صورة المعلم في الإعلام المرئي المغربي

  1. #1
    تزروالت

    تزروالت مدون مجتهد

    تقـديــم:


    ليست الصورة في حقيقتها إلا معطى موضوعيا يتضمن رسالة يبعث بها مرسل يساهم في تكوينها وتشكيلها عبر وسائل مختلفة إلى متلقّ مفترض ، سلبي في أغلب الأحيان بحيث يستقبل المعلومات التي تتطبع في مناطق اللا وعي أكثر من مناطق الوعي فتتأسس بذلك علاقة تربط بين طرفين مختلفين، متباعدين في الزمان والمكان، أي أنهما يتواجدان بالضرورة في موقعين متباينين.

    والصورة كما تحدث عنها الدكتور محمد أنقـار في حقل الرواية، باعتبارها نقلا فنيا، ومعطى جماليا ، هي أيضا محسن بلاغي ومعطى جمالي دال على انزياح فني، وهي- الصورة- ليست دائما مجازية ، وذلك بحسب الأجناس التعبيرية التي قد ترد فيها،، فقد تكون مجرد تقدير كمي، وقد تكون الصورة استبدال شيء بشيء آخر أو تشبيه شيء بشيء آخر فتأخذ صفة محسن بلاغي.

    إن الصورة، تنتج في الأجناس السردية والشعر بوساطة اللفظ، أما في المرئيات والدراما، فتنتج بوساطة اللقطات التي تتضمن عناصر مختلفة تشكلها، كالضوء (الإنارة) والألوان، الزمان (ليل أو نهار) الديكور، الملابس. هذه كلها تنتج صورة، فالملابس السوداء، والإنارة المعتمة، مثلا، هي صور لأشكال، وهيئات لها مدلولات محددة واضحة: كالحزن والموت، القلق، الفرح، وكل ذلك يتم في إطار العلاقة بين الجزء والكل وعلاقة الكل بالجزء يأخذ منحى استبداليا.


    الصورة في الإعلام المرئي أثناء التلقي، تسمح باستخدام حاسة أخرى زيادة على حاسة البصر، إنها حاسة السمع التي تلتقط مؤثرات سمعية أخرى تصاحب الصورة مثل وقع الأقدام، صهيل الخيل...

    ونظرا لقصر هذه الصور التلفزيونية والسينمائية المبثوثة، فإنها لا تسمح للمتلقي بالحذر اتجاه ما يتلقاه وهذا ما سمح للإعلام المرئي، أن يساهم في تشكيل وعي جمعي اتجاه مختلف الظواهر بما يملكه من وسائل التأثير والانتشار الواسع.


    صورة المعلم في الدرامـا التلفـزيونيـة:


    لم تتناول الدراما التلفزيونية المعلم إلا لماما بسبب ضعف الإنتاج وقلته لأسباب ذاتية مرتبطة بالعاملين في الميدان وأخرى موضوعية مرتبطة بغياب إرادة سياسية حقيقية للرفع من مستوى الدراما التلفزيونية كما وكيفا.
    إن صورة المعلم في الإعلام المرئي المغربي – السينما والتلفزيون- يطبعها كثير من التشويه وهي صورة ناتجة أولا عن جهل العاملين بالميدان للمشاكل الحقيقية التي يتخبط فيها المعلم والشروط العامة التي يعمل في إطارها، وهي ناتجة ثانيا عن ضيق الأفق الدرامي لهؤلاء الذين يتناولون حياة المعلمين فضلا عن فقرهم الثقافي والمعرفي الذي ينعكس حتما على أعمالهم الفنية بالسلب ومن جهة ثالثة فإن الأمر يعود إلى بعض الجهات النافذة في الدولة والتي تسير دواليب الإعلام المرئي، تصر على الإساءة لهذه الفئة من المجتمع قصد تصفية حساباتها السياسية معها.

    لنأخذ مثلا " ابن الثلج " وهو فيلم تلفزيوني أخرجه محمد غرملي لصالح القناة الأولى وقدمته هذه الأخيرة في بحر سنة 2002 ثم أعادت بثه شهورا بعد ذلك، لقد برع هذا العمل في تشويه صورة المعلم والتنقيص من نبل رسالته وتقديم شخصيته للمشاهد بصورة سلبية شكلا ومضمونا، وإذا كان الهندام في رأي الكثيرين مدخلا لتحديد هوية الإنسان وشخصيته المتجلية في سلوكه ومزاجه ووضعه الاجتماعي، فإن هذا الرأي يتطابق تماما مع شخصية المعلم التي ظهرت في الفيلم، ظهر المعلم مرتديا بذلة سوداء قديمة، ضيقة، لا تنتمي إلى عصر الموضة، إن هذه الصورة تدل على أن المعلم فقير وكائن متخلف لا يساير الموضة في لباسه، وفي مشهد آخر، يمتنع المعلم الجلوس في أحد المقاهي صحبة البطلة الغنية " ريم " إلا بعد أن تعهدت بدفع ثمن المشروبات، وليس خافيا أن الوعي الجمعي المغربي يحتفظ بنكت كثيرة تحكي عن بخل المعلم وجحوده وتدهور وضعه المادي، وما هذا المشهد، إلا ترجمة أمينة لهذا الوعي الذي ساهم الإعلام المرئي كثيرا في تشكيله، وبتتالي مشاهد الفيلم يتبين أن رجل التعليم الابتدائي لا يتحقق لديه الرضى المهني بسبب هزال الأجرة والظروف القاسية التي يعمل بها خصوصا بالعالم القروي سواء في الصحراء أو بالجبل أو في البوادي السهلية حيث تغيب الكهربة والماء الصالح للشرب والسكن اللائق، وترجمة اللارضى المهني عند المعلم تكمن في زواجه من ريم الثرية المعجبة بأخلاقه وشهامته حيث تخلى عن المهنة التي يقول الجميع إنها مهنة شريفة، وما يؤكد هذه الفكرة، ما كشف عنه بحث ميداني أنجزه أحد العاملين بالتعليم الأساسي في البادية وهو الأستاذ مصطفى السعيدي تقدم به لنيل الإجازة في علم الاجتماع أن من أسباب اللارضى المهني لدى المعلمين خصوصا العاملين منهم بالعالم القروي، النظرة الدونية التي يحتفظ بها المجتمع لهم بحيث لا يجب أن تصيبنا الدهشة لما نعلم – حسب نفس الدراسة- أن 73,33 % من المعلمين الذين استجوبهم الباحث قد عبروا عن أن مهنة التعليم لم تكن على رأس المهن التي كانوا يرغبون فيها.
    وقد زاد "ابن الثلج " من تشويه صورة هذه الفئة الاجتماعية، حيث ظهر المعلم في مشاهد متكررة يتحدث بجمل عربية فصيحة في حواره مع أفراد أسرة غنية، أي في وسط " راق "، يلوك أعضاؤه أثناء الحديث، بين الفينة والأخرى جملا باللغة الفرنسية، أما الدلالة الناتجة عن هذه الصورة فتكمن في أن المعلم كائن بعيد عن روح العصر من خلال نوعية لباسه أولا، ومن خلال اللغة – التي هي وعاء للفكر- ثانيا، والمعادلة الدلالية التي تخرج بها معادلة واضحة تماما:
    تداول اللغة العربية = تأشيرة الولوج إلى عالم الماضي

    المتخلف المنغلق.


    فالمعلم ينتمي إلى هذا العالم، أي إلى كون قيمي – بلغة كريماس مختلف عن الكون القيمي للوسط المتحضر الذي يتمثل في العائلة الغنية العصرية التي تسكن في فيلا وتتداول اللغة الفرنسية في حديثها، وتلك إحالة على الغنى المادي والمعرفي والتفتح في دلالته الأخلاقية الذي سمح لريم أن تصطحب معها شابا غريبا وتقدمه لوالدها في منزل العائلة.
    تداول الفرنسية = عالم متفتح، غني ماديا ومعرفيا.

    هكذا يكون " ابن الثلج " عملا دراميا حرص مخرجه على تقديم نظرة سلبية عن المعلم وعالج شخصيته بسطحية بعيدا كل البعد عن الحقيقة والواقع، وقد وقف المشاهدون عند مجموعة من الهنّات مست الشكل والموضوع أشّرت بوضوح على ضيق أفق أصحاب هذا العمل الفكري والجمالي ذلك أن طرح المشاكل الاجتماعية لم يرق إلى معالجة علمية وموضوعية لأن فاقد الشيء لا يعطيه.

    مسلسل " دواير الزمان " ومسلسل " البئر والمطفية "


    وتتكرس النظرة الدونية إلى رجال التعليم الابتدائي في وسائل الإعلام المرئي في مسلسلين تلفزيونيين آخرين: مسلسل " دواير الزمان " ومسلسل " البئر والمطفية ". ففي " دواير الزمان " سلطت الكاميرا الضوء على جزء من المعاناة الوجودية للمعلم في علاقته بمحيطه الاجتماعي وتمظهرت في تذمره من المستوى الهزيل للتلاميذ مما دفعه إلى حثهم على نبل جهود أكثر وهذه على أي حال صورة إيجابية للمعلم الذي خاطب تلامذته في لحظة يأس خطابا يفوق إدراكهم مما يعني أن كاتب القصة لن ينفذ إلى شخصية المعلم بالعمق الذي يجعله يتحدث على لسانه بشكل أقرب إلى الواقع، بيد أن هذه الصورة الإيجابية سرعان ما ستتلاشى بمجرد تورط المعلم في عملية جنسية تفضي إلى حمل شريكته ثم تهربه بعد ذلك من المسؤولية وهذا التهرب من المسؤولية دلالة على جبن المعلم عن مواجهة أخطائه.

    في مسلسل " البئر والمطفية " برزت شخصية المعلم في الوسط (القروي بملمح آخر، فعوض أن تتمثل فيه قيم العلم والمعرفة، انقلبت الآية وأصبح متلقيا لها، فلم يكن إلا كائنا بليدا يفتقر إلى الذكاء بحيث يسيره الآخرون ويهزأون به في إحالة من كاتب القصة والمخرج إلى الأمية الوظيفية والمعرفية التي توجد عليها هذه الشخصية.

    مسلسل من " دار لـدار "



    ويبقى مسلسل من " دار لـدار " الاستثناء الوحيد حيث حظي المعلم في هذه المرة بصورة إيجابية فهو الذي أنقذ الخادمة من معاناتها الطويلة، وهو رسول الرحمة الذي أخرجها من ظلام الجهل إلى نور العلم والمعرفة بعد أن تزوج منها وقام بتعليمها القراءة والكتابة.

    السينـمـا والمعلــم:


    لا غرو أن الصناعة السينمائية تحتل مكانة هامة في الحياة الإنسانية المعاصرة، حين صارت تلعب وظائف تعدت نطاق التسلية التي اقترنت بها في البدايات الأولى في العقد الأخير من القرن التاسع عشر لتلعب أدوارا أخرى: تثقيفية وتعليمية وإيديولوجية، والأخطر من ذلك أنها وظفت من قبل القوى الإمبريالية العالمية أداة للهيمنة أو تكريسا لها، كما هو الشأن بالنسبة لسلسلة أفلام رومبو و روكي، واستخدمت الصورة السينمائية بشكل واسع في الحرب الباردة من طرف الولايات المتحدة الأمريكية ضد الاتحاد السوفياتي البائد، وكانت أداة في يد العدو الصهيوني لطمس معالم الصراع العربي الصهيوني وتشويه صورته في عين المتلقي الغربي.

    فيلم " الباب المسدود "



    يعتبر فيلم " الباب المسدود " للمخرج عبد القادر لقطع، أول فيلم سينمائي مطول يتناول وضعية رجل التعليم ومعاناته في العالم القروي، ويعالج الفيلم قصة معلمين شابين حديثي العهد بالمهنة وهما يزاولان عملهما بإحدى المدارس الفرعية في الجنوب المغربي، ويسلط هذا الفيلم الضوء على معاناة مادية ووجودية عاشها الموظفان الشابان تمثلت في غياب أبسط وسائل العيش الكريم، غير أنه، وبمجرد اقتراب الفيلم من نهايته، يكتشف المتلقي أن إحدى الشخصيتين مصابة بالشذوذ الجنسي.
    وقد أثار هذا الفيلم ضجة في أوساط الشغيلة التعليمية حيث تعالت أصواتها بالاستنكار، مما حدا بوزير التربية الوطنية السابق الدكتور عبد الله ساعف إلى اتخاذ موقف صارم من المخرج عبد القادر لقطع حيث أصدر قرارا بمنعه من تصوير آخر أعماله بإحدى المدارس الفرعية التابعة للوزارة بإقليم ورزازات مما أجبره على إعادة كتابة السيناريو باستبدال شخصية المعلمة بشخصية الممرضة، لنقل بكل وضوح أن وراء الأكمة ما وراءها، إذ الصورة السينمائية في أعمال لقطع ليست سابقة بل لاحقة عليه .

    والمثير للدهشة، أن المخرج لم يجد من بين كل الكوارث التي يعانيها المعلم في الجبال والصحارى والبوادي إلا الشذوذ الجنسي، كما أنه لم يجد من بين كل الفئات الاجتماعية لمعالجة الشذوذ الجنسي إلا رجال التعليم الابتدائي علما أن هذه الحالة التي عالجها حضرة المخرج لا ترقى إلى مستوى الظاهرة في الوسط التعليمي نظرا لندرتها علما أن أوساطا مهنية غير التعليم يتفشى فيها الشذوذ الجنسي حتى يكاد يصل إلى مستوى الظاهرة وقد كان على المخرج " الجرّيء " أن يعالج هذا الانحراف في أوساط أخرى أم أنه يعلم جيدا المآل الذي سيؤول إليه لو أقدم على ذلك، في حين كان على هذا المخرج، الذي يسعى إلى خلخلة الطابوهات والمسكوت عنه أن يعالج قضايا التعليم الحقيقية، كوضعية رجال التعليم وظروف عملهم وأجورهم الهزيلة المجمدة منذ عقود وغياب الوسائل التعليمية وتخلف المناهج التربوية وعدم مسايرتها للواقع واغتراب التلميذ إزاء المضامين المقدمة إليه إضافة إلى العنف المادي والرمزي الذي يتعرض له المعلمون وبطء الترقيات وعدم فتح باب تغيير الإطار وهلم جرا...

    وللمسرح نصيـب:


    إن المسرح، بكونه فنا، شكل من أشكال الوعي الاجتماعي حسب الطرح الماركسي، وقد زاد من أهميته تفتح التلفزة على هذا الجنس الإبداعي بحيث باتت المسرحيات تقتحم خلوات المشاهدين في أوكارهم دون استئذان منهم بوساطة التلفزة، مع أن المثير في طبيعة المسرحيات المقدمة على شاشة التلفزة المغربية، هو أن أغلبها ينتمي إلى المسرحيات التجارية التي تتميز بحكاية ذات سرد خطي وباختلاق مواقف تستدر الضحك من المشاهدين ومراهنتها على القدرات الشخصية للممثلين مما يعكس هبوط مستواها الفني وضعف محتواها الفكري والجمالي.

    وقد تناولت بعض المسرحيات التجارية وضعية رجل التعليم الأساسي بشكل بعيد عن الموضوعية والعمق وكرست الصورة النمطية، التي صنعتها وسائل الإعلام، للمعلم في أذهان أفراد المجتمع، ومن الأمثلة التي تدل بشكل جلي على هذه الفكرة، يمكن أن نسوق مثال مسرحية " كاري حـنكـو " التي لعب فيها حمادي عمور ونور الدين بكر ومصطفى الداسوكين وعبد اللطيف هلال الأدوار الرئيسة وهي المسرحية التي تناولت قصة معلم يعمل بإحدى المدارس الحرة يعيش معاناة سببها تعسف مدير المدرسة وصاحبها في نفس الوقت بحيث يظهر المعلم خانعا، سلبيا أمام عنت رئيسه، يقع في غرام زميلته وهي ابنه مدير المؤسسة، يعرض عليها فكرة الزواج لكنها ترفض الارتباط به بسبب فقره وتدني مستواه المادي والاجتماعي، وتمثل ذلك في لباسه المتواضع الذي عكس عدم مسايرته للموضة في اللباس، وإذا كانت فكرة فقر المعلم مقبولة، بحيث أقر 93,33 % مـن المعلمين أدلوا بآرائهم في البحث الميداني الذي أشرنا إليه سابقا بأنهم يواجهون صعوبات مادية كما أكد 88,33 % من المستجوبين عدم كفاية الراتب الشهري لإدارة شأنه الحياتي ، فإن الأمر لم يكن مبررا لتقديم المعلم في المسرحية بشكل ينال من كرامته، إذ في غمرة تنامي أحداث المسرحية، يطرد المدير مرؤوسه لسبب تافه أمام توسلاته ليلتحق المعلم بعد ذلك بإحدى المقاولات العصرية، هذا الحدث سيكون نقلة نوعية في حياة البطل بمساعدة البطلة التي حاولت أن ترتقي به في مدارج السلم الاجتماعي من الفقر إلى الغنى، من الذل إلى العز، ومن الماضي – الهندام القديم- إلى الحاضر الزاهر والمستقبل المشرق، وكان عنوان هذا التحول، تماما مثلما حدث في الفيلم التلفزيوني " ابن الثلج " هو تغيير اللباس ومسايرة الموضة، وبذلك حدثت القطيعة – على المستوى الدلالي العميق- مع الماضي الكئيب متمثلا في مهنة التعليم المرادفة للفقر المادي والقهر الاجتماعي مقابل الارتباط بالحاضر والتطلع إلى المستقبل عن طريق الاندماج في عالم الأعمال وإدارة الظهر للمعرفة وتجسيداتها.

    المعلـم في الوصلات الإشهاريــة:


    لاشك أن صناعة الإشهار باتت أحد أهم الصناعات في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحالي بعد الطفرة التي شهدتها صناعة الوسائط الإعلامية في العقدين الأخيرين، أما صناعة الإشهار وازدهارها، فقد ارتبطت بازدهار نمط الإنتاج الرأسمالي وتأثرت بتقلباته وتحولاته حتى إنها صارت وسيطا يرسخ البُـنى الفوقية للمجتمع الرأسمالي والمجتمعات التابعة له، ويبقى الهدف الأول للإشهار هو التشجيع على استهلاك منتوج مادي معين، وتستعين صناعة الإشهار بخبراء في علم النفس وعلم الاجتماع وبفنانين تشكيليين قصد معرفة طبيعة المستهلك ومن ثم مخاطبته عن طريق الصورة دون أن يتخذ المتلقي موقفا نقديا لما يتلقاه، ولهذا السبب ظهر علم النفس الإكلينيكي الذي يبقى هدفه الأساس معرفة رغبات وميولات المستهلك لإشباعها وخلق حاجيات وهمية لديه...

    قدمت التلفزة المغربية بقناتيها الأولى والثانية وصلات إشهارية ظاهرها الدعوة إلى استهلاك منتوج بحد ذاته، وباطنه يحمل إساءة بليغة لرمز المعرفة بالمجتمع، وتبدأ إحدى الوصلات بصورة معلمة بدينة، ترتدي جلبابا تقليديا على قدر ضئيل من الجمال، في الخمسين من عمرها، تقف أمام تلامذتها، تسألهم عن اسم اختراع جديد، وتتضمن أجوبة التلاميذ سخرية واضحة من معلمتهم، أحدهم أجاب بذكر اسم لمنتوج غذائي خاص بالأطفال " بـيمو "، طبعا، لم تتقبل المعلمة هذه الأجوبة الغريبة فتعرب ملامحها عن الامتعاض، وفي النهاية، يأتي الفرج على يد طفلة تنجح في تذكر اسم اختراع جديد لكن بلغة أهل فولتير Fusée .
    لنقم بتحليل هذه الصورة التي تنطوي على عدة أنساق:

    1- النسق المكاني: ويتميز في هذه الوصلة بغلبة اللون الأسود على الخلفية كما يتميز المكان بانغلاقه على نفسه.

    2- النسق العلمي: وقد تمثل في ذكر اسم المنتوج المروج له: بيـمو وفي ذكر اسم الصاروخ باللغة الفرنسية: Fusée ، بحيث يشير اشتغال الدوال هنا على أن اللغة العربية لا يصح أن تُتداول لذكر أسماء المخترعات الحديثة والأفضل أن يتم التداول باللغة الفرنسية، وهذا النسق العلمي (تسق أسماء الأعلام) يحيل إلى نوع من الاستلاب اللغوي الذي يمارسه الإشهار في حق المتلقي.

    3- النسق الثقافي: وهو المستنبط من هيئة المعلمة التي حرص صنّاع هذه الوصلة على إظهارها بأنها تنتمي إلى زمن ثقافي سابق، وقديم ويتجلى ذلك في سنها المتأخرة وفي طريقة لباسها التي تنتمي أيضا إلى زمن ثقافي لا ينتمي إلى هذا العصر، ويتجلى أيضا في اللغة التي تتداولها المعلمة وهي اللغة العربية الفصيحة.

    4- نسق الأفعـال: والفعل هنا هو استهزاء التلاميذ بمعلمتهم.

    5- النسق الباطني الروحي: إن هذا النسق لا يشتغل إلا بآلية التأويل من خلال استنتاج المعاني والرموز من عناصر الصورة، فالمعلمة ترمز إلى المعلمة وقيم النبل والتضحية، لكن هيئتها تنتمي إلى الزمن القديم، بما يعني أن ما ترمز إليه بات متجاوزا لصالح القيم الجديدة والسلوكات الجديدة، أي: الاستهلاك والانفتاح على الموضة ورسوخ القيم الفردية والاستهلاكية بما يعني تجاوز قيم المعرفة، يستهزئ التلاميذ بالمعلمة مما يعني رمزيا استخفافهم بالمعرفة، فكيف سيقبل الصغار على التعلم والقراءة وكسب المعارف ماداموا يتلقون صورا تسيء إلى رموز العلم والمعرفة ؟ وما الذي جعل مخرج الوصلة الإشهارية يختار رجال التعليم لإنجاز عمله ولم يختر رجل الشرطة أو الجمرك أو سعاة البريد والممرضين والجنود والقضاة والوزراء ؟

    وثمة إشهار آخر يضرب على نفس الوتر، ويتعلق الأمر بإشهار يروج لنوع من القهوة Nescafé الذي تسوقه الشركة السويسرية العالمية Nestlé، وقد دأبت التلفزة المغربية بقناتيها الأولى والثانية على تقديم وصلة نسكافي الإشهارية مدة طويلة ثم انقطعت بعد ذلك عن بثها، ويظهر في هذه الوصلة معلم يدعو زميلته الشابة أثناء الاستراحة إلى تناول فنجان من القهوة، قهوة نسكافي في مقصف المدرسة ذي الواجهات الزجاجية التي سمحت للتلاميذ الصغار برؤية المدرسين في لحظات غرام عارمة، لقد وجد المدرسان نفسيهما محط تندُّر وتفكُّه من طرف التلاميذ المحيطين بهـم.
    وعند تحليل النسق الثقافي تبين أن اختيار الممثلين اللذين قاما بدور المعلم والمعلمة في الوصلة الإشهارية، لم يأت اعتباطيا، فالمعلم لا يتميز بأية جاذبية، كما أن المعلمة تتمتع بحظ قليل من الجمال، ثم إن هندام الاثنين لا ينتمي إلى عالم الأناقة وإبهارها، وحتى نتناول النسق الباطني المرتبط بنسق الأفعال، أفعال الأطفال الصغار لا يمكن إلا أن نصل إلى استنتاج واحد، وهو أن فعل الاستهزاء الذي قوبل به المعلم وزميلته لا يدل إلا على وضاعة المهنة وممتهنيها، أي وضاعة المعرفة ومن يسهر على نشرها، حسب رأي الساهرين على إعلامنا.
    لقد خلصنا من خلال هذا العرض، إلى أن الإعلام المرئي في المغرب، يقدم للمتلقي صورة مشوهة عن المعلم، وتكرار هذا النمط من الصور السلبية عن هذه الفئة الاجتماعية يوحي بوجود توجه في الجهاز الإعلامي المرئي يهدف إلى التنقيص من مكانة المعلم/المعرفة ومن دوره التربوي وإشعاعه المعرفي في المجتمع.
    لقـد ساهـم الجهاز الإعلامـي المرئي والقائمون عليه في خلق وعي جمعي conscience collective لدى الجمهور إزاء المعلمين، وعي يحمل صورة سلبية تتعمق يوما بعد يوم أمكن لنا استجلاء عناصرها وملامحها بكل وضوح انطلاقا من تحليلنا لأهم الأعمال الدرامية التلفزية والمسرحية والوصلات الإشهارية والأفلام السينمائية التي تحدثت عن المعلم الذي يتميز من خلالها بـ:
    - ضعف مستواه المعرفي
    - تـدني مستواه المادي
    - بخــله
    - ابتعاده عن روح العصر وعدم اهتمامه بهندامه.
    وبما أن الدولة تحتكر الفضاء السمعي - البصري قانونيا وماديا، في انتظار تحريره، فإنها تبعا لذلك مسؤولة بشكل مباشر عما يلحق المعلم من غبن وتشويه في الأجهزة الإعلامية التابعة لها، ونتيجة لهذه الصورة الدونية التي انطبعت في أذهان المغاربة عن المعلم....

    ....إننا نؤكد على أن تطور التعليم ببلادنا وإصلاحه، لا يمكن أن يتم إلا بإعادة الاعتبار إلى دعامته الأساس، المعلم، ليس بالتركيز فقط على الجانب المادي من الإصلاح وتضخيمه والتطبيل له إعلاميا، بل بتحسين صورة المعلم في المخيال الجمعي انتصارا بقيم المعرفة والعلم، وهي القيم التي تراهن عليها كل الأمم التواقة إلى التقدم والازدهار في عالم لا يرحم المتخلفين معرفيا...

    بتصرف كبير

    المصدر
    http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=75512
     
  2. #2
    ابراهيم بوستة

    ابراهيم بوستة مدون متميز

    رد: صورة المعلم في الإعلام المرئي المغربي...



     
  3. #3
    اسحاق نبيل

    اسحاق نبيل مدون فعال

    رد: صورة المعلم في الإعلام المرئي المغربي...


    [frame="10 98"]
    جـــــزاك الله خير الجـــــــزاء. شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أطيب تحية .