الندوة الوطنية حول شعار الدخول المرسي لموسم08/2007

  1. #1
    samisi

    samisi مدون جديد

    الندوة الوطنية حول شعار الدخول المرسي لموسم08/2007

    مقدمة :
    يكتسي التفكير في موضوع السلوك المدني أهمية كبرى بالنظر لعلاقته العضوية بمنظومات القيم من جهة، وبتطور المجتمعات وبدرجات الوعي بمكانة الأفراد وموقع المؤسسات داخلها، وبنوعية العلاقات التي تربط فيما بينهم من جهة ثانية.
    كما تعبر تنمية السلوك المدني عن الحاجة إلى ترسيخ علاقة واضحة وواعية فيما بين الأفراد وبينهم وبين مؤسسات المجتمع ومؤسسات الدولة، تنبني على احترام الحقوق والواجبات الدينية والقانونية والأخلاقية ...
    ولا شك أن هذا الموضوع يستمد وجاهته بالنظر إلى عوامل أساسية :
    عامل كوني يتجلى في تطور المجتمعات والحضارات الإنسانية، والوعي المتزايد بأهمية الإنسان كقيمة في حد ذاته؛
    عامل محلي يظهر في التحول الاجتماعي الذي أفرزه التطور التاريخي للمجتمع المغربي؛
    عامل تربوي يتجلى في دور وأهمية مؤسسات التربية والتكوين في تنمية السلوك المدني كمؤشر على الوعي بالحقوق والواجبات.
    وباعتبار أهمية وفعالية القيم في التغيرات والتحولات التي تشهدها المجتمعات في مسار تاريخها الاجتماعي، فإن الاهتمام بموضوع السلوك المدني يشكل لحظة تأمل ضرورية تستدعي معرفة ملامح ومظاهر التحول الاجتماعي الذي يعيشه المجتمع المغربي، كما تستحضر نوعية التغير الذي يطال منظومة القيم فيه، وذلك بالعلاقة مع التحولات الكاسحة التي يعرفها العالم على مستوى القيم والأنظمة المرجعية الثقافية والاجتماعية، وفي أفق بناء الإنسان المواطن الذي عليه تنمية الوطن وتحقيق نهضته.

    1. دلالات المفهوم وتجلياته :
    1.1. من التعدد الدلالي إلى محاولة التحديد الإجرائي
    يندرج مفهوم "السلوك المدني" في شبكة مفاهيمية واسعة، تتداخل فيها المعاني وتتعدد الدلالات، وإذا كان هذا المفهوم بمكونيه: السلوك والمدنية يحيلان في نفس الوقت إلى الأخلاق والإيتيقا، وإلى التمدن كحالة مجتمعية ترادف التحضر؛ فإنه يستدعي، في الآن ذاته مفاهيم أخرى محورية، مثل : الديموقراطية والمواطنة والوطنية واحترام حقوق الإنسان، والمدنية، والحس المدني والتربية المدنية، أو التربية على المواطنة أو التربية على حقوق الإنسان. لذلك تعكس المصطلحات المستعملة في مجاله الواسع، والمرادفات التي يحيل عليها في أحيان كثيرة؛ تطورا تاريخيا وسياسيا للمجتمع، وكذا تحولا في القيم الأخلاقية والإنسانية؛ فإذا كان الحس المدني مثلا يعبر عن الفضائل الضرورية للسلوك الفردي والجماعي، فإن التربية على المواطنة تهدف إلى تحديد وفهم العلاقات القانونية التي تضبطها قوانين وتشريعات الدولة، بينما تسعى التربية على حقوق الإنسان إلى التعلق بالقيم الكونية للإنسانية جمعاء. وهكذا فإن أي مصطلح من المصطلحات المذكورة له معناه وهدفه الخاص وسياقه التاريخي.
    هناك إذن معنيان يعكسان تطور المفهوم :
    *معنى عام يشمل واجبات المواطن(ة) ومسؤولياته في علاقته بالدولة من جهة، وبالمواطنين من جهة ثانية ؛
    *ومعنى خاص يحدد الفضائل الضرورية الواجبة في تنشئة المواطن(ة) الصالح، المتمتع بالحس المدني والانضباط والإخلاص للمجموعة الوطنية.
    إن هذه المعاني التي ارتبطت بتطور المفهوم في الثقافات الغربية اليونانية واللاتينية والمعاصرة، تظهر بوضوح في مفهوم التربية في الثقافة العربية وفي التراث الإسلامي الديني والفكري. فهي تعني التأديب من جهة، والتهذيب من جهة ثانية. فالتأديب هو توجيه الطفل(ة) نحو الانضباط والانتظام، أي تلقينه قواعد الضبط الأخلاقي الاجتماعي، أما التهذيب فغايته طبع النفس البشرية بالفضائل الدينية والأخلاقية، وهي فضائل أخلاقية وعقلية في نفس الوقت. فغاية التربية الإسلامية هي توجيه السلوك الفردي من جهة، وتنظيم الحياة الاجتماعية من جهة ثانية.
    إن هذا التعدد الدلالي الذي يرتبط بمفهوم تنمية السلوك المدني، والذي يحيل إلى حقول واسعة مثل القانون والأخلاق وقواعد السلوك وأنماط التربية، بقدر ما يغنى تحديد المفهوم نظريا بقدر ما يجعل تحديده على صعيد الممارسة صعبا وغير يسير. إلا أن هناك مجموعة من التحديدات الأولية تمكن من تشخيص هذا المفهوم في عمليات أساسية لها بعدها التربوي مثل:
    · ترسيخ مبادئ وقيم المجتمع في انفتاحها على القيم الكونية؛
    · معرفة المؤسسات والقوانين والمعايير الوطنية والالتزام بقواعدها؛
    · فهم قواعد الحياة المجتمعية بمعناها الواسع، واكتساب حس المسؤولية الفردية والجماعية؛
    · الوعي بالحرية في التفكير والتعبير وفي ممارسة الحياة العامة والخاصة مع احترام حرية الآخرين؛
    · إعمال الفكر النقدي والدفاع عن الرأي.

    1.2. التجليات الأساسية للمفهوم
    يتجلى مفهوم السلوك المدني أساسا في:
    · احترام الفرد لمبادئ ومقومات وثوابت مجتمعه ووطنه وهويته وأرضه وبيئته ؛
    · إدراك الفرد لوجوده كعضو داخل جماعة (الجماعة بمفهومها الواسع الحديث التي تبدأ بالأسرة وتنتهي بالمجتمع الإنساني) ؛
    · استحضار الوازع الأخلاقي ؛
    · الالتزام بالواجبات واحترام الحقوق ؛
    · اعتماد مبادئ العدالة والديموقراطية والإنتاجية والتضامن اجتماعيا وسياسيا وتربويا ؛
    · ممارسة الحرية في إطار المسؤولية ؛
    · احترام الأفراد والجماعة لمبادئ وقيم حقوق الإنسان ؛
    · المشاركة في الحياة العامة، والاهتمام بالشأن العام.
    وبشكل عام تتجلى تنمية السلوك المدني في "إكساب أفراد المجتمع بطريقة عملية وفعالة مبادئ السلوك الاجتماعي في البيت والمدرسة والشارع والأماكن العامة وعند ممارسة المهنة، وكذلك مبادئ احترام الغير وتقبل رأيه ومساعدته والتضامن معه وتجنب إلحاق الضرر به، وذلك بخلق ضمير اجتماعي لدى كل مواطن(ة) يستند إلى قيم التعاون والعدالة والديموقراطية وحب الوطن والغيرة عليه وتوظيف كل الطاقات لبنائه ورفعته لأداء رسالته الحضارية كجزء من الحضارة الإنسانية".

    1.3. ما المقصود بتنمية السلوك المدني ؟
    حين يتعلق الأمر بتنميةٍ السلوك المدني، فإن ذلك يحيل مباشرة إلى مسألتين أساسيتين :
    · كون هذا السلوك مكتسب عن طريق التنشئة المجتمعية، وكونه حاضر بتجلياته ومظاهره في العلاقات بين الأفراد وبينهم وبين المؤسسات: مؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع؛
    · كونه كسلوك فردي واجتماعي غير مطلق وغير ثابت بل هو قابل للتطور، ومن ثم، لا بد من تنميته وفتح آفاق استثماره لترسيخ التمدن وقواعد المدنية داخل المجتمع.
    وإن الحركية بين المكتسب وبين تنميته وترسيخه، تندرج مباشرة في مجال التربية باعتبارها تنشئة اجتماعية، وتحيل إلى مؤسسات التربية وأدوارها الأساسية والمركزية.

    2. تنمية السلوك المدني بين مسؤولية منظومة التربية والتكوين (المدرسة) ودور المؤسسات الأخرى :
    2.1. المسؤولية المركزية لمنظومة التربية والتكوين وحدودها
    تعتبر المؤسسة المدرسية بمفهومها الواسع، من أقوى المؤسسات الاجتماعية التي تعمل على تكوين السلوك الاجتماعي لدى الأفراد قصد تأهيلهم للقيام بالوظائف الاجتماعية الأساسية، وهي بذلك تسهم إلى جانب المؤسسات والتنظيمات الاجتماعية الأخرى في تدبير وتنظيم الشأن الاجتماعي وتنمية الجوانب العلائقية والتواصلية بين مكونات المجتمع، وفق ضوابط وقواعد وموجهات وأطر مرجعية، تعكس الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لكل مجتمع.
    وفي مجال تنمية السلوك المدني يظهر موقع المدرسة ومنظومة التربية والتكوين عموما ودورها الأساسي في التربية النظامية وغير النظامية، وذلك باعتبار الإمكانات الهائلة التي توفرها على مستوى تعليم المهارات وتنمية الكفايات والقدرات وتدبير العلاقات وتنظيمها داخل الفصول الدراسية عبر المناهج أو خارجها في الفضاء المدرسي، فهي مجال للعمل الجماعي وللتعاون والتفاهم والتسامح واحترام الآخر.
    ورغم أهمية ومركزية هذا الدور فإن فعاليته تظل مرتبطة بالزمن المدرسي المحدود من جهة ولوجود مؤسسات "منافسة" مفتوحة من جهة أخرى، ذلك أن هذه المؤسسات، باعتبارها بنيات منظمة تلعب أدوارا هامة في تكوين الأفراد والجماعات، فالمدرسة وحدها لا تمتلك القدرة السحرية، رغم دورها المركزي، على تشكيل المواطن، ولا يمكنها أن ترفع كل التحديات ولا كسب كل الرهانات المجتمعية.
    2. تنمية السلوك المدني بين مسؤولية منظومة التربية والتكوين (المدرسة) ودور المؤسسات الأخرى :
    2.2 دورالأسرة ووسائل الإعلام والهيآت السياسية والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني
    تحدد المؤسسات الاجتماعية التي تقوم بدور التربية والتنشئة الاجتماعية في الأسرة والمسجد ووسائل الإعلام والهيآت السياسية والمنظمات غير الحكومية...وإذا كان لكل هذه المؤسسات موقعها الخاص في حياة الأفراد فإن تأثيرها على تنمية السلوك المدني يبقى هاما وأساسيا.
    وبذلك، فالتمايز الملاحظ بين مختلف هذه المؤسسات التربوية من حيث مواقعها ودرجات تأثيرها، يؤكد التكامل القائم بينها في مجال تنمية السلوك المدني لدى الأفراد داخل المجتمع، ويرسخ ضرورة الوعي لديها بهذا التكامل لكي لا يختل التوازن بينها وينشأ التناقض في الخطاب وفي الممارسة مما يؤدي إلى خلل التربية وتعثر التكوين.
    3. نظرة على واقع السلوك المدني في الوسط المدرسي :
    3.1. التجربة المغربية
    يمكن تقديم بعض الإضاءات الخاطفة عن تجربة قطاع التربية الوطنية بالمغرب في مجال التربية على حقوق الإنسان والمواطنة، كمساهمة في تنمية السلوك المدني لدى أطفال المغرب المتمدرسين ولدى مختلف الفاعلين التربويين الذين يقاسمونهم حياتهم المدرسية يوميا.
    التربية على حقوق الإنسان
    ظهر هذا المصطلح في أدبيات وزارة التربية الوطنية، بشكل علني وواضح ومستعمل، مع إعلان العشرية الأممية للتربية على حقوق الإنسان (1995 – 2004 ) وسجل المغرب انخراطه في هذه العشرية ببرنامج وطني للتربية على حقوق الإنسان وذلك من خلال عمل مشترك بين وزارة التربية الوطنية ووزارة حقوق الإنسان. وقد ركز هذا البرنامج على المناهج التعليمية عبر السعي إلى تحقيق هدف رئيسي حدد في تعزيز مفاهيم حقوق الإنسان في البرامج الدراسية، وخاصة في المواد التعليمية التي تشمل مجالاتها المعرفية ومفرداتها علاقة واضحة مع ثقافة حقوق الإنسان.
    واستمر العمل في هذا البرنامج على ثلاث مراحل، أخذت منه المرحلة الإعدادية القسط الأوفر، بالنظر إلى جدة العمل والمقاربة والشركاء ومجال الفعل، لكي ينتقل إلى المرحلة التجريبية التي أنجزت، على عجل، من أجل المرور إلى مرحلة التعميم التي عقدت عليها آمال كبيرة، لم يتمكن القائمون على البرنامج من اختبار آثارها ولا معرفة تأثيرها بشكل موضوعي وعلمي.
    وقد وفر هذا البرنامج رصيدا هاما من الوثائق والدلائل البيداغوجية والتقارير، كما أنه كان موضوع نقاش مفتوح، سواء من لدن خبراء البيداغوجيا والديداكتيك أو من طرف المنظمات غير الحكومية ذات الاهتمام الحقوقي التي انخرطت بدورها في العشرية الأممية حيث انتقلت في أهدافها الأساسية من الدفاع عن حقوق الإنسان إلى التربية عليها.
    وباعتبار كل ذلك، يمكن جرد مجموعة المظاهر التي أفرزها تنفيذ هذا البرنامج الوطني على امتداد مراحله :
    · الانخراط والحماس الواسع الذي انتشر بين هيئة التفتيش التربوي ومختلف الأطر المعنية لتنفيذ مقتضياته وتحقيق أهدافه ؛
    · الدينامية التي خلقها على مستوى الاجتهادات التربوية والبيداغوجية وكذا الديداكتيكية في أوساط هيئتي التدريس والتفتيش، لترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في الوسط التعليمي ؛
    · الوعي بأهمية التكوين الأساسي والمستمر في ميدان حقوق الإنسان لكافة الأطر التربوية والإدارية ؛
    · الحرص على تصفية التأليف المدرسي من كل الشوائب التي يمكن أن تعرقل تحقيق أهداف التربية على حقوق الإنسان ؛
    · تعزيز الأنشطة التربوية والثقافية والاجتماعية التي تقوم بها أطر المؤسسات التعليمية، بفقرات متنوعة خاصة بثقافة حقوق الإنسان والمواطنة.
    أما الانتظارات التي خلقها تنفيذ هذا البرنامج، فيمكن تحديدها إجمالا في ما يلي :
    · المساهمة الواعية من لدن هيئتي التدريس والتفتيش التربوي، في ترسيخ ثقافة حقوق الإنسان، عبر تطبيق المناهج وعبر مشاريع المؤسسة المدرسية ؛
    · التمثل الواضح لمفاهيم الكرامة والحرية والمساواة والتسامح والتضامن والديموقراطية والقانون، من طرف التلميذات والتلاميذ، وهي المفاهيم التي ينبني عليها منهاج التربية على حقوق الإنسان الذي وضع في إطار البرنامج الوطني للتربية على حقوق الإنسان وعمّم على مجموع المدارس ؛
    · انعكاس هذا التمثل الواضح على سلوكات ومواقف كل الفاعلين في الحياة المدرسية من هيئة تدريس وإدارة تربوية وتلميذات وتلاميذ وكذا كل الشركاء المحليين ؛
    · تجليات كل ذلك في الفضاء المدرسي بما يعنيه من نبذ للعنف ومساهمة في تحسين جودة عطاء المؤسسة التعليمية وجماليتها، في إطار التعاون والتضامن والتآزر، وفي ظل احترام الاختلاف وممارسة الحرية والديموقراطية ؛
    · المحافظة على الحماس الذي انبثق من التنفيذ وتحويله إلى قوة دافعة لإبداع وابتكار صيغ جديدة لدعم وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة.
    لقد أصبحت هذه الانتظارات أكثر طموحا بتدخل عوامل جديدة منها أساسا :
    · الاهتمام بالحياة المدرسية إلى جانب المناهج والبرامج والكتب المدرسية؛
    · اعتماد المرجعية الحقوقية في مجال الطفل
    · الاهتمام الخاص بمفهوم المساواة واعتماد مقاربة النوع الاجتماعي؛
    · التركيز على مفهوم تكافوء الفرص ومفهوم الإنصاف في الوسط المدرسي؛
    · الوعي بأهمية الشراكة مع المنظمات والجمعيات الحقوقية والنسائية والتربوية؛
    · التنسيق مع القطاعات الحكومية ذات الصلة من أجل بلورة خطط ومشاريع وبرامج تعزز ثقافة حقوق الإنسان؛
    · الانخراط في الخطة الوطنية للنهوض بحقوق الإنسان
    من التربية الوطنية إلى التربية على المواطنة :
    حدث هذا التحول بفعل مراجعة المناهج والبرامج وفق متطلبات إصلاح منظومة التربية والتكوين كما أقرها الميثاق الوطني. وإن لهذا التحول دلالته التربوية، رغم أنه يعتبر حينا تعويضا لمادة بمادة جديدة وفي حين آخر استمرارا لنفس المادة السابقة باصطلاح جديد. وغير خاف التباين القائم بين مفهوم الوطنية ومفهوم المواطنة، ويظهر ذلك جليا عند الإطلاع على محتوى ومضامين مادة التربية على المواطنة. بالإضافة إلى المدى الزمني الذي يستمر فيه تدريسها حيث ينتهي في حدود التعليم الإلزامي (سلك الثانوي الإعدادي).
    وفي غياب تقويم موضوعي لحصيلة تدريس هذه المادة الجديدة، لا يمكن تحديد مظاهر أثرها على التكوين خاصة لدى تلميذات وتلاميذ الثانوي التأهيلي حاليا. مما يطرح ضرورة التتبع والمواكبة ورصد الأثر.

    3.2. تجارب مقارنة
    يبدو من الضروري التعرف على تجارب مقارنة في بلدان أخرى، حيث إن التربية على المواطنة في الوسط المدرسي ظهرت عموما كتعبير عن تطور المدينة من جهة، وتحول القيم من جهة ثانية. ذلك أن توفر المدينة على طابع قانوني، سياسي وترابي، فرض على المواطنين واجبات ومسؤوليات جديدة، تربط علاقتهم بالدولة وبغيرهم من المواطنين.فالقيام بهذه المسؤوليات هدفه خلق المواطن الصالح المتمتع بالخصال المدنية الوطنية والأخلاقية.
    هكذا بدأت الحاجة تظهر إلى التربية على القيم المدنية في البلدان ذات الهياكل المدرسية العمومية خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر ( بلجيكا 1868 م، النمسا 1870 م، بروسيا 1872 م) أما في فرنسا فقد أدمجت في التربية الأخلاقية في سنة 1883 م، لكنها عرفت بعد ذلك نظام "شهادات المدنية"، ثم "التربية أو التعليم المدني"، إلى أن أصبحت تمثل قسما من مقرر التاريخ، كما تغير هدفها من تكوين أخلاقي للمواطن إلى تلقين قواعد السلوك المدني بالنسبة للأطفال في الابتدائي، وتدريس المدنية بالنسبة للإعدادي والثانوي، أي تعليم مفهومي وقانوني للقيم والسلوك المدني.
    فقد عرفت "التربية المدنية" تطبيقات اختلفت باختلاف الأنظمة التعليمية، واختلاف تصورها للمواطن، وباختلاف الأنظمة السياسية :
    · فقد اقتصرت أحيانا على الجانب الإخباري الوصفي للمؤسسات الوطنية، وهي بذلك تخدم تصورا معينا للمواطن يعتبره عنصرا ذائبا في المجتمع، قابلا للتكيف مع واقع ما، دون إعداده للمساهمة في تطوير هذا الواقع. وهذا يتلاءم مع المفهوم التقليدي للتمدن ؛
    · أما في أنظمة أخرى فقد قامت على تصور المواطن في شموليته، فاعتمدت كل الصيغ البيداغوجية التي تلائم تكوين العادات والمواقف الضرورية لديه، ليكون مواطنا فاعلا في مجتمع ديموقراطي، يشارك في تدبير شؤونه بل في وضع قواعده وقوانينه، لا فقط في تطبيقها. فبالإضافة إلى تنمية الوعي الوطني فالتربية المدنية تهدف تكوين عادات فكرية أهمها : التأمل والتفكير والنقد، والارتباط بقيم أساسية، وتكوين سلوك اجتماعي عبر العمل الجماعي والانفتاح على تجارب الآخر...
    إن تطور مفهوم التمدن وتطور مفهوم التربية، جعلا التربية المدنية تقترب أكثر فأكثر من الأهداف التي تنشدها التربية على حقوق الإنسان، فالتمدن الآن له بعده الإنساني، إذ أصبح يعني " القبول المتبصر للواجبات المرتبطة بانتمائنا للمدينة، وللأمة، وللإنسانية"، وهنا يتجلى المفهوم الكوني أو العالمي للمواطن، وهو الإنسان.
    إن هذا التطور مس في الأساس أنظمة البلدان الغربية كفرنسا أو انجلترا أو كندا... ووصل تأثيره إلى بعض البلدان العربية بشكل محدود تتحكم فيه السيرورة التاريخية والمجتمعية لهذه البلاد، مما يفرض ضرورة الإطلاع عليها ومعرفتها من أجل مقارنة موضوعية بين أنماط وأنظمة التربية عامة ومجال تنمية السلوك المدني خاصة.
    4. أهداف تنمية السلوك المدني في ميدان التربية والتكوين ومجالاته :
    4.1. الأهداف
    ترتبط أهداف تنمية السلوك المدني عامة بالغايات الكبرى للتربية بمفهومها الشامل من جهة، وبوظائف المدرسة كمؤسسة من مؤسسات التربية من جهة ثانية.
    فالغاية الكبرى للتربية الحديثة هي السعي إلى تحقيق التوازن النفسي للفرد سواء في مظهره الخارجي المتجسد في العلاقات مع الأفراد والجماعات، أو في مظهره الداخلي أي التوازن بين المكون الاجتماعي والمكون النفسي للشخصية الإنسانية. بما يتطلبه ذلك من النظر الشمولي إلى الفرد كإنسان، وتنمية حسه النقدي واحترام حريته في التفكير والتعبير، والاعتراف بحقه في الاختلاف واستقلاليته....
    أما الوظائف الأساسية للمدرسة كمؤسسة اجتماعية فتتحدد، بشكل عام، فيما يلي :
    1- الوظيفة البيداغوجية: وتعتبر علة وجود المدرسة، فهي توفر التعليم ونقل المعرفة ؛
    2- الوظيفة الاجتماعية: وتقدم المبادئ الأساسية للحياة داخل مجموعة أو في جماعة ؛
    3- الوظيفة التربوية: وتوجه الطفل نحو احترام القواعد والقوانين التي تنظم وتحكم المجتمع ؛
    4- الوظيفة السيكولوجية : إذ أنها مجال للحياة يعبر الطفل من خلاله عن رغباته وحاجاته العاطفية.
    إن استحضار غاية التربية ووظائف المدرسة عامة، يمكّن من تحديد واسع للأهداف العامة لتنمية السلوك المدني:
    · تنمية المعارف حول مبادئ الديموقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان والقيم المجتمعية ؛
    · تنمية ممارسات المواطنة ومهارات المشاركة والتفكير لإيجاد الحلول للقضايا العامة ؛
    · تعزيز قيم المواطنة واحترام الثوابت الوطنية ومقومات الهوية.
    4. أهداف تنمية السلوك المدني في ميدان التربية والتكوين ومجالاته :
    4.2. المجالات (البرامج والمناهج، التكوين الأساسي والمستمر، البحث، الحياة المدرسية والجامعية، فضاءات مؤسسات التربية والتكوين، مجالس المؤسسات، الفصل الدراسي، مرصد القيم، ...
    إن تحقيق هذه الأهداف يندرج ضمن العمل التربوي في مجالات العمل التالية :
    · مجال المناهج والبرامج والكتب المدرسية وكل ما تفترضه من وسائل ووسائط بيداغوجية وديداكتيكية؛ لما يفتحه من إمكانيات واسعة لترسيخ القيم والتربية على السلوك وفقها، وما يسمح به من إبداع في البيداغوجيا والديداكتيك.
    · ومجال الحياة المدرسية والجامعية التي يعيشها ويحياها يوميا، ملايين التلميذات والتلاميذ والطلبة ومئات الآلاف من أعضاء هيئات التدريس والتفتيش والإدارة التربوية وجمعيات الآباء ومختلف الشركاء المحليين.. بما تفسحه من إمكانات تدبير العلاقات وتنظيمها وفق قواعد ديموقراطية؛
    · مجال التكوين الأساسي للأطر التربوية وتكوينها المستمر؛
    · مجال البحث العلمي التربوي من أجل رصد الواقع التربوي ومعرفة تحولاته.
    ويمكن لمقاربة طبيعة الإمكانات التي تسمح بها هذه المجالات، اعتماد عنصرين مركزيين مترابطين:
    - استثمار رصيد البرامج والتجارب التربوية في ميدان التربية على المواطنة وحقوق الإنسان والمساواة، وبرامج مواد دراسية كالتربية الوطنية والشأن المحلي والتربية على المواطنة والتاريخ وغيرها...، وهو رصيد تراكم طيلة عقود من تاريخ تدبير التربية الوطنية.
    - استشراف آفاق واضحة للعمل التربوي العميق للتشبع بالوطنية ولتجذير ممارسة المواطنة الديموقراطية لدى الناشئة، في الفضاء المدرسي والجامعي حالا أو في محيطه القريب أو البعيد مستقبلا.
    إن اعتماد هذين العنصرين في إطار جدلية الزمن: ماضيه وحاضره ومستقبله؛ سيمكن من استجلاء إمكانيات العمل، وابتكار أساليب تربوية لا محدودة ستساعد على المضي في اكتشاف صور إيجابية وفاعلة عن الذات والآخر والعالم، كامنة لدى كافة الأطر التربوية ولدى التلميذات والتلاميذ.
    لذلك فبقدر ما يشكل المجال الأول، مجال المناهج والبرامج، فلسفة وغايات وتوجهات النظام التعليمي ويجسدها في برامج دراسية ومضامين معرفية وطرائق بيداغوجية وفي أدوات ديداكتيكية؛ بقدر ما يشكل المجال الثاني، مجال الحياة المدرسية والجامعية، البوتقة الحية التي يمتد فيها التكوين وتتجلى آثار التربية، وإن داخل فضاء محدود هو المدرسة بمفهومها العام (المدرسة والجامعة). ف"المدرسة" مجتمع صغير له تاريخ تتوجب معرفته، مجتمع ينبني على علاقات وروابط، ويتجذر في عمق الوطن ويمتد نحو المجتمع الكبير ونحو العالم. وإن هذا التموقع رغم بساطته الظاهرة فإنه سيساعد أفراد هذا المجتمع المصغر بكل فئاتهم، على تنمية حس الانتماء والشعور بمسؤولية تحسين مستوى العطاء معنويا وماديا، والمشاركة في تحسين وتجميل بيئة الفضاء والتنافس الشريف على مكانة جيدة للمدرسة وللجامعة في الحي والجماعة والإقليم والجهة...
    وإن غنى المجالين، بالإضافة إلى تكاملهما بالعلاقة مع المجالات الأخرى، يفترض بشكل أساسي تأهيل كافة الأطر التربوية وتكوينها المستمر لتطوير الممارسات وتنمية الوعي.
    5. تتبع وتقويم برامج تنمية السلوك المدني كمكتسبات وممارسة :
    5.1. آليات
    إن إعداد برامج ومشاريع عمل لتنمية السلوك المدني يفترض وضع آليات للمواكبة والتتبع والتقويم. وبغض النظر عن أنظمة تقويم المعارف التي تعتمد في المواد الدراسية وفق ضوابط ومعايير بيداغوجية محددة وخاصة، فإن إشكالية تقويم السلوكات والمواقف تبقى قائمة كلما تعلق الأمر بمجال غير مجال التدريس، وإن خصوصية تنمية السلوك المدني تستدعي التوقف مليا عند هذه الإشكالية للنظر في إمكانات الرصد وتتبع الأثر والاهتمام بمدى تأثير البرامج والمشاريع على سلوك الناشئة وممارساتهم وقناعاتهم ومواقفهم وذلك عبر زمن تمدرسهم وتكوينهم. ولعل أكبر ثغرة يعرفها مجال التربية على القيم عموما في مختلف الأنظمة هي صعوبة التقدير لمدى اكتساب القدرات في هذا المجال الذي يبقى فيه الأثر موزعا على مختلف المتدخلين في صنعه من مدرسة وأسرة وغيرهما من المؤسسات.
    6 خلاصات :
    6.1 مقترحات أولية
    إن العمل لتنمية السلوك المدني في منظومة التربية والتكوين يتطلب بالإضافة إلى الرصد والتشخيص والتقويم تجاوز الصعوبات وتدارك مواطن النقص في التجربة الحالية، وتوطيد مكتسباتها الهامة والعمل على تطويرها وذلك عبر:
    · التأكيد على ترسيخ مقومات الهوية المغربية العريقة بوحدة ثوابتها وتعدد روافدها، والحرص على تجليتها في نصوص ومتون من التأليف المغربي عبر الحقب والعصور، في مجالات الأدب والفلسفة والفكر والتاريخ والحضارة المغربية بكل مكوناتها "أمازيغية وعربية وصحراوية إفرقية وأندلسية" ؛ (مقتطف من الظهير المحدث والمنظم للمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية) ؛
    · تعزيز التربية على القيم وعلى ثقافة حقوق الإنسان والمواطنة، في التوجهات التربوية للمناهج والبرامج، في المضامين وفي الكتب المدرسية، بصياغات صريحة وواضحة حول المفاهيم الأساسية كالكرامة والحرية والمساواة واحترام القانون، وما تتطلبه من طرائق بيداغوجية، وما تنتظره من سلوك مدني ومواقف مواطنة ؛
    · ترسيخ اعتماد الصور الإيجابية لأدوار كل من المرأة والرجل في بناء المجتمع الحديث والديموقراطي، والتوقف النهائي والتام عن إدراج الصور السلبية والنمطية لهذه الأدوار في الكتب المدرسية، في المتن والرسم والصورة، واعتمادها في الاستثمار البيداغوجي ؛
    · تعزيز برامج التاريخ المغربي بصور وشهادات تاريخية وحية عن الكفاح من أجل الاستقلال وبناء الوطن وإرساء الديموقراطية.
    · التكوين الصلب والمتين للأطر في ثقافة حقوق الإنسان : في التاريخ، في المفاهيم، في القانون، في الفلسفة، في العلاقة مع الثقافات والمعتقدات وتاريخ الأوطان ؛
    · جعل فضاء المدرسة فضاء مفتوحا لممارسة الحرية في إطار المسؤولية وترسيخ قيم المساواة، وللتمرن على الأساليب الديموقراطية في التسيير والتدبير، سواء داخل الفصول أو خارجها ؛
    · المزاوجة الدائمة بين التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات ؛
    · اعتماد أساليب مبتكرة وجذابة لإشاعة جو الحوار والتعبير الحر عن الرأي داخل الفصول وفي فضاء المدرسة؛ ( الإعلام المدرسي: صحافة، إذاعة، مجلات حائطية) ؛
    · الحرص على نبذ العنف والعنف المضاد في بناء العلاقات بين جميع الأطراف؛
    · ترسيخ قيم التسامح واحترام الآخر في ظل قواعد القانون ؛
    · خلق فرص متساوية أمام التلميذات والتلاميذ للابتكار والإبداع لتحسين جودة عطاء المدرسة والإعلاء من شأنها ؛
    · تقوية أواصر الانتماء إلى مجموعة المدرسة عبر تشجيع مختلف أساليب التضامن والتآزر؛
    · تشجيع روح المبادرة الخلاقة لتجاوز صعوبات المحيط وتحمل المسؤولية الفردية والجماعية لمواجهة المشاكل الطارئة ؛
    · فتح المجال أمام المشاريع الإصلاحية الملموسة المقترحة من طرف كل الأفراد أو الهيئات المساهمة في الحياة المدرسية ؛
    · الحرص على وضع نظام داخلي للمؤسسة يعتمد مبادئ الكرامة والحرية والمساواة والديموقراطية، وإعلانه والتعريف به كأداة تعاقد واعي ومسؤول يضمن لكل الأطراف جو العمل والتفاهم والإنتاج...
    · تشجيع إحداث النوادي التربوية بما فيها نوادي حقوق الإنسان والمواطنة والمساواة، باعتبارها مجالا للتمرن على الأساليب الديموقراطية لتحديد العضوية والتمثيلية، وفضاء للمبادرة والإنتاج وحقلا خصبا لزرع وتنمية حس المواطنة والمسؤولية ؛
    · إحياء المناسبات الوطنية بما تقتضيه مكانتها في التاريخ المغربي، باعتماد مختلف صيغ وصور التعبير والإبداع؛
    · الاحتفاء بالأيام العالمية والوطنية المرتبطة بحقوق الإنسان عامة وحقوق الطفل والمرأة وذوي الحاجيات الخاصة ( بما فيها الحق في الصحة والبيئة السليمة) ؛
    · الاهتمام بالتربية الوالدية من خلال التفكير في إمكانية إحداث مدارس للآباء.

    6.2 خلاصة
    إن المبدأ الذي يمكن استخلاصه عامة هو أن العمل في هذا المجال، مجال تنمية السلوك المدني، تربويا وبيداغوجيا، عمل مستمر متنوع ومتجدد، يتطلب الوعي بوظائف المدرسة وأدوارها، ويستدعي البحث العلمي والتربوي، وتتبع ودراسة الأثر، والتقييم والتقويم المستمر.
    ولذلك يمكن التأكيد على ضرورة الاهتمام أكثر بـ :
    · دور التكوين الأساسي والمستمر للأطر التربوية والإدارية ؛
    · دور الإعلام والتواصل لتعميم خطاب واضح حول القيم والممارسات الإيجابية، وللتعريف بالمبادرات البناءة ؛
    · تشجيع كل الأنشطة التربوية والاجتماعية والثقافية التي تكرس كرامة الإنسان وقيم المساواة والإنصاف والتضامن المحلي والوطني والعالمي، مع الدعم التام لها ؛
    · تطوير أساليب الشراكة والتعاون مع كل الأطراف الفاعلة في محيط المدرسة لتأسيس ثقافة التعاون المحلي وتطوير المؤسسة التعليمية كنقطة إشعاع أساسية في المحيط ؛
    · استثمار وتشجيع الإجراءات التي تم اعتمادها بقطاع التربية الوطنية، كالنشيد الوطني وتحية العلم، وإحداث الأندية الحقوقية، وتعميم ثقافة خلق مشاريع المؤسسات التعليمية، وتقصّي آثارها عبر الرصد والتقييم ؛
    · إمكانية تشكيل برلمانات جهوية للتلاميذ والطلبة من شأنها أن تمي وترسخ أساليب الممارسة الديمقراطية ؛
    · تنظيم عمليات تحسيسية وخرجات وبرامج ميدانية تهم الجوانب المتعلقة باحترام قوانين السير والنظافة والمشاريع التنموية والمحافظة على البيئة.
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏29 يناير 2016
  2. #2
    جمال

    جمال مدون فعال

    بارك الله فيك أخي