طلبة الشعب العلمية في التعليم العالي ضحايا البرامج في التعليم التأهيلي

  1. #1
    تزروالت

    تزروالت مدون مجتهد

    طلبة الشعب العلمية في التعليم العالي ضحايا البرامج في التعليم التأهيلي






    من الرهانات والتحديات التي رفعها الميثاق الوطني للتربية والتكوين تغليب الشعب العلمية على غيرها من الشعب نظرا لمتطلبات الحياة و لحاجيات المجتمع إلى الأطر العلمية ذات الأثر المباشر في التنمية الحقيقية. وهذه الرهانات هي خيار كل المغاربة بلا خلاف ؛ وقد تفاءل الجميع خيرا بها. والمفارقة الغريبة أن الذين خططوا لهذا الاتجاه في تعليمنا لم يأخذوا بالأسباب ؛ وعليهم ينطبق قول الشاعر :



    ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها /// إن السفينة لا تجري على اليبس .


    آفة التوجه صوب النهج العلمي في بلادنا تكمن في فشل خيار لغة تلقي العلوم.فأصحاب القرار اختاروا تعريب المواد العلمية لمغازلة مشاعر الأمة التي تتمنى من أعماقها أن تكون المواد العلمية عربية ولكن في مستوى غيرها بل فوق مستوى غيرها. أما أن تعرب هذه المواد في مرحلة التعليم الثانوي بسلكيه الإعدادي والتاهيلي ويغرر بأبنائنا حيث يجدون أنفسهم في التعليم العالي أمام مواد علمية بلغات أجنبية لا قبل لهم بها ؛ فينقلب تعليمهم العالي إلى تعليم أعرج لا تستقيم خطاه . فالتلميذ في تعليمنا الثانوي بسلكيه تقدم له المادة العلمية بلغته فيستوعب منها ما يستوعب فإذا ولج أبواب كليات العلوم قدمت له هذه المادة بلغة أجنبية ؛وقصارى ما يحصل منها إذا كان متفوقا بعض العبارات لا يتجاوزها إلى مستويات الفهم والاستيعاب الجيدين الذين تقتضيهما المادة العلمية.


    ويصير طالبنا المسكين في الأرض حيران ؛ حيث يضطر لاجترار مرحلة التعليم التأهيلي بلغة أجنبية في المرحلة الجامعية ؛ ويكون في أحسن أحوال ملازما لدرجة ما دون المتوسط إلا في أحوال قليلة مما يجعله طاقة معطلة ؛ وسبب تعطيلها مشكل التعريب والتغريب الذي لم يحسم فيه أصحاب القرار ؛ فاختاروا التعريب لمغازلة المشاعر الوطنية والقومية والدينية في مرحلة تعليمية ؛ بينما اختاروا التغريب في مرحلة تعليمية أخرى وهي المرحلة الحاسمة. إن التعريب خيار له بداية ونهاية ؛ وليس مجرد بداية بلا نهاية . ولا يقبل على التعريب بحماس إلا من كان واثقا من النهاية المشرفة والتي تنافس وتضاهي غيرها من النهايات التغريبية.


    فإذا كنا مطالبين كأمة مسلمة طلب العلم ولو في الصين ؛ فإن ذلك يعني أن الذي أوصانا بذلك كان على علم بأن الصين لا يطلب فيها العلم إلا باللغة الصينية. وإذا ما كنا نوجه أبناءنا لطلب العلم في الغرب فيجب أن نكون منطقيين مع أنفسنا ومع أبنائنا هؤلاء فنقول لهم اطلبوا العلم في الغرب أو من الغرب بلغة الغرب. ولا يعقل أن نضيع أوقاتهم بتعريب يعقبه تغريب ؛ فيصير هؤلاء بلا تعريب ولا تغريب شأنهم شأن الغراب المحاكي للحجلة والذي فقد مشيته ولم يستطع تقليد مشية الحجلة.


    لقد عاينت خلال الموسم الدراسي الفارط مشاركة النخبة من أبنائنا في الأقسام التحضيرية في المباراة الفرنسية لولوج المعاهد الهندسية الفرنسية ؛ وهي مباراة أجريت في مؤسسة ديكارت الفرنسية بالرباط ؛ في نفس الوقت التي كانت تجرى في المؤسسات الفرنسية ولكن بتوقيت متفاوت حيث كان توقيت التلميذ في فرنسا الثامنة صباحا مما يعني اجتياز المباراة في ظروف عادية ؛ بينما كان توقيت التلميذ المغربي السادسة فجرا مما يعني اجتياز المباراة في ظرف استثنائي كاف لخلق احتلال في تكافؤ الفرص .


    وكانت النتيجة هزيلة لكون تلاميذنا المعربين طيلة تعليمهم الثانوي قضوا مدة أقسامهم التحضيرية في محو أميتهم في اللغة الفرنسية ؛ ودخلوا الرهان مع أندادهم الفرنسيين فاشلين منذ الانطلاقة الأولى. لقد آلمني حال هؤلاء الطلاب من النخبة ؛ وقد عادوا بخفي حنين كما يقال بعدما أنفقوا مبالغ مالية لفرنسا من أجل اجتياز هذه المباراة ؛ وحجوا إلى الرباط والبيضاء من كل أنحاء البلاد ولا ذنب لهم إلا أنهم عربوا ثم غربوا وضاع منهم الوقت الذي استفاد منه غيرهم .


    وإذا كان هذا حال الطلبة النخبة ؛ فماذا يقال عن غيرهم ممن لم تسمح لهم معدلاتهم في شهادة البكالوريا بولوج الأقسام التحضيرية ؟؟ إنهم يعانون في كليات العلوم وكأنهم في حالة إعادة التأهيل من أجل التأقلم مع تلقي العلوم باللغة الأجنبية وهو ما لو يألفوه من قبل .
    وإن المتتبع لنتائج الطلبة في الشعب العلمية يجدهم في صراع مرير مع إعادة اجتياز المجزوءات التي تلاحقهم من سنة إلى أخرى بعد فشلهم فيها . وإذا ما حالفهم الحظ كانت معدلات نجاحهم هزيلة لا تفتح في وجوههم آفاقا سوى أفق البطالة . وهكذا تكون الخسارة فادحة .



    بقلم : محمد شركي
    موقع وجدة سيتي