نماذج من علماء المغرب

  1. #1
    نماذج من علماء المغرب


    لقد عُرف المغرب عبر التاريخ بأنه حاضرة العلم ومأوى العلماء الذين حملوا الدين والثقافة العربية

    الإسلامية إلى جنوب الصحراء وإفريقيا، وشمالا إلى أوربا، فلم يألوا جهدا في ذلك.


    وهذه مراكش وتلك فاس .. وليست جامعة القرويين ببعيد، فبفضل هذه المنارات العلمية المعطاء ظهر علماء فطاحلة فقهاء، من أمثال: القاضي عياض وعلال الفاسي ومحمد المختار السوسي وعبد اللَّه كَنون ومحمد المنوني.. وغيرهم من رجال العلم والفكر والتاريخ..

    ومن هؤلاء:

    القاضي عياض

    محمد بن بطوطة

    لسان الدين بن الخطيب

    أبو الحسن اليوسي

    السموأل المغربي

    البنا المراكشي

    أبو شعيب الدكالي

    المختار السوسي

    محمد المكي الناصري

    علال الفاسي

    عبد الله كنون
    محمد إبراهيم الكتاني

    محمد المنوني
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏29 يناير 2016
  2. #2
    القاضي عياض وكتابه الشفا


    يعد القاضي عياض من فطاحل علماء المغرب ، وإمام وقته في الحديث وعلومه وفي النحو واللغة وأخبار العرب وأيامهم وأنسابهم. وهو أحد رجالات المغرب الموسومين بالولاية والصلاح والمشهورين بالتصوف. من أشهر مؤلفاته كتاب "الشفا"..





    القاضي عياض


    مؤلف الشفاء هو القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض بن عمرون بن موسى بن عياض بن محمد بن عبد الله بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، وهذه السلسلة الطويلة في نسبه تشير إلى نباهة أسرته، كما أن تكرار اسم عياض في هذا النسب يشير إلى تقليد تسمية الأحفاد بأسماء الأجداد لدى الأسر العريقة، وقد استمر هذا التقليد في ذرية القاضي عياض الذي له حفيد حمل اسمه وولي القضاء مثله.
    ينتمي القاضي عياض إلى يحصب، ويحصب هذا هو أخوذي أصبح جد الإمام مالك فبين القاضي عياض والإمام مالك صلة القربى والانتساب إلى قبيلة حمير من عرب اليمن ذات الصيت الذائع في التاريخ الإسلامي.
    ويذكر أبو عبد الله محمد ولد القاضي عياض أن الجد الأعلى للأسرة قدم من المشرق إلى المغرب ونزل بالقيروان وعاش فيها هو وبعض ولده، وكان لهم حضور بارز في هذه الحاضرة الأولى في الغرب الإسلامي نوه به شاعر يقول في مدحهم:
    وكانت لهم بالقيروان مآثر *** عليها لمحض الحق آثار برهان.

    ثم إنهم انتقلوا من القيروان إلى الأندلس ونزلوا بجهة بسطة BAZA التي تبعد 123 كيلومترا نحو الشمال الشرقي من مدينة غرناطة وذهب الزبيدي في تاج العروس إلى أن اليحصبيين ومنهم أجداد القاضي عياض نزلوا بالقلعة التي سميت يحصب وتسمى اليوم Alcala lareal على بعد ست مراحل في الشمال الغربي من مدينة غرناطة ومهما يكن الأمر فإن أجداد القاضي عياض قد انتقلوا من جديد من الأندلس إلى مدينة فاس حيث اشتهر فيها الحاج المجاهد عمرون بن موسى بن عياض الذي حج إحدى عشرة حجة وغزا مع المنصور ابن أبي عامر غزوات كثيرة، ولما كان الصراع بين الأمويين والعبيديين على المغرب ودخل هؤلاء إلى فاس انسحب منها وإليها الأموي عبد الملك ابن أ بي عامر آخذا معه بعض أبناء أعيان المدينة ومنهم أخوان للحاج عمرون جد القاضي عياض الذي انتقل من فاس إلى سبتة كي يكون قريبا من أخويه نزيلي قرطبة، وليكون بعيدا من العبيديين، وهكذا استحسن الحاج عمرون الذي كان غنيا موسرا مدينة سبتة فاشترى بها أرضا بنى فيها سكناه وبنى إلى جانبها مسجدا ودورا حبسها عليه وحبس باقي الأرض ليكون مقبرة وانقطع للعبادة في مسجده إلى أن توفي سنة 397 هـ .
    وقد خلفه ولده عياض ثم ولد لعياض ابنه موسى ثم ولد لموسى ابنه عياض الذي سيكنى بأبي الفضل ويحلى بالقاضي، وأظن أن هذا الإرث العائلي بأطواره المكانية كان له تأثير في تكوين شخصيته الشمولية وثقافته المغاربية التي نلمسها بوجه خاص في تأليفه الشهير ترتيب المدارك ونعرفها كذلك من إحساس علماء إفريقيا والأندلس بها وإجلالهم لصاحبها.

    مولده ونشأته

    ولد عياض في منتصف شعبان عام 476 هـ (1083م) بمدينة سبتة في حضن أسرة كانت تعتز بما كان لها من ذكر في القيروان وبسطة وقلعة يحصب وفاس وبما بنته في سبتة من آثار، وفي السنة التي ولد فيها عياض استولى على سبتة المرابطون الذين ارتبط مصيره بمصيرهم وبعد ثلاث سنوات من ولادته كانت وقعة الزلاقة الشهيرة، وهكذا كان ميلاد القاضي عياض في ظرفية تاريخية سيبرز خلالها اسم المغرب ويذيع صيته وينتشر إشعاعه وينجب أعلاما من طبقة القاضي عياض. وقد كانت مدينة سبتة غداة ولادته أصبحت مركزا علميا لعله يفوق غيره في المغرب بحكم موقع المدينة على طريق الجهاد والحج والعلم، فظهر فيها عدد من شيوخ العلم الذين درس عليهم ومنهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عيسى والقاضي أبو محمد عبد الله بن محمد بن منصور اللخمي والقاضي أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد البصري والخ ــ طيب أبو القاسم عبد الرحمن بن محمد المعافري والفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن جعفر اللواتي المعروف بابن الفاسي وغيرهم، وقد عني والد عياض بتربيته وتعليمه فنشأ - كما يقول ولده محمد - على عفة وصيانة، مرضي الخلال، محمود الأقوال والأفعال، موصوفا بالنبل والفهم والحذق، طالبا للعلم، حريصا عليه مجتهدا فيه معظما عند الأشياخ من أهل العلم كثير المجالسة لهم والاختلاف إلى مجالسهم إلى أن برع أهل زمانه وساد جملة أقرانه.

    شيوخه

    وقد عرَّف َ بشيوخه في ترتيب المدارك وفي الغنية وسرد الأصول التي درسها عليهم، وهي أصول في مختلف العلوم الشرعية والأدبية، وكان يكفيه ما حصل من معارف على شيوخ بلده ولكنه تشوَّف إلى الحصول على إجازات علماء الأندلس، فعزم على الرحلة إليها، وكان قد بلغ ثلاثين سنة فرحل قاصدا قرطبة سنة 507 هـ (1113م) مصحوبا برسائل توصية من لدن أمير المسلمين علي بن يوسف بن تاشفين ورجال دولته، ومما جاء في رسالة أمير المسلمين إلى قاضي الجماعة ابن حمدين: "وفلان (يعني عياض) أعزه الله بتقواه، وأعانه على ما نواه، ممن له في العلم حظ وافر، ووجه سافر، وعنده دواوين أغفال، لم تفتح لها على الشيوخ أقفال، وقصد تلك الحضرة (يعني قرطبة) ليقيم أود َ متونها، ويعاني رمد عيونها، وله إلينا ماتة مرعية أوجبت الإشادة بذكره والاعتناء بأمره، وله عندنا مكانة حفية تقتضي مخاطبتك بخبره، وإنهاضك إلى قضاء وطره، وأنت إن شاء الله تسدد عمله، وتقرب أمله، وتصل أسباب العون له، إن شاء الله" . وكتب له الوزير أبو القاسم ابن الجد رسالة إلى ابن حمدين المذكور كما كتب له قاضي الجماعة بالمغرب أبو محمد ابن المنصور رسالة إلى الحافظ الغساني، وقد أمضى عياض أزيد من سبعة شهور في قرطبة أخذ فيها عن قاضي الجماعة ابن حمدين المذكور وأبي الوليد ابن رشد الجد وأبي عبد الله ابن الحاج وأبي بحر الأسدي وأبي محمد ابن عتاب وأبي الوليد العواد وأبي القاسم ابن بقي. وقد نص في فهرسته الغنية على ما رواه عن كل واحد من هؤلاء العلماء الأعلام. ثم إنه ترك قرطبة وتوجه إلى مدينة مرسية من أجل الرواية عن أشهر محدثي الأندلس يومئذ وهو الحافظ أبو علي الحسين ابن محمد الصدفي فوجده قد خرج إلى المرية واختفى بها فرارا من خطة القضاء التي أكِّد َ عليه في قبولها ونظرا لذلك أخذ عياض في البداية يقابل كتبه بأصول الحافظ أبي علي التي تركها في بيته ثم أعفي أبو علي من القضاء ورجع إلى مرسية فسمع عليه عياض كثيرا، وحصل له مسموع كثير في مدة يسيرة، وقد حصل على إجازات من علماء آخرين من أهل الأندلس وإفريقية ومصر والحجاز من أمثال ابن العربي وابن السيد البطليوسي والبازري والطرطوشي والسِّلفي، وقد بلغ عدد الذين سمع منهم أو أجازوه مائة شيخ عرف بهم في فهرسته التي سماها الغنية.

    إجازته وتوليته للقضاء

    ولما رجع إلى سبتة مزودا بإجازات هؤلاء الشيوخ عام 508 هـ (1115م) أجلسه أهل بلده للمناظرة عليه في المدونة وهو ابن اثنين وثلاثين عاما أو نحوها ومن المعروف أن المناظرة هي أرفع مستويات العلم كما أن المدونة هي أعلى مرجع في الفقه المالكي، وبعد هذا الاختبار النهائي رتِِّب في خطة الشورة ثم ولي القضاء بسبتة عام 515 هـ (1121م) وقد تحدث ولده عما قام به والده خلال توليه القضاء ببلده فذكر أنه "صار فيها أحسن سيرة وأقام جميع الحدود على ضروبها واختلاف أنواعها وبنى الزيادة الغربية في جامع سبتة وهي الزيادة التي كمل بها جماله وبنى بجبل الميناء الرابطة المشهور والطالع الكبير الذي يشتمل على حصنل لناظر الراتب به وقلهرة كبيرة لخزن المؤنة والسلاح مع مسجد بداخلها"، وقد كان لهذه الآثار المحمودة تأثير كبير لدى أهل سبتة وعظم بها جاه القاضي عياض وبعد َ صيته.
    وقد يكون هذا أثار تخوف حماته المرابطين فولوه سنة 531 هـ (1136م) قاضيا لمدينة غرناطة التي كانت أثيرة عند المرابطين، وكان الوالي عليها يومئذ الأمير تاشفين ولد أمير المسلمين علي ابن يوسف ابن تاشفين وخليفته من بعده، ولسنا ندري هل كان ولد القاضي ينشد رضى الموحدين إذ يقول إن تاشفين ضاق ذرعا بالقاضي عياض وغص بموا قفته له في الحقائق وصد أصحابه عن الباطل وخد مته عن الظلم فسعى في صرفه عن قضاء غرناطة سنة 532هـ (1139م). وقد بقي القاضي عياض في سبتة مبعدا من الخطة إلى أن مات تاشفين فولاه ولده إبراهيم قضاء سبتة ثانية في آخر عام 539هـ (1145م) وقد ابتهج أهل بلده بعودته إلى القضاء، وسار فيهم ال سيرة التي عهدوا منه، ولعله قبِل هذه الولاية الثانية التي جاءته ودولة المرابطين في النزع الأخير حرصا على مصالح مدينته، وتختلف الروايات حول موقف القاضي عياض بعد نهاية المرابطين وقيام دولة الموحدين والرواية المعقولة أن أهل سبتة امتنعوا من الدخول في طاعة الموحدين وظل قاضيهم عياض يدبر أمر البلد ويسوس أهله إلى أن حاصر الموحدون سبتة ودخلو ها عام 543 هـ (1148م) فحمل القاضي عياض إلى مراكش وكان يوم أخذ إليها يودع أهل سبتة ويبكي ويقول: جعلني الله فداءكم، وذكر ولده إ ن أباه وصل إلى مراكش والحال متغيرة عليه، ولكنه لما اجتمع بعبد الم ومن كان منه من الكلام المنظوم والمنثور ما استعطفه به حتى رق له وعفا عنه وأمره بلزوم مجلسه وكان يسأله فيستحسن جوابه، وليس ببعيد على عبد المومن الذي كان على حظ غير يسير من العلم والحكمة أن يعفو عن عالم كبير وجد نفسه أمام وضع لا محيد عنه، وتذكر هذه الرواية أن عبد المومن اصطحب القاضي لما خرج مرة من مراكش فمرض في الطريق، وأذ ن له بالعودة إلى مراكش حيث توفي في منتصف ليلة الجمعة التاسعة من جمادى الآخرة من عام 544 هـ (1149م).

    شهادة أبي الفضل عياض

    تحدث ولد القاضي عياض عن ثقافة والده - وكان أعرف الناس به وأقربهم إليه وأوثقهم وأصدقهم - قال: " كان من حفاظ كتاب الله تعالى والقيام عليه لا يترك التلاوة له على كل حالة مع القراءة الحسنة المستعذبة والصوت الجهير والحظ الوافر من تفسيره والقيام على معانيه وإعرابه وشواهده وأحكامه وجميع أنواع علومه وكان من أئمة وقته في الحديث وفقهه وغريبه ومشكله ومختلفه وصحيحه وسقيمه وعلله وحفظ رجاله ومتونه وجميع أنواع علومه وكان أصوليا متكلما لا يرى الكلام في ذلك إلا عند نازلة فقيها حافظا لمختصر ابن أبي زيد ومدونة سحنون قائما عليها حاذقا بتخريج الحديث من مفهومها عاقدا للشروط بصيرا بالفتيا والأحكام والنوازل نحويا ريانا من الأدب شاعرا مجيدا يتصرف في نظمه أحسن تصرف ويستعمل في شعره الغرائب من صناعة الشعر مليح القلم من أكتب أهل زمانه خطيبا فصيحا حسن الإيراد. لا يخطب إلا بما يصنع، خطبته فصيحة ذات رونق عذبة الألفاظ سهلة المأخذ حافظا للغة والأغربة والشعر والمثل وأخبار الناس ومذاهب الأمم عارفا بأخبار الملوك وتنقل الدول وأيام العرب وسيرها وحروبها ومقاتل فرسانها ذاكرا لأخبار الصالحين وسيرهم وأخبار الصوفية ومذاهبهم مشاركا في جميع العلوم".
    وقد وصف بعد هذا حاله وخصاله فقال: إنه كان "حسن المجلس كثير الحكاية والخبر ممتع المحضر عذب الكلام مليح المنطق نبيل النادرة حلو الدعابة لين الجانب صبورا حليما موطأ الأكناف جميل العشرة حسن الأخلاق بسَّاما يكره الإطراء والإفراط في التصنع منه وله ، لا يستسهل التكليف للناس والتحامل عليهم منصفا من نفسه منصفا لأهل العلم، محبا في طلبة العلم، محرضا لهم على طلبه، مسهلا ً لهم الطرائق مبادرا ً لقضاء الحوائج، صغير النفس غير متكبر، جوادا سمحا من أكرم أهل زمانه كثير الصدقة والمواساة عاملا مجتهدا صواما قواما، يقوم ثلث الليل الآخر لجزء من القرآن. لم يترك ذلك قط عل أية حالة حتى يغلب عليه، متديِّنا متورعا، متواضعا متشرعا، كثير المطالعة، لا يفارق كتبه، كثير البحث على العلم، توفي وهو طالب له،حسن الضبط صحيح النقل قوي الخط دقيقه، من أقدر الناس على تقييد الروايات وجمعها، كثير التواليف المستحسنة البارعة في أنواع العلوم هينا لينا من غير ضعف صلبا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، وكان يأخذ أموره بالملاطفة والسياسة ما أمكنه ويحل الأمور كذلك ما استطاع وإلا َّ تقوى، وكان يلاطف الأمراء فإن امتنعوا من الحق تقوى عليهم غير هيوب لهم مقداما عليهم في صدهم عن الباطل واستقضاء حوائج الرعية عندهم محببا في قلوب العامة والخاصة بعيد الصِّيت جميل الوجه طيب الرائحة نظيف الملبس باهي المركب" وقول ُ ولد ِ القاضي عياض إن والده كان محببا في قلوب العامة والخاصة نجد مصداقا له فيما وقع بسبتة عندما وصل إليها يوسف بن مخلوف واليا عليها من قبل عبد المومن فقد صرخ صارخ أن واليهم عزم على قتل قاضيهم الإمام العالم أبي الفضل عياض فهاج البلد وماج وأعلن أهل سبتة الثورة على الموحدين وقتلوا الوالي ومن كان معه.

    تآليفه

    لقد ترك القاضي عياض رحمه الله ولدا كان برا بوالده فعرَّ ف به وقام على تخريج بعض تراثه العلمي وحمل راية القضاء من بعده، وكان استمرارا لنسله، وترك القاضي أيضا أزيد من 30 تأليفاً معظمها من التآليف الكبيرة الحجم الكثيرة العلم، ومن أشهرها ما وصل إلينا منها ترتيب المدارك ومشارق الأ نوار والتنبيهات وإكمال المعلم والإ لماع والغنية وبغية الرائد والإعلام بحدود قواعد الإسلام والشفا، بتعريف حقوق المصطفى.

    كتاب الشفا

    ويعتبر كتاب الشفاء أشهر تآليف القاضي عياض وأكثرها ذكرا وانتشارا وقد رزق من الحظوة والشهرة والسر ِّ والبركة وحسن القبول لدى الخواص والعوام ما لم يرزقه أي تأليف مغربي آخر، وفي الثناء عليه يقول ابن فرحون أحد أعلام المالكية: أبدع فيه عياض كل َّ الإبداع، وسلم له أكفاؤه كفاءته فيه، ولم ينازعه أحد في الانفراد به، ولا أنكروا مزية السبق إليه، بل تشوفوا للوقوف عليه، وأنصفوا في الاستفادة منه، فحمله الناس وطارت نسخه شرقا وغربا، وقد تحدث الأستاذ المرحوم محمد المنوني حديث الباحث الصبور عن كتاب الشفا من خلال رواياته ورواته مثلما فعل في بحث آخر عن صحيح البخاري في الدراسات المغربية، ومن المعروف أن عامة المغاربة يقرنون بين الكتابين في تعظيم مكانتهما والتبرك والاستشفاء بهما ومما قاله بعضهم في كتاب الشفا:
    ما كتاب الشفا إلا شفاء *** للقلوب المراض والأجساد



    عناية العلماء بكتاب "الشفا"

    وقد جمع أحمد المقري في أزهار الرياض ما قاله علماء من المغرب والمشرق في مدح هذا الكتاب المبارك ولم يشذ عنهم إلا الشيخ تقي الدين ابن تيمية الذي ينسب إليه أنه قال لما قرأ الشفا: غلا هذا المغربي، ورد عليه الفقيه ابن عرفة وغيره، وذكر المقر ي كذلك الذين عنوا بشرح الشفا أو التعليق عليه، ومن ذلك كله ندرك الخصوصية التي امتاز بها من بين التآليف العديدة التي ألفت في السيرة ومنها كتب أعلام النبوة وكتب دلائل النبوة، وفي هذا قال بعضهم:
    كلهم حاول الدواء ولكن *** ما أتى بالشفاء إلا عياض
    ويقول أحمد المقر ي: "ولا يمتري من سمع كلامه العذب السهل المنور في وصف النبي صلى الله عليه وسلم أو و صف إعجاز القرآن أن تلك نفحات ربانية ومنحة صمدانية خص الله بها هذا الإمام وحلاه بدرها النظيم، "ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم" وقد ورد في كتاب النجم الثاقب لابن صعد التلمساني أن بعض الصالحين قال رأيت القاضي أبا الفضل بعد موته في المنام وهو في قصر عظيم جالس على سرير قوائمه من ذهب قال: فكان يسألني عن مسألة فأقول له:يا سيدي ذكرت فيها في كتابك الموسوم بالشفا كيت وكيت، قال: فكان يقول لي: أعندك ذلك الكتاب؟ فأقول له: نعم. فيقول ليشد َّ يدك عليه ، فبه نفعني الله وأعطاني ما تراه" ومن الكلمات السائرة مسير الأمثال لدى المغاربة قولهم: لولا عياض ما ذكر المغرب، وقال آخرون: لولا الشفا لما ذكر عياض، وهذا هو الذي عبر عنه العا ر ف الحلفاوي في كتابه شمس المعرفة بقوله: " قال العلماء من أهل الرسوم لولا عياض ما ذكر المغرب، وقال أهل الفهوم: لولا الشفا ما ذكر عياض بين الرسوم، لأن غيره قد ألف أكثر من تواليفه وهو مع ذلك غير معلوم".



    من بركات كتاب "الشفا"

    ومما يعد من بركات الشفا على القاضي ظهور قبره سنة 712 هـ بعد عملية نبش أظهرت علامة القبر وتاريخه بعد أن ظل زمنا مختفيا ففرح الفقهاء بذلك وبنى عليه قاضي مراكش يومئذ أبو إسحاق ابن الصباغ قبة عظيمة ذات أربعة أوجه وألزم الفقهاء بالتردد إلى هناك لتلاوة القرآن ليشتهر القبر، ونظن أن الدولة المرينية التي وضعت حدا لإيديولوجية الموحدين كانت وراء الاهتمام بإظهار وبناء ضريح القاضي عياض وغيره ممن اضطهدوا في العهد الموحدي كأبي إسحاق البلفيقي المعروف عند العامة بسيدي إسحاق، وقد أصبح ضريح القاضي عياض منذ يومئذ من المزارات التي يتبرك بزيارتها الملوك وغيرهم فقد زاره السلطان أبو الحسن المريني كما في المسند لابن مرزوق، ولعل أبا الحسن هذا هو الذي أشار على كاتبه ابن مرزوق المذكور بشرح الشفاء الذي افتتح بطائفة من القصائد في مدح الشفا وعياض استدعاها ابن مرزوق من شعراء المغرب والأندلس يومئذ، وقد حبس أبو عنان بعد هذا أحباسا على قراءة الشفا بمساجد فاس، واستمرت العناية بالشفا طوال العهد المريني وعهد بني وطاس، وغدا سلاحا روحيا في أيامهم التي تكالب فيها البرتغاليون على سواحل المغرب. أما ضريح القاضي عياض فقد عراه شيء من قلة التعهد خلال الصراع بين الوطاسيين والسعديين إلى أن أحياه هؤلاء على يد الولي الصالح الحاج سيدي الفلاح الذي دفن إلى جانب القاضي وجدد القبة تلميذ الفلاح سيدي عبد الله الكوش، وفي بداية الدولة العلوية بنى المولى الرشيد قبة تلقاء ضريح القاضي عياض عل ى مولاي علي الشريف جد الملوك العلويين.
    وحوالي هذا التاريخ رسم القاضي عياض ضمن سبعة رجال وقد صنف الثاني في ترتيب الزيارة المعمول بها منذ بداية الدولة العلوية إلى الآن، ومما يدل على مكانة الضريح لدى الخاصة والعامة ما حكاه أبو عبد الله محمد بن مبارك قال: "لما قد ِ م أبو علي اليوسي لزيارة ضريح عياض في حدود المائة وألف عرض له جيران ضريحه فقالوا: نريد معرفة حد حرم أبي الفضل فقال لهم: المغرب كله حرم لأبي الفضل .

    كتاب الشفا بعد وفاة صاحبه

    ولا بأس أن أشير في آخر هذا التقديم إلى أن سبتة السليبة عرفت بعد مدة من وفاة عياض وربما بتأثير كتاب الشفا الاحتفال لأول مرة في الغرب الإسلامي بالمولد النبوي الشريف على يد العزفيين الذين أصبحوا يومئذ في سبتة مثل العياضيين في زمنهم، وقد قدم الفقيه أبو القاسم العزفي مؤلف كتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم كتابه هذا إلى الخليفة المرتضى الموحّدي وأشار عليه بإحياء ليلة المولد فقام بذلك وحذا حذ وه بنو عبد الواد في تلمسان وبنوال أ حمر في غرناطة واستمر العمل بذلك إلى يومنا هذا .
    ونتبرك في الأخير بالدعاء الوارد في آخر الشفا: "وإلى الله تعالى جزيل الضراعة والمنة بقبول ما منه لوجهه والعفو عما تخلله من تزين وتصنع لغيره و أن يهب لنا ذلك بجميل كرمه وعفوه. لما أودعناه من شرف مصطفاه وأمين وحيه، وأسهرنا به جفوننا لتتبع فضائله، وأعملنا فيه خواطرنا من إبراز خصائصه ووسائله ويحمي أعراضنا عن ناره الموقدة لحمايتنا كريم عرضه، ويجعلنا ممن لا يذاد إذا ذيد المبدل عن حوضه ويجعله لنا ولمن تهمم باكتتابه واكتسابه سبباً يصلنا بأسبابه، وذخيرة ً نجدها يوم تجد كل نفس ٍ ما عملت من خير ٍ محضرا نحوز بها رضاه وجزيل َ ثوابه وتحصنا ً بخص ِّ يصيزم َ رهنبينا وجماعته، ويحشرنا في الرعيل الأول وأهل الباب الأيمن من أهل شفاعته، ونحمده تعالى على ما هدى إليه من جمعه وألهم ، وفتح البصيرة لدرك حقائق ما أودعناه وفهم ونستعيده جل اسمه من دعاء لا يسمع، وعلم لا ينفع، وعمل لا يرفع فهو الجواد الذي لا يخيب من أمله، ولا ينتصر من خذله، ولا يرد دعوة القاصدين، ولا يصلح عمل المفسدين، وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلاته وسلامه على سيدنا ونبينا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين".





     
  3. #3
    محمد بن بطوطة


    هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمان بن يوسف اللواتي الطنجي، كنيته أبو عبد الله، ولقبه شمس الدين، الرحالة الشهير المعروف بابن بطوطة، ينتسب إلى قبيلة لواتة البربرية، وولد في طنجة سنة 703هـ موافق 1304م.



    نشأ ابن بطوطة في أسرة عريقة اشتهرت بالعناية بالعلوم الشرعية، وولاية القضاء، ويذكر منهم محمد بن يحيى بن بطوطة قاضي مدينة رندة بالأندلس. وتلقى ابن بطوطة تعليمه على يد مشايخ وفقهاء مدينة طنجة وعلمائها، وحصل إثر ذلك قسطا لا بأس به من المعارف في التوحيد والفقه المالكي الذي كان ومازال سائدا في أرض المغرب وعدد من البلاد الإفريقية؛ الأمر الذي يسر له تولي القضاء منذ ريعان شبابه. فتقلد القضاء بركب حجاج تونس أثناء رحلته الأولى، ثم تولى القضاء بالهند وجزر المالديف. ولما عاد إلى المغرب، بعد رحلته الثالثة إلى إفريقيا السوداء، تولى القضاء بتامسنة. وقد كان له كذلك اطلاع على مسائل النحو وقواعد اللغة العربية، حيث سجل ملاحظة على خطيب جامع البصرة، الذي كان يلحن في خطبة الجمعة. وكان يقرض الشعر كما هو ثابت في رحلته. وكان له أيضا اعتناء بسماع الحديث على مشايخ المحدثين الذين لقيهم بالشرق الإسلامي، وقد أجازه مجموعة من كبار العلماء مثل: ابن الشحنة، الذي سمع عنه صحيح البخاري في أربعة عشر مجلسا بقراءة البرزالي وأجازه إجازة عامة، وسمع أيضا عن مجد الدين إسماعيل بن محمد بن حداد مسند الشافعي ومشارق الساغاتي في شيراز، وسمع في بغداد مسند الدار عن السراج القزويني، وعلى العموم فإن اتصال ابن بطوطة بالعلماء والفضلاء، أثناء حله وترحاله بالبلاد الإسلامية؛ أكسبه استفادة كبيرة من علمهم، وخبراتهم، حتى أنه انتقد ابن تيمية، واتهمه في تفكيره وعقله، ومكنه من تعلم اللغة الفارسية والتركية، وشواهد ذلك في بطن كتابه "تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، التي تعد أشهر الرحلات الإسلامية القديمة على الإطلاق، والتي اشتهرت في القرون الموالية لموت مؤلفها، حيث تناولتها أيدي النساخ، ثم توالت طبعاتها خلال القرنين الأخيرين وتنوعت نشراتها التي ابتدأت في أوروبا أولا ثم في البلاد العربية.

    وضمن ابن بطوطة كتابه: "تحفة الأنظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" تفاصيل مشاهداته وملاحظاته أثناء تنقله من أرض إلى أخرى ومعاشرته لأمة من الأمم التي زارها. وانطلقت رحلته الأولى من مدينة طنجة سنة 725 هـ موافق 1325م، وهو لم يتجاوز بعد الثانية والعشرين من عمره، قاصدا مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، إلا أن هذه الرحلة انقلبت على جولة طويلة استغرقت حوالي أربع وعشرين سنة، وشملت إفريقيا الشمالية وآسيا، وزار خلالها أهم عواصم العالم آنذاك، وهي أهم مرحلة في رحلة ابن بطوطة، إذ بلغ فيها إلى بلاد الصين والهند، وتولى خلالها القضاء مرتين بكل من الهند وجزر المالديف.

    أما الرحلة الثانية فقد انطلقت من مدينة فاس سنة 751 هـ موافق 1351م واستغرقت سنة كاملة، كان قد عزم فيها على التوجه إلى بلاد الأندلس قصد الجهاد والمشاركة في مواجهة زحف ملك قشتالة ألفونسو الحادي عشر الذي بدأت مملكته تتوسع على حساب مملكة غرناطة الإسلامية، إلا أنه تحول مرة ثانية إلى التجوال في أقاليم الأندلس وقواعدها ومدنها.

    وفي الرحلة الثالثة التي انطلق فيها من سنة 753 هـ موافق 1352م من مدينة فاس متوجها إلى بلاد السودان والبلاد الإفريقية المجاورة لها، بتكليف من أبي عنان المريني، ليتصل بملوكها وأمرائها، ويربط العلاقات السياسية والتجارية معها، وقد زار خلال هذه الرحلة مجموعة من الدول والأمم، منطلقا من سجلماسة إلى تغازي، فأيولاتن، فمالي، فتنبكتو، فكوكو وأخيرا مدينة تكدا ومنها عاد إلى سجلماسة، ثم إلى فاس حيث أمر أبو عنان بتدوين رحلاته على يد الكاتب محمد ابن جزي الكلبي. وتوفي ابن بطوطة سنة 770 هـ موافق 1368/ 1369 بتامسنة التي كان يزاول القضاء بها.



     
  4. #4
    لسان الدين بن الخطيب


    يعد لسان الدين ابن الخطيب أحد أشهر علماء الأندلس ومنظريها. ذاع صيته في ميدان الأدب والتاريخ والتراجم والسير والطب. ألف العديد من الكتب سيما في مجال الطب..





    نسبه ونشأته


    هو لسان الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله السلماني، نسبة إلى (سلمان) موضع باليمن، ومنه قدم أهله إلى الأندلس عقب الفتح الإسلامي ليستقروا هناك. ولد ابن الخطيب سنة (713هـ) في مدينة "لوشة" غرب غرناطة، وبها نشأ ودرس مختلف العلوم كالأدب واللغة والفقه والطب على يد كبار علمائها. فاستفاد من مختلف تلك التخصصات، فتوفرت له معرفة واسعة. بعد وفاة والده سنة (741هـ) تولى الكتابة في ديوان الإنشاء خلفا له، كما تولى الوزارة سنة (749هـ) خلفا لأبي الحسن بن الجياب، وكان وزيرا للسلطان "أبي الحجاج يوسف". واستمر ابن الخطيب في الوزارة بعد مقتل أبي الحجاج سنة (755هـ)، وقيام ابنه محمد الغني بالله خلفا له.
    لما ضعفت بلاد الأندلس وتكالبت عليها جيوش ملك قشتالة، سافر إلى أبي عنان فارس السلطان المريني للاستنجاد به لمقاومة الزحف القشتالي، ونجح لسان الدين في مهمته، فرفعت رتبته وقيمته فلقب بذي الوزارتين: الكتابة والوزارة. لما خلع الغني بالله سنة (760هـ)، فر إلى فاس لاحقا بالسلطان المخلوع، ولما تمكن من العودة إلى الحكم، استدعاه من فاس‏، ورده إلى الوزارة، وأعاد تلقيبه بذي الوزارتين، فعظم نفوذه.


    محنة ابن الخطيب

    هذه المكانة الرفيعة التي تبوأها ابن الخطيب أثارت ضغينة الحاقدين، فأخذوا يتآمرون عليه. ومع ازدياد الضغط عليه فر إلى مدينة فاس لاجئا إلى السلطان المريني أبي فارس عبد العزيز المستنصر بن أبي الحسن علي.. اتهم ابن الخطيب بالإلحاد والزندقة والطعن بالنبي صلى الله عليه وسلم، بسبب بعض ما جاء في كتابه "روضة التعريف بالحب الشريف" المعروف بكتاب "المحبة" فأجريت له محاكمة غيابية في غرناطة بحضور كبار العلماء والفقهاء. وتم حرق كتبه بمحضر من الفقهاء والعلماء والمدرسين. وما زال الخصم يطارده ويطالبه حتى دس عليه الوزير سليمان بن داود بعض أتباعه فدخلوا عليه في سجنه وقتلوه خنقا في أوائل سنة( 776/هـ).


    مؤلفات ابن الخطيب

    كان ابن الخطيب عالما بالطب والتاريخ والفلسفة، كما كان عالما بالفقه والأصول. ومن مؤلفاته:
    "الإحاطة في أخبار غرناطة" و"اللمحة البدرية في الدولة النصرية"، و"تاريخ ملوك غرناطة" إلى سنة 765/هـ"، و"رفة العصر في دولة بني نصر"،و"عيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار"، و"الحلل المرقومة في اللمع المنظومة"؛ وهي أرجوزة من ألف بيت في أصول الفقه، و كتاب "عمل مَنْ طَبّ لمن حَبّ" في الطب. ألفه لسلطان المغرب أبي سالم بن أبي الحسن المريني. وعلى اسمه صنف المؤرخ أحمد بن محمد المقري (ت: 1041/هـ) كتابه "نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب وذكر وزيرها لسان الدين بن الخطيب".



    للمزيد يراجع:

    - الاستقصا، للناصري، ج2/ 132
    - نفح الطيب، للمقري، ج7/ 46
    - دائرة المعارف الإسلامية المعربة ( ابن الخطيب )



     
  5. #5
    أبو الحسن اليوسي

    العلامة اليوسي كان من بين العلماء المغاربة الذين ساهموا في خدمة العلم وأهله وطلبته، فساهم بشكل فعال في تكوين طائفة من فحول العلماء. وخلف إنتاجا علميا استفاد منه الباحثون من مختلف التخصصات العلمية.



    هو العلامة الحسن بن مسعود اليوسي، تقلب في عدة مناطق مغربية طلبا للعلم والمعرفة، فحل بمنطقة دكالة ومراكش وسوس(1) قبل أن يقصد الزاوية الدلائية في سنة(1060هـ/1650م) ويستقر بها ما يربو عن عشرين سنة(2)، طالبا للعلم أولا، ومتصدرا لمهمة التدريس ثانيا. قدم الشيخ اليوسي إلى مدينة فاس عام (1079هـ) ليتقلد منصب التدريس بجامع القرويين ثم بالمدرسة المصباحية. ولم يبرح مدينة فاس حتى حدود سنة 1084هـ.
    تأثر منهجه التدريسي بشيخه محمد ابن ناصر، شيخ الزاوية الناصرية الشاذلية بتمكروت (ت 1085هـ/1674م)، في تلقين العلوم؛ وهي منهجية تقتصر على تفهم النص وتحليل الشرح. أخذ عنه جم غفير من الطلبة. وتميزت حلقاته العلمية بكثرة المقبلين عليها من طلبة العلم. يقول ابن زاكور -أحد تلامذة اليوسي- في مقدمة قصيدة شعرية في فضل اليوسي على طلبة فاس خاصة:


    عن نور هديك ثغر الدهر مبتسم يا واحدا وردت من بحره أمم
    هشت للقياك فاس إذ حللت بهـــا وفاس لولا سنا وجودك عـدم(3)

    تلامذته

    من أبرز تلامذته ممن أصبحوا من فحول العلماء: أبو سالم العياشي، وأبو الحسن النوري، وأبو عبد الله التازي، وأبو عبد الله ابن زاكور، وأحمد الولالي، ومحمد العربي القادري، ومحمد بن عبد السلام بناني، وأبو عبد الله بن زاكور، والحسن بن رحال المعداني..(4) بل إن من طلبة العلم ممن أخذ عنه كانوا من خارج المغرب. فقد استدعاه علماء من صفاقس وطرابلس الغرب لإجازتهم أثناء أدائه مناسك الحج عام (1101هـ). ودعا له شيخه ابن ناصر قائلا:" جعلك الله عينا يستقي منك أهل المشرق والمغرب"(5).

    وفاته

    توفي أبو الحسن اليوسي سنة (1102هـ) بعد أن قدَّم خدمة جليلة للثقافة العربية والإسلامية. وظل يعتمد عليه الباحثون في أبواب من الثقافة العربية والإسلامية.

    عطاءاته العلمية

    تميز هذا العالم الجليل بثقافته الموسوعية، إذ كان له إلمام واسع بعلم التفسير والحديث والفقه والأصول والتصوف واللغة والأدب والبلاغة والمنطق والحساب.. (6) وكان إنتاجه العلمي محل إشادة العلماء في الشرق والغرب قديما وحديثا.

    ألف العلامة اليوسي كتبا عديدة تجاوزت الأربعين مؤلفا بعضها ما زال مخطوطا. من تلك المصنفات:

    - "فتح الوهاب فيما استشكله بعض الأصحاب من السنة والكتاب": كتاب في علم التفسير، مخطوط بالخزانة الوطنية.

    - "البدور اللوامع في شرح جمع الجوامع": في أصول الفقه.

    - "مشرب العام والخاص من كلمة
    الإخلاص في تفسير كلمة لا إله إلا الله ": كتاب في علم التوحيد، يوجد مخطوطا بالخزانة الوطنية.

    - "عقد جواهر المعاني في مناقب الغوث عبد القادر الجيلاني": في علم التصوف.

    - "زهر الأكم في الأمثال والحكم": كتاب في قواعد اللغة العربية وآدابها. مخطوط في الخزانة الوطنية.

    - ومنظومة في العبادات توجد مخطوطة بالخزانة العامة، في علم الفقه.
    - رسائل أبي علي الحسن بن مسعود اليوسي، تأليف فاطمة القبلي.

    الهوامش:
    (1) - انظر: محاضرات للحسن اليوسي، ص:56-57 وص 167، تحقيق محمد حجي. طبع دار المغرب للتأليف والترجمة والنشر، الرباط: 1396/1976.
    (2) - انظر: الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين، محمد حجي، ج2، ص:503. مطبعة فضالة، المحمدية: 1398هـ/1978م.
    (3) - نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، محمد بن الطيب القادري، ج3، ص:44، تحقيق: محمد حجي وأحمد توفيق. مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، الطبعة الأولى: 1407/1986.
    (4) - شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، محمد مخلوف، ص:328. طبع دار الفكر، بدون مكان وتاريخ. كتاب الحياة الأدبية في المغرب على عهد الدولة العلوية، محمد الأخضر، ص:124. طبع دار الرشاد البيضاء، الطبعة الأولى: 1397هـ/1977م.
    (5) - انظر: رسائل اليوسي، ج3، ص:45-46
    (6) - المصدر السابق، ج1. ص:52-54






     
  6. #6
    السموأل المغربي


    هو السموأل بن يحيى بن عباس المعـروف بالمغربي. عالم بالرياضة والطب من أصل مغربي واشتغل بالعلم بالمشرق الاسلامي في القـرن السـادس الهجري / الثاني عشر الميلادي.



    ترعـرع السـموأل في فاس في أسرة يهودية، ثم انتقل مع أسـرته إلـى الشطر الشرقي من الدولـة الإسـلامية، واستقر ببغـداد. لكـن اسـتقراره في بغداد لم يطل كثيرا، إذ انتقل إلى مراغة بأذربيجان حيث قضـى بقية عمره، إلى أن توفي في مراغة حوالي 1175 م، بعدما أشهر اسلامه وكتب في إنتقاد اليهودية ونقض دعاواها. كان السموأل من العلماء المسلمين القلائل ذوي الأصل اليهودي، كما انه نموذج للعلاقات العلمية والثقافية بين المغرب وبلاد المشرق الاسلامي. فهو من أصل مغربي، ولد وتعلم بفاس وهاجر الى الشرق الاسلامي حيث تفتحت قريحته العلمية وأثرى بعطائه التقليد الرياضي الاسلامي. خلف السموأل مصنفات كثيرة بلغت 85 مصنفـا مـا بيـن كتـاب ورسـالة ومقالـة فـي شـتى المجالات، منها "كتاب إعجاز المهندسـين"، و"كتاب الباهر في الجبر" و"كتاب في الحساب الهندي" و"كتاب في المياه" و"كتـاب الموجـز فـي الحساب"، و"كتاب المفيد الأوسط في الطب"، و"كتاب غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود" وغير ذلك. كان السموأل حاذق الذهن، بلغ في الجبر والمقابلة الغاية القصوى. درس في بغداد كتاب الأصول لأقليدس، وكذلك جـبر أبـي كـامل شـجاع ، و جـبر الكرجـي حـتى بدأ يكون آراءه الخاصة في الرياضيات وهو في سن الثامنة عشر من عمره. وبدأ تأليف كتابه الشهير الباهر في الجبر وهو في سن التاسعة عشر من عمره. عـرف السـموأل أنـه مـن العلمـاء الموسـوعيين واسـعي الاطلاع ، فلم يكن من الذين يقصـرون جـهودهم على الموضوع الواحد ولا يقنعهم التخصص الضيق بل اجتهد في كافـة العلـوم. ولقـد أحـاط بـالعلوم الرياضية في عصره حتى صار حجة في علمـي الجـبر والحسـاب. كمـا درس الطـب حتى أصبح طبيبا ماهرا. ولقـد طـور السموأل المغربي الطريقة التحليلية في علم الجبر، واستطاع وبكل جدارة أن يوسع مفهوم العدد بمحاولات غير مباشرة. لذا بلور فكرة استقلال العمليـات الجبرية عن التمثيل والتصور الهندسي الذي كان سائدا في ذلك الوقت، وكان هذا الاكتشاف تقدما مهما في الفكر الرياضي وممهدا لاكتشـاف الجـبر الحـديث، فـي وقـت كـان أكـثر العلمـاء فـي الرياضيات يهتمون بالحلول الهندسية لمعظم المسائل الجبرية.

    المراجع:


    - طبقات الأطباء لأبن أبي أصيبعة، ص. 471
    - الأعلام للزركلي، 3، 205.


    Ahmad Salah et Rashed Roshdi, Al-Bahir en algèbre d'as-Samaw'al, Damascus: éditions de l'Université de Damas, 1972.
    Khalil, Idriss, "Quelques éléments de l'oeuvre mathématique de As-samawal al-Maghribi, mathématicien marocain d'origine juive du 12e siècle." In Juifs du Maroc: identité et dialogue. Grenoble: La Pensée sauvage, 1980, . 83-84. R. Rashed, "L'induction mathématique: al-Karajî, al-Samaw'al", Archive for History of Exact Sciences, 9 (1972) pp. 1-21, reprint in R. Rashed, Entre Arithmétique et Algèbre, Recherches sur l'Histoire des Mathématiques Arabes, Paris, Les Belles Lettres, 1984, on pp. 71-91.


     
  7. #7
    ابن البنا المراكشي (1256- 132 أشهر عالم رياضيات مغربي في العصر الوسيط


    أسس الرياضي والفلكي المغربي الشهير ابن البنا المراكشي، الذي عاش في القرن الثالث عشر، مدرسة علمية مهمة في المغرب العربي في القرون الوسطى، أكبت هذه المدرسة المتألفة من علماء مغاربة وجزائريين على مدى عدة قرون على تدريس مؤلفاته وتفسيرها. وإلى جانب مساهمات ابن البنا العلمية العظيمة، كتب كذلك مؤلفات في مختلف فنون العلم، مثل الدراسات القرآنية، وأصول الدين، والمنطق، والبلاغة والتصوف.



    إن أبا العباس أحمد الأزدي، المعروف باسم ابن البنا المراكشي، هو أشهر عالم رياضيات مغربي في العصر الوسيط. عاش في المغرب على عهد المرينيين. فقد ولد سنة 1256 وتوفي سنة 1321 في مراكش. تلقى تعليمه العلمي في مراكش وفاس، حيث درس الهندسة، والجبر وعلم الحساب، وتعلم أساس التقليد الرياضي العربي في القرون السالفة. ودرّس، خلال مدة زمنية معينة، الرياضيات وعلم الفلك التطبيقي في مدرسة العطارين بفاس، قبل أن يستقر في مراكش.

    يتألف العمل العلمي لابن البنا من جرد واسع لكتب ودراسات حول موضوعات مختلفة. إذ ينسب إليه أزيد من مائة كتاب منها ثلاثون كتابا مكرسة للرياضيات وعلم الفلك. كما أنه ألف عددا كبيرا من المؤلفات في علوم أخرى مختلفة مثل علم اللغة، والبلاغة، وعلم التنجيم، والنحو والمنطق. وقد حُفظ جزء من هذه الأعمال ونشر بعضها وترجم إلى اللغات الحديثة.
    إن الوضع الاعتباري لابن البنا في تاريخ العلوم العربية الإسلامية هو وضع قائد ومواصل المرحلة الأخيرة من التقليد العلمي المغاربي. فقد أبقت المدرسة التي وضع أسسها على النشاط العلمي في إفريقيا الشمالية خلال عدة قرون، من خلال تحرير شروح متفاوتة الأصالة لأعماله أساسا. وبالفعل، فالعديد من العلماء ركزوا اهتمامهم على كتابه المدرسي المكثف "تلخيص أعمال الحساب"، وخصص أزيد من 15 بحثا متفاوتة الأصالة لشرح، وتطوير ونقد هذا الكتاب.

    و"رفع الحجاب" هو الشرح الذي وضعه ابن البنا نفسه لـ"التلخيص". وفي هذا البحث تحديدا أدخل علامات رياضية دفعت بعض المؤرخين المحدثين إلى تأكيد أن الرمزية الجبرية قد تطورت في بلاد الإسلام على يد ابن البنا والقلاشادي (المتوفى سنة 1486 في إفريقية). وعلاوة على هذا، تظهر عدة أفكار رياضية هامة ونتائج أخرى مختلفة في "رفع الحجاب". ولبيان ذلك بمثالٍ، فإن الكتاب يحتوي على كسور متصلة، وهي تستعمل في حساب الجذور المربعة التقريبية. وترتبط نتائج أخرى هامة بجمع المتسلسلات وبمعاملات المخارج ذات الحدين.
    كتب ابن البنا مؤلفات أخرى عديدة في علم الفلك أيضا، أهمها دونما شك "منهاج الطالب في تعديل الكواكب"، وهو كتاب تطبيقي جدا لحساب الروزنامات الفلكية، مصحوبا بقوائم مفصلة. كما أنه مؤلف نص حول الأسطرلاب بعنوان "الصفيحة الشكزية"، وهو تغيير للـ"صفيحة الزركلية" التي ابتكرها عالم الفلك الأندلسي ابن الزركلي (1100)، وهي أسطرلاب عالمي يمكن استعماله لحل كل مسائل علم الفلك الكروي بالنسبة لكل خطوط العرض.

    المصادر


    - هـ. رونو، تقويم ابن البنا المراكشي (باريس، 1948)
    - ج . قيرني، مساهمة في دراسة عمل ابن البنا الفلكي (تطوان، 1951)
    -ج. قيرني، "ابن البنا" في "معجم البيوغرفيا العلمية" (المجلد 1، نيويورك، 1970)؛ ابن البنا، نصوص ودراسات (منشورات ف. سيزغين، فرانكفورت، 1998)
    - أ عبد الجبار و م. أبلاغ، "حياة ومؤلفات ابن البنا" (الرباط، 2001)
    - م. أبطوي؛ "ابن البنا"، في natur wissen selaftcler Lexikon bedentener المجلد 2. سيبكتروم: هيد لبرغ، 2004.


     
  8. #8

    أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي



    ينتسب المحدث الحافظ أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي الصديقي إلى بيت الصديقات من قبيلة أولاد عمرو، إحدى قبائل دكالة العربية، والمستوطنة قرب مدينة الغربية جنوب مدينة الجديدة،ورث العلم والنباهة عن أسرة اشتهرت بالعلم والفضل والصلاح، وتعدد علماؤها من أمثال الشيخ الصالح أبي فراس عبد العزيز جد أبي شعيب الدكالي، وعميه أبي شعيب ومحمد ابني عبد العزيز، فسار على نهجهم، وصقل ذلك الإرث بالممارسة والرحلة إلى منابع العلم الصافي، وحاز مكانة رفيعة بين علماء المغرب والمشرق.



    تلقى أبو شعيب الدكالي تعليمه الأولي بمسقط رأسه، على يد شيوخ وعلماء القبيلة وعلمائها من أمثال العلامة ابن عزّوز، والعلامة محمد الصديقي، ومحمد الطاهر الصديقي وغيرهم. ثم انتقل إلى الريف حيث زاول بها دروس الفقه والحديث والقراءات. وفي سنة 1315 هـ رحل إلى مصر فمكث بها مدة طويلة وأخذ فيها العلم عن علماء الأزهر مثل: شيخ الإسلام سليم البشرى، والعلامة الشيخ محمد بخيت، والشيخ محمد محمود الشنجيطي اللغوي الشهير، والشيخ أحمد الرفاعي وغيرهم كثير. وبعد ذلك قصد مكة المكرمة طلبا للعلم والمعرفة، ودرس على يد جل علمائه ا، وأجازه عدد كبير من شيوخ العلم من البلاد العربية كاليمن والعراق والشام إضافة إلى بعض علماء الهند. و حظي عند أمير مكة،خلال هذه الفترة، بالحظوة الحسنة فأكرمه وبالغ في احترامه وتعظيمه، وقدمه في مجالس العلماء، وولاه بعض الوظائف الدينية، كالخطابة في الحرم المكي، والإفتاء في المذاهب الأربعة.


    وفي سنة 1325 هـ ـ 1907 م عاد إلى أرض الوطن واستقر بمدينة فاس، وقربه السلطان مولاي عبد الحفيظ، وتهافت عليه علماء فاس وطلبتها وأعيانها. وفي هذه الفترة أعلن مواجهته البدع ومقاومة الخرافات والأباطيل، ونصر السنة وقيم الدين الإسلامي الصحيحة، وفي سنة 1328 هـ أرسله المولى عبد الحفيظ إلى الحجاز لاقتناء أملاك تحبس على الحرمين. ثم عاد إلى المغرب في السنة الموالية 1329 هـ وقد بزغ نجمه وذاع صيته في كل البلاد العربية، فولاه قضاء مراكش، واشتهر بالنزاهة والعدل. وفي سنة 1330 هـ تم تعيينه وزيرا للعدل والمعارف. وفي سنة 1342 هـ ـ 1923 م قدم استعفاءه لأسباب صحية فمنح إذ ذاك اعترافا له بالجهود التي بذلها في مهامه؛ لقب" وزير شرفي".

    وكانت دروس أبي شعيب الدكالي في مدينة فاس نموذجا حيا لطاقة علمية كبيرة، واطلاع واسع في كل مجالات علوم الدين، من علوم الحديث والسنة،
    وفقه معاني الآثار، ومعرفة دقيقة برأي أئمة المذاهب، وعرف عنه حفظ المتون، والجمع بين الروايات ومعرفة المخرجين والتابعين، وأنساب الرواة وتراجمهم. كما كان عارفا بعلوم القرآن وقراءاته وإعرابه وناسخه ومنسوخه، وأحكامه ومعانيه، ووجوه بلاغته، وأنواع تفسيره، متمكنا من علوم اللغة العربية بأنواعها. وكان مقصد العلماء والطلبة، وسمع عنه عدد كبير من العلماء سواء بفاس أو غيرها من المدن الأخرى التي حل بها في بلدان المغرب أو المشرق، حيث ألقى دروسا بالأزهر بمصر وبجامع الزيتونة بتونس. وتتلمذ على يديه جيل من العلماء والمفكرين المغاربة الذين أسهموا في بناء المغرب الحديث. ونظرا لهذه الدرجة العلمية العالية أحرز الرياسة العلمية في الدروس السلطانية بالقصر الملكي على عهد السلطان مولاي عبد الحفيظ ، والسلطان المولى يوسف، والعاهل محمد الخامس الذي ظل في كنفه إلى أن وافته المنية سنة 1937.



     
  9. #9
    محمد المختار السوسي


    ولد الفقيه الأديب الشاعر المجاهد الشيخ محمد المختار السوسي في قرية "إلغ" بمنطقة سوس جنوب المغرب سنة 1319 هجرية (حوالي سنة 1901م )، من أسرة محافظة عرفت بشدة تمسكها بالعقيدة الإسلامية.



    المولد والنشأة

    تقلده منصب التدريس
    انخراطه في الحركة الوطنية
    آثاره
    وفاته


    المولد والنشأة

    في مسقط رأسه درس المختار السوسي على يد فقيهها الشيخ عبد الله بن محمد فحفظ القرآن الكريم وأشهر المتون الفقهية واللغوية، ثم تتلمذ على يد العلامة الطاهر الإفراني، ثم الشيخ عبد القادر السباعي. وفي سنة (1338هـ /1919م) التحق طالبا بجامعة ابن يوسف بمراكش ثم بجامعة القرويين بفاس سنة (1342هـ / 1923م ) حيث أخذ العلم عن الشيخ محمد بن العربي العلوي قطب السلفية في ذلك العصر.


    تقلده منصب التدريس

    تصدى المختار السوسي لمنصب التدريس تطوعا وهو ما زال طالبا، بجامعة ابن يوسف أولا في منتصف العشرينيات من عمره، ثم بجامعة القرويين، ثم بعد ذلك بالمدرسة الناصرية بفاس. هذا بالإضافة إلى دروسه العديدة التي كان يلقيها في عدد من المساجد في كبريات المدن المغربية كمراكش والدار البيضاء والرباط وغيرها..


    انخراطه في الحركة الوطنية

    ومع صدور الظهير البربري سخر قلمه لمناهضة الاستعمار الفرنسي، وعمل على ترسيخ الوحدة الوطنية، فساهم بشكل فاعل في تأسيس الحركة الوطنية وتعزيزها مع مجموعة من الوطنيين من أمثال الزعيم علال الفاسي والشيخ عبد العزيز بن إدريس والشيخ محمد الحمداوي وغيرهم.
    وفي سنة (1347 هـ/ 1928م ) التحق بالرباط حيث أخذ العلم عن الشيخين الجليلين "شعيب الدكالي" و"المدني بن الحسني" قبل أن يتفرغ هناك لتدريس الحديث والفقه والأصول والمنطق والأدب. ثم انتقل إلى مراكش ودرَّس بالزاوية الدرقاوية بباب دكالة.
    ونظرا لتصاعد أنشطته النضالية التي تركزت بالخصوص في تحريض الشباب على المقاومة الاستعمار، وتنظيم تجمعات شعبية واسعة، تضايق الاستعمار من تزايد أنشطته، فأصدر أوامره بنفيه إلى قريته "إلغ" حيث مكث هناك سبع سنين، ثم أذن له بالعودة إلى مراكش سنة (1365هـ/ 1945م)، ومرة أخرى سيعود الفرنسيون إلى نفيه إلى الدار البيضاء سنة (1951م)، حيث التقى برفيق دربه الشيخ محمد الحمداوي فعملا معا على دعم الحركة الوطنية. واضطر الاستعمار، مرة أخرى، إلى نفيهما معا إلى "اغبالونكردوس'' في الصحراء، حيث مكث هناك حتى بداية سنة (1955 م)، ثم رجع إلى الدار البيضاء بعد أن أفرج عنه.
    وبعد أن نال المغرب استقلاله تقلد الشيخ المختار السوسي منصب وزير الأحباس (وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حاليا) في أول حكومة (المعروفة بحكومة البكاي الأولى) طيلة 11 شهرا، ثم عين بوزارة التاج إلى جانب كل من الشيخ محمد بلعربي العلوي والشيخ الحسن اليوسي.



    آثاره

    خلف المختار السوسي تراثا فكريا وفقهيا وتاريخيا وأدبيا ضخما، مطبوعا وغير مطبوع، منه كتاب ''المعسول''، و''سوس العالمة'' وديوان شعر يضاهي به فحول الشعراء.. ومن مخطوطاته " الألفاظ العربية في الشلحة السوسية"، ورواية "أحاديث سيدي حمُّو الشَّلحي في الأخلاق والعادات السوسية"، ومخطوط في أصول الفقه "تحفة القاضي في بدايات علم الأصول".. ومؤخرا تفرد أحد أبنائه بإعادة نشر مختلف الوثائق المتعلقة بهذا العالم الجليل، فقام بجمع مسودات بعض دروسه الخاصة التي كان يلقيها لتلامذته. ومن شأن هذه المسودات والوثائق أن تكشف لنا جانبا آخر من عطاء هذا الشيخ. ذلك العطاء الذي تميز بالبعد الموسوعي والرسالي؛ الموسوعية التي تجلت بالنظر لتعدد الحقول العلمية التي عمل على تدريسها كاللغة والآداب والتاريخ والعلوم الشرعية. أما البعد الرسالي فيتمثل في رسالية التدريس عنده، بحيث لم يعتبر مهنة التدريس مجرد مهنة للتكسب.


    وفاته

    توفي رحمه الله تعالى في 28 جمادى الثانية 1383 الموافق 15 نونبر 1963م بعد حياة حافلة بالعطاء والإنجازات. \

    يتبع....



     
  10. #10
    علال الفاسي

    يعتبر العلامة المغربي الراحل علال الفاسي أحد أقطاب الفكر الإسلامي في القرن العشرين الذين شغلوا بهموم وقضايا الأمة العربية والإسلامية، وساهموا بفكرهم وكتاباتهم في وضع معالم الطريق من أجل التحرر من الاستعمار الغاشم والتبعية الثقافية، ووضعوا مشروعات إصلاحية لإنجاز النهضة المنشودة في كافة الميادين .


    جمع إلى جانب العمل السياسي والجهاد الوطني زعامة الفكر، وأصالة الرأي، والقدرة على الكتابة والتأليف والمعرفة الواسعة بالإسلام، وقد ناضل باستماتة ضد الاحتلال الفرنسي للمغرب وأقطار المغرب العربي ، وعاش في السجون والمنافي لسنوات طوال بسبب دفاعه عن قضايا الأمة وحقها المشروع في نيل استقلالها وتقرير مصيرها. ألف العديد من الكتب في جميع المجالات والعلوم والمعارف، في الفقه والحديث والقانون والفلسفة والسياسة والأدب والاجتماع واللغة. وإلى جانب انشغاله بالقضايا السياسية والاجتماعية ،وعلى رأسها الاستعمار وقضية فلسطين التي كانت من أولويات انشغالاته، كان للمفكر الراحل اهتمام كبير بالأدب والشعر، بل يعد أحد رواد القصيدة المغربية الحديثة ، وقد خلف في ذلك ديوانا ضخما في ثلاثة مجلدات ضمنها شعره الذي نظم ثلثيه في المنافي وديار الغربة ، يدور كله حول القضايا الدينية والاجتماعية والسياسية والتعليمية.
    المولد والنشأة

    ولد علال الفاسي في مدينة فاس في يناير سنة 1910 من أسرة عربية مسلمة ، تعتز بعروبتها وإسلامها وجهادها في سبيل الله ، هاجرت من الأندلس إلى المغرب، واستقرت في مدينة فاس ، وهي أسرة علم وفضل ودين، فأبوه عبد الواحد كان من كبار علماء المغرب ، وكان مدرساً في جامعة القرويين، وكان قاضياً ، ومفتياً ، وكذلك كان أجداده من العلماء والقضاة والمجاهدين. التحق علال الفاسي وهو دون السادسة من عمره بالكُتّاب، حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم درس في القرويين إلى أن نال شهادة العالمية عام 1932 ، وكان فيها من المتفوقين ، ولم يكتف بالكتب المقررة ، على أهميتها وكثرتها، بل أضاف إلى المقرر ما كان يجده في مكتبة أبيه العامرة بالكتب فيدرسها بعمق ، حتى تحصلت لديه ملكة علمية قادته إلى التضلع بعدد من العلوم العربية والتاريخية والشرعية والفلسفية ، فجاءت أبحاثه غنيةً ودقيقةً ، مما أهله ليكون من كبار المفكرين الإسلاميين .
    البيئة الاجتماعية التي ساهمت في تكوين شخصيته
    علال الفاسي ابن (القرويين) وسليل أسرة علمية تعتز بإيمانها وإسلامها وعروبتها ، وطالما كافح أبناؤها العلماء للحفاظ على عقيدة الأمة ، ونشر الإسلام بمبادئه ومكارم أخلاقه. هذه البيئة التي جعلت عشقه للحرية عشقاً شاعرياً ، وعقلانياً ، وكارهاً للاستبداد والمستبدين وحكم الحزب الواحد ، والاستئثار بالحكم دون شورى وبرلمان وانتخابات. وكان لجمال الدين الأفغاني دور كبير في تبلور شخصية المجاهد علال ، وذلك من خلال التعاليم والأفكار التي نادى بها الأفغاني ، وكلها أفكار ثائرة ضد الاستبداد والتخلف والجمود والرضوخ للإقطاع والحكام الطغاة. كما اطلع على الدعوة السلفية في المشرق ، وأفاد منها في الحرب التي شنتها على الخرافات والبدع وكل ما ليس له صلة بهذا الإسلام الحنيف.
    علال الفاسي الزعيم والقائد المجاهد
    كان العدو الغاصب الذي كان لا يمل من التفكير في وضع خطة ماكرة يسيطر بها على البلاد، ويحكم قبضته عليها، فأصدر قرارا عرف بالظهير البربري كان يهدف إلى فصل الأمة إلى فريقين، فجعل البربر غير خاضعين للقانون الإسلامي في نظام الأسرة والميراث، ودعا إلى إقصاء اللغة العربية من مدارس البربر، وأن تكون البربرية والفرنسية هما أداة التعليم، وكان الهدف من وراء ذلك فَرْنسة المغرب لغويا وسياسيا، وتعليم البربر كل شيء إلا الإسلام.
    ولم يقف علال الفاسي مكتوف اليد إزاء هذه التدابير الماكرة، فقام بإلقاء الخطب والدروس يعرّف أهل وطنه بحقيقة ما يدبر لهم بالخفاء، وكان لصدق لهجته أثر كبير في استجابة الناس له، وخرجت المظاهرات الحاشدة تندد بهذه السياسة الخبيثة. وقابل المحتل الفرنسي هذه المظاهرات بعنف بالغ، واعتقل كثيرا من المتظاهرين، وكان من بينهم علال الفاسي، غير أن المظاهرات زادت حدة وضراوة، واحتج البربر أنفسهم على هذه السياسة وقاوموها بشدة، ولم يجد الحاكم الفرنسي بدا من الإفراج عنه والتخلي عن الإجراءات التي أعلنت بخصوص البربر.
    وبعد خروج علال الفاسي من السجن بدأ رحلة جديدة لتوعية الناس بإلقاء الدروس والمحاضرات. وقد جذبت هذه الدروس اهتمام المغاربة من الرجال والنساء، ولم يكتف بهذا، فاختار نخبة من زملائه وأوفدهم إلى شتى القرى لنشر الوعي والأفكار الصحيحة وتأجيج الشعور الوطني. وعلى إثر ذلك أصدر المحتل الفرنسي قرارا باعتقال علال الفاسي. حمل في (28 من شعبان 1356هـ/ 3 من نوفمبر 1937م) في طائرة خاصة إلى منفاه بالغابون في إفريقيا الإستوائية، وظل في منفاه تسع سوات .
    وبعد نيل المغرب استقلاله سنة (1375هـ/ 1955م) ورجوع الملك محمد الخامس إلى عرشه عاد علال الفاسي إلى وطنه بعد غياب عشر سنوات قضاها في القاهرة، وعاود نشاطه القديم فتولى رئاسة حزب الاستقلال الذي أنشئ من قبل، واختير عضوا رئيسيا في مجلس الدستور لوضع دستور البلاد، ثم انتخب رئيسا له، وقدم مشروع القانون الأساسي، وشارك في وضع الأسس الأولى لدستور سنة 1962م، ودخل الانتخابات التي أجريت سنة (1383هـ/1963م) ودخل الوزارة، وإليه يرجع الفضل في إنشاء مشروع وزارة للدولة مكلفة بالشؤون الإسلامية. وإلى جانب ذلك انتخب عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بدمشق، ومجمع اللغة العربية بالقاهرة.
    إنتاجه الأدبي والفكري
    كان إنتاجه الأدبي وبحثه العلمي كثيرا، فقد أخرج علال الفاسي أكثر من عشرين كتابا في ميادين الثقافة المختلفة، فألف في التاريخ كتابه: "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي" بناء على تكليف من جامعة الدول العربية، وهو عرض لخلاصة الحالة في المغرب العربي في صورها المختلفة، وكتابه: "المغرب العربي منذ الحرب العالمية الأولى" وأصله محاضرات ألقاها سنة 1955م على طلبة قسم الدراسات التاريخية والجغرافية في معهد الدراسات العربية التابع للجامعة العربية.
    وفي مجال الشريعة الإسلامية وضع كتابه المعروف: "مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها" وهو في أصله محاضرات ألقاها على طلبة الحقوق بجامعة محمد الخامس بالرباط وطلبة كلية الحقوق بفاس والشريعة بجامعة القرويين، وكتاب: "دفاع عن الشريعة" الذي ألفه بهدف بيان حقيقة الشريعة وما فيها من محاسن وما لها من مميزات وكونها شريعة صالحة لكل زمان ومكان مع بيان مقاصد القوانين الاستعمارية الغاشمة .
    وله أيضا كتابان آخران يتصلان بهذه الموضوعات، هما: "المدخل للفقه الإسلامي"، و"تاريخ التشريع الإسلامي"، وقد أوضح فيهما بأدلة قاطعة أن القوانين الغربية وحتى الفقه الروماني في صورته الموجودة اليوم تأثرت بالفقه الإسلامي واستمدت منه عن طريق الشراح والمفسرين الذين أخرجتهم مدرسة بولونيا الإيطالية وغيرها من المدارس الأوربية، وهؤلاء تأثروا بالثقافة العربية التي وصلتهم عن طريق الأندلس.
    ومن أهم كتبه: "النقد الذاتي" الذي تضمن معظم آرائه وتوجهاته الإصلاحية، وقد كتبه سنة 1949م عندما كان مقيما في القاهرة، وحدد فيه المنهج الفكري لبناء المغرب المستقل، متخذا من الحرية والفكر أساسا لكل نجاح، وداعيا إلى نشر حرية التفكير حتى لا يظل وقفا على طبقة معينة أو حكرا على فئة خاصة.
    وألف في ميدان الاقتصاد والاجتماع والوحدة والتضامن عدة كتب، منها: "معركة اليوم والغد"، و"دائما مع الشعب"، و"عقيدة وجهاد" .

    وفاته
    وشاء الله أن توافي علال الفاسي منيته وهو في ميدان العمل والجهاد، حيث توفي في بوخارست عاصمة رومانيا، وهو يعرض على رئيسها انطباعاته عن زيارته التي قام بها وفد حزب الاستقلال المغربي برئاسته، ويشرح قضية المغرب وصحراء المغرب، ونضال الشعب الفلسطيني في سبيل نيل حريته وأرضه، وخرجت روحه الطاهرة بعد ظهر يوم الإثنين (20 من ربيع الآخر 1394هـ/ 13 من مايو 1974م).





     
  11. #11
    عبد الله كنون


    العلامة الأستاذ عبد الله كنون الأمين العام الأسبق لرابطة علماء المغرب، والكاتب والمؤرخ والشاعر والفقيه والأكاديمي والصحافي، هو أحد الرواد الكبار، فقد ساهم مساهمة فعالة في إرساء قواعد النهضة الأدبية والثقافية والعلمية في المغرب، منذ منتصف العشرينيّات، وإلى أن توفاه الأجل في يوم 9 يوليوز من عام 1989م.



    كان الأستاذ عبد الله كنون من ألمع جيل الرواد الذين بنوا النهضة وناضلوا من أجل الاستقلال بالفكر والعلم والقلم، تميز منذ وقت مبكر من حياته، بالنبوغ والتفتح والقدرة على مسايرة الركب الحضاري والثقافي الذي قدر أن تبدأ انطلاقته من المشرق العربي، ولكنه لم يكتف بالمسايرة، بل قادته مواهبه ومؤهلاته وشخصيته إلى السبق، وإلى التفرد، وإلى التميز عن أقرانه وخلانه، فكان مثالا نادرا للعصامية، وكان نسيجا وحده حقا وصدقا، فهو أمين عام رابطة علماء المغرب الذي لم يدرس بجامعة القرويين، ولا في كلية ابن يوسف، ولا تخرج من مدرسة أو معهد أو جامعة، وهو الكاتب والمؤرخ الصحافي والشاعر، وعضو العديد من المجامع العلمية واللغوية والإسلامية، الذي لم يكن يحمل مؤهلا جامعيا، وهو مؤسس النهضة التعليمية في طنجة، وباعث الروح العربية والإسلامية في أبنائها، ومنشئ أول مدرسة حرة بها، ومربي الأجيال، الذي لم يكن قد دخل مدرسة لتلقي العلم في أية مرحلة من مراحل حياته الحافلة بالعمل والعطاء والإنجازات التي تتضاءل أمامها أعمال بعض كبار حملة الإجازات والمؤهلات العليا. وهذا الجانب في حياة الأستاذ كنون هو موضع الاعتبار والتقدير، وهو الميزة التي تشرفه وتعلي من قدره وتبوئه أرفع الدرجات بين العلماء، وأسمى المنازل بين الكتاب والشعراء والمؤرخين والأدباء.

    كان كنون عبقرية فذة من النواحي كافة؛ من حيث التكوين والتأثير والدور المتميز في التأسيس، ومن حيث المواقف الوطنية والسياسية والعلمية والثقافية، ومن حيث الخلق الرفيع، والطبع السمح، والإيثار والتضحية، وسعة الصدر، ومحبة الناس أجمعين.كان رحمه الله نبوغا مغربيا يعتز به كل مغربي ومغربية، ويزهو به الوطن، وتفخر به الأمة.

    تلقى كنون العلم على يد والده العلامة الفقيه سيدي عبد الصمد بن التهامي كنون، في بيت الأسرة الذي استقرت به في طنجة، بعد تعذر الهجرة إلى الشام من فاس على إثر دخول الاستعمار إلى المغرب. وكان والده عالما ضليعا، متبحرا، مشاركا، له قدم راسخة في العلوم والمعارف المتنوعة. كما تلقى العلم رحمه الله في صباه المبكر ويفاعته على علماء طنجة في بعض المساجد التي كانت بمثابة جامعات مفتوحة تعج بالعلم والعلماء وشداة المعرفة من كل الأعمار والفئات، وكان أحيانا يختلف إلى بيوت بعض العلماء ليتلقى دروسا خصوصية في علوم معينة. ثم ما لبث أن أغرق نفسه في قراءات حرة يلتهم ما يصل إلى طنجة في مطالع هذا القرن من كتب ومجلات وصحف، التهاما شديدا.
    كانت قراءته متنوعة، ونَهِمَة، وموصولة الأسباب، وبجهده الخاص تعلم الإسبانية والفرنسية، فكان يقرأ بهما، ويتابع الجديد الذي يصدر بطنجة وهي يومئذ خاضعة للإدارة الاستعمارية الدولية، حتى صار من قادة الفكر والعلم والعمل الوطني لما انتظم في إطار الحركة الوطنية، من كتلة العمل الوطني في عام 1934، إلى الحزب الوطني في عام 1937. ولكنون مواقف مشرفة في هذه المجالات جميعا.
    وخلف كنون أثرا واضحا في الدراسات الأدبية، وفي كتابة التراجم، وفي تحقيق المخطوطات، وفي إصدار الصحف والمجلات وإدارتها والإشراف عليها وتزويدها بالمادة المتنوعة الغنية، وفي العمل الأكاديمي والمجمعي، وفي الدعوة الإسلامية بالحكمة وبالعقل السديد وبالأناة والحلم وسعة الصدر واستنارة البصيرة.
    ولا تزال كتب كنون مراجع هامة تطلب في الجامعات، وتدرس، وتدور حولها الرسائل والأطروحات، ولا تزال جوانب عديدة من حياته في حاجة إلى البحث والدراسة وتسليط الأضواء، فهو شخصية متعددة العطاءات، غزيرة الإنتاج، وجديرة بكل عناية واهتمام.

    عبد الله كنون: معالم حياة

    1908

    - (30شعبان 1326) – ولد بفاس.
    1913- انتقل مع أسرته إلى الإقامة بطنجة.
    1932- تزوج من كريمة الفقيه محمد بن تاويت من أعيان طنجة.
    1936- (فاتح ذي القعدة 1355) أنشأ مدرسة إسلامية للبنين والبنات بطنجة.
    1938- أصدر كتابه الشهير (النبوغ المغربي في الأدب العربي)
    1939- نال الدكتوراه الفخرية من جامعة مدريد المركزية.
    1945- أنشأ المعهد الإسلامي بطنجة وتولى إدارته إلى سنة 1953.
    1948- عين مديرا لمعهد مولاي الحسن للأبحاث بتطوان.
    1949- عين أستاذا بالمعهد الديني العالي بتطوان(1)
    1953- التحق للإقامة بتطوان على أثر أحداث 20/8/53
    1955- عين وزيرا للعدل في الحكومة الخليفية بمنطقة شمال المغرب (تطوان) (21/1/55)
    1955- عين عضوا في المجمع العلمي العربي بدمشق.
    1955- قدم استقالته من الوزارة على إثر عودة الملك محمد الخامس إلى أرض الوطن في 16/11/1955.
    1956- عين عاملا على طنجة وقام بتصفية النظام الدولي بها.
    1957- ترأس وفد الحج المغربي الرسمي.
    1960- عين وكيلا لمجلس الدستور.
    1961- انتخب أمينا عاما لرابطة علماء المغرب وبقي في هذا المنصب إلى وفاته.
    1961- انتخب عضوا عاملا ممثلا للمغرب في مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
    1969- نال وسام الكفاءة الفكرية الكبرى من جلالة الملك الحسن الثاني.
    1969- ترأس وفد الحج المغربي الرسمي (للمرة الثانية في سابقة لم تتكرر)
    1970- اختير للمشاركة في تأليف كتاب تاريخ الأدب العربي لجامعة كمبردج بإنجلترا إلى جانب جماعة من أساتذة هذه الجامعة.
    1974- عين عضوا بالمجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة.
    1975- عين عضوا في لجنة تحرير (الموسوعة العربية للقرن العشرين) ببيروت.
    1981- عين عضوا عاملا في أكاديمية المملكة المغربية.
    1981- عين رئيسا للمجلس العلمي الإقليمي بطنجة.
    1981- عين عضوا بالمجلس العلمي الأعلى الذي يرأسه جلالة الملك الحسن الثاني.
    1983-عين عضوا في المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت بعمان – الأردن)
    1989- (9 يوليو) انتقل إلى الرفيق الأعلى.
    الهامش:
    (1)- تأسس في 17 شوال 1363 الموافق 14 أكتوبر 1944 وتولى عمادته الفقيه أحمد بن الطاهر الزواقي، وكان مقره بالمصلى القديمة رقم 42.


     
  12. #12
    محمد إبراهيم الكتاني


    ولد محمـد إبراهيم الكتاني بمدينة فاس صباح يوم الجمعة 15 رمضان 1325هـ الموافق 18 أكتوبر عام 1907 . و نشأ في أسرة متوسطة الحال وقد عرفت شرف النسب و العلم و الزهد والتقوى و الوطنية و الغيرة على العروبة والإسلام.



    تلقى محمد ابراهيم الكتاني تعليمه في الكتاب (المسيد) و في جامع القرويين. كان من رفاقه في البداية محمد غازي وعلال الفاسي و عبد العزيز بن إدريس و بوشتى الجامعي ومحمد المختار السوسي.اجتاز امتحان العالمية مع رفيقيه علال الفاسي و عبد العزيز بن ادريس . و بعد نجاحهم رفض الاستعمار تسليمهم الشهادة و تمكينهم من الوظيف إلا إذا تبرأوا من الوطنية ! فلم يكترثوا لحرمانهم من شهاداتهم طيلة فترة الاحتلال، و لم يزدهم ذلك إلا عزما في قصدهم و منعة لتحقيق هدفهم.


    بدأ محمد ابراهيم الكتاني نضاله الوطني و السياسي في العقد الثاني من حياته حين أقسم اليمين مع علال الفاسي ومحمد غازي من أجل العمل على استرجاع استقلال المغرب . وهكذا انطلق جهاده لتعرفه سجون المغرب و صحاريه بأنواع عذابها ابتداء من سنة 1930 - حينما صدر الظهير البربري - و مرورا بالسنوات 1931 و 1936 و1937 و 1943 و 1952. كان مترجمنا يعتبر في نظر السلطة الفرنسية أحد المحرضين الرئيسيين ضد الاستعمار فقد كان مسجلا في القائمة السوداء الأولى التي يعتبر أعضاؤها مسؤولين عن كل أحداث المقاومة الوطنية لاتهامهم دائما بالتخطيط لها و الدعوة لتنفيذها.

    قام الكتاني بأدوار كبيرة في ربط الحركة الوطنية المغربية بنضال الحركة الوطنية الجزائرية ففي سنة 1935 انعقد مؤتمر طلبة شمال إفريقيا المسلمين الرابع بتلمسان و حضره محمد ايراهيم الكتاني بصفته مشاركا و مندوبا له بالمغرب بقرار جمعه الأول منذ سنة 1930. وفي تلمسان تعرف على الشيخ الإبراهيمي الذي ألح عليه في مصاحبته للجزائر و هناك اتصل بالشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس الجمعية وبأعضائها و نسق معهم روابط التعاون الإسلامي و الثقافي و أسس العمل الشعبي لمقاومة الاستعمار المشترك في البلدين .

    ومن الطبيعي أن ينصب جزء من الانتقام الفرنسي على محمد إبراهيم الكتاني الذي هو من الممهدين الأولين للثورة الفكرية التي تسبق عادة كل ثورة مسلحة فاعتقل في آخر حركة اللطيف (1). وفي سنة 1937 قامت الحركة الوطنية بتنظيم مظاهرات صاخبة في كثير من المدن احتجاجا على الأعمال التعسفية اللاإنسانية للسلطة الاستعمارية فبلغ عدد المقبوض عليهم نحو 5000 شخص . و كان محمد ابراهيم في طليعة العلماء و الشخصيات الوطنية بفاس و الذين حكم عليهم بالسجن عامين بصفتهم من كبار المهيجين. و كانت البداية بمعتقل كولميمة لقضاء خمسين يوما من ألوان العذاب و الموت البطئ و هي الأيام التي وصفها مترجمنا في كتابه الصادر(ذكريات سجين مكافح أو أيام كولميمة) كما وصفها المرحوم الأستاذ عبد الهادي الشرايبي في كتابه (ثمن الحرية) بأنها أيام تلونت بأصناف العذاب و الموت البطئ. والذين كتب لهم أن يعيشوا بعد أيام العذاب هذه قضوا بقية السنتين في سجن عين علي أو مومن بسطات ثم في سجن الدارالبيضاء .

    و لما تجددت المظاهرات و الاصطدامات بالمغرب في أواخر سنة 1952 و على إثر اغتيال الزعيم النقابــــي التونسي فرحات حشاد عرفت الدار البيضاء حوادث الكاريير سنطرال فألقي القبض على الأستاذ محمد ابراهيم بمعية الأستاذين الحاج عبد الكريم بن جلون و الحاج أحمد مكوار ووضعوا في سجن كوراما ثم سجن تالسينت بالصحراء مدة ستة أشهر نقلوا بعدها إلى معتقل أغبالون كردوس بالصحراء ليقضوا هناك أيضا نحو السنتين . و لم يطلق سراحهم إلا في سنة 1955 عندما لاحت بوادر انفراج الازمة.

    و هكذا يكون المجاهد محمد ابراهيم الكتاني قد قضى ستة أعوام و ثمانية شهور من عمـــره في السجون و المعتقلات الاستعمارية خلال حركة المقاومة الوطنية التي استمرت ربع قرن (1930-1955)وكانت إلى جانب المقاومة المسلحة التي استمرت ثلاث سنوات (1953-1956) ثمن الاستقلال الذي حصل عليه المغرب بعد أربع و أربعين سنة من عهد الحماية المشؤوم.
    عرف الكتاني في توجهه السياسي كأحد المؤسسين للحركة الوطنية و روادها و من الأعضاء العاملين في كتلة العمل الوطني ثم الحزب الوطني ثم حزب الاستقلال بالعضوية في مجلسه الوطني كما يعد من مؤسسي اللجنة المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني سنة 1968 و عضو في لجنتها المركزية، و من مؤسسي جمعية شباب النهضة الإسلامية .

    و في توجهه الديني ، كان الفقيد سلفي النزعة نتيجة تأثره بجمال الدين الأفغاني و محمد عبده و رشيد رضـــا و بالشيخ أبي شعيب الدكالي ومحمد بن العربي العلوي. و في توجهه الفكري، كان من دعاة إحياء الاجتهاد الجماعي باعتباره مقوما من مقومات الفكر في الإســـــلام و النهوض بالمغرب خاصة و بالعالم الإسلامي عامة. و كان هدفه من ذلك مساهمة المسلمين بصورة فعالة في بناء الحضارة المعاصرة حضارة التكنولوجيا و الفضاء مثل ما بنوا حضارتهم في العصور الذهبية و كان في توجهه ذاك سائرا على نهج مدرسة السلفية التي تربى عليها. كما عرف الكتاني بنبوغه العلمي وشغفه بالبحث و التأطير و باطلاعه على أنفس المخطوطات باكتشافها و التعريف بها في الداخل و الخارج .

    و بعدما عاد الملك من المنفى في شهر نونبر سنة 1955 و استرد المغرب حريته انتقل المترجم له إلى الرباط فعمل محررا بجريدة العلم الناطقة باسم حزب الاستقلال الذي ظل يتابع نشاطه فيه عضوا للجنته المركزية و مجلسه الوطني. وفي سنة 1957 عين سيدي محمد ابراهيم الكتاني محافظا لقسم المخطوطات بالخزانة العامة بالرباط فكان لمجهوده عميق الأثر في نهضة هذه المؤسسة بالكشف عن المخطوطات العربية عامة و المغربية خاصة .
    وعمل سيدي محمد ابراهيم أستاذاً محاضراً في كليتي الحقوق و الآداب و أستاذاً بالمدرسة الإدارية وقد عين في العديد من اللجان الحكومية التي أسست للنظر في إصلاح التعليم و التشريع و بحكم خبرته الطويلة و تمرسه بالقضايا صار وجهة تهوي إليها أفئدة الباحثين و الدارسين في الشؤون المغربية و الأندلسية و المعتنين بجوانب متميزة من أمور الثقافة الإسلامية كالحركة السلفية و المذهب الظاهري الذي اعتبر أكبر متخصص فيه في العالم الإسلامي.
    هذا و قد توج مساره الثقافي بأن عينه جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني عضوا في أكاديمية المملكة المغربية و المؤسسة سنة 1979 . يقول محمد ابراهيم الكتاني عن نفسه: "أنا رجل وقفت حياتي على خدمة الإسلام ، و أعظم أمنية لي أن ينقذ الله الإسلام من هذه المحن الماحقة التي يعمل على توجيهها إلى الإسلام أعداؤه من الخارج و من الداخل، على اختلاف الاتجاهات و التيارات. ولا شك أن انتصار الإسلام سيكون فيه خير كثير للبشرية جمعاء حيث لا دواء للدنيا إلا بالإسلام وحده." توفي رحمه الله ظهر يوم الأحد 29 ربيع الثاني 1411 هـ الموافق 18نوفمبر1990
    و إليكم تعريفا ببعض آثاره المكتوبة بين تحقيق و تأليف :

    أولا تحقيق المخطوطات:

    1-أعمال الأعلام فيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام تأليف لسان الدين بن الخطيب.
    2-البيان المغرب في أخبار الأندلس و المغرب لابن عذارى المراكشي .
    3- الورقات الأخيرة من البيان المغرب لابن عذارى.
    4-شذرات من كتاب السياسة المفقود لابن حزم
    5- تقويم اللسان لأبي فرج بن الجوزي.
    6-رسائل علماء فاس للمجاهدين المحاصرين لمدينة سبتة الأسيرة.
    7-خطبة السلطان سليمان العلوي رحمه الله.
    8-الجأش الربيط في النضال عن مغربية شنقيط
    ثانيا : دراسات و أبحاث:
    9-الكتاب المغربي و قيمته.
    10- المخطوطات المغربية و ما تحتاج إليه .
    11- أبو عبد الله بن المناصف –المجتهد المغربي.
    12-هل أثر ابن حزم في الفكر المسيحي.
    13- منهج التحقيق عند الدكتور مصطفى جواد.
    14- سلفية الإمام مالك بن أنس إمام أهل المدينة و أهل المغرب .
    15-المورد الأحلى في اختصار المحلى.
    16-حول كتاب القدح المعلى في إكمال المحلى.
    17-من أدب الكفاح الوطني بالمغرب .
    18- حول كتاب الأضداد في اللغة.
    19-نظرات في الثقافة المغربية المعاصرة.
    20-فضل جامعة القرويين في الدفاع عن السيادة الوطنية خلال العصور
    21- كيف استطاع المسلمون المحافظة على النص القرآني.
    22-حول رسائل علماء فاس للمجاهدين المحاصرين لمدينة سبتة.
    23- حول كتاب النقد الذاتي.
    24-حول كتاب الإمتاع و الانتفاع في معرفة أحكام السماع.
    25- طبيعة دور المحفوظات في المغرب و علاقتها بدراسة تاريخ المغرب .
    26-مؤلفات علماء غرب إفريقيا في المكتبات المغربية
    27-جولة في المخطوطات العربية باسبانيا (مدريد)
    28-العثور على خمسة مخطوطات بالمكتبة الملكية بالرباط.
    29-في المغرب أكثر من خمس نسخ مخطوطة من كتاب الجامع الكبير للسيوطي
    30- مقدمة القسم الثالث من فهرس المخطوطات العربية بالخزانة.
    31- مجموعة نصوص مختارة من المخطوطات المغربية.

    الهامش:
    (1)- اشتهرت حركة الاحتجاج ضد سياسة فرنسا البربرية باسم " حركة اللطيف " لأن الوطنيين المحتجين كانوا يذهبون إلى المساجد و يتلون اسم الله اللطيف ثم يختمون التلاوة بهذا الدعاء:


     
  13. #13
    محمد المنوني


    يعتبر محمد المنوني (المولود بمدينة مكناس سنة 1915م والمتوفي بمدينة الرباط سنة 1999م) رمزا من رموز الخبرة التراثية في البلاد العربية في القرن العشرين، حيث كان خبيرا في البحث والكشف عن خبايا تراثنا الثقافي سواء منه المطبوع أو المخطوط، في مختلف الخزانات المغربية والمكتبات..



    وقد قضى محمد المنوني حياته بين أحضان الجامعة المغربية والمكتبات معلما وأستاذا ومحققا ودارسا ومفهرسا. ولعل الخزانة الوطنية بالرباط والمكتبة الحسنية بالقصر الملكي العامر خير شاهد على ذلك. كان متضلعا في الدراسات الفقهية والحضارة الإسلامية، خبيرا بمختلف المراحل التي مر بها المغرب وعصوره وأطواره ووقائعه ورجالاته ومظاهر حضاراته المتنوعة. تميز بعصاميته وصموده وبمؤازرة زملائه الأعلام... فكان بحق مرجعا ومصدرا للإرشاد والتوجيه والخبرة والتعريف والضبط والتوثيق...

    كتب سيرته الذاتية في مرحلة متأخرة من حياته بإلحاح الكثير من الباحثين والمهتمين، فكشف بذلك عن جانب مهم من شخصيته العلمية والفكرية. ففي سيرته هذه يرصد لنا مختلف مراحل أوليته ونشأته

    ودراسته، حيث ذكر الحلقات الدراسية التي استفاد من الشيوخ الذين جلس إليهم في الدراسة الحرة والنظامية، في كل من مكناس وفاس.

    1- مسير المنوني الدراسي

    ففي عامه الرابع أدخله والده الكتاب (المسيد)..حيث حفظ القرآن وتعلم الكتابة والقراءة وحفظ المتون..ثم تفرغ بمكناس للتفقه في مختلف العلوم خاصة منها المادة الفقهية، حيث درس أهم المصنفات الفقهية المغربية كـ "مختصر خليل" و"المرشد المعين" "بشرح ميارة، والرسالة... ثم بعد ذلك التحق "بجامع القرويين"، ومكنه ذلك من الاطلاع على خزانة القرويين التي كانت منبعه المعرفي الأول حيث جلس إلى حلقات مشيخة فاس ليدرس أمهات المصنفات، وليرتقي من الثانوي إلى العالي حيث آثر الالتحاق بالشعبة الشرعية. وقد توجت هذه السنوات من التحصيل سواء في الدروس النظامية أو التطوعية أن تكونت لدى الفقيه المنوني حصيلة علمية مهمة في مختلف فروع المعرفة من فقه وتفسير وحديث ونحو وبلاغة.. وغيرها. وبعد حصوله على شهادة العالمية، تصدر للتدريس، فدرس "مختصر خليل" ضمن ما درس من مختلف المواد.
    لما تخرج من "القرويين" حاملا الشهادة العالمية، تفرغ للكتابة والتدريس ومتابعة بحوثه التراثية الحضارية إلى أن أحرز المغرب على استقلاله فالتحق بالمكتبة الوطنية بالرباط ثم الخزانة الملكية في القصر الملكي. كل ذلك مكنه من الاطلاع على عيون التراث المغربي حيث أخذ ينشر أبحاثا تعرف بنفائسه ونوادره وأمهاته.
    نال الفقيه إجازات علمية من كبار العلماء، وصفوه فيها ب"الفقيه الأديب الحيي الدراك النجيب" كما وصفه مترجموه بالفقيه المشارك البحاثة.


    2- نوعية الأبحاث التي اهتم بها

    انصبت اهتمامات المنوني العلمية على المصادر التاريخية والأدبية والفقهية وباقي فنون المعرفة التي كان علماء المغرب يخصونها بكتاباتهم وتقييداتهم وأبحاثهم. وقد تجلت في جل أبحاثه عن تاريخ النهضة المغربية وفي قبساته من مصادر المغرب وفي إحاطته بمصادر التاريخ الفكري المغربي وفي تحقيقاته العلمية... شخصية مغربية أصيلة تمثلت الهوية الثقافية المغربية في أبعد حدودها.
    لقد تميز المنوني بثقافته الواسعة والمتنوعة، حيث لم يقتصر في تحصيله العلمي على التركيز على العلوم الشرعية أو الدينية، بل شملت ثقافته أيضا التاريخ والأدب والفكر والعلوم. وربما كان تعامله المباشر مع مختلف المخطوطات والوثائق هو الذي أكسبه هذا الإلمام الواسع بشتى فنون المعرفة. فكان على علم غزير بكثير من الأعلام ومؤلفاتهم والأسر العلمية وبرامج العلماء وفهارسهم...



    3- من أهم مؤلفاته

    خلف المنوني مؤلفات في غاية من الأهمية والدقة، سيما ما تعلق منها بتاريخ المغرب ومصادره ومخطوطات خزاناته، كما قام بعدة أبحاث ومقالات ومساهمات في مختلف الندوات واللقاءات العلمية والمنتديات الفكرية.

    لذا فإن مصنفاته هذه تعد في نظر كثير من المهتمين من روائع البحث المصدري، ومن بين تلك المصنفات:
    *- العلوم والآداب على عهد الموحدين : أبان فيه عن مظاهر ازدهار الحركة العلمية والأدبية والفنية المعمارية في العهد الموحدي.. فكان هذا المؤلف بحق مرجعا مهما لكثير من الباحثين.
    *- مظاهر يقظة المغرب الحديث : يعتبر هذه المؤلف من أهم ما كتبه المنوني، إذ أبان في هذا الكتاب ذلك التطور الحضاري الذي وصل إليه المغرب، وأشاد بتلك الإصلاحات التي حققها على مختلف المستويات التعليمة أو الإدارية أو العسكرية أو الفنية..وأبرز هذه الجوانب جميعها بالحجة والدليل.
    *- تاريخ الوراقة المغربية: هذا المؤلف يحوي على ترجمة ما يناهز 600 شخصية ذات الصلة بالكتاب من وراقين ونساخين وموثقين وغيرهم. وقد تطرق في هذا الكتاب إلى التعريف بالإسهامات المغربية في مجال وضع الكتاب العربي والإسلامي ابتداء من "العصر الإدريسي" إلى "العصر العلوي".
    *- التنبيه المعرب عما عليه الآن حال المغرب: وذلك سنة 1994م، حيث حقق وأخرج نص "الوزير محمد الطيب بن اليماني بوعشرين" (ت1859) حول أحوال المغرب في منتصف القرن 19
    *- تاريخ الوراقة المغربية أو صناعة المخطوط المغربي من العصر الوسيط إلى الفترة المعاصرة: وهو آخر ما صدر له من مصنفات في عالم المخطوطات.
    *- دور الكتب في ماضي المغرب: الذي أهداه لجلالة محمد الخامس في عام 1961م، وهو عبارة عصارة لما تحويه بطون الخزائن العلمية بالمغرب من نوادر ومخطوطات، وهو أيضا تتويج علمي لمختلف تجاربه العلمية التي قضاها في عالم المخطوطات والتراجم والفهارس.


    4- ريادته للبحث المصدري

    تميز منهج البحث عند المنوني بمنهج خاص، يتجسد على الخصوص في استكشافه لمختلف المصادر التاريخية، وكتابة تراجم الأعلام المغاربة في مختلف العلوم والمعارف، والكشف عن المخطوطات المتعلقة بحضارة المغرب.
    لقد انصبت مجهودات المنوني في مجال المخطوط التراثية في أبعاد مختلفة منها:
    *- العمل المكتبي في الخزانات العامة والخاصة ..
    *- إنجاز الفهارس والكشافات: فإلى جانب تصنيف ما يفوق 200 مخطوط من الخزانة العامة بالرباط، و400 مخطوط في الخزانة الحسنية بالرباط.... أصدر المنوني عدة فهارس وكشافات منها: المصادر العربية لتاريخ المغرب: من الفتح الإسلامي إلى نهاية العصر الحديث، والمصادر العربية لتاريخ المغرب، الفترة المعاصرة...
    *- الإسهام في التعريف بصناعة المخطوط ..
    هذه المجهودات جميعها أنتجت ثروة غنية من الكتابات البيبليوغرافية أهمها: "المصادر العربية لتاريخ المغرب" حيث تناول فيه بالوصف والتحليل 1613 مصدرا، مبينا مضمونها ونسخها..والكتاب ثروة نفيسة في بابه. ثم "فهرس المخطوطات العربية في الخزانة العانة بالرباط" و"منتخبات من نوادر المخطوطات بالخزانة الحسنية بالرباط" و"فهارس مخطوطات الخزانة الحسنية" و"دليل مخطوطات دار الكتب الناصرية بتمكروت".


    5- خدمته للمخطوطات المغربية

    قدم خدمات جليلة للمخطوط العربي من ناحية التعريف بالمخطوط المغربي ونوادره ونشر تلك الأبحاث في مختلف المجلات والدوريات. كما اكتشف مخطوطات ووثائق نفيسة ومهمة حققها وأضاف إليها مادة علمية مهمة، لذلك كانت منهجيته في التحقيق رائدة في هذا المجال. كما أنه اهتم بالتأريخ للمخطوط المغربي سواء من الناحية العلمية، وذلك بإبراز المضمون العلمي للمخطوط المراد تحقيقه، أو من الناحية الفنية وذلك بالإشادة بالجانب الفني أو المادي للمخطوط أو ما اصطلح عليه "بالوراقة المغربية". لذلك فإن فهرسته لمختلف المخطوطات كانت تعتمد بالأساس رصد جميع العناصر المكونة للمخطوط سواء من الناحية المادية أو العلمية أو اللغوية. لذلك وفق إلى أبعد حد في رصد المخطوط ووصفه وصفا دقيقا.


    6- مميزات كتابات المنوني

    لقد تميزت كتابات المنوني بخصائص ومميزات منهجية، منها:
    قام المنوني في اغلب ما كتب حول تاريخ المغرب وحضارته برصد وتتبع كافة مظاهر وأسباب يقظة المغرب خلال الفترات التاريخية المختلفة، وخاصة في الفترة الحديثة. فقام بتحليل أسبابها ورصد معطياتها وتحديد أبعادها، كما أشاد بالخصائص الذاتية التي تميز بها المجتمع المغربي خلال مختلف تلك المراحل، فكانت سببا في ريادتهم وتميزهم في شتى ضروب العلم والمعرفة. فاتصفت كتابته بالدقة والأصالة، فأضفت على جل ما كتب وبحث أهمية فائقة وقيمة كبيرة.
    ثم إن كثرة تحريه وشدة تنقيبه في مختلف الموضوعات التي بحثها أضفى على كتاباته طابعا فريدا ومميزا، كما مكنته هذه المنهجية من الغوص والإبحار في بطون المخطوطات الدفينة والوثائق النادرة فتمكن من الكشف عن كثير من الخفايا والدقائق العلمية. كما تمكن من التوثيق البيبلوغرافي لأغلب التراث المغربي المطبوع والمخطوط في مختلف الخزانات العامة والخاصة، كالخزانة الحسنية، والخزانة العامة .
    لذلك يعتبر المنوني بحق عالم المخطوطات في العصر الحديث،وصاحب ثقافة متميزة وفريدة في هذا الميدان، وقد ترك آثارا كثيرة تقوم دليلا واضحا على تلك المكانة الهامة التي كان يتصدرها في هذا الميدان. لقد تجسدت خبرته الكبيرة في ميدان المخطوطات في إحاطته بتاريخ المكتبة المغربية كما يتضح ذلك من خلال دراساته المتعددة سيما المتعلقة منها بتاريخ الفكر والتأليف بالمغرب. فقد قام يببلوغرافية موضوعية أحصى فيها إنتاجات المغاربة في عدة ميادين، كما عرف بنوادر الكتب وبعدد من المؤلفين وبروايات الكتب وكيفية انتقالها بين المغرب وباقي البلدان الإسلامية.



    خاتمة

    يعتبر المنوني من رواد الثقافة الوطنية وحجة في تاريخ المغرب الحضاري. تألق في عالم التوثيق والتحقيق وعلم البيبلوغرافية ..فكانت له جهود مضنية في لجنة جائزة الحسن الثاني للمخطوطات والوثائق التي أنشئت منذ سنة 1969. كان محل تقدير وتكريم من الكثيرين، وفاز بعدة جوائز تقديرية وتشجيعية، فقد منحه محمد الخامس جائزة عيد العرش النثرية الثالثة لبحثه عن "تاريخ الراية المغربية" سنة 1947م. كما فاز بالجائزة الثانية لعيد العرش سنة 1948 عن بحثه "في تاريخ الديمقراطية بالمغرب". كما منحه الحسن الثاني "جائزة الاستحقاق الكبرى" لسنة 1989م.عن إنجازه لكتاب "المصادر العربية في تاريخ المغرب".




     
  14. #14
    ايجا

    ايجا مدون فعال

    بسم الله الرحمن الرحيم

    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا ...

    لك مني أجمل تحية .

     
  15. #15
    بسم الله الرحمن الرحيم
    مشكووورة اختي الكريمة على المرور الطيب
     
  16. #16
    تزروالت

    تزروالت مدون مجتهد

    بسم الله الرحمن الرحيم

    جزاك الله عنا خير الجزاء أختي الادريسية المراكشية
     
  17. #17
    بسم الله الرحمن الرحيم
    مشكووورة اختي الكريمة على المرور الطيب


     
  18. #18
    Prof Adam

    Prof Adam مدون مجتهد