النظرية والتطبيق في تربية الإبداع

  1. #1
    تزروالت

    تزروالت مدون مجتهد

    النظرية والتطبيق في تربية الإبداع

    ظل أستاذ التربية لسنوات طويلة ينظر لطرائق التدريس الحديثة في مجال العلوم الكونية، وألف كتبا نظرية عن الحديث في تدريس العلوم وكنا نتمنى تطبيق ما يقوله في مدارسنا الحكومية وعندما كلفنا بتأليف كتب العلوم سارعنا بطلب مشاركته لنا في تأليف الكتب وإعداد كراسات النشاط، وسعدنا بقبوله المشاركة في ذلك وبعد مدة أتانا الأستاذ بالجزء الذي كلف بإعداده، فوجدنا العجب العجاب ما ألفه الأستاذ لا يخرج عن كونه صورة مكررة لما كنا ندرسه في مدارسنا منذ عشرات السنين دهشنا وانتابتنا حالة عجيبة من الإحباط، وتكررت المأساة مع أستاذ آخر تم التعقد معه للمعاونة في إعداد وتطوير الكتب في مجال تخصصه، فكانت المفاجأة إعداده لموضوعات ملخصة من الكتب المدرسية وأراد آخر تطوير الكتاب فأعد كتابا في نقاط من الكتاب الأصلي مع وضع النقاط في إخراج جميل وبألوان جذابة، نظرت إلى الكتاب فقلت إنه كالمغني الشعبي الشهير الذي يرتدي المبهرج من الثياب والساعات وعندما يسال يضحك ويقول كلاما يضحك الصبيان، ومنذ أيام وجدت كتابا في إحدى المكتبات عن أحد المقررات، الكتاب بغلاف جميل وبمحتوى تلخيصي للمقرر في نقاط .



    وقد تعمدت تدريس أحد الكتب التي ألفتها بطريقة إبداعية، فكانت النتيجة مأساوية، الطلاب يطلبون نقاطا ملخصة تلخص الكتاب حتى يحفظوه، رفضت الفكرة وقاومتها في البداية ولكن النهاية تأكدت إنني سأجني على هؤلاء الطلاب في ظل بيئة مدرسية لا مكان فيها للمبدعين، فكتبت يومها مقالا اصف فيها مدارسنا الحالية بعنوان " ولا مكان فيها للمبدعين "، فما يتم في مدارسنا من اختبارات مركزية، وإجابات نموذجية لأسئلة تقيس الحفظ والصم والاستظهار وتركز على استرجاع المعلومات يهدر كل قيمة للتعلم الحقيقي وتربية الإبداع، وما يتم هذه الأيام من ‘إعداد براشيم مصغرة ومصورة من الكتب للغش منها في المدارس والجامعات مأساة فالطلاب يقفون في طوابير في مكاتب التصوير لإعداد تلك البراشيم، ومع كل المأساة نجد تدريبات وورش عمل عن الإبداع وتربية الإبداع وصفات الطالب المبدع، وكتاب تربية الإبداع، وصفوف الإبداع ومراكز الإبداع وكل هذا لا مكان له في الواقع العملي المدرسي، والمأساة الجديدة هي استبدال السبورة التقليدية بالسبورة الإلكترونية والكتب الورقية بالكتب الحاسوبية والمعلم يطبق الدروس بالطريقة التقليدية نفسها التي خطط لها دنلوب المعتمد البريطاني لإفساد التعليم في البلاد العربية هذه هي شعارات الإبداع، وورش الإبداع .


    الإبداع الحقيقي أن يتم التدريس بالحوار والنقاش، والبحث والتجريب، وأن تتغير طريقة التقويم لتقيس المستويات العليا في التفكير، وهذا يستدعي إلغاء الاختبارات المركزية، والتصحيح المركزي وترك عملية التقييم للمعلم، ولكن الطامة الكبرى إن هذا الأسلوب أدى إلى التحيز في الدرجات لأبناء الطائفة والأقارب، ومن يأخذون الدروس الخصوصية عند المعلمين، لدرجة أن بعض الدول العربية ألغت تماما أعمال السنة والاختبارات العملية تحقيقا للعدالة واتقاء لشر المفسدين من المعلمين الذين حولوا العملية التعليمة التربوية إلى تجارة وبوتيكات للتدريس الخصوصي، ورفعت إعلانات تقول : أستاذ الصواريخ الامتحانية وأستاذ التوقعات للأسئلة، وأستاذ المراجعة المفيدة ليلة الامتحان .

    إذا أردنا تربية الإبداع علينا تحويل تلك الدراسات النظرية والبحوث الجامعية، والكتب النظرية إلى واقع معاش في المدرسة والبيت، وهذا يستلزم تربية المعلمين وأولياء الأمور على تربية الإبداع والتدريس الإبداعي واختيارات الإبداع، وهذا يحتاج إلى خطة علمية شاملة تتعاون فيها الجامعات، ووزارة التربية والمجتمع والأسرة ومن دون ذلك سنظل نردد شعارات الإبداع وكتابات الإبداع مع غياب تربية الإبداع، ودفن المبدعين في مدارسنا الحالية، وتحويل مدارسنا إلى تخريج موظفين للوظائف الإدارية والمكتبية وهي نفس الخطة الاستعمارية التي وضعها المعتمد البريطاني دنلوب منذ عشرات السنين لإفساد التعليم في ديارنا العربية والإسلامية.


    د.نظمي خليل أبو العطا.