أطفالنا ضحايا استغلال وكالات الإشهار

  1. #1
    تزروالت

    تزروالت مدون مجتهد

    زمن بثه لا يتعدى دقائق، مضمونه يتوزع بين موضوعات حياتية شتى، يغريك بألوانه وكلماته وأحيانا الموسيقى التي ترافقه، طاقم كبير يعمل على إنجازه، وأموال ترصدها الجهات المسؤولة عنه، حتى يخرج في أبهى صورة، يختلف الغرض من عرضه بتنوع المؤسسات القائمة عليه، لكن يبقى الهدف واحدا هو التأثير على أكبر شريحة من المجتمع، ومحاولة إقناعها بوسائط متعددة من أجل اقتناء المنتوج، وبالتالي الظفر بمداخيل أكبر.

    شكل مادة أساسية للعديد من الباحثين والمهتمين، حيث تناولوه بالدراسة والتحليل والتنقيب عن أهميته وخصوصياته وتأثيره على المتلقي، باعتباره المستهدف من عملية التواصل، خصوصا إذا تعلق الأمر بالإشهار المرئي -المتلفزالذي يخاطب الطفل، والذي يوظف مجموعة من الآليات الكفيلة بالتأثير عليه.

    ذلك أن تأثير الإشهار على الطفل يختلف عن الفئات العمرية الأخرى، بحيث يوظف تقنيات جد متطورة و تحت إشراف متخصصين، الكل يساهم في إنجاز مادة فيها من الإغراء ما لا يتصور، و تعمل بناء على دراسات اجتماعية ونفسيـة، ومعرفـة بأحوال المجتمع الاقتصادية.

    لكن المنطق المتحكم في الإشهار والمتمثل في الربح الاقتصادي، قد يجعل ذلك يعمي المسؤولين عن عملية الإشهار ولو على حساب مجموعة من القيم والتأثيرات السلبية التي قد ترخي بظلالها على سلوك الطفل،عندما تترسخ لديه عادات استهلاكية ترهق كاهل أولي الأمر. فأين تتجلى هذه المظاهر السلبية على سلوك الطفل؟.

    إشهار بدون مراكز

    عندما تتوجه الإرسالية الإشهارية -المتلفزة إلى الطفل-الجمهورالمستهدففٌ- مٌقىك حسب أها الاختصاص، فهي تخاطب أولاحاسة البصر، وبذلك فهي توظف الصورة بكل حمولاتها الدلالية كركيزة أساسية للتواصل مع الطفل، بالإضافة إلى قنوات أخرى أهمها السمع، وفي هذه الحالة يتم التعامل مع الطفل كمستهلك لم ينضج بعد في تفكيره، وذلك عبردغدغة اللاشعور وترسيخ قيم استهلاكية جديدة ومؤثرة، لتحقيق استجابة فورية وآلية، كما يتم التركز على إشباع فضوله بوسائل متعددة .

    لكن رغم ما قيل عن الإشهاروتداعياته، فإن ما يلاحظ هو غياب دراسات متخصصة منبثقةعن مراكز دراسات ومراصد متخصصة عن الإشهار ومقاييس التلقي والإستهلاك المتعلقة به،اللهم إذا استثنينا بعض المقالات والدراسات الجزئية، مما يشكل حاجزا أمام تشخيص علاقة الإشهار وتاثيره على الناشئة بصفة خاصة وعلى المجتمع على وجه العموم، حسب ما صرح به ''للتجديد''محمد عبد الوهاب العلالي أستاذ بالمعهد العالي للإعلام والإتصال بالرباط، مشيرا أيضا، أن هذا يطرح أمام المختصين والباحثين ضرورة الإنتقال من مرحلة الدراسات التسويقية حول الإشهار التي تجد التمويل الكافي من طرف الشركات والمؤسسات المستفيدة، إلى مرحلة الدراسات الإجتماعية متعددة التخصصات بالكليات والمعاهد ومجموعات البحث المختلفة.

    سلطة التلفزيون

    على اعتبار الدور المهم الذي يلعبه التلفزيون في المجتمع، حيث يزود المتلقي بأشكال تواصلية متتعدة الأغراض والمناحي، وذلك بتنوع الجمهور- المشاهد، فإن الحصص الإشهارية الموجهة إلى الطفل تحتل حيزا مهما في الخريطة الإشهارية للقناتين المغربيتين الأولى والثانية، أو باقي القنوات الفضائية الأخرى،هذا الطفل الصغير الذي يعتبر أول متلقي عفوي، وأحيانا أخرى ضحية للمواد التي يتلقاها. وهذا ما جعل محمد العلالي، يشير إلى أن التأثير على الناشئة في غاية الأهمية خاصة في التلفزيون، والذي بقدر خصوصيته التقنية، إلا أنه في الوقت نفسه يشكل أداة لصناعة التمثلات الجمعية للناس ومؤثر فيها بالنسبة للراشد ذي التمثلات والقيم المشكلة، فما بالك بالنسبة للطفل ذي ملكات إدراكية قيد التشكل بحسب تطورمراحل العمر ،مضيفا، أنه كذلك جهاز للدعوة إلى الفعل أي أن الناس تقوم بأفعال متنوعة في حياتها اليومية بناء على ما تتلقاه من قيم وتمثلات عبر الشاشة الصغيرة، ومن هنا تأتي أهمية الإشهار في التلفزيون والتأثير الذي يمارسه على المتلقي الصغير أيضا.

    مستهلك بدون وعي

    الطفل مستهلك بدون وعي، هذه هي النقطة التي حاول، محمد العلالي، أن يكشف عن بعض ملامحها عندما اعتبر أن الوصلة الإشهارية التي يتم بثها على طول المساحة الزمنية للإرسال ،قادرة على تهييئ الطفل إلى الانصياع للتنويم أي للتقبل غير الواعي وغير النقدي للرسالة الإشهارية التي تهدف إلى ترويج سلعة أو فكرة ما، وفي أحيان كثيرة تتعدى ذلك عندما لا تكتفي بتوجيه اهتمامات المشاهد-المستهلك إلى الإقتناع بالمنتوج وأهمية الحصول عليه وإستهلاكه فحسب، بل تخلق قيما وعادات إستهلاكية جديدة، قد تساعد المتلقي على سرعة التأثير فيها، وهي ظروف تتم في شروط نفسية تتسم بالإسترخاء والإستعداد النفسي في أوقات الراحة والفراغ، كما أن التلفزيون يقدم أشياء غير مألوفة تتسم بالغرابة والقدرة على التأثير على سلوك الطفل ومعنوياته، وذلك بخلق روابط ثقة تجعله يستسلم لصناعة الإبهار والإيهام .

    على مستوى آخر، تحدث العلالي، عن ما يوظفه التلفزيون من صورة ثابتة ومتحركة وألوان وإنارة وموسيقى وحركة، في آداء الوصلات الإشهارية، بالإضافة إلى الترويج لإشهاره عن طريق إشراك العديد من نجوم الرياضة والفن والمجتمع وغيرهم، كما أنه يعتمد على الإثارة والتأثير على المشاعر والعواطف والقدرة القوية على الإقناع،وهي مقومات في نظر العلالي، تؤثر على نحو قوي على العمليات الإدراكية والتأويلية والإنفعالية للطفل، إذ تظهر في مجموعة من السلوكات التي هي نتيجة لمجموعة من التفاعلات، قد تُرى وتشاهد في المعيش اليومي للطفل وتمثلاته وسلوكاته .

    إشهار العنف

    للإشهار المرئي تأثير كبيرعلى مخيال الطفل، حيث يخاطب اللاشعور، وتتنوع تأثيراته بين مباشرة وأخرى غير مباشرة، وبين مظاهرسلبية و أخرى إيجابية،كما صرح ''للتجديد'' حسن كمي، مختص في الأمراض النفسية والعصبية، ذلك أن التأثيرات الجانبية للصورة الإشهارية قد تترك بصمة قوية على الطفل، كما أن تنوع وغنى المادة الإشهارية من حركة و موسيقى ولون، تغذي لاشعور هذا النمط من المستهلك. فبالنسبة للجانب الإيجابي يتمثل في تنمية الجانب المعرفي والتربوي للطفل، وهذا قليل في الإشهار المغربي، أما سلبياته فتظهر أثارها عند وقوعه ضحية بعض التناقضات التي تحاول الوصلة إرسالها، كمشاهد العنف التي يحاول الطفل ممارستها في محيطه، أو بعض العادات الاستهلاكية السيئة التي يرسمها الإشهار في ذهن الطفل، ويُحوله أسيرها، وهذا ما ذهب إليه حسن قرنفل، أستاذ علم الاجتماع، عندما اعتبر أن الإشهار يكون له تأثيرا على الصغار لأنهم يكونون في مرحلة لايملكون فيها أدوات التمييز بين ما هو مقبول وما هو غير مقبول، بين ما هو مخيال وما هو واقعي، وكل ما يتلقونه يكون قابلا للتطبيق، نظرا لغياب المناعة الفكرية لديهم.فتصبح كل المواد المقدمة في فلسفة الإشهار مواد مطلوبة من طرف الأطفال لآبائهم وهو ما يشكل عبئا على العائلات، وبالتالي يرهق جيوب الأباء، ويشكل لهم إحراجا، كما أن الأمر قد يتطور إلى ممارسة بعض السلوكات المشينة كالسرقة وخصوصا لدى الاطفال أبناء الفقراء، ونظرا لخطورة بعض الوصلات الإشهارية على حياة الطفل، فقد تم توقيف بعضها، كما هو الشأن لمنتوج ''طاغير''، والذي منع بقرار من الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري، لما تضمنه من مشاهد تعطي نموذجا سيئا للقاصرين عن كيفية التعامل مع أساتذتهم داخل الفضاءات التعليمية، كما أنها تقلل من الاحترام الواجب تجاههم لكونها تتضمن عناصر تستغل قلة خبرة وسذاجة الأطفال والمراهقين.

    صرخة ضحية

    يذهب العديد من المحللين والمهتمين بالمادة الإشهارية إلى أن استغلال الأطفال في الإشهار، لا يخضع لإطار قانوني منظم، مما يجعل المجال مفتوحا أمام توظيفهم بطرق لا تراعى فيه أدنى أخلاقيات المهنة، وهذا ما يتنافى مع الاتفاقية الأممية لحقوق الطفل التي صادق عليها المغرب سنة 1993 والتي تنص على حماية حقوق الطفل في جميع المجالات (في النمو، وفي الحماية، وفي الحق في الحياة)، ومن ناحية أخرى نجد أن أطفالا آخرين يتعرضون للاستلاب، مما يجعلهم عرضة لكثير من ردود الفعل السلبية التي تؤثر على مستقبلهم، وبالتالي على نموهم، ما دامو لم يكتسبوا بعد المناعة الفكرية التي تمكنهم من حماية ذواتهم دون الاستعانة بالآخرين.

    السؤال الذي يطرح الآن من له الحق في رفع دعوة قضائية أمام بعض المظاهر السلبية التي تسم مشهدنا الإشهاري المتلفز، وخصوصا ذلك الموجه للطفل؟ و أي شئ يتم الاستناد إليه، في غياب نصوص يتم الرجوع إليها، كسند قانوني ومنظم؟.

    ما العمل؟

    بناء على ما سبق ذكره يلاحظ أن الضرورة أصبحت ملحة، للتقدم خطوة للوراء وانقاد أبناء المستقبل، بإقرار قانون منظم يحمي المهنة ويحافظ على القيم الثقافية التي تسود البلاد، عوض تركهم ضحية مخالب الإشهار التي تخدرهم بصور تتلون ولا تثبت على حالها إلا إذا استنزفت جيوب أوليائهم. وهذا ما دافع عنه نورالدين عيوش،مدير وكالة''شمس''، الذي أقر بأن هناك سلبيات تطبع عملية الإشهار الموجه للأطفال، إلى جانب الإيجابيات، قائلا بأنه حان الآوان لمشاركة الجميع في صياغة قانون لتنظيم المهنة، من صحافيين ومسؤولين عن وكالات الإشهار، وبحضورالهيئة العليا للإعلام السمعي البصري .أما حسن قرنفل فقد طالب الهاكا أن تتبع كل ما ينشر في القنوات الفضائية، محملا إياها المسؤولية بالدرجة الأولى من أجل تقنين ومراقبة كل ما يبث عبر التلفزيون ومنع كل أنواع الإشهار والصور التي لا تنسجم مع الثقافة المغربيةو المبادئ العامة للتربية.

    فأهم سؤال يتطلب جوابا الآن، في ظل الوضعية الحالية التي يعشها الإشهار المغربي، هو كيف يمكننا مواجهة الآثار السلبية المترتبة عن النشاط الإشهاري الموجه للناشئة، بطرح بدائل تكون كفيلة بتوفير مناخ جيد تراعى فيه كافة الظروف لتربية أطفالنا، الجواب عن ذلك يتطلب إرادة سياسية يشارك فيها الحميع بعيدا عن أية حساسية سياسية لأن مستقبل أطفالنا بأيدينا وما علينا إلا أن نبدأ أولا بثقافة نقدية.
     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏28 يناير 2016
  2. #2
    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .


     
  3. #3
    تزروالت

    تزروالت مدون مجتهد

  4. #4
    ابواسماعيل

    ابواسماعيل مدون نشيط

    بسم الله الرحمن الرحيم
    شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .