تأطير مجزوءة الوضع البشري الفلسفة الشخص بين الضرورة والحتمية

  1. #1
    خالد73

    خالد73 مدون جديد

    الفلسفة الشخص بين الضرورة والحتمية

    الشخص بين الحرية و الضرورة:
    ة إثبات ذاته و انفتاحها على الآخر في كل معانيه تحولات و عوائق تتلبسها طبيعة حياة الإنسان في مختلف المجتمعات و الأنساق الحقوقية و الممارسات العقائدية و العادات و التقاليد و البنى الإجتماعية و السياسية و الثقافية،و اختلاف العقليات و أنماط السلوك الفردية و الجمعية... و من ثمة فالقول بحرية الشخص يظل قولا نسبيا فالحرية لا تكون كذلك إلا بالنسبة إلى شيء ما: ماضي الفرد و سيكولوجيته،وسطه و بيئته، جسمه و بيولوجيته...
    أي بالنسبة إلى ضرورة ما و ما أكثر الضرورات التي تحكم حياتنا سواء ككائنات عضوية حية أو ككائنات إجتماعية بطبعها أو ككائنات سياسية... إذ يمكن تصنيف هاته الضرورات على العموم ما بين ضرورات طبيعية و أخرى ثقافية،ما بين ضرورات معطاة و أخرى اتخذت شكل قيود من صنع الذات الإنسانية لذاتها!!! فهل يصح الجزم بحرية الشخص إطلاقا؟ و ما الذي يمنع من كونه كذلك كائنا حرا بامتياز؟ ما طبيعة العوائق التي تحول دون ذلك؟ و هل يفيد قيام هاته الحتميات اعتبار الشخص محكوما بمحددات و إشراطات خارجية تحول دون أية إمكانية تفعيل إرادته و مشيئته؟ ما السبيل للتحرر من سلطة الضرورة؟ أم يظل الأمر مجرد وهم و سراب؟
    اسبينوزا و وهم الحرية:
    نص: القول بالحرية يخفي جهلا بالأسباب/مباهج.
    "إن الذين يعتقدون أنهم يرون أو يصمتون أو يقومون بأي فعل كيفما كانت طبيعته بواسطة حرية تلهمهم إياها النفس فهم يحلمون و أعينهم مفتوحة... " هكذا كان اسبينوزا يسخر و يفنذ الفكرة المثالية عن حرية الإرادة الإنسانية،فالإرادة بالنسبة إليه تقوم دوما على الدوافع،فسلوك الإنسان مبعثه لدى اسبينوزا سعيه إلى الحفاظ على الذات و المصلحة الشخصية،و بالتالي فحرية الذات ممكنة كسلوك قائم على معرفة الضرورة،و هو ما ليس ممكنا إلا من طرف الحكيم وحده،و عموما يمكن تأطير موقف اسبينوزا ضمن الموقف المجرد و الغير التاريخي لحرية الشخص في تأكيد على لزوم ربط للإرادة بالعقل. فكيف تتميز حرية الإنسان ككائن عن حرية الإنسان كشخص ؟ بأي معنى يمكن أن يكون الشخص ذاتا حرة ؟ هل بإلغاء مطلق لكل حتمية أو ضرورة ؟ أم أن حرية الشخص رهينة بوضعه البشري ؟
    : يتناول اسبينوزا قصد بيان موقفه من إشكالية حرية الكائن مثال حركة الحجرة،فحركة الحجرة ليست حركة ضرورة بل إنها فعل بمثابة أثر ناتج عن علة خارجية تقوم بتوفير كمية الحركة اللازمة لتحريكها،أي الملزمة لها بالتحرك وفق صورة محددة لطبيعة حركتها و بالتالي لطبيعة فاعليتها و وجودها،و قد لخص لنا اسبينوزا هذا الموقف في قضية كلية:" كل شيء مفرد هو بالضرورة محروم من طرف علة خارجية على أن يوجد و يسرف بصورة محددة " : و بافتراض وعي الحجرة بحركتها،و وعيها بأن حركتها مجهود يظل استمراره مشروطا باستطاعتها فإن ذلك هو ما ينبني عليه ادعاؤها بحريتها لاعتقادها أن حركتها وليدة إرادتها، و بإسقاط نتيجتي المثال الأول و الافتراض المكمل له على الإنسان يقر اسبينوزا أن ما يتبجح به الإنسان من حرية لا يقوم إلا على وعيه بشهواته في حين أنه جاهل بالأسباب المحددة لسلوكهم بشكل حتمي،و هو ما نتج عنه إعتقاد بني البشر بأن سلوكاتهم و تصرفاتهم قائمة على خلفية قدرة النفس على اتخاذ قراراتها بحرية متناسين أو متغافلين جملة الإكراهات التي تخضع لها النفس البشرية في فعلها كما في عطالتها؛و في ذلك نقد للتصورين الديكارتي و المسيحي حول حرية الإرادة حيث الإقرار بأن كل قدرة على الإختيار إذا كانت غير محددة فهي اعتباطية و بالتالي لاعقلانية. يبرز لنا اسبينوزا كون إدعاء الإنسان حرية الفعل هو مجرد حكم مسبق بل إنه حكم يكاد يكون فطريا و طبيعيا في الذات الإنسانية،و هو ما يجعل من الصعب التخلص منه،و يستدل على ذلك بعجز عموم بني البشر على تنظيم أهوائهم و شهواتهم و عجزهم عن تفعيل ملكة حسن الإختيار و اختيار الأحسن بالرغم من قدرتهم على التمييز بين الخير و الشر و ين الصالح و الطالح،و ذلك منبعه عجزهم عن التحكم في أنفسهم بالنظر لخضوعها لإكراهات و حتميات منبعها الطبيعة الإنسانية و ما تحتويه من ضرورات ملزمة تلغي كل إمكانية القول بالحرية المطلقة.
    ينتهي اسبينوزا كون بني البشر يعتقدون في حرية إراداتهم ليس فقط لأنهم جاهلون بالأسباب أو بالشروط التي تؤثر في كل انفعالاتهم و رغباتهم الواعون بها بل لأنهم ينفون قيامها أساسا،و بذلك فحرية الشخص لديه كلمة لا تحمل إلا دلالة ضرورة حرة تنطلق من معرفة برغبات النفس و بما يؤثر في طبيعتها إيجابا أو سلبا في اتجاه الرفع من فاعليتها. الأكيد أن اسبينوزا يدعونا إلى لزوم التحرر من وهم الإرادة الحرة و البحث عن معرفة ما يحددنا حتى ننمي قدرتنا على الفعل التي هي جوهر ماهيتنا،فالحريّة وهم إذن أو لنقل هي الضّرورة المفهومة كم يحلو لسبينوزا ذكره؛فالشخص سيد معتقداته و أفكاره إذا أراد أن يكون كذلك.
    و من ثمة يمكننا استحلاص النتائج التالية:



    - الشخص ذات حرة،و حريتها محدودة و مشروطة بوضعها الواقعي كإنسان.
    - الشخص مشروع يتحدد بالاختيار،فالشخص تفعيل للإرادة في مواجهة الوقائع مما يجعل منه كيانا واعيا بحدود مسؤولياته الأخلاقية و القانونية بالأساس....
    - يتحقق مفهوم الإنسان عند التحرر من وضعية الكائن أي من وضعية الموجود المحكوم بحواسه و بعينية المادة و العالم مما يجعل تحديد الذات أمرا مستحيلا في ارتباط بغموض دلالة مفهوم الوجود ذاته،إلى وضعية الشخص باعتباره ذاتا تعي أوضاعها تبعا لفعلها الإرادي و القصدي،مما يجعل من حريته قدرة على التحرر لا حرية معطاة و جاهزة.

     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏22 يونيو 2015
  2. #2
    Prof Adam

    Prof Adam مدون مجتهد

    المجزوءة الأولى : الوضع البشري.
    تأطير عام : الحديث عن مفهوم من هذا القبيل - و الذي يمكن تصنيفه بالمفهوم الإطار لجملة المفاهيم المبرمجة ضمنه،و نعني بها هنا: الشخص و الغير ثم التاريخ- يفيد ضرورة منح مشروعية ما لإعادة النظر في مفهوم قدر له أن يكون مقابلا له،و لطالما استعمل حتى الإبتذال ألا و هو مفهوم الماهية و ما يستدعيه من مفاهيم ملازمة له و أساسا مفهوم الطبيعة الإنسانية؛و الأكيد أن طرح مقاربة هذا المفهوم على ضوء ثلاثية "الشخص و الغير و التاريخ" يخفي خلفه رفضا للدلالات الكلاسيكية الناتجة عن مقاربة مفهوم الإنسان طيلة قرون العقل و العقلانية، فالإنسان اليوم يحيا ضمن شروط مخالفة لتلك التي نمذجها الأورغانون الأرسطي أو نادت بها فلسفات الأنوار، شروط أقل ما يمكن وصفها به هو كونها لا تعير الإهتمام لماهية إنسانية ثابتة ولنقها بصراحة "ماهية إنسانية جامدة!!!" ماهية توجد في جذر الوجود الطبيعي للإنسان،إنها شروط يتأطر ضمنها الوعي و الوجود و الفاعلية الإنسانيين ضمن تصور كلي للإنسان لا يؤكد على ملمح ماهياتي و يلغي البقية!!!


    و تجب الإشارة إلى أن مشروعية الحديث عن الوضع البشري تستند في قيامها على أساس موضوعي و آخر ذاتي:
    -- فمن وجهة نظر موضوعية لا يمكن ربط الوضع البشري بمواقف تاريخية خاصة،سواء ارتبطت بأفراد أو جماعات، بل بوضعيات كونية يجد كل إنسان نفسه ضمنها في مواجهة حدود تفرض نفسها كشرط لازم لوجوده و لفاعليته معرفية كانت أم أخلاقية أم سياسية،حدود مثل: الغير و الشغل،و الموت،و التاريخ...
    -- و من وجهة نظر ذاتية كل فرد- إنسان منا هو مشروع يسعى من خلاله إلى تحمل تلك الحدود عبر لعبة الرفض و التقبل،في استهداف لتجاوزها،و هو ما يؤسس إمكانية علاقة بين ذواتية، تجعل تفهم بعضنا البعض كغير أمرا ممكنا.

    هكذا،لا يمكننا مقاربة الوضع البشري إلا في استحضار لما يلي :
    -- جملة من المفاهيم الحافة المعينة على استيعاب الدلالة الفعلية للوضع البشري،مثل: الإرادة،و المسؤولية،و الحرية، و الإلتزام،و القيمة، و الفعل،و الهوية،و الغاية،و الوسيلة،و السيرورة،و التغيير،و التفاعل،و التقدم...
    -- طبيعة التوجهات الفكرية المتبنية لإشكالية الوضع البشري كل من منطلق اختصاصه و توجهه المعرفي و المنهجي و الإيديولوجي، مثل: النزعة الإنسانية،و النزعة الوجودية،و النزعة البنيوية،و الفلسفات التقدمية... و غيرها من النزعات الفكرية التي تمخضت من رحم أزمة الإنسان الغربي و أزمة عقله و أزمة حضارته...!
    الوضعية الإشكالية- المنطلق : تفكير الإنسان في ذاته و اتخاذ هاته الذات موضوعا لتأسيس معرفته بنفسه يعتبر منطلقا لتجاوز المستوى الغريزي و الحسي الإنطباعي من الوجود الإنساني؛فالتفكير في الإنسان يتموقع في قلب سيرورة الإنتاج الفلسفي،ألم يدعنا سقراط إلى السعي نحو معرفة الذات بعبارته الشهيرة "اعرف نفسك بنفسك"... تاركاً المجال للوعي ليمتحن ذاته في تجربة من أصعب تجارب وعي الأنا لذاتها و إعادة إنتاجها لذاتها انطلاقاً من أرضية تتعالى على كل حكم قيمة أضيق من أبعاد وجود الذات و فاعليتها،و بإمكانك خوض هذه التجربة بشكل أولي من خلال محاولة الإجابة عن هاته التساؤلات:
    إلى أي حد يمكنك الجزم بامتلاكك لمعرفة واضحة و متميزة بذاتك؟ هل تستطيع تقديم تعريف لشخصك؟ هل شخصك هو هو لم يتغير عبر مراحل نموك النفسي و الإجتماعي و المعرفي و الوجداني العاطفي..؟ هل أنت قابل أصلا للتغير؟ ما الذي تستطيع تحديده كتغير اعتراك خلال مسار حياتك و إلى الآن؟ إلى ما يمكنك أن ترجع سلطة و طبيعة تلك التغيرات؟ ما الذي تحس بأنه لا يمكنك التحكم فيه في بناء شخصك؟ و لماذا ؟...


    mدلالات المفهوم :
    جاء في لسان العرب باب "ش خ ص": الشَّخْصُ جماعةُ شَخْصِ الإِنسان و غيره،مذكر،والجمع أَشخاصٌ و شُخُوصٌ و شِخَاص؛ و الشَّخْصُ: سوادُ الإِنسان و غيره تراه من بعيد،و كلّ شيء رأيت جُسْمانَه،و من هنا كان الشَّخص هو كلُّ جسم له ارتفاع وظهور،والمرادُ به إِثباتُ الذات فاسْتُعِير لها لفظُ الشَّخْصِ.و الشَّخِيصُ العظِيم أَي جسيم الشَّخْص، و الأُنْثَى شَخِيصةٌ،و شَخَص بالفتح شُخُوصاً:ارتفع. و يضيف القاموس المحيط في نفس الباب شُخِصَ بمعنى بَدُنَ، و ضَخُمَ.و الشَّخِيصُ: الجَسِيمُ و السَّيِّدُ؛و المُتَشاخِصُ: المُخْتَلِفُ، والمُتَفَاوِتُ.

    و في اللغة الفرنسية نجد كلمةPersonne المقابل للفظ الشخص في اللغة العربية، و بالعودة إلى جذرها اللاتينيةpersona فاللفظة تحيل إلى القناع المسرحي الذي تنمحي خلفه الشخصية الفعلية للممثل في إشارة إلى مفهوم الدور الذي يلعبه الممثل/ الشخصية طيلة زمن المسرحية، و هي دلالة ذات مرجعية رواقية و بالأخص حين يستعمل في صيغة Prosôpon التي تفيد دلالة الدور الذي يلعبه الفرد داخل الجماعة / جماعة المدينة هنا- أسفل أي في الأرض/ الدولة المدينة مقارنة مع طبيعة الفعل الإلهي ذو الدلالة العليا و السامية.و هذا ما منحه الدلالة الحقوقية التي تشير في القانون الروماني إلى ما يتمتع بالوجود المدني/civileمن حقوق و واجبات وفقا للقانون؛إلا أن التصورات الدينية و بالخصوص منها المسيحية جعلت مفهوم الشخص يتطابق و مفهوم الكائن الإنساني ليس فقط كماهية مطلقة حيث كل البشر يحتمون خلف طبيعة مشتركة بل إن التطابق طال ما يميز كل فرد و ما يجعل منه كائنا متفردا.

    هكذا نجد هوبز على سبيل المثال يعرف الشخص كالآتي:"الشخص هو ما تنتمي إليه الأقوال و الأفعال،أو ما يمثلها سواء كانت لغيره أو تحيل إلى واقع نسندها إليه حقيقة أو افتراضا" و هناك من يعرف الشخص بأنه " الماهية الفردية الذات الطبيعة العاقلة"،و هو ما يجعلها تستحضر في طياتها الكائن الإنساني كفرد واع بالخير و بالشر،حر و مسؤول في استحضار للمفهوم الأخلاقي و القانوني للشخص، مما يدفعنا إلى اعتبارها شخصانية كل نزعة تنظر إلى الشخص بناء على ما سبق كقيمة مطلقة.
    Mمــا الشـخـــص؟

    4راجع معطيات نص: ما الشخص؟ / باسكال.(في رحاب الفلسفة / ص4)


    يوجهنا في استحضارنا لموقف باسكال من إشكالية ماهية الشخص التساؤل التالي: ما السبيل إلى تحديد ماهية الشخص؟ هل هي جملة صفات الذات و أعراضها ؟ أم أن أساس تحديد ماهيتها يكمن في جوهرها؟... فالسؤال ما الأنا؟ يشكل لديه منطلق التفكير في ماهية الشخص، و كان من المفترض أن ينطلق هذا التفكير من تناول طبيعة الذات عينها،إلا أن باسكال ينبهنا إلى أن الدافع لطرح مثل هذا التساؤل هو وجود الغير – رجلا- في مقابل وجودي أنا،فالغير الذي يرقب و يتأمل هذا العالم المحيط بنا و المشترك فيما بيني و بينه،يدفع الذات إلى طرح السؤال: هل أنا موضوع تفكير الغير بشكل خاص أم أنني مجرد نقطة أو مكون من بين مكونات ما يفكر فيه عموما؟ و هل أفعال الغير قائمة بالنظر إلى طبيعة وجودي و معرفتي؟ يجيب باسكال بالنفي.

    و يستطرد باسكال في تحليله لطبيعة العلاقة القائمة بين الأنا و الغير – أنا الذات / أنا الغير- متناولا نموذج عن تلك العلاقة و هو: الحب، متسائلا: هل نحب بعضنا البعض لجمالنا أم لجودة حكمنا أم لقوة ذاكرتنا؟ و إذا كانت العلاقة تنسج على أساس هاته الصفات فهل يمكن الفصل بين هاته الأخيرة و بين ذات الأنا؟ يبرز لنا باسكال من خلال منهجه التحليلي التساؤلي هذا أن الأنا/الشخص هو ما يتم تغيبه في كل علاقة إنسانية تقوم على تمجيد الصفات التي مرجعها الذات،و بالتالي فهي قابلة للزوال أو التغير بينما الأنا هي غير كذلك تتميز بالثبات و الوحدة، و دليله على ذلك أنه يمكن أن نفقد صفاتنا دون أن نفقد ذواتنا.و هنا يتساءل باسكال حول موقع الأنا بين الجسم و النفس،حيث لا يمكن الجزم بأي حال بأن الأنا يوجد في النفس أو يوجد في الجسد،و بالتالي لا يمكننا أن نحب الجسم أو النفس إلا من خلال صفاتهما و التي هي متميزة بإطلاق عن الأنا،فالأنا ليس مجموع صفات الجسم أو النفس،و هنا يقترح علينا مساءلة الطرح البديل: إذا كان الحب موجها للصفات ليس حبا للأنا فهل حب الأنا هو حب موجه لجوهر الذات في ارتباط ببعض صفاتها المتميزة كالجمال و التفكير و الحكمة...؟ مرة أخرى يجزم باسكال نافيا بأن هذا الأمر غير ممكن و لا يتوفر فيه شرط العدالة،مما يجعلنا ملزمين بتقبل المفارقة التالية: أن نحب شخصا ما معناه أن نحب صفاته دون شخصه!!! هكذا،فالسؤال:ما الشخص؟ يموقعه باسكال بين بعدين أساسين للذات: البعد المعرفي و البعد الوجودي في إثارة لإشكالية الغيرية،وهو ما يجعل تحديد هوية الشخص تتراوح بين المتغير/أعراض الذات و الثابت /جوهرها،و بين الوحدة و التنوع...مما يجعل إشكالية هوية الشخص قائمة بإلحاح.
    Mالإشكالية العامة للمفهوم :

    هل يمكن اختزال إشكالية هوية الشخص في إمكانية التعرف عليه،أو في التقابل بين"المعرفة و بين التعرف" ؟ أليس الشخص أكثر من تنظيم و أكثر من إسم و أكثر من ذاكرة...؟ و ماذا عن هويات الجماعات البشرية؟ و ماذا عن تعدد أشكال الهوية: اللغوية،و الدينية،و السياسية، و الإجتماعية...؟ أليس الشخص واقعة مؤسسة لكل إمكانية حقوقية؟ ألا يحيل لفظ الشخص في دلالته المعجمية اللاتينية في ارتباط بكلمة"personae" إلى الأشياء و إلى الأفعال...؟ ما طبيعة المسار الذي عرفه مفهوم الشخص خلال القرنين الماضيين تحولا نحو مقولة الأنا؟ ألم يعد من حقنا اعتبار الشخص شيئا و صرنا مضطرين للتعامل معه ككيان قائم بذاته متميز عن معطيات العالم الخارجي؟ ما السبيل إلى إدراك أن مفهوم الشخص ليس مقولة فطرية بل مقولة تمتلك طابع السيرورة و التحقق المتدرج و التميز و التماهي مع معرفة الذات أي معرفة تحمل صبغة سيكولوجية ذات أثر زمني- تاريخي؟...


    المحور الأول : الشخص و الهوية.


    E تـوطـئـة:الحديث عن الشخص الإنساني هو حديث عن مفهوم ميتافيزيقي بأبعاد وجودية و أخلاقية و سياسية... و يتأطر ضمن شرطين ضروريين للفعل و الوجود و هما الزمان و المكان بالرغم من أن جملة من خصائصه غير قابلة للإدراك المباشر؛فالمفهوم بالرغم من قدم تناوله على المستويين الفلسفي و القانوني إلا أن صيغة تناوله ضمن درسنا ترتكز بالأساس على مرجعية حداثية،إذ يشكل أحد أبرز التصورات التي ولدتها سجالات الفلسفة الحديثة في تحليلها و أشكلتها لموضوعات من قبيل: الأنا،و الذات،و الوعي،و الهوية و الكائن...و هو ما عرف تطويرا إن لم نقل تأزيما إشكاليا له مع رواد الفلسفة المعاصرة و إلى حدود اليوم في انفتاح على الإشكالات التي تولدها دينامية الوضع البشري عينه، و الصراعات الثقافية و الحضارية التي شهدها و سيشهدها العالم الإنساني خلال القرن الحالي،مما يجعل مقاربة مفهوم الشخص لا تتم باستحضار البعد الفلسفي القح لا غير،فنحن مدعوون أيضا إلى استحضار خلاصات العلوم الإنسانية كذلك كالعلوم السيكولوجية،و السوسيولوجية و علوم الإقتصاد و السياسة...في مواجهة إشكالية الهوية في ارتباطها بمفهوم الشخص،و التي قد يبدو أنها إشكال أنطولوجي -وجودي- إلا أنه يحمل في ذاته طابعا معرفيا أو استعرافيا،فهوية الشخص تتحدد انطلاقا من الحدود المعرفية المميزة له و الفاصلة له عن غيره من الأشخاص، و بما أننا لا ندرك ماهيته الفردية إلا خارجيا كشيء يتموقع في مكان ما،فإن تحديد هويته تظل مرتبطة أوليا بإدراك موقعه و القدرة على تحديد مكانه.
    M الإشكالية المحورية:

    ألا يمكن القول بأن تناول مفهوم الهوية في ارتباطه بالشخص يجعل هذا الأخير وحدة منغلقة على ذاتها - ضمن ما قد نصفه بالتنميط الذاتي - في نمط ذاتي من الإدراك غير قابل على الإنفتاح؟ إلى أي حد يساهم إدراك هوية الذات في تطوير إمكانيات تواصلها مع الآخر؟ ماذا عن هويات الجماعات البشرية؟ و ماذا عن تعدد أشكال الهوية: اللغوية،و الدينية،و السياسية، و الإجتماعية...؟ كيف يمكن التعامل مع المفارقة التالية: يشير مفهوم الهوية إلى معطى مكتمل بينما مفهوم الإنسان سواء في صيغته الفردية أو الجمعية يشهد بناء مستمرا لا قدرة على ضبط حدوده كيفما كانت طبيعتها؟ أم أن الهوية مفهوم مركب يتطلب منا أكثر من مبحث معرفي لتجلية طبيعته في تحققها لا في مفهومها ؟ ...

    m في تحديد مفهوم الهوية:
    يعرف معجم روبير الهويةباعتبارها الميزة الثابتةفي الذات؛يتضمن هذا التعريف معنيان يوضحهما لنا معجم المفاهيمالفلسفية مشيرا إلى { أنها ميزة ما هو متماثل,سواء تعلق الأمر بعلاقةالاستمرارية التي يقيمها فرد ما مع ذاته أو من جهة العلاقات التي يقيمهامع الوقائع على اختلاف أشكالها...}. و فيعلم النفس يحدد عالم النفس الاجتماعي بيير تاب المفهوم قائلا:{...الإحساس بالهويةهو الأمر الذي يجعل شخصا ما يشعر بكونه هو,و يبقى كذلك في الزمن...} و يضيف في نفس السياق {...إنه نسق من الأحاسيس و التمثلات التي يستطيع بواسطتهافرد ما الإحساس بتميزه,و بهذا المعنى فهويتي هي ما يجعلني مماثلا لنفسي ومختلفا عن الأخرى...}. و يحضر مفهوم الهوية ضمن الأنثربولوجيا كعلامة غيرمنفصلة عن مسلسل الفردنة أي كشكل من أشكال التمايز بين الطبقات نفسها حيث ينبهنا نيكول ساندزنيكرإلى أنه: {...لا تنفصل الهوية عن مسلسل الفردنة فمن أجل إعطاء هوية لشخص ما أو لمجموعة من الأفراد،يبدو لزاما التمييز بين ماليسوا هم،و بالمقابل ينبغي فهم الفرد في خصوصيته كما يجب أخذ هويتهالتاريخية بعين الاعتبار...}

    إن مفهوم الهوية"Identity" لا يخرج في مدلولاته الحديثة عن التشخص و الشخصية،و هو ما قال به ابن حزم في كتابه (الفصل بين الملل و النحل):{...حدهأنه: هو أن كل ما لم يكن غير الشيء فهوهو بعينه؛إذ ليس بين الهوية و الغيريةوسيطة يعقلها أحد البتة،فما خرج عنأحدهما دخل في الآخر...} و هو ما أشار إليهالأستاذ جميل صليبا حين عرفها بأنها { المميزعن الأغيار }،و هي تستخدم بمعنى الهيئة، والأوصاف الظاهرة،و يأتي مقابلا لهاالأوصاف النفسية و الجوهر.و في اتجاهالمقابلة بينها و بين الغيرية حددهاالدكتور جميل صليبا بتحديدها على أنها ما يميزناعن الأغيار.
    mالهوية طبع و ذاكرة :

    4راجع معطيات نص: أساس هوية الشخص،طبعه و ذاكرته / لاشولييه.(مباهج الفلسفة،ص2)


    يمكن القول أن تاريخ الفلسفة ظل محكوما منذ بدايته بإشكالية الذات في مختلف مرجعياتها: المعرفية و الأخلاقية و السياسية و الحقوقية... على أن وضع الذات أساسا لكل تفكير لا يمكن الرجوع به أبعد من ديكارت ذلك أن فلاسفة القرنين السابع عشر و الثامن عشر لم يعملوا إلا على تعميق التصور الديكارتي حول مفهوم الذات ضمن دلالات إنسانوية و عقلانية تستهدف تعميق الوعي بالذات،و جعل هذا الوعي شفافا لذاته بل و يطالب بهاته الشفافية كحق من حقوقه،و من ثمة صارت الهوية إشكالية تجاوزت الذات الفردية لتغدو منظارا إشكاليا يمكننا من خلاله مقاربة الظواهر المتصلة بقضايا التاريخ و الإنسان والمجتمع و الثقافة...

    يستحضر لاشولييه بداهة تصور الذات بنفسها في ارتباط بمفهوم الوحدة:"أننا شخص واحد"، و هي بداهة يستخلص منها تصور الذات لثبات شخصها طيلة زمن وجودها،و مما يجعل صاحب النص يطرح تساؤلا ذو طبيعة افتراضية حول بداهة مفهوم الهوية لدى الذات: هل نفترض بالضرورة أن فينا عنصرا ثابتا،أنا حقيقيا و ثابتا ؟

    الجلي أن لاشولييه يثير هنا الترادف بين مفهومي الشخص و الأنا حين تناول إشكالية هوية الذات التي تثبتها هاته الأخيرة اتجاه نفسه،مما يجعلنا نشير إلى كون حضور الذات عند هذا المستوى هو حضور مزدوج،فهي من جهة ذات عارفة و من جهة ثانية موضوع معرفة لذاتها، و بذلك فإقرار الأنا هوية شخصها بناء على قاعدة الثبات مجرد افتراض يحتاج إلى إثبات أو إلى نفي.و يبدد لاشولييه قاعدة ثبات و وحدة الأنا انطلاقا من استحضاره لأمثلة من وقائع تحياها هاته الأخيرة سواء تعلق الأمر بالأنا المتخيل أثناء النوم و الذي يميزه عن أنا اليقظة،إن لم يجعل قيام الأنا مستحيلا بانتفاء يقظة الوعي حالة النوم،كما أن فقدان الوعي الجزئي – غيبوبة - يعطل ذاكرة الشخص لينجز حدا فاصلا بين أنا حاضرة و أنا ماضية،أو بين أنا مزدوجة الحضور أو منفصمة الأثر،و هي أمثلة لم يكن الهدف من ورائها إلا بيان كون الأنا ليست كيانا موحدا و أن ثباته ليس إلا ظاهريا لا غير،في حين أن الغالب عليه هو التعدد و التحول و التغير زمانا و فعلا و أثرا.

    و يوضح لنا لاشولييه كون اعتبار الأنا مرجع حالاتنا النفسية و الوجودية باعتبارها ذات حاملة لها،مؤكدا أن ما يحدد هوية الأنا في ارتباطها بذاتها أمران: ثبات الطبع/المزاج و دوامه ثم ترابط الذاكرة و عدم انقطاعها؛فثبات المزاج تطبع وجودنا النفسي بطابعنا الشخصي ما دام الطبع يتضمن طريقة تصرف الأنا بشكل تلقائي و اعتيادي ضمن وضعية تواصلية محددة،و هو ما تضمنه استمرارية الذاكرة على مستوى وظائفها المتعلقة بضبط و تقنين و المحافظة و إحياء أو بعث محفزات أو معلومات في ربط بين حاضر الفعل و ماضيه،في ارتباط تسلسلي انتكاسي يقاوم النسيان ما أمكن لأن في ذلك خلخلة لهوية الأنا؛لينتهي فيلسوفنا من خلال ما سبق إلى استنتاج يبين بوضوح موقفه من إشكالية هوية الشخص،حيث ينفي من جهة كون هويتنا الشخصية معطى أولي و أصيل في شعورنا،و ذلك في عمقه نفي للموقف الماهوي في الموضوع،ثم يثبت من جهة ثانية كون هاته الهوية مجرد صدى لإدراكات الذات الماضية و حضور أثرها في إدراكاتها الحاضرة.و بالتالي فلاشولييه ينبهنا إلى أن إدراكنا لذواتنا ما هو إلا تذكر ظواهر بعضها بعضا،مما يبرز الذاكرة كأساس تشكل هوية الشخص،إلا أنه يمكن إثارة صيغة فاعلية الذاكرة: هل هي استحضارية أم بنائية؟

    نخلص إذن إلى أن مقاربة مفهوم الشخص تفرض علينا استحضار إشكالية الهوية التي تثير فكرة ديمومة الكائن بالرغم من اختلاف مظاهره،أي البحث عن الطبع الميز للشخص و يظل هو هو في الزمان،و يعي ذاته كذلك في مقابل كل غيرية ممكنة؛مما يلزمنا بالأخذ بعين الإعتبار الميكانزمات السيكولوجية المستهدفة للحفاظ على وحدة الشخص و ماهيته في مواجهة الذات لذاتها أولا و لمعطيات العالم الخارجي – الآخر في شقيه الطبيعي و البشري – ثانيا،و هي الميكانزمات و الوظائف الممكن اختزالها في كل من الطبع و الذاكرة التي ينظر إليها كتعبير عن الشخص في كليته الزمانية و المكانية و الفاعلية.
    Pاستنتاجات محورية :

    - بالرغم من تعدد تمظهرات الأنا فالشخص ذات تتمتع بهوية واحدة و موحِّدة كما تتميز بالثبات،و تتحدد ماهيتها في أفعال التفكير التأملي التي تمارسها الذات اتجاه موضوعاتها و من بينها الذات عينها.
    - الأساس الأول الذي تقوم عليه الهوية هو الفكر المصحوب بالشعور الموجه أساسا إلى بناء معرفة واضحة و متميزة بهوية الذات في استدعاء لتمظهرين أحدهما سلوكي – الطبع- و الآخر معرفي زمني – الذاكرة- .
    - الأساس الثاني لهوية الشخص يكمن في الإرادة بوصفها نواة وجوده المستمرة عبر الزمن،بالنظر إلى كونها قدرة على إنتاج و إعادة إنتاج الذات وفق للتمثلات القائمة حولها.


    ‚المحور الثاني: الشخص بوصفه قيمة.


    E تـوطـئـة: إذا كان من الصعب بل و من المستحيل أن نقدم تعريفا جامعا مانعا لمفهوم الشخص فإن مرجع ذلك كما يشير إلى ذلك Emmanuel Mounier في مجمل كتبه الموسومة بالنزعة الشخصانية إلى كونه ليس شيئا بل كائنا ممتلكا لشخصيته،كائنا يتحدد ليس بالنظر إلى خصائصه الكلية فقط و لكن بالنظر أيضا إلى كل خصوصياته الذاتية التي تجعل منه ذلك الشخص و ليس شخصا آخر،الأمر الذي يثير إشكالية قيمة هذا الكائن... الأكيد أن كل كائن بشري هو شخص حر و مستقل و قائم بذاته و لذاته،و كل فرد منا وجب أن يعتبر الآخر شخصا كامل القيمة،و لكنه ليس ثابتها،فدلالة الشخص كما قيمته تتبلوران في ارتباطهما بذات الشخص و بذات الآخر،لكن ذلك لا يمنع من اعتباره واقعة فريدة تتمتع بطبيعة عاقلة،و متميزة بداخلية تؤسس بعدها الشخصي المزدوج بطابعها الإنفتاحي و التواصلي مع معطيات العالم الموضوعي الخارجي،فحين يهان فرد إنساني نهان جميعا .
    M الإشكالية المحورية:

    ما دلالة اعتبار الشخص كائنا يعامل كغاية في ذاته ؟ و ما المترتب عن ذلك على المستويين الأخلاقي و الحقوقي ؟ هل كون الشخص غاية في ذاته يمنحه قيمة مطلقة تتجاوز ذاتية الآخر فردا كان أم جماعة ؟ و إلى أي حد يمكن اعتبار الشخص مجرد شيء أو موضوع ؟ و ما مدى إمكانية معاملته كوسيلة ؟ ثم كيف بإمكاننا أن نحيا هاته القيمة المطلقة كواقع أسمى يتعالى عن واقع إنساني الغالب عليه المصلحة و المنفعة و الأهواء و الحسابات الضيقة؟...

    mقيمة الشخص في ذاته :

    4راجع معطيات نص: الشخص غاية في ذاته / كانط. (مباهج الفلسفة، ص9)


    يمكن القول بأن فكرة الشخص تعتبر مصدرا لإثبات إنسانية الإنسان،فهي تحيل إلى ترسانة من المفاهيم الحافة الموطدة لهوية الشخص مثل: الإرادة و الحرية و الكرامة... و من ثمة فالحديث عن الشخص خلال حقبة الفلسفة الحديثة- و مساهمة كانط هنا نموذجا - كان يسعى إلى تناول الشخص ضمن بعدين أساسيين،و هما البعد العقلاني و البعد الأخلاقي،تجاوزا للتصور الكلاسيكي الذي يؤكد على ضرورة استيعاب المفهوم في بعده الذاتي فالإنسان ليس مخلوقا عدميا بل وجودا فرديا أصيلا و تجربة وجودية أوليةلا تنفصل عن كل معالم الحياة و التجربة البشريتين؛هكذا كانت الفلسفة الحديثة تسعى جاهدة إلى تجاوز كل نزعة تحاول تشييئ الشخص أو ابتلاعه ضمن سلطة لاهوتية معينة. و في هذا الإطار تندرج مساهمة كانط في اتجاه فهم تحول مفهوم الشخص نحو تناول يتخذ من الذات موضوعا له كما هي ككائن أخلاقي إرادي و حر و قادر على الإختيار و تفعيل القرار،و ككائن عقلاني غير منغلق على ذاته بل منخرط كقيمة إنسانية عليا في التزامات جماعية و كونية،تجعل منه يفكر بموضوعية في الشخص دون تناوله كشيء.

    ينطلق كانط من التعريف الذي استعمل ربما حتى الإبتذال في حق مفهوم الإنسان ألا و هو اعتباره "كائنا عاقلا"،إلا أنه يضيف إلى هذا التحديد الماهوي تحديدا وجوديا يحمل في طياته ملمحا أخلاقيا يؤكد على كون الإنسان يوجد كغاية في ذاته،ذات التعريف يلغي عنه النظرة الأداتية،فالإنسان بالنسبة لكانط ليس شيئا أو أداة تخضع لسلطة إرادات خارجة عن ذاته قد توظفه فقط في تحقيق مصالحها لا غير؛و انطلاقا من ذلك يلزمنا كانط بتناول مفهوم الإنسان في كليته كغاية أي كأفق مستهدف من طرف كل فعل تقوم به الذات سواء اتجاه ذاتها أو اتجاه الآخر ككائن عاقل بالضرورة وجب اعتباره كذلك،ليضعنا هنا أمام تقابل ضمني بين ذات الإنسان و مفهوم الموضوع،مبينا أن تعاملنا مع الموضوعات يظل رهينا و مشروطا بالقيمة التي تحوزها هاته الأخيرة و تحدد بناء عليها طبيعة ميلنا إليها.

    و يقر كانط بناء على ما سبق أن غياب كل ميل أو حاجة نابعة عن هاته الموضوعات يفقدها كل قيمة،بل وحتى و إن توفر هذا الميل إليها فإن هذا الأخير هو عينه لا يمتلك قيمة بصفة الإطلاق و هو ما يلغي كل إمكانية الرغبة في الشيء لذات الرغبة لا غير؛و بناء عليه فما نميل إليه رغبة أو لذة أو مصلحة ليس في ذاته غاية بل يتحقق كذلك هو كل ما تستهدفه الكائنات العاقلة بأسرها باعتبارها كذلك كائنات عاقلة و بصفة مطلقة.

    و نصل مع كانط في معرض حديثه عن الشخص كغاية في ذاته ضمن العلاقة التقابلية بين الذات و الموضوع في ارتباط بمرجعية الإختيار ألا و هي القيمة في شقيها النسبي و المطلق إلى خلاصة مفادها أن التعامل مع الشخص في تغييب لشرط العقل سواء عن ذات الأنا أو عن ذات الغير يجعل مواقفنا و سلوكاتنا اتجاه بعضنا البعض تتحدد بالنظر على بعضنا كموضوعات ذات قيمة نسبية لا تحوز قيمة الغايات بل قيمة الوسائل،مما يفرغها من دلالة الذات و تستعيض عنها بقيمة الأشياء.إلا أن كانط يؤكد في نهاية المطاف على وجوب اعتبار كل كائن عاقل دون تمييز غاية في ذاته بالنظر إلى طبيعته الإنسانية العاقلة،و وجوب جعله موضع احترام و تقدير؛فالشيء يتحدد كوسيلة و في المقابل لا يمكن اختزال الإنسان في تحديد من هذا القبيل بل إنه غاية في ذاته،و كل تشييئ له يظل مصدر عنف اتجاهه يتمظهر في نفي صفة الشخص عنه، و هي الصفة التي تمنح لكل إنسان كيفما كان بدون تمييز أو اختزال الحق في الإحترام المطلق،ذلك أن الطبيعة الإنسانية تفضي إلى القول ضرورة بحرية كائن مسؤول تحت طائلة قوانين أخلاقية.

    P استنتاجات محورية :

    - قيمة الشخص تكمن في كونه ذاتا أخلاقية مبدعة لجملة من الضوابط التنظيمية القيمية لسلوك الذات سواء في تعاملها مع ذاتها أو مع الآخرين،فالغير واجهة ضرورية لبناء قيمة تفاعلية للشخص كذات.
    - يستمد الشخص استقلاليته من الآخرين من خلال مقولتي: الإعتراف بقيمة الذات و كذا الإحترام البين ذواتي،و هو ما يقتضي قيام المشاركة و التفاعل الإيجابي ضمانا لقيمة الذات من جهة و لحريتها من جهة ثانية.

    ƒالمحور الثالث : الشخص بين الحرية و الضرورة.


    E تـوطـئـة :يواجه الشخص خلال سيرورة وجوده و مسارات تفاعله،و خلال رحلة إثبات ذاته و انفتاحها على الآخر في كل معانيه تحولات و عوائق تتلبسها طبيعة حياة الإنسان في مختلف المجتمعات و الأنساق الحقوقية و الممارسات العقائدية و العادات و التقاليد و البنى الإجتماعية و السياسية و الثقافية،و اختلاف العقليات و أنماط السلوك الفردية و الجمعية... و من ثمة فالقول بحرية الشخص يظل قولا نسبيا فالحرية لا تكون كذلك إلا بالنسبة إلى شيء ما: ماضي الفرد و سيكولوجيته،وسطه و بيئته، جسمه و بيولوجيته... أي بالنسبة إلى ضرورة ما و ما أكثر الضرورات التي تحكم حياتنا سواء ككائنات عضوية حية أو ككائنات إجتماعية بطبعها أو ككائنات سياسية... إذ يمكن تصنيف هاته الضرورات على العموم ما بين ضرورات طبيعية و أخرى ثقافية،ما بين ضرورات معطاة و أخرى اتخذت شكل قيود من صنع الذات الإنسانية لذاتها!!!

    M الإشكالية المحورية:

    هل يصح الجزم بحرية الشخص إطلاقا؟ و ما الذي يمنع من كونه كذلك كائنا حرا بامتياز؟ ما طبيعة العوائق التي تحول دون ذلك؟ و هل يفيد قيام هاته الحتميات اعتبار الشخص محكوما بمحددات و إشراطات خارجية تحول دون أية إمكانية تفعيل إرادته و مشيئته؟ ما السبيل للتحرر من سلطة الضرورة؟ أم يظل الأمر مجرد وهم و سراب؟ ...


    mالشخص بين و هم الحرية و الحرية مشروطة

    4 راجع معطيات نص: القول بالحرية لا يخفي جهلا بالأسباب / سبينوزا.(مباهج الفلسفة،ص:21)

    {...إن الذين يعتقدون أنهم يرون أو يصمتون أو يقومون بأي فعل كيفما كانت طبيعته بواسطة حرية تلهمهم إياها النفس فهم يحلمون و أعينهم مفتوحة...} بهذا كان اسبينوزا يسخر و يفنذ الفكرة المثالية عن حرية الإرادة الإنسانية،فالإرادة بالنسبة إليه تقوم دوما على الدوافع،فسلوك الإنسان مبعثه لدى اسبينوزا سعيه إلى الحفاظ على الذات و المصلحة الشخصية،و بالتالي فحرية الذات ممكنة كسلوك قائم على معرفة الضرورة،و هو ما ليس ممكنا إلا من طرف الحكيم وحده،و عموما يمكن تأطير موقف اسبينوزا ضمن الموقف المجرد و الغير التاريخي لحرية الشخص في تأكيد على لزوم ربط للإرادة بالعقل.
    o
    يتناول اسبينوزا قصد بيان موقفه من إشكالية حرية الكائن مثال حركة الحجرة،فحركة الحجرة ليست حركة ضرورة بل إنها فعل بمثابة أثر ناتج عن علة خارجية تقوم بتوفير كمية الحركة اللازمة لتحريكها،أي الملزمة لها بالتحرك وفق صورة محددة لطبيعة حركتها و بالتالي لطبيعة فاعليتها و وجودها،و قد لخص لنا اسبينوزا هذا الموقف في قضية كلية: { كل شيء مفرد هو بالضرورة محكوم من طرف علة خارجية على أن يوجد و يتصرف بصورة محددة.}؛ و بافتراض وعي الحجرة بحركتها،و وعيها بأن حركتها مجهود يظل استمراره مشروطا باستطاعتها فإن ذلك هو ما ينبني عليه ادعاؤها بحريتها لاعتقادها أن حركتها وليدة إرادتها،و بإسقاط نتيجتي المثال الأول و الافتراض المكمل له على الإنسان يقر اسبينوزا أن ما يتبجح به الإنسان من حرية لا يقوم إلا على وعيه بشهواته في حين أنه جاهل بالأسباب المحددة لسلوكه بشكل حتمي،و هو ما نتج عنه إعتقاد بني البشر بأن سلوكاتهم و تصرفاتهم قائمة على خلفية قدرة النفس على اتخاذ قراراتها بحرية متناسين أو متغافلين جملة الإكراهات التي تخضع لها النفس البشرية في فعلها كما في عطالتها؛و في ذلك نقد للتصورين الديكارتي و المسيحي حول حرية الإرادة حيث الإقرار بأن كل قدرة على الإختيار إذا كانت غير محددة فهي اعتباطية و بالتالي لاعقلانية.

    o يبرز لنا اسبينوزا أن إدعاء الإنسان حرية الفعل هو مجرد حكم مسبق بل إنه حكم يكاد يكون فطريا و طبيعيا في الذات الإنسانية،و هو ما يجعل من الصعب التخلص منه،و يستدل على ذلك بعجز عموم بني البشر على تنظيم أهوائهم و شهواتهم و عجزهم عن تفعيل ملكة حسن الإختيار و اختيار الأحسن بالرغم من قدرتهم على التمييز بين الخير و الشر و ين الصالح و الطالح،و ذلك منبعه عجزهم عن التحكم في أنفسهم بالنظر لخضوعها لإكراهات و حتميات منبعها الطبيعة الإنسانية و ما تحتويه من ضرورات ملزمة تلغي كل إمكانية القول بالحرية المطلقة.
    o
    نستخلص مما سبق مع اسبينوزا أن كون اعتقاد بني البشر في حرية إراداتهم ليس مرجعه جهلهم بالأسباب أو بالشروط التي تؤثر في كل انفعالاتهم و رغباتهم الواعون بها فقط بل لأنهم ينفون قيامها أساسا،و بذلك فحرية الشخص لديه كلمة لا تحمل إلا دلالة ضرورة حرة تنطلق من معرفة برغبات النفس و بما يؤثر في طبيعتها إيجابا أو سلبا في اتجاه الرفع من فاعليتها. فالأكيد أن اسبينوزا يدعونا إلى لزوم التحرر من وهم الإرادة الحرة و البحث عن معرفة ما يحددنا حتى ننمي قدرتنا على الفعل التي هي جوهر ماهيتنا،فالحريّة وهم إذن أو لنقل هي الضّرورة المفهومة كم يحلو لاسبينوزا ذكره؛فالشخص سيد معتقداته و أفكاره إذا أراد أن يكون كذلك.
    Pاستنتاجات محورية :

    - الشخص ذات حرة،و حريتها محدودة و مشروطة بوضعها الواقعي كإنسان.
    - الشخص مشروع يتحدد بالاختيار،فالشخص تفعيل للإرادة في مواجهة الوقائع مما يجعل منه كيانا واعيا بحدود مسؤولياته الأخلاقية و القانونية بالأساس....
    - يتحقق مفهوم الإنسان عند التحرر من وضعية الكائن أي من وضعية الموجود المحكوم بحواسه و بعينية المادة و العالم مما يجعل تحديد الذات أمرا مستحيلا في ارتباط بغموض دلالة مفهوم الوجود ذاته،إلى وضعية الشخص باعتباره ذاتا تعي أوضاعها تبعا لفعلها الإرادي و القصدي،مما يجعل من حريته قدرة على التحرر لا حرية معطاة و جاهزة.


     
  3. #3
    Prof Adam

    Prof Adam مدون مجتهد

    الفلسفة الشخص بين الضرورة والحتمية

    الشخص بين الحرية و الضرورة:
    ة إثبات ذاته و انفتاحها على الآخر في كل معانيه تحولات و عوائق تتلبسها طبيعة حياة الإنسان في مختلف المجتمعات و الأنساق الحقوقية و الممارسات العقائدية و العادات و التقاليد و البنى الإجتماعية و السياسية و الثقافية،و اختلاف العقليات و أنماط السلوك الفردية و الجمعية... و من ثمة فالقول بحرية الشخص يظل قولا نسبيا فالحرية لا تكون كذلك إلا بالنسبة إلى شيء ما: ماضي الفرد و سيكولوجيته،وسطه و بيئته، جسمه و بيولوجيته...
    أي بالنسبة إلى ضرورة ما و ما أكثر الضرورات التي تحكم حياتنا سواء ككائنات عضوية حية أو ككائنات إجتماعية بطبعها أو ككائنات سياسية... إذ يمكن تصنيف هاته الضرورات على العموم ما بين ضرورات طبيعية و أخرى ثقافية،ما بين ضرورات معطاة و أخرى اتخذت شكل قيود من صنع الذات الإنسانية لذاتها!!! فهل يصح الجزم بحرية الشخص إطلاقا؟ و ما الذي يمنع من كونه كذلك كائنا حرا بامتياز؟ ما طبيعة العوائق التي تحول دون ذلك؟ و هل يفيد قيام هاته الحتميات اعتبار الشخص محكوما بمحددات و إشراطات خارجية تحول دون أية إمكانية تفعيل إرادته و مشيئته؟ ما السبيل للتحرر من سلطة الضرورة؟ أم يظل الأمر مجرد وهم و سراب؟
    اسبينوزا و وهم الحرية:
    نص: القول بالحرية يخفي جهلا بالأسباب/مباهج.
    "إن الذين يعتقدون أنهم يرون أو يصمتون أو يقومون بأي فعل كيفما كانت طبيعته بواسطة حرية تلهمهم إياها النفس فهم يحلمون و أعينهم مفتوحة... " هكذا كان اسبينوزا يسخر و يفنذ الفكرة المثالية عن حرية الإرادة الإنسانية،فالإرادة بالنسبة إليه تقوم دوما على الدوافع،فسلوك الإنسان مبعثه لدى اسبينوزا سعيه إلى الحفاظ على الذات و المصلحة الشخصية،و بالتالي فحرية الذات ممكنة كسلوك قائم على معرفة الضرورة،و هو ما ليس ممكنا إلا من طرف الحكيم وحده،و عموما يمكن تأطير موقف اسبينوزا ضمن الموقف المجرد و الغير التاريخي لحرية الشخص في تأكيد على لزوم ربط للإرادة بالعقل. فكيف تتميز حرية الإنسان ككائن عن حرية الإنسان كشخص ؟ بأي معنى يمكن أن يكون الشخص ذاتا حرة ؟ هل بإلغاء مطلق لكل حتمية أو ضرورة ؟ أم أن حرية الشخص رهينة بوضعه البشري ؟
    : يتناول اسبينوزا قصد بيان موقفه من إشكالية حرية الكائن مثال حركة الحجرة،فحركة الحجرة ليست حركة ضرورة بل إنها فعل بمثابة أثر ناتج عن علة خارجية تقوم بتوفير كمية الحركة اللازمة لتحريكها،أي الملزمة لها بالتحرك وفق صورة محددة لطبيعة حركتها و بالتالي لطبيعة فاعليتها و وجودها،و قد لخص لنا اسبينوزا هذا الموقف في قضية كلية:" كل شيء مفرد هو بالضرورة محروم من طرف علة خارجية على أن يوجد و يسرف بصورة محددة " : و بافتراض وعي الحجرة بحركتها،و وعيها بأن حركتها مجهود يظل استمراره مشروطا باستطاعتها فإن ذلك هو ما ينبني عليه ادعاؤها بحريتها لاعتقادها أن حركتها وليدة إرادتها، و بإسقاط نتيجتي المثال الأول و الافتراض المكمل له على الإنسان يقر اسبينوزا أن ما يتبجح به الإنسان من حرية لا يقوم إلا على وعيه بشهواته في حين أنه جاهل بالأسباب المحددة لسلوكهم بشكل حتمي،و هو ما نتج عنه إعتقاد بني البشر بأن سلوكاتهم و تصرفاتهم قائمة على خلفية قدرة النفس على اتخاذ قراراتها بحرية متناسين أو متغافلين جملة الإكراهات التي تخضع لها النفس البشرية في فعلها كما في عطالتها؛و في ذلك نقد للتصورين الديكارتي و المسيحي حول حرية الإرادة حيث الإقرار بأن كل قدرة على الإختيار إذا كانت غير محددة فهي اعتباطية و بالتالي لاعقلانية. يبرز لنا اسبينوزا كون إدعاء الإنسان حرية الفعل هو مجرد حكم مسبق بل إنه حكم يكاد يكون فطريا و طبيعيا في الذات الإنسانية،و هو ما يجعل من الصعب التخلص منه،و يستدل على ذلك بعجز عموم بني البشر على تنظيم أهوائهم و شهواتهم و عجزهم عن تفعيل ملكة حسن الإختيار و اختيار الأحسن بالرغم من قدرتهم على التمييز بين الخير و الشر و ين الصالح و الطالح،و ذلك منبعه عجزهم عن التحكم في أنفسهم بالنظر لخضوعها لإكراهات و حتميات منبعها الطبيعة الإنسانية و ما تحتويه من ضرورات ملزمة تلغي كل إمكانية القول بالحرية المطلقة.
    ينتهي اسبينوزا كون بني البشر يعتقدون في حرية إراداتهم ليس فقط لأنهم جاهلون بالأسباب أو بالشروط التي تؤثر في كل انفعالاتهم و رغباتهم الواعون بها بل لأنهم ينفون قيامها أساسا،و بذلك فحرية الشخص لديه كلمة لا تحمل إلا دلالة ضرورة حرة تنطلق من معرفة برغبات النفس و بما يؤثر في طبيعتها إيجابا أو سلبا في اتجاه الرفع من فاعليتها. الأكيد أن اسبينوزا يدعونا إلى لزوم التحرر من وهم الإرادة الحرة و البحث عن معرفة ما يحددنا حتى ننمي قدرتنا على الفعل التي هي جوهر ماهيتنا،فالحريّة وهم إذن أو لنقل هي الضّرورة المفهومة كم يحلو لسبينوزا ذكره؛فالشخص سيد معتقداته و أفكاره إذا أراد أن يكون كذلك.
    و من ثمة يمكننا استحلاص النتائج التالية:



    - الشخص ذات حرة،و حريتها محدودة و مشروطة بوضعها الواقعي كإنسان.
    - الشخص مشروع يتحدد بالاختيار،فالشخص تفعيل للإرادة في مواجهة الوقائع مما يجعل منه كيانا واعيا بحدود مسؤولياته الأخلاقية و القانونية بالأساس....
    - يتحقق مفهوم الإنسان عند التحرر من وضعية الكائن أي من وضعية الموجود المحكوم بحواسه و بعينية المادة و العالم مما يجعل تحديد الذات أمرا مستحيلا في ارتباط بغموض دلالة مفهوم الوجود ذاته،إلى وضعية الشخص باعتباره ذاتا تعي أوضاعها تبعا لفعلها الإرادي و القصدي،مما يجعل من حريته قدرة على التحرر لا حرية معطاة و جاهزة.
     
  4. #4
    Prof Adam

    Prof Adam مدون مجتهد

    تقديم عام للمجزوءة


    إن الوضع البشري بنية مركبة تتميز بالتعقيد، حيث تتداخل فيه عدة مستويات، منها ما هو ذاتي، وما هو موضوعي، وما هو علائقي، وما هو زماني، إذ يتحدد الكائن البشري ذاتيا بالوعي، وموضوعيا بالتواجد مع الغير، والعلاقة التي تربط بينهما (الذات – الغير)، إضافة إلى الامتداد في الزمان التاريخي

    فالكائن البشري، فرد ذو ملامح بيولوجية، ونفسية، وذهنية خاصة. تجعل منه شخصا محددا يتمتع بقسط من حرية الإرادة، لكنه في نفس الوقت مشروط بمحددات اجتماعية ونفسية لا واعية، لكن تَشَكُّلُه لا يتم في معزل عن الغير. وهكذا فوجود الغير والعلاقة معه شرط ضروري لبناء الذات. إن هذا البعد الغيري، هو بعد ضروري إلى درجة اعتبار العزل الانفرادي للشخص شكلا من أشكال العقاب القاسي. لكن العلاقة مع الغير هي جزء من علاقة أوسع هي العلاقات الاجتماعية، لأن الآخرين ليسوا مجرد أفراد متناثرين هنا وهناك، بل يشكلون نظاما جماعيا عاما منظما اقتصاديا وسياسيا وإداريا هو المجتمع، الذي يخضع لصيرورة زمنية تطورية يترابط فيها الماضي والحاضر بالمستقبل تسمى: التاريخ

    وهذا ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية

    أين تكمن الطبيعة الجوهرية للشخص؟

    ما العلاقة التي تربطه بالغير؟

    كيف يساهم الإنسان في صنع تاريخه؟

    —————————————————————————————————————————————-

    مفهوم الشخص




    الطرح الإشكالي

    إن الحديث عن الشخص هو حديث عن الذات أو الأنا، والشخص هو مجموع السمات المميزة للفرد الذي هو في الأصل كيان نفسي واجتماعي متشابه مع الآخرين، ومتميز عنهم في نفس الوقت. لكن هويته ليست معطى جاهزا، بل هي خلاصة تفاعل عدة عناصر فيها ما هو بيولوجي، وما هو نفسي، وما هو اجتماعي… وهذا ما يجعلنا نطرح إشكال الشخص على شكل أسئلة فلسفية وهي

    فيما تتمثل هوية الشخص؟

    أين تكمن قيمته؟

    هل الشخص حر في تصرفاته؟ أم يخضع لضرورات حتمية؟

    أولا: الشخص والهوية

    أ- الهوية والشعور

    تتمثل هوية الشخص – في نظر جون لوك – في كونه كائنا عاقلا قادرا على التفكير والتأمل بواسطة الشعور الذي يكون لديه عن أفعاله الخاصة، حيث لا يمكن الفصل بين الشعور والفكر، لأن الكائن البشري لا يمكن أن يعرف أنه يفكر إلا إذا شعر أنه يفكر. وكلما امتد هذا الشعور ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية، اتسعت وامتدت هوية الشخص لتشمل الذاكرة، لأن الفعل الماضي صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر

    إن هذا الشعور، حسب لوك، هو الذي يشكل الهوية الشخصية للفرد التي تجعله يشعر أنه هو هو لا يتغير، كما تجعله يشعر باختلافه عن الآخرين

    ب- الهوية والإرادة

    يلاحظ آرثر شوبنهاور، أن الفرد يكبر ويشيخ، لكنه يحس في أعماقه أنه لازال هو هو كما كان في شبابه وحتى في طفولته. هذا العنصر الثابت هو الذي يشكل هوية الشخص. إلا أن شوبنهاور لا يرجع أصل الهوية إلى

    الجسم : لأن هذا الأخير يتغير عبر السنين، سواء على مستوى مادته أو صورته، في حين أن الهوية ثابتة

    الشعور بالذاكرة والماضي: لأن الكثير من الأحداث الماضية للفرد يطويها النسيان. كما أن إصابة في المخ قد تحرمه من الذاكرة بشكل كلي، ومع ذلك فهو لا يفقد هويته

    العقل والتفكير: لأنه ليس إلا وظيفة بسيطة للمخ

    إن هوية الشخص – في تصور شوبنهاور – تتمثل في الإرادة، أي في أن نريد أو لا نريد

    ثانيا: قيمة الشخص

    أ- قيمة الشخص في ذاته

    إن الكائنات العاقلة (الأشخاص) – في تصور إيمانويل كانط – لها قيمة مطلقة، باعتبارها غاية في حد ذاتها، وليست مجرد وسيلة لغايات أخرى. في مقابل الموضوعات غير العاقلة (الأشياء) التي ليست لها إلا قيمة نسبية، قيمة مشروطة بميولات وحاجات الإنسان لها، حيث لو لم تكن هذه الميولات والحاجات موجودة، لكانت تلك الموضوعات بدون قيمة. إن لها قيمة الوسائل فقط

    وهذا ما يحتم على الشخص، حسب كانط، الالتزام بمبدأ عقلي أخلاقي عملي هو: إن الطبيعة العاقلة (الشخص) توجد كغاية في ذاتها

    ب– قيمة الشخص والجماعة

    إن فكرة استقلال الذات المفكرة والشخص الأخلاقي، وكما تمت صياغتها من طرف الفلاسفة (ديكارت، كانط..)، لم تتحقق في الفكر الإنساني إلا في وقت متأخر، في نظر جورج غوسدورف. لكن بالرجوع إلى بداية الوجود الإنساني، وكما عاشها الناس فعليا، فإننا نجد الفرد كان يعيش ضمن الجماعة من خلال أشكال التضامن البسيطة والأساسية (الأسرة ، العشيرة، القبيلة..) التي سمحت لهذه الجماعة بالبقاء

    إن قيمة الشخص إذن لا تتحدد في مجال الوجود الفردي، حسب غوسدورف. ولكن في مجال التعايش داخل المجموعة البشرية

    ثالثا: الشخص بين الضرورة والحرية

    أ– الشخص والضرورة

    لقد أقر سيغموند فرويد للأنا بوجود مستقل، كأحد مكونات الجهاز النفسي للشخصية، وله نشاط شعوري يتمثل في الإدراك الحسي الخارجي والإدراك الحسي الداخلي، والعمليات الفكرية. ويضطر للخضوع لثلاث ضغوطات متناقضة، وهي الهو الذي يتمثل في الدوافع الفطرية والغريزية. والأنا الأعلى الذي يتجلى في الممنوعات الصادرة عن المثل الأخلاقية، والعقاب الذي تمارسه بواسطة تأنيب الضمير. إضافة، إلى الحواجز التي يضعها العالم الخارجي والاجتماعي

    إن الأنا يخضع، حسب فرويد، لضرورات الهو، والأنا الأعلى، والعالم الخارجي

    ب– الشخص والحرية

    إن الإنسان – حسب ج.ب. سارتر – يوجد أولا، أي ينبثق في هذا العالم، ثم يتحدد بعد ذلك وفق ما سيصنع بنفسه، وكما يريد أن يكون في المستقبل. إن الإنسان مشروع يعاش بكيفية ذاتية. هذا الكائن المادي يتجاوز دائما الوضعية التي يوجد فيها، ويحددها، وذلك بالتعالي عليها لكي يتموضع بواسطة الشغل أو الفعل أو الحركة في إحدى الإمكانات المتاحة أمامه. وبما أن هذه الوثبة تتخذ أشكالا متنوعة بحسب الأفراد، فإننا نسميها كذلك اختيارا وحرية

    إن الشخص، في نظر سارتر، يتمثل قي قدرته على الحرية في الاختيار

    استنتاجات عامة

    إن هوية الشخص ليست معطى بسيطا، بل هي عنصرا مركبا يتشكل من مجموع السمات التي تميز ذات الإنسان، والتي تتجلى في الخصائص الجوهرية والثابتة فيه كالعقل، والشعور، والإرادة

    إن قيمة الشخص ذات طبيعة مزدوجة، فهي قيمة تمسه كفرد يمتلك كرامة تلزمنا أن نتعامل معه كغاية في ذاته. كما تمسه كعنصر داخل الجماعة ما دامت الجماعة هي التي تمنح الفرد قيمته

    إن الشخص يخضع لمجموعة من الشروط التي تتحكم في أفعاله وتصرفاته، لكنه في نفس الوقت يمتلك هامشا من الحرية، يستطيع من خلاله أن يعدّل، إن لم نقل يغير تلك الشروط

    —————————————————————————————————————————————-

    مفهوم الغير




    الطرح الإشكالي

    إن مفهوم الغير من المفاهيم الفلسفية الحديثة التي لم تحتل مركز الصدارة إلا مع فلسفة هيغل، بعدما كان كل اهتمام التفكير الفلسفي يتمحور حول الذات، وبما أن الذات قد تنتج أفكارا خاطئة حول موضوعات خارجية نتيجة خداع الحواس، فإن هذا الأمر قد يدفع إلى الشك في الغير، ووضع وجوده بين قوسين. مما يترتب عن ذلك أن إنتاج معرفة حول الغير تتميز بالاختلاف، بل احتمال عدم إنتاجها أصلا. إضافة إلى تعدد وتنوع العلاقة التي تربطنا به، وهذا ما يمكن التعبير عنه بواسطة الأسئلة الآتية

    هل الغير موجود أم لا؟

    هل معرفة الغير ممكنة؟ وإن كانت كذلك، كيف يمكن أن نبني هذه المعرفة؟

    ما طبيعة العلاقة التي تربط الذات بالغير؟

    أولا: وجود الغير

    أ– وجود الغير والصراع

    يكون وعي الذات وجودا بسيطا لذاته – حسب فريدريك هيغل – تقوم ماهيته في كونه أنا. غير أن الآخر هو أيضا وعي لذاته، باعتباره لا- أنا. هكذا تنبثق ذات أمام ذات، يكون كل واحد بالنسبة للآخر عبارة عن موضوع. كل منهما متيقن من وجود ذاته، وليس متيقنا من وجود الآخر. لكن مازال لم يقدم بعد أحدهما نفسه للآخر. تتمثل عملية تقديم الذات لنفسها أمام الآخر، في إظهار أنها ليست متشبثة بالحياة، وهي نفس العملية التي يقوم بها الآخر، حينما يسعى إلى موت الآخر، أي الأنا

    إن وجود الغير بالنسبة للأنا – في تصور هيغل – يتم بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت، لأن على كل منهما أن يسمو بيقين وجوده إلى مستوى الحقيقة بالنسبة لذاته، وبالنسبة للآخر

    ب– وجود الغير ووجود الذات

    إن الموجود- هنا، باعتباره وجودا فرديا خاصا، لا يكون مطابقا لذاته – في نظر مارتن هايدغر – عندما يوجد على نمط الوجود- مع- الغير. فهذا الوجود- المشترك يذيب كليا الموجود- هنا، الذي هو وجودي الخاص، في نمط وجود الغير، بحيث يجعل الآخرين يختفون ويفقدون ما يميزهم، وما ينفردون به. مما يسمح بسيطرة الضمير المبني للمجهول. هذا المجهول ليس شخصا متعينا، إنه لا أحد، كما أن بإمكان أي كان أن يمثله

    إن وجود الغير- في تصور هايدغر- يهدد وجود الذات من خلال إذابتها وسط الآخرين، ووسط المجهول

    ثانيا: معرفة الغير

    ب– الغير والحميمية

    إن حميميتي، أي حياتي الخاصة، هي عائق أمام كل تواصل مع الغير- يقول غاستون بيرجي- حيث تجعلني سجين ذاتي. فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي بالنسبة لي، وهي تجربة غير قابلة للنقل إلى الآخر. فأنا أعيش وحيدا وأشعر بالعزلة. كما أن عالم الغير منغلق أمامي بقدر انغلاق عالمي أمامه. فعندما يتألم الغير، يمكنني مساعدته، ومواساته ومحاولة تخفيف الألم الذي يمزقه غير أن ألمه يبقى رغم ذلك. ألما خارجيا بالنسبة لذاتي، فتجربة الألم تظل تجربته الشخصية، وليست تجربتي

    وهكذا تتعذر معرفة الغير- في نظر بيرجي- مادام الإنسان كائنا سجينا في آلامه، ومنعزلا في لذّاته، ووحيدا في موته، محكوما عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل



    أ– الغير بنية

    إن الغير ليس فردا مشخصا بعينه – حسب جيل دولوز- بل هو بنية أو نظام العلاقات والتفاعلات بين الذوات والأشخاص. يتجلى هذا النظام في المجال الإدراكي الحسي، مثلا فأنا حين أدرك الأشياء المحيطة بي، لا أدركها كلها ومن جميع جهاتها وجوانبها وباستمرار. وهذا يفترض أن يكون ثمة آخرون يدركون مالا أدركه من الأشياء، وفي الوقت الذي لا أدركه، وإلا بدت الأشياء وكأنها تنعدم حين لا أدركها وتعود إلى الوجود حين أدركها مجددا. وإذا كان هذا مستحيلا، فإن الغير إذن يشاركني إدراك الأشياء، ويكمل إدراكي لها

    وهكذا يجرد دولوز الغير من معناه الفردي المشخص، ويضمنه معنى بنيويا

    ثالثا: العلاقة مع الغير

    أ- علاقة الصداقة

    إن الصداقة باعتبارها مثالا، هي اتحاد شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب والاحترام، في نظر إيمانويل كانط. وغاية هذا المثال هو تحقيق الخير للصديقين الذين جمعت بينهما إرادة طيبة، يتولد عن مشاعر الحب تجاذب بين الصديقين، في حين يتولد عن مشاعر الاحترام تباعد بينهما. إذا تناولنا الصداقة من جانبها الأخلاقي، فواجب الصديق تنبيه صديقه إلى أخطائه متى ارتكابها، لأن الأول يقوم بهذا التنبيه لأجل خير الثاني،وهذا واجب حب الأول للثاني. بينما تشكل أخطاء الثاني تجاه الصديق الأول إخلالا بمبدأ الاحترام بينهما

    لا يجب إذن أن تقوم الصداقة- حسب كانط- على منافع مباشرة ومتبادلة، بل يجب أن تقوم على أساس أخلاقي خالص

    ب- علاقة الغرابة

    لقد رفضت جوليا كريستيفا المعنى اليوناني القديم لمفهوم الغريب المرتبط بالآخر، الذي نكن له مشاعر الحقد باعتباره ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة، أو ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى المجتمع. إن الغريب في نظرها يسكننا على نحو غريب. ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا، نستبعد أن نبغضه في ذاته. إن الغريب يبدأ عندما ينشأ لديّ- تقول كريستيفا- الوعي باختلافي، وينتهي عندما نتعرف على أنفسنا جميعا وندرك أننا غرباء متمردون على الروابط والجماعات

    كما انتقدت كريستيفا الدلالة الحقوقية المعاصرة للغريب التي تطلق على من لا يتمتع بمواطنة البلد الذي يقطنه، لأنها تسكت عن وضعية المختلف التي يتخذها الإنسان داخل جماعة بشرية تنغلق على نفسها مقصية المخالفين لها

    استنتاجات عامة

    هناك فرق بين الآخر والغير، فإذا كان الآخر هو ذلك الكائن المادي الذي يتميز بوجود واقعي إلى جانب أو في مقابل الذات، فإن الغير مفهوم فلسفي نظري يتضمن الخصائص المجردة للآخر

    إن مفهوم الغير، مفهوم يتضمن معرفة متناقضة حول الآخر. فتارة يحدده كأنا آخر باعتباره متطابقا مع الذات، وطورا يحدده باعتباره لا- أنا مركزا على مظاهر التناقض مع الذات

    إن العلاقة مع الغير في الحقيقة هي علاقة بصيغة الجمع، تتميز بالتعدد والتنوع. تبدأ بعلاقة الحب والاحترام والصداقة، مرورا بعلاقة الغرابة والقرابة… وتنتهي مع علاقة الصراع والتنافس والعداوة

    —————————————————————————————————————————————-

    *مفهوم التاريخ




    الطرح ا|لإشكالي

    إن الإنسان ليس كائنا ميتافيزيقيا يتعالى عن العالم المادي الملموس، بل إنه كائن تاريخي، كائن يتطور في الزمان والمكان، ويخضع لمجموعة من الشروط الموضوعية: اقتصادية، اجتماعية، سياسية… وهذا هو ما يسمى: التاريخ. الذي يثير قضايا فلسفية حول المعرفة التاريخية باعتبارها معرفة حول الماضي، لكنها في نفس الوقت لا يمكن أن تنفصل عن الحاضر بل والمستقبل. ومن بين المفاهيم المركزية في علم التاريخ نجد مفهوم التقدم الذي يختلف المؤرخون حول المسارات التي يتخذها. وأخيرا الدور المعقد الذي يتخذه الفاعل الأساسي في التاريخ، أي الإنسان. وهي قضايا يمكن صياغتها من خلال الأسئلة الموالية وهي

    ما هي المعرفة التاريخية؟

    هل للتقدم مسار واحد؟ أم مسارات متعددة؟

    من الذي يتحكم في الآخر؟ الإنسان أم التاريخ؟

    أولا: المعرفة التاريخية

    أ- التاريخ معرفة للماضي

    إننا نعيش في مجتمع معين، ونحافظ على آثار ما كان موجودا من قبل. نحفظ الوثائق ونصون الآثار ونرممها، ويمكننا، انطلاقا من هذه الآثار، حسب ريمون أرون، إعادة بناء ما عاشه الذين سبقونا بهذا القدر أو ذاك. وبهذا المعنى، تصبح المعرفة التاريخية هي إعادة بناء ما كان موجودا ولم يعد كأثر، غير أنها عملية تخص زمانا ومكانا محددين، ولا تخص إعادة بناء مجردة للماضي

    ب- التاريخ معرفة علمية

    إن فهم الماضي من خلال الآثار والوثائق هو في جوهره ملاحظة، والملاحظة- في نظر بول ريكور – ليست تسجيلا وتدوينا للوقائع بشكلها الخام. إنها إعادة تكوين حدث ما، أو سلسلة من الأحداث، أو وضعية، أو مؤسسة، انطلاقا من الوثائق بعد أن خضعت للمساءلة، وثم استنطاقها من طرف المؤرخ. وهذا العمل المنهجي هو الذي يجعل الأثر التاريخي وثيقة دالة، ويجعل من الماضي واقعا تاريخيا أو حدثا تاريخيا

    وهكذا يتمكن المؤرخ- حسب ريكور- معتمدا على الوثائق، ومنطلقا من الملاحظة المنهجية، من بناء الوقائع التاريخية

    ثانيا: التاريخ وفكرة التقدم

    أ- المسار الحتمي للتقدم

    يدخل الناس، بمناسبة الإنتاج الاجتماعي لشروط وجودهم، في علاقات محددة وضرورية مستقلة عن إرادتهم، حسب كارل ماركس. وتعكس علاقات الإنتاج درجة تطور قوى الإنتاج المادي. وتشكل مجموع علاقات الإنتاج، البنية التحتية والاقتصادية للمجتمع، والأساس الملموس الذي تقوم عليه البنية الفوقية التي تقابلها أشكال الوعي الاجتماعية. إن نمط إنتاج الحياة المادية يشرط سيرورة الحياة الاجتماعية والسياسية و الفكرية عموما. وفي مرحلة معينة من تطور قوى الإنتاج المادية للمجتمع تدخل هذه الأخيرة في تناقض مع علاقات الإنتاج لتبدأ مرحلة الثورات الاجتماعية، يمكن تصنيف أنماط الإنتاج: العبودي، الفيودالي، والرأسمالي بأنها عصور وحقب متدرجة للتركيبة الاجتماعية- الاقتصادية. فعلاقات الإنتاج التي تميز نمط الإنتاج الرأسمالي هي آخر نمط إنتاج متناقض في سيرورة الإنتاج الاجتماعي، ومع هذه التشكيلة الاجتماعية الأخيرة، ينتهي ما قبل تاريخ المجتمع البشري، حسب التصور الماركسي

    ب- إمكانيات التقدم التاريخي

    لقد اعترض موريس ميرلوبونتي على كل تصور آلي منغلق يخضع للضرورة، يجعل التاريخ يتقدم نحو اتجاه محدد مسبقا. لهذا حافظ ميرلوبونتي على مسافة نقدية مع التصور الماركسي، حيث يمكن للنمو الاقتصادي مثلا أن يكون متقدما على النمو الإيديولوجي، أو يمكن للنضج الإيديولوجي أن يحدث فجأة دون أن تتهيأ الشروط الموضوعية لذلك، أو عندما لا تكون الشروط مساعدة على الثورة، إننا حين نتخلى بصفة نهائية عن التصور الحتمي، لصالح تصور عقلاني للتاريخ، لا يصبح منطق التاريخ غير إمكانية ضمن إمكانات أخرى

    ثالثا: دور الإنسان في التاريخ

    أ- التاريخ والروح المطلقة

    إن سيرورة التاريخ في- في نظر فريديريك هيغل- محكومة بالروح المطلقة، من خلال أعمال العظماء والأبطال الذين يدركون جوهر هذه الروح، حيث يعملون على إخراجها من الخفاء إلى الظاهر عندما يحققونها في التاريخ حسب منطق التطور، وهذا ما يدفع الناس إلى التحلق حول العظماء لأنهم يعرفون أن هؤلاء الشخصيات تمثل الاتجاه العميق للتاريخ، لأن أفعالهم وخطاباتهم هي أحسن ما يتوفر عليه عصرهم. ثم يتخلى عنهم التاريخ بعد أن يحقق ذاته من خلالهم، إما يموتون شبابا كالإسكندر الأكبر، أو يقتلون كالقيصر، أو ينفون كنابليون

    إن دور الإنسان في التاريخ من خلال ما ينجزه العظماء- حسب هيغل- يتمثل في كونهم مجرد وسائل لتحقيق وتجسيد الروح المطلقة

    ب- الإنسان صانع لتاريخه

    إن الإنسان- حسب ج. ب. سارتر- يتميز بقدرته على تجاوز وضعه لأنه يستطيع أن يفعل شيئا بما يُفْعَلُ به. إن هذه القدرة على التجاوز هي أساس كل ما هو إنساني، وهو ما نسميه المشروع، الذي هو نفي وإبداع: أي نفي ما هو معطى بواسطة الممارسة والفعل، وإبداع أو بناء موضوع لم يظهر مكتملا بعد، ولا يتصور أحد هذا التجاوز لما هو معطى إلا في إطار علاقة الإنسان بممكناته. إن حقل الممكنات هو الهدف الذي يقصده الإنسان لتجاوز وضعيته

    إن الفرد- بالنسبة لسارتر- يصنع التاريخ عندما يتجاوز وضعيته نحو حقل ممكناته، من خلال تحقيق إحداهما

    استنتاجات عامة

    إن التاريخ في عمقه هو علم يتخذ من دراسة الماضي موضوعا له، إلا أن دراسة الماضي ليست غاية في ذاتها، بل هي عملية بتم من خلالها التعرف على تجارب الماضي وذلك قصد عدم تكرار الإخفاقات، واستثمار التجارب الناجحة لبناء المستقبل

    إن التاريخ يخضع لقانون التقدم، رغم بعض التقطعات، ولحظات التراجع الطارئة، إلا أن هذا التطور لا يتخذ خطا واحدا من المفروض على كل المجتمعات أن تلتزم به، بل إنه يتحقق بطرق متعددة ومتنوعة حسب خصوصية كل مجتمع

    إن هناك علاقة جدلية بين الإنسان والتاريخ باعتبار أن الإنسان كائن تاريخي، كما أن التاريخ معطى إنساني، وهكذا فالإنسان يصنع تاريخه بقدر ما يصنع التاريخ الإنسان



    —————————————————————————————————————————————-

    استنتاجات حول مجزوءة الوضع البشري


    إن الوضع البشري معطى تتداخل في تشكله عدة عناصر ومكونات وهي: الذات، والآخر، وماضي الإنسان، والعلاقة المتشابكة بينهما

    تتمثل الضرورة في الوضع البشري

    على مستوى الشخص: في القوانين البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تخضع لها الذات

    على مستوى الغير: في الخضوع للقوانين الأخلاقية، إضافة إلى التواجد مع الآخر، وضرورة العلاقة معه

    على مستوى التاريخ: في خضوع الكائن البشري لشروط تاريخية حتمية تتطور في استقلال عن إرادة الأفراد

    تتمثل الحرية في الوضع البشري

    على مستوى الشخص: في تجاوز الفرد لوضعه الحالي ليصنع من ذاته ما يشاء في المستقبل

    على مستوى الغير: في خلقه لمسافة مع الآخر تجعله مستقلا عنه، وليس تابعا له

    على مستوى التاريخ: في الإرادة وحرية الاختيار التي يتميز بها الإنسان. والتي تؤهله للانفلات من الحتمية التاريخية ليصبح صانعا لتاريخه الخاص

    ———————

    *مفهوم التاريخ، خاص بشعبة الآداب
    للفائدة
     
  5. #5
    Prof Adam

    Prof Adam مدون مجتهد

    تقديم عام للمجزوءة


    إن الوضع البشري بنية مركبة تتميز بالتعقيد، حيث تتداخل فيه عدة مستويات، منها ما هو ذاتي، وما هو موضوعي، وما هو علائقي، وما هو زماني، إذ يتحدد الكائن البشري ذاتيا بالوعي، وموضوعيا بالتواجد مع الغير، والعلاقة التي تربط بينهما (الذات – الغير)، إضافة إلى الامتداد في الزمان التاريخي

    فالكائن البشري، فرد ذو ملامح بيولوجية، ونفسية، وذهنية خاصة. تجعل منه شخصا محددا يتمتع بقسط من حرية الإرادة، لكنه في نفس الوقت مشروط بمحددات اجتماعية ونفسية لا واعية، لكن تَشَكُّلُه لا يتم في معزل عن الغير. وهكذا فوجود الغير والعلاقة معه شرط ضروري لبناء الذات. إن هذا البعد الغيري، هو بعد ضروري إلى درجة اعتبار العزل الانفرادي للشخص شكلا من أشكال العقاب القاسي. لكن العلاقة مع الغير هي جزء من علاقة أوسع هي العلاقات الاجتماعية، لأن الآخرين ليسوا مجرد أفراد متناثرين هنا وهناك، بل يشكلون نظاما جماعيا عاما منظما اقتصاديا وسياسيا وإداريا هو المجتمع، الذي يخضع لصيرورة زمنية تطورية يترابط فيها الماضي والحاضر بالمستقبل تسمى: التاريخ

    وهذا ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية

    أين تكمن الطبيعة الجوهرية للشخص؟

    ما العلاقة التي تربطه بالغير؟

    كيف يساهم الإنسان في صنع تاريخه؟

    —————————————————————————————————————————————-

    مفهوم الشخص




    الطرح الإشكالي

    إن الحديث عن الشخص هو حديث عن الذات أو الأنا، والشخص هو مجموع السمات المميزة للفرد الذي هو في الأصل كيان نفسي واجتماعي متشابه مع الآخرين، ومتميز عنهم في نفس الوقت. لكن هويته ليست معطى جاهزا، بل هي خلاصة تفاعل عدة عناصر فيها ما هو بيولوجي، وما هو نفسي، وما هو اجتماعي… وهذا ما يجعلنا نطرح إشكال الشخص على شكل أسئلة فلسفية وهي

    فيما تتمثل هوية الشخص؟

    أين تكمن قيمته؟

    هل الشخص حر في تصرفاته؟ أم يخضع لضرورات حتمية؟

    أولا: الشخص والهوية

    أ- الهوية والشعور

    تتمثل هوية الشخص – في نظر جون لوك – في كونه كائنا عاقلا قادرا على التفكير والتأمل بواسطة الشعور الذي يكون لديه عن أفعاله الخاصة، حيث لا يمكن الفصل بين الشعور والفكر، لأن الكائن البشري لا يمكن أن يعرف أنه يفكر إلا إذا شعر أنه يفكر. وكلما امتد هذا الشعور ليصل إلى الأفعال والأفكار الماضية، اتسعت وامتدت هوية الشخص لتشمل الذاكرة، لأن الفعل الماضي صدر عن الذات نفسها التي تدركه في الحاضر

    إن هذا الشعور، حسب لوك، هو الذي يشكل الهوية الشخصية للفرد التي تجعله يشعر أنه هو هو لا يتغير، كما تجعله يشعر باختلافه عن الآخرين

    ب- الهوية والإرادة

    يلاحظ آرثر شوبنهاور، أن الفرد يكبر ويشيخ، لكنه يحس في أعماقه أنه لازال هو هو كما كان في شبابه وحتى في طفولته. هذا العنصر الثابت هو الذي يشكل هوية الشخص. إلا أن شوبنهاور لا يرجع أصل الهوية إلى

    الجسم : لأن هذا الأخير يتغير عبر السنين، سواء على مستوى مادته أو صورته، في حين أن الهوية ثابتة

    الشعور بالذاكرة والماضي: لأن الكثير من الأحداث الماضية للفرد يطويها النسيان. كما أن إصابة في المخ قد تحرمه من الذاكرة بشكل كلي، ومع ذلك فهو لا يفقد هويته

    العقل والتفكير: لأنه ليس إلا وظيفة بسيطة للمخ

    إن هوية الشخص – في تصور شوبنهاور – تتمثل في الإرادة، أي في أن نريد أو لا نريد

    ثانيا: قيمة الشخص

    أ- قيمة الشخص في ذاته

    إن الكائنات العاقلة (الأشخاص) – في تصور إيمانويل كانط – لها قيمة مطلقة، باعتبارها غاية في حد ذاتها، وليست مجرد وسيلة لغايات أخرى. في مقابل الموضوعات غير العاقلة (الأشياء) التي ليست لها إلا قيمة نسبية، قيمة مشروطة بميولات وحاجات الإنسان لها، حيث لو لم تكن هذه الميولات والحاجات موجودة، لكانت تلك الموضوعات بدون قيمة. إن لها قيمة الوسائل فقط

    وهذا ما يحتم على الشخص، حسب كانط، الالتزام بمبدأ عقلي أخلاقي عملي هو: إن الطبيعة العاقلة (الشخص) توجد كغاية في ذاتها

    ب– قيمة الشخص والجماعة

    إن فكرة استقلال الذات المفكرة والشخص الأخلاقي، وكما تمت صياغتها من طرف الفلاسفة (ديكارت، كانط..)، لم تتحقق في الفكر الإنساني إلا في وقت متأخر، في نظر جورج غوسدورف. لكن بالرجوع إلى بداية الوجود الإنساني، وكما عاشها الناس فعليا، فإننا نجد الفرد كان يعيش ضمن الجماعة من خلال أشكال التضامن البسيطة والأساسية (الأسرة ، العشيرة، القبيلة..) التي سمحت لهذه الجماعة بالبقاء

    إن قيمة الشخص إذن لا تتحدد في مجال الوجود الفردي، حسب غوسدورف. ولكن في مجال التعايش داخل المجموعة البشرية

    ثالثا: الشخص بين الضرورة والحرية

    أ– الشخص والضرورة

    لقد أقر سيغموند فرويد للأنا بوجود مستقل، كأحد مكونات الجهاز النفسي للشخصية، وله نشاط شعوري يتمثل في الإدراك الحسي الخارجي والإدراك الحسي الداخلي، والعمليات الفكرية. ويضطر للخضوع لثلاث ضغوطات متناقضة، وهي الهو الذي يتمثل في الدوافع الفطرية والغريزية. والأنا الأعلى الذي يتجلى في الممنوعات الصادرة عن المثل الأخلاقية، والعقاب الذي تمارسه بواسطة تأنيب الضمير. إضافة، إلى الحواجز التي يضعها العالم الخارجي والاجتماعي

    إن الأنا يخضع، حسب فرويد، لضرورات الهو، والأنا الأعلى، والعالم الخارجي

    ب– الشخص والحرية

    إن الإنسان – حسب ج.ب. سارتر – يوجد أولا، أي ينبثق في هذا العالم، ثم يتحدد بعد ذلك وفق ما سيصنع بنفسه، وكما يريد أن يكون في المستقبل. إن الإنسان مشروع يعاش بكيفية ذاتية. هذا الكائن المادي يتجاوز دائما الوضعية التي يوجد فيها، ويحددها، وذلك بالتعالي عليها لكي يتموضع بواسطة الشغل أو الفعل أو الحركة في إحدى الإمكانات المتاحة أمامه. وبما أن هذه الوثبة تتخذ أشكالا متنوعة بحسب الأفراد، فإننا نسميها كذلك اختيارا وحرية

    إن الشخص، في نظر سارتر، يتمثل قي قدرته على الحرية في الاختيار

    استنتاجات عامة

    إن هوية الشخص ليست معطى بسيطا، بل هي عنصرا مركبا يتشكل من مجموع السمات التي تميز ذات الإنسان، والتي تتجلى في الخصائص الجوهرية والثابتة فيه كالعقل، والشعور، والإرادة

    إن قيمة الشخص ذات طبيعة مزدوجة، فهي قيمة تمسه كفرد يمتلك كرامة تلزمنا أن نتعامل معه كغاية في ذاته. كما تمسه كعنصر داخل الجماعة ما دامت الجماعة هي التي تمنح الفرد قيمته

    إن الشخص يخضع لمجموعة من الشروط التي تتحكم في أفعاله وتصرفاته، لكنه في نفس الوقت يمتلك هامشا من الحرية، يستطيع من خلاله أن يعدّل، إن لم نقل يغير تلك الشروط

    —————————————————————————————————————————————-

    مفهوم الغير




    الطرح الإشكالي

    إن مفهوم الغير من المفاهيم الفلسفية الحديثة التي لم تحتل مركز الصدارة إلا مع فلسفة هيغل، بعدما كان كل اهتمام التفكير الفلسفي يتمحور حول الذات، وبما أن الذات قد تنتج أفكارا خاطئة حول موضوعات خارجية نتيجة خداع الحواس، فإن هذا الأمر قد يدفع إلى الشك في الغير، ووضع وجوده بين قوسين. مما يترتب عن ذلك أن إنتاج معرفة حول الغير تتميز بالاختلاف، بل احتمال عدم إنتاجها أصلا. إضافة إلى تعدد وتنوع العلاقة التي تربطنا به، وهذا ما يمكن التعبير عنه بواسطة الأسئلة الآتية

    هل الغير موجود أم لا؟

    هل معرفة الغير ممكنة؟ وإن كانت كذلك، كيف يمكن أن نبني هذه المعرفة؟

    ما طبيعة العلاقة التي تربط الذات بالغير؟

    أولا: وجود الغير

    أ– وجود الغير والصراع

    يكون وعي الذات وجودا بسيطا لذاته – حسب فريدريك هيغل – تقوم ماهيته في كونه أنا. غير أن الآخر هو أيضا وعي لذاته، باعتباره لا- أنا. هكذا تنبثق ذات أمام ذات، يكون كل واحد بالنسبة للآخر عبارة عن موضوع. كل منهما متيقن من وجود ذاته، وليس متيقنا من وجود الآخر. لكن مازال لم يقدم بعد أحدهما نفسه للآخر. تتمثل عملية تقديم الذات لنفسها أمام الآخر، في إظهار أنها ليست متشبثة بالحياة، وهي نفس العملية التي يقوم بها الآخر، حينما يسعى إلى موت الآخر، أي الأنا

    إن وجود الغير بالنسبة للأنا – في تصور هيغل – يتم بواسطة الصراع من أجل الحياة والموت، لأن على كل منهما أن يسمو بيقين وجوده إلى مستوى الحقيقة بالنسبة لذاته، وبالنسبة للآخر

    ب– وجود الغير ووجود الذات

    إن الموجود- هنا، باعتباره وجودا فرديا خاصا، لا يكون مطابقا لذاته – في نظر مارتن هايدغر – عندما يوجد على نمط الوجود- مع- الغير. فهذا الوجود- المشترك يذيب كليا الموجود- هنا، الذي هو وجودي الخاص، في نمط وجود الغير، بحيث يجعل الآخرين يختفون ويفقدون ما يميزهم، وما ينفردون به. مما يسمح بسيطرة الضمير المبني للمجهول. هذا المجهول ليس شخصا متعينا، إنه لا أحد، كما أن بإمكان أي كان أن يمثله

    إن وجود الغير- في تصور هايدغر- يهدد وجود الذات من خلال إذابتها وسط الآخرين، ووسط المجهول

    ثانيا: معرفة الغير

    ب– الغير والحميمية

    إن حميميتي، أي حياتي الخاصة، هي عائق أمام كل تواصل مع الغير- يقول غاستون بيرجي- حيث تجعلني سجين ذاتي. فالتجربة الذاتية وحدها هي الوجود الحقيقي بالنسبة لي، وهي تجربة غير قابلة للنقل إلى الآخر. فأنا أعيش وحيدا وأشعر بالعزلة. كما أن عالم الغير منغلق أمامي بقدر انغلاق عالمي أمامه. فعندما يتألم الغير، يمكنني مساعدته، ومواساته ومحاولة تخفيف الألم الذي يمزقه غير أن ألمه يبقى رغم ذلك. ألما خارجيا بالنسبة لذاتي، فتجربة الألم تظل تجربته الشخصية، وليست تجربتي

    وهكذا تتعذر معرفة الغير- في نظر بيرجي- مادام الإنسان كائنا سجينا في آلامه، ومنعزلا في لذّاته، ووحيدا في موته، محكوما عليه بأن لا يشبع أبدا رغبته في التواصل



    أ– الغير بنية

    إن الغير ليس فردا مشخصا بعينه – حسب جيل دولوز- بل هو بنية أو نظام العلاقات والتفاعلات بين الذوات والأشخاص. يتجلى هذا النظام في المجال الإدراكي الحسي، مثلا فأنا حين أدرك الأشياء المحيطة بي، لا أدركها كلها ومن جميع جهاتها وجوانبها وباستمرار. وهذا يفترض أن يكون ثمة آخرون يدركون مالا أدركه من الأشياء، وفي الوقت الذي لا أدركه، وإلا بدت الأشياء وكأنها تنعدم حين لا أدركها وتعود إلى الوجود حين أدركها مجددا. وإذا كان هذا مستحيلا، فإن الغير إذن يشاركني إدراك الأشياء، ويكمل إدراكي لها

    وهكذا يجرد دولوز الغير من معناه الفردي المشخص، ويضمنه معنى بنيويا

    ثالثا: العلاقة مع الغير

    أ- علاقة الصداقة

    إن الصداقة باعتبارها مثالا، هي اتحاد شخصين يتبادلان نفس مشاعر الحب والاحترام، في نظر إيمانويل كانط. وغاية هذا المثال هو تحقيق الخير للصديقين الذين جمعت بينهما إرادة طيبة، يتولد عن مشاعر الحب تجاذب بين الصديقين، في حين يتولد عن مشاعر الاحترام تباعد بينهما. إذا تناولنا الصداقة من جانبها الأخلاقي، فواجب الصديق تنبيه صديقه إلى أخطائه متى ارتكابها، لأن الأول يقوم بهذا التنبيه لأجل خير الثاني،وهذا واجب حب الأول للثاني. بينما تشكل أخطاء الثاني تجاه الصديق الأول إخلالا بمبدأ الاحترام بينهما

    لا يجب إذن أن تقوم الصداقة- حسب كانط- على منافع مباشرة ومتبادلة، بل يجب أن تقوم على أساس أخلاقي خالص

    ب- علاقة الغرابة

    لقد رفضت جوليا كريستيفا المعنى اليوناني القديم لمفهوم الغريب المرتبط بالآخر، الذي نكن له مشاعر الحقد باعتباره ذلك الدخيل المسؤول عن شرور المدينة، أو ذلك العدو الذي يتعين القضاء عليه لإعادة السلم إلى المجتمع. إن الغريب في نظرها يسكننا على نحو غريب. ونحن إذ نتعرف على الغريب فينا، نستبعد أن نبغضه في ذاته. إن الغريب يبدأ عندما ينشأ لديّ- تقول كريستيفا- الوعي باختلافي، وينتهي عندما نتعرف على أنفسنا جميعا وندرك أننا غرباء متمردون على الروابط والجماعات

    كما انتقدت كريستيفا الدلالة الحقوقية المعاصرة للغريب التي تطلق على من لا يتمتع بمواطنة البلد الذي يقطنه، لأنها تسكت عن وضعية المختلف التي يتخذها الإنسان داخل جماعة بشرية تنغلق على نفسها مقصية المخالفين لها

    استنتاجات عامة

    هناك فرق بين الآخر والغير، فإذا كان الآخر هو ذلك الكائن المادي الذي يتميز بوجود واقعي إلى جانب أو في مقابل الذات، فإن الغير مفهوم فلسفي نظري يتضمن الخصائص المجردة للآخر

    إن مفهوم الغير، مفهوم يتضمن معرفة متناقضة حول الآخر. فتارة يحدده كأنا آخر باعتباره متطابقا مع الذات، وطورا يحدده باعتباره لا- أنا مركزا على مظاهر التناقض مع الذات

    إن العلاقة مع الغير في الحقيقة هي علاقة بصيغة الجمع، تتميز بالتعدد والتنوع. تبدأ بعلاقة الحب والاحترام والصداقة، مرورا بعلاقة الغرابة والقرابة… وتنتهي مع علاقة الصراع والتنافس والعداوة

    —————————————————————————————————————————————-

    *مفهوم التاريخ




    الطرح ا|لإشكالي

    إن الإنسان ليس كائنا ميتافيزيقيا يتعالى عن العالم المادي الملموس، بل إنه كائن تاريخي، كائن يتطور في الزمان والمكان، ويخضع لمجموعة من الشروط الموضوعية: اقتصادية، اجتماعية، سياسية… وهذا هو ما يسمى: التاريخ. الذي يثير قضايا فلسفية حول المعرفة التاريخية باعتبارها معرفة حول الماضي، لكنها في نفس الوقت لا يمكن أن تنفصل عن الحاضر بل والمستقبل. ومن بين المفاهيم المركزية في علم التاريخ نجد مفهوم التقدم الذي يختلف المؤرخون حول المسارات التي يتخذها. وأخيرا الدور المعقد الذي يتخذه الفاعل الأساسي في التاريخ، أي الإنسان. وهي قضايا يمكن صياغتها من خلال الأسئلة الموالية وهي

    ما هي المعرفة التاريخية؟

    هل للتقدم مسار واحد؟ أم مسارات متعددة؟

    من الذي يتحكم في الآخر؟ الإنسان أم التاريخ؟

    أولا: المعرفة التاريخية

    أ- التاريخ معرفة للماضي

    إننا نعيش في مجتمع معين، ونحافظ على آثار ما كان موجودا من قبل. نحفظ الوثائق ونصون الآثار ونرممها، ويمكننا، انطلاقا من هذه الآثار، حسب ريمون أرون، إعادة بناء ما عاشه الذين سبقونا بهذا القدر أو ذاك. وبهذا المعنى، تصبح المعرفة التاريخية هي إعادة بناء ما كان موجودا ولم يعد كأثر، غير أنها عملية تخص زمانا ومكانا محددين، ولا تخص إعادة بناء مجردة للماضي

    ب- التاريخ معرفة علمية

    إن فهم الماضي من خلال الآثار والوثائق هو في جوهره ملاحظة، والملاحظة- في نظر بول ريكور – ليست تسجيلا وتدوينا للوقائع بشكلها الخام. إنها إعادة تكوين حدث ما، أو سلسلة من الأحداث، أو وضعية، أو مؤسسة، انطلاقا من الوثائق بعد أن خضعت للمساءلة، وثم استنطاقها من طرف المؤرخ. وهذا العمل المنهجي هو الذي يجعل الأثر التاريخي وثيقة دالة، ويجعل من الماضي واقعا تاريخيا أو حدثا تاريخيا

    وهكذا يتمكن المؤرخ- حسب ريكور- معتمدا على الوثائق، ومنطلقا من الملاحظة المنهجية، من بناء الوقائع التاريخية

    ثانيا: التاريخ وفكرة التقدم

    أ- المسار الحتمي للتقدم

    يدخل الناس، بمناسبة الإنتاج الاجتماعي لشروط وجودهم، في علاقات محددة وضرورية مستقلة عن إرادتهم، حسب كارل ماركس. وتعكس علاقات الإنتاج درجة تطور قوى الإنتاج المادي. وتشكل مجموع علاقات الإنتاج، البنية التحتية والاقتصادية للمجتمع، والأساس الملموس الذي تقوم عليه البنية الفوقية التي تقابلها أشكال الوعي الاجتماعية. إن نمط إنتاج الحياة المادية يشرط سيرورة الحياة الاجتماعية والسياسية و الفكرية عموما. وفي مرحلة معينة من تطور قوى الإنتاج المادية للمجتمع تدخل هذه الأخيرة في تناقض مع علاقات الإنتاج لتبدأ مرحلة الثورات الاجتماعية، يمكن تصنيف أنماط الإنتاج: العبودي، الفيودالي، والرأسمالي بأنها عصور وحقب متدرجة للتركيبة الاجتماعية- الاقتصادية. فعلاقات الإنتاج التي تميز نمط الإنتاج الرأسمالي هي آخر نمط إنتاج متناقض في سيرورة الإنتاج الاجتماعي، ومع هذه التشكيلة الاجتماعية الأخيرة، ينتهي ما قبل تاريخ المجتمع البشري، حسب التصور الماركسي

    ب- إمكانيات التقدم التاريخي

    لقد اعترض موريس ميرلوبونتي على كل تصور آلي منغلق يخضع للضرورة، يجعل التاريخ يتقدم نحو اتجاه محدد مسبقا. لهذا حافظ ميرلوبونتي على مسافة نقدية مع التصور الماركسي، حيث يمكن للنمو الاقتصادي مثلا أن يكون متقدما على النمو الإيديولوجي، أو يمكن للنضج الإيديولوجي أن يحدث فجأة دون أن تتهيأ الشروط الموضوعية لذلك، أو عندما لا تكون الشروط مساعدة على الثورة، إننا حين نتخلى بصفة نهائية عن التصور الحتمي، لصالح تصور عقلاني للتاريخ، لا يصبح منطق التاريخ غير إمكانية ضمن إمكانات أخرى

    ثالثا: دور الإنسان في التاريخ

    أ- التاريخ والروح المطلقة

    إن سيرورة التاريخ في- في نظر فريديريك هيغل- محكومة بالروح المطلقة، من خلال أعمال العظماء والأبطال الذين يدركون جوهر هذه الروح، حيث يعملون على إخراجها من الخفاء إلى الظاهر عندما يحققونها في التاريخ حسب منطق التطور، وهذا ما يدفع الناس إلى التحلق حول العظماء لأنهم يعرفون أن هؤلاء الشخصيات تمثل الاتجاه العميق للتاريخ، لأن أفعالهم وخطاباتهم هي أحسن ما يتوفر عليه عصرهم. ثم يتخلى عنهم التاريخ بعد أن يحقق ذاته من خلالهم، إما يموتون شبابا كالإسكندر الأكبر، أو يقتلون كالقيصر، أو ينفون كنابليون

    إن دور الإنسان في التاريخ من خلال ما ينجزه العظماء- حسب هيغل- يتمثل في كونهم مجرد وسائل لتحقيق وتجسيد الروح المطلقة

    ب- الإنسان صانع لتاريخه

    إن الإنسان- حسب ج. ب. سارتر- يتميز بقدرته على تجاوز وضعه لأنه يستطيع أن يفعل شيئا بما يُفْعَلُ به. إن هذه القدرة على التجاوز هي أساس كل ما هو إنساني، وهو ما نسميه المشروع، الذي هو نفي وإبداع: أي نفي ما هو معطى بواسطة الممارسة والفعل، وإبداع أو بناء موضوع لم يظهر مكتملا بعد، ولا يتصور أحد هذا التجاوز لما هو معطى إلا في إطار علاقة الإنسان بممكناته. إن حقل الممكنات هو الهدف الذي يقصده الإنسان لتجاوز وضعيته

    إن الفرد- بالنسبة لسارتر- يصنع التاريخ عندما يتجاوز وضعيته نحو حقل ممكناته، من خلال تحقيق إحداهما

    استنتاجات عامة

    إن التاريخ في عمقه هو علم يتخذ من دراسة الماضي موضوعا له، إلا أن دراسة الماضي ليست غاية في ذاتها، بل هي عملية بتم من خلالها التعرف على تجارب الماضي وذلك قصد عدم تكرار الإخفاقات، واستثمار التجارب الناجحة لبناء المستقبل

    إن التاريخ يخضع لقانون التقدم، رغم بعض التقطعات، ولحظات التراجع الطارئة، إلا أن هذا التطور لا يتخذ خطا واحدا من المفروض على كل المجتمعات أن تلتزم به، بل إنه يتحقق بطرق متعددة ومتنوعة حسب خصوصية كل مجتمع

    إن هناك علاقة جدلية بين الإنسان والتاريخ باعتبار أن الإنسان كائن تاريخي، كما أن التاريخ معطى إنساني، وهكذا فالإنسان يصنع تاريخه بقدر ما يصنع التاريخ الإنسان



    —————————————————————————————————————————————-

    استنتاجات حول مجزوءة الوضع البشري


    إن الوضع البشري معطى تتداخل في تشكله عدة عناصر ومكونات وهي: الذات، والآخر، وماضي الإنسان، والعلاقة المتشابكة بينهما

    تتمثل الضرورة في الوضع البشري

    على مستوى الشخص: في القوانين البيولوجية والنفسية والاجتماعية التي تخضع لها الذات

    على مستوى الغير: في الخضوع للقوانين الأخلاقية، إضافة إلى التواجد مع الآخر، وضرورة العلاقة معه

    على مستوى التاريخ: في خضوع الكائن البشري لشروط تاريخية حتمية تتطور في استقلال عن إرادة الأفراد

    تتمثل الحرية في الوضع البشري

    على مستوى الشخص: في تجاوز الفرد لوضعه الحالي ليصنع من ذاته ما يشاء في المستقبل

    على مستوى الغير: في خلقه لمسافة مع الآخر تجعله مستقلا عنه، وليس تابعا له

    على مستوى التاريخ: في الإرادة وحرية الاختيار التي يتميز بها الإنسان. والتي تؤهله للانفلات من الحتمية التاريخية ليصبح صانعا لتاريخه الخاص

    ———————

    *مفهوم التاريخ، خاص بشعبة الآداب
    للفائدة
    http://m-rahnaoui.blogspot.com/2013/10/blog-post_8.html