حرفة التعليم شرف الرسالة وثقل المسئولية

  1. #1
    aansh

    aansh مدون جديد

    حرفة التعليم: شرف الرسالة وثقل المسئولية

    بقلم: ذ. أحمد الفراك -

    مفارقة

    الاهتمام بالتعليم هو اهتمام بالإنسان كمخلوق ابتلاه الله بالمعاناة والكبد {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ } البلد4، وابتلاه بالخير والشر، والذي يعيش – ما يزال عموما- في الجهل والتجهيل والجهالة، بعيدا عن الحق والنور والكرامة، يحتاج إلى تجديد نداء العلم والإيمان ليعلم أول ما يعلم أنه مكلف مسؤول طرأ على الوجود لحظة من غير اختياره فوجد أمامه صوت الحق يعلمه نور الهداية وعلى رأسه سوط الباطل يرفسه في ظلمة الغواية، فاحتار في أمره، أي طريق يسلك؟
    إن كان موفقا فسيكون من الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا الحق والصبر والمرحمة، فيتعلم الخير ويعلمه، وإن لم يكن فسيخوض مع الخائضين ويلهو مع التافهين إلى أن يغادر بعد حين من الدهر كان لم يكن شيئا مذكورا، بلا تعلم ولا تعليم.
    الاهتمام بالتعليم هو اهتمام بأمة سماها القرآن خير أمة أخرجت للناس، لكن الواقع يقول أن أمة اقرأ غارقة في الأمية والتخلف والاستبداد والتبعية، تعليمها هجين، استحوذ عليه ملأ مستكبر من بني جلدتنا سلخه عن قضيته وأفرغه من رسالته.
    فكيف هي خير أمة في النص و تعيش في الديلية في الواقع؟ هل نزل النص للتلاوة فقط أم للتلاوة والتطبيق؟ وإذا كان للتطبيق فمن يطبق؟ وكيف؟ وهل من سبيل للنهوض؟ أو قل: على من في نظركم إخواني تقع مسؤولية التغيير و بث روح الأمل في هذا الكيان المحتل في خيراته البشرية والجغرافية والسياسية والاقتصادية والثقافية؟

    أي تعليم نريد؟

    أي تعليم ينقلنا من مهانة إلى عزة، ومن ضعف إلى قوة، ومن استهلاك إلى إنتاج، ومن فساد عام إلى خيرعام؟
    يشتكي المسلمون اليوم من انحراف الأبناء نتيجة فساد السياسة الإعلامية الرسمية وما أصبحت تشكله الهيمنة الصهيونية من خطر إعلامي (التلفزة والمجلة الملونة والهاتف النقال و شبكة المعلوميات...) على تربية الأبناء وتعليمهم، إذ أفسدت مشاعرهم وميعت أذواقهم وحرفت أفكارهم وشلَّت مواقفهم وسلبت إراداتهم وسرقتهم من حضن الآباء والأمهات...فأي تعليم نريد؟
    لا حاجة للأمة بتعليم ممسوخ ينسيها إسلامها ومصيرها في الدنيا والآخرة، و لا حاجة لها بتعليم متحجر متنطع، يُحرِّم كل شيء ويُجرِّم كل اجتهاد، وإنما حاجتها ملحة اليوم وغدا إلى تعليم جامع شامل متكامل، فيه الإيمان الجديد، وفيه بأس الحديد (الصناعة والتكنولوجيا)، نحتاج من يُوطن التكنولوجيا ويطورها لخدمة المطالب الكبرى للإسلام، نحتاج إلى طاقاتنا المهمشة وعقولنا الجبارة المهاجرة كرها، نحتاج إلى مختلف العلوم الحقة التي تربت معظمها في حضن أمتنا ثم رحلت عنها لما وجدت دفأها عند الغرب، نحتاج ليس فقط إلى قرار حكومي شجاع بل وبالأساس إلى تكافل جهود الأمة دعوة ودولة، مسجدا وإدارة، أسرة وإعلاما ... نحتاج نهضة تاريخية جامعة.
    التعليم هو الواجهة الأساسية في تحسين نمط تفكيرنا وعلاقاتنا وخدماتنا.
    إن التعليم في التصور الإسلامي لا ينفصل عن رسالة القرآن؛ مبتدئه وخبره، أمره ونهيه، لأن مضمون التعليم لا يكون أصيلا إلا إذا كان قرآنيا يحافظ للتلميذ والطالب على جذوة الإيمان التي بها يكون عبدا صالحا لنفسه ومع غيره من المسلمين والخلق أجمعين، ويدربه على أن يكون فعالا منتجا يستثمر ما وهبه الله تعالى من قدرات ومهارات عقلية في بناء كيان الأمة.
    هدفان كبيران متكاملان إن حاد التعليم في بلاد المسلمين عن الجمع بينهما فإنه يفقد الجدوى ولا يرقى ليُسَمَّى تعليما إسلاميا:
    1- الهدف الأول: تربوي نفسي: يروم تربية البواعث الإيمانية عند الناشئة حتى تشب على محبة الله ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، على الاستقامة والانشراح والتفاؤل والرفق، على الفعالية والاقتحام والنهوض، على الإيجابية والبناء والصلاح. على الولاء لله جملة، لا للطاغوت. {ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم} آل عمران 101.
    2- الهدف الثاني: عملي تدريبي يتجلى في إكساب النشء المهارات والآليات التي تُحرِّره من آفات التبعية والتخلف والدُّّونية والالتقاطية والانغلاق، تعليما جامعا بين العلم الحق (العلم بالله وباليوم الآخر..) والعلوم الكونية (فيزياء، كيمياء ورياضيات وفلك...) التي هي طيعة في يد من يستعملها. جامعا لكل ما ينفع الفرد المؤمن والأمة المستخلَفة في الدنيا وفي الآخرة...
    وتنقسم الوظائف الكبرى للمدرسة في المجتمع الرأسمالي إلى وظيفتين: الأولى وظيفة إيديولوجية تهدف بالأساس إلى الحفاظ على نفس علاقات الاستغلال السائدة؛ والثانية وظيفة اقتصادية وهي الإسهام في تزويد المنشآت الرأسمالية بيد عاملة مؤهلة وأطر متخصصة.
    لهذا فالجواب السليم لسؤال الوضع الكارثي للتعليم الذي نعيشه، -بل ورثناه وتربينا عليه منذ زمن طويل- هو إعادة بناء كيان التعليم كركن ركين في البناء الكلي لمقومات أمتنا، إذ بالتعليم تتغير عند أبنائنا كيفيات الشعور والتفكير والعمل.
    قضية التعليم محورية في إصلاح الأمة أو في إفسادها.

    أي مُعلِّم نريـد؟

    من مهام النبوة؛ التعليم، إذ بُعث النبي صلى الله عليه وسلم مُعلِّما للبشرية {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} البقرة151، فأي تعليم كان يُعلِّمه الرسول صلى الله عليه وسلم؟
    هل فقط التهجي والقراءة والكتابة؟ أم أنه تعليم العلم النافع الذي يفيد العبد في العاجلة والآجلة؟ هل كان تعليما دنياويا ماديا صرفا؟ أم أنه كان تعليما ربانيا قرآنيا؟ هل كان تعليما من أجل التعليم ومعرفة من أجل المعرفة؟
    كلا وبلى، كان تعليما هادفا إلى غرس أبجديات الإيمان مع غرس أبجديات الحروف، قاصدا تربية الخُلق الحسن مع تنمية قدرات التفكير والعمل.
    في زمننا هذا لا تزال ولله الحمد نماذج ناجحة في مُهِمَّتها، في عملها الجهادي- والتعليم جهاد- وهي مِلْح الميدان وقاعدة الإصلاح، لكن دونها تتكاثر النماذج السلبية التي تزيد من كارثية الوضع وقد تبرره وتستغله للأسف، أو تتأفف منه عاجزة عن التغيير، يائسة من كل تحول إلى أحسن، متنكبة عن التعاون من أجل التأسيس لحياة إسلامية راشدة.
    فبحجم ونوعية التعليم الذي ينبغي لا نريد معلما مُغَرَّبا لأن استلابه من طرف الغرب يمنعه من حفظ فطرة أبنائنا إذ غالبا ما يدس فيها الشكوك والظنون وتأليه العقل واللهث وراء رغبات الجسم بلا حدود، ولا نريد مُدرِّسا مُدجَّنا مُمَخْزَنا منبطحا، يخشى الناس من دون الله، ويطبق التعليمات تطبيقا حَرْفيا كيلا يلومه المفتش أو المدير! ويُعْجَب بأستاذيته وراتِبه الشهري وكأنه سقط عنه التكليف بمجرد حصوله على رقم التأجير!
    نعم واجب عليه أن يكون أمينا، وأن يقوم بخِدمته على أحسن وجه ممكن، لكن حامل رسالة الإسلام والإيمان مُتَهَمِّم ومعه لوعة التبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    ولا نريد نموذجا مستقيلا محايدا لا قضية له إلا في مأكله ومشربه، غير مُبال، لا يُحل حلالا ولا يُحرِّم حراما، لا يأمر بمعروف ولا ينهى عن منكر، لا مِن هؤلاء ولا مِن هؤلاء، وكأن مهمته في الحياة هي زيارة ضريح المدرسة صباح مساء، وليس وراء ذلك رسالة من الله يجب تبليغها أو أمانة ثقيلة يتحتم حملها.
    حري بالمدرس المسلم أن يكون صاحب رسالة عظيمة، أن يكون نورا حيا بين الناس، نموذجا ناجحا تشعُّ استقامته واستماتته في الحق وسط المجتمع ككل، حاملا لا محمولا، فاعلا لا مفعولا به، مُسْهِما في تغيير واقعه وإصلاح ما بأمَّته، يحمل قيم الخير والنور والعلم والعدل، يتمثل ميراث النبوة في التبليغ، يدعوا الناس إلى ربِّ الناس، يرشدهم إلى ما فيه خير لهم في دينهم ودنياهم. ولا يريد بذلك إلا وجه الله تعالى. لا ليقال له فعلتَ أو تركتَ.
    نريده مبلغا رِساليا. يخشى الله ويتقيه فيمن كُلِّف بتعليمهم وتربيتهم.
    المُدرِّس الرِّسالي "مُنسجم في نفسه، مُرتاح في سِربه الإجتماعي، سوي في بِنيته النفسية الخلقية، كُفء في مادته العلمية، مراقب لله تعالى في أمانته، مطمئن بالإيمان، صابر على معالجة النفوس الناشئة والعقول، زاهد فيما بأيدي الناس، ذو مروءة وعفة وهمة...
    وهذا النمط لا يتعايش و لا يزدهر إلا إذا كان نفس النمط له القيادة والسيادة في الحقل السياسي". (حوار مع الفضلاء الديمقراطيين ص 173).
    فكيف نكون أقوياء أمناء في حرفتنا؟ كيف نكون رجالا ونساء فعلة، نربي ونعلم ونخطط للحرية والعدالة والتقدم والتقنية؟ ففي فرنسا يسمى المعلم بـ"مهندس الحرية"، فكيف نخطط نحن لنكون ناجحين في العاجل والآجل، في الدنيا والآخرة؟
    ثلاثة إنجازات كبرى ومتكاملة تختصر احترافية الأستاذ ونجاحه في مهمته التربوية التعليمية:
    1- زرع الحافز الإيماني الاقتحامي الذي ينمي في التلميذ والطالب قدرات الإبداع والإنجاز والعطاء.
    2- إعداد المشاريع البناءة في الخير ومتابعتها، وهنا نحتاج إلى كفاءة المدرس من جهة وإلى تحقيق نوع من الرخاء المادي الذي يكفل له القيام بمهمته على أحسن ما يطلب وما ينبغي.
    3- إصلاح الواقع الذي يعيش فيه ومعالجة أدوائه، فهو الذي يعايش جميع مستويات أبنائه ويطَّلع على مختلف توجهاتهم وطموحاتهم ومعاناتهم.
    المدرس هو الواسطة الحية الضرورية في عملية التربية والتعليم وهو يحتاج إلى زاد القرآن وأخلاق أهل الإيمان، وسخاء أهل الفضل والإحسان. رجل التعليم كأم موسى تُرضع ابنها وتحِن عليه وتأخذ الأجر المادي من فرعون.

    أي مستقبل نريـد؟

    إذا كان المدرس واعيا بحرفته المهارية والعلمية والدعوية، فإنه باستبشاره وتفاؤله وحسن ظنه بالله وبالناس يتخطى بؤس الحاضر الذي تداعت فيه علينا غثائيتنا وتكالب علينا الأعداء من بني جلدتنا ومن خارج أسوار تجزئتنا القطرية –عجل الله بتوحيد طوائف الأمة-، يسهم في تغييرا أوضاعنا في مختلف المجالات وأولاها الآلة التي بها يتغير التعليم و الأسرة و الاقتصاد والإعلام وهي الحكم.
    المستقبل في هذه الأمة للإسلام أحبَّ من أحب وكرِه من كره، المستقبل نصرٌ و تمكينٌ لدين الله في الأرض، المستقبل عزة وكرامة وحمل رسالة الرفق والخير إلى العالمين، نحن بين يدي الخلافة على منهاج النبوة، عودة الإسلام دعوةً ودولةً مجتمعتين، قرآنا وسلطانا مقترنين، مسجدا وحُكما متكاملين.
    ثم ماذا بعد؟

    الحياة الدنيا ابتلاء {الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا}، عُمرك أخي ابتلاء وحِرفتك ابتلاء، وما رزقك الله من علم ومنصب وجاه ومسؤولية ابتلاء، بعده وقوف بين يدي الواحد الديان الذي لا تخفى عليه خافية. بعده لقاء الله {ثم إليه ترجعون}.