضعية يصبح

    استثمارا يوفر مهارات وتجارب ومعارف وينتقل من وضعية العلبة السوداء إلى العلبة النيرة (جسوس، 1996 ، ص 8) حيث

    يصبح آسب رهانه آسبا لرهان التنمية، يبدو لنا أن الرهان على الجودة قد يمكن من تجاوز الأزمة آيف ذلك ؟

    الرهانات الوظيفية العملية : حيث إن تقديم منتوج مدرسي جيد يعزز من صورتها داخل المجتمع ويكسر طوق -I

    الحصار المضروب عليها. وهذا سيؤدي إلى رفع الكتلة الاستثمارية حيث إن مؤسسات المجتمع لن تعترض على رفع

    الاعتمادات المخصصة لها. هذه الصورة/الترويج ستجعل الفئات العازفة عن ولوج المدرسة تعدل من موقفها مما

    .(Cruchant, 1995, p سيزيد من الساآنة المتمدرسة و يرفع من المردودية الداخلية. ( 210

    الرهانات الإنسانية - الاجتماعية : وقد أشرنا إلى بعضها آنفا وهي متعلقة بمصير أجيال بكاملها حيث إن جودة -II

    التربية ستحسن من صورة المجتمع عبر سلوآات حضارية ومواطنة فاعلة واعية بحقوقها وواجباتها .. عبر معارف

    ومهارات ومواقف.

    ت- رهانات اقتصادية: يمكن أن نفهم هذا الرهان بالتحليل الضدي فإذا آانت للجودة ثمن فإن للاجودة ثمن مضاعف :

    يمكن أن نجرب هذا الأمر ببساطة في منتوج سلعي بسيط : فمعلب سمك رديء قد يضر بالصحة أولا ثم قد يؤدي إلى

    ضرب صورة المقاولة عند المستهلك ثم الكساد فالإغلاق فالبطالة. أما العكس فإن آثاره الإيجابية ستتجاوز المقاولة آي

    تعم الفائدة المجتمع آله عن طريق الرفع من الثروة المادية والرمزية للمنتوج الوطني.

    إذن فالتربية والتعليم ورش آبير مفتوح دائما على مقاربة الجودة لأن ساآنته متجددة ومتفتحة على زمن مستقبلي .

    وآل تراجع عن ذلك يؤدي إلى فواتير ثقيلة تؤخر لقاء الأمم مع قطار التنمية. إلا أن الجودة ليست هي التفوق التام، إنما

    الجودة بكل بساطة هي الاستجابة الملائمة لرغبة محددة في الزمان والمكان.

    المراجع

    - ابن خلدون، 1978 ، المقدمة، دار القلم، بيروت،

    - ابن منظور، د.ت، لسان العرب، بيروت،

    - الميثاق الوطني للتربية والتكوين،

    - تقرير البنك الدولي حول التربية والتكوين في ق 21 . (المغرب)،

    - الفارابي وآخرون، 1994 ، معجم علوم التربية، البيضاء،

    ، - المازوني.ن : "المنظومة التربوية ووظائف المراقبة والتدقيق والتقويم الملحق التربوي" عدد 6287 - أآتوبر 2000

    ، 8 شتنبر 2000 ، - بوبكري ،م، "أبعاد علاقة الإنسان بالمعرفة الأحداث المغربية" عدد 688

    . - جسوس، م، "أزمة نظام التعليم في المغرب" عالم التربية العدد 1- شتاء 1996

    - ACTOUF, O, 1994, Le Management entre Tradition et Renouvellement G.MORIN, Montreal .

    - CRUCHANT, L, 1995, La qualité P.U.F.

    - MAMLOUK, B. A.Z Entreprise et Mondialisation In Actes portes ouvertes ISACE, Casa, 1998.

    منشورات التضامن الجامعي المغربي
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏29 يناير 2016
  2. #2
    جمال

    جمال مدون فعال

    مشكووور أخي ادريس على الورقة الخاصة بالجودة في التربية والتكوين


     
  3. #3
    jaafar

    jaafar مدون جديد