تربية العولمة و عولمة التربية

  1. #1
    منصف

    منصف مدون جديد



    تربية العولمة وعولمة التربية:
    رؤية استراتيجية تربوية في زمن العولمة


    إعداد
    أ.د. عبد الرحمن بن أحمد محمد صائغ
    أستاذ الإدارة والتخطيط ، والاقتصاد التربوي
    كلية التربية – جامعة الملك سعود

    ورقة عمل مقدمة إلى ندوة العولمة وأولويات التربية التي تنظمها كلية التربية – جامعة الملك سعود
    في الفترة من 1-2/3/1425هـ الموافق 20-21/4/2004م


    1425هـ/ 2004م


    ملخص
    تربية العولمة وعولمة التربية: رؤية استراتيجية تربوية في زمن العولمة
    إعداد
    أ.د. عبد الرحمن بن أحمد محمد صائغ
    أستاذ الإدارة والتخطيط ، والاقتصاد التربوي
    كلية التربية جامعة الملك سعود

    تناولت الورقة علاقة العولمة بالتربية من خلال بعدي " تربية العولمة " و " عولمة التربية " بوصفهما بعدين لكل واحد. يركز الأول على قدرة التربية للاستجابة لتحديات العولمة السياسية والاقتصادية والتقنية والحضارية التي تواجهها الأمة العربية ، بينما يركز البعد الثاني على قدرة استيعاب التربية لمفاهيم واتجاهات العولمة وتوظيفها لبناء نظام تربوي متطور يمتلك مقومات المرونة والمنافسة على الساحة الدولية.
    ثم قدمت الورقة المفهوم الشامل للتربية للمواطنة كرؤية استراتيجية للتربية العربية في زمن العولمة، تمثل في مجملها إطاراً إجرائياً تتحدد فيه أهم الملامح الأساسية لتربية المستقبل القادرة للاستجابة لتحديات العولمة الداخلية والخارجية التي تواجهها الأنظمة التربوية العربية.
    وتتضمن هذه الرؤية ستة عناصر رئيسة وهي:
    التربية الخلقية ، التربية الشورية (الديموقراطية) ، التربية التنموية ، التربية التقنية ، التربية البيئية، وتربية السلام والتعايش مع الآخرين تمثل في مجملها منظومة متكاملة لتحقيق "المواطنة" ببعديها المحلي والعالمي ، والقادرة على الإسهام في تحقيق "العولمة المتزنة".


    Abstract
    Educationalizing Globalization &
    Globalizing Education A strategic Educational Vision In an Era of Globalization

    Prepared by:
    Dr.Abdul-Rahman Ahmed Sayegh
    Prof. of Educ. Adm& Planning, Economics of Educ.
    College of Educ., King Saud University

    This paper sets out to perceive the interaction between globalization and education as mutually interrelated two dimensions, i.e., each one of the two notions constitutes a dimension for the other and vise versa. One of the assumed dimension is supposed to address the capacity of education to respond to the challenges of globalization in areas, such as politics, economy culture, and technology, that are facing the nation nowadays while the other dimension addresses the capability of education to successfully assimilates the vast and over whelming outputs of globalization, be able to use it effectively in developing a sound Competitive educational system worldwide.
    The paper also expands on the concept of education for citizenship to enhance both local and global citizenship as a strategy to shape a viable pan-arab education in time of globalism. The six major elements of the proposed strategy can be listed as follows: moral educ; shura-democratic educ.; developmental educ; technological educ; environmental- ecological educ; and peaceful coexistence education.


    مقدمة
    تواجه الأمة العربية – كغيرها من الأمم – عصر العولمة الذي أصبح واقعاً لا ينبغي تجاهله ولا يمكن تفاديه، بل الأجدر أن نعد له العدة ما استطعنا ، وتوصف العولمة بأنها زمن التحولات والتغيرات السريعة لتعميم الاتجاهات والقيم والسلوكيات والممارسات على المستوى الكوني في شتى مناحي الحياة البشرية. ولعل من أبرز هذه التطورات المتسارعة المتلاحقة ما نشهده من بروز النظام الأحادي أو القطب الواحد على الصعيد السياسي ، وما نواجهه من تكتلات على المستوى الاقتصادي، وما نعايشه من ثورة الاتصالات والمعلومات في الجانب التقني، وما نشعر به من تهديد للقيم والخصوصيات واختراق للثقافات وهيمنة على وسائل الإعلام في الجانب الحضاري ببعديه الثقافي والاجتماعي.
    ولما كانت التربية عبر التاريخ ، هي الوسيلة الفعالة لمواجهة التغيرات والتحولات من خلال بناء أفراد الأمة لمواجهة التغيرات والتحولات من خلال بناء أفراد الأمة وإعدادهم، وبلورة اتجاهاتهم وتكييف ممارساتهم بما يخدم مصلحة الأمة ويحافظ على بقائها واستمرارية نموها ، فإن الحاجة تبدو ماسة لتربية عربية متطورة قادرة على مجابهة " تحديات العولمة " من جهة، والإفادة من " إيجابيات العولمة " من جهة أخرى.
    إن العولمة بما تحمله من مضامين ومعطيات وممارسات سوف تشكل المستقبل ، لكن تربية استراتيجية تستطيع صناعة المستقبل أيضاً. من هذا المنطلق ، تناقش الورقة الحالية طرح رؤية استراتيجية عربية ، تنبثق من بُعدي " تربية العولمة " " وعولمة التربية " بوصفهما جزئين لكل واحد، أو بعدين متكاملين متلازمين يمثلان وجهين لمفهوم واحد، ينبغي النظر إليه والتعامل معه بشكل شمولي في أي محاولة جادة لتطوير الأنظمة التعليمية والتربوية في البلدان العربية، بما يمكنها من تقليل المخاطر والتهديدات واقتناص الفرص وتعظيم الفائدة من خلال امتلاك مقومات المواجهة الفاعلة وأدوات التفاعل الواعي مع مجريات التغيرات والتحولات التي يشهدها عصر العولمة.

    وفي ضوء ما سبق ، فإن الورقة تثير بعض التساؤلات الرئيسة كما يلي:-
    1- ما تربية العولمة؟ وما أهم ملامحها الأساسية؟
    2- ما المقصود " بعولمة التربية "؟ وما أهم تطبيقاتها؟
    3- ما الرؤية الاستراتيجية العربية المقترحة في ضوء " تربية العولمة " و " عولمة التربية "؟
    أولاً: تربية العولمة:- الملامح الأساسية
    يقصد بتربية العولمة ، مجموعة المبادئ والأسس والممارسات والعمليات التي يتم بموجبها مواءمة الأنظمة التربوية والتعليمية لتستجيب بكفاءة وفعالية لمتطلبات العولمة وتحدياتها السياسية والاقتصادية والتقنية والحضارية. وتعتبر المؤسسات التربوية والتعليمية ، التي تشمل البيت ، والمدرسة ، والجامعة، ودور العبادة (المسجد) ، وأجهزة الإعلام وغيرها، الخطوط الدفاعية الأساسية لحماية الهوية الحضارية والثقافية للأمم والشعوب من جهة ، والمصانع البشرية التي يتم فيها، ومن خلالها بناء الإنسان والمواطن الصالح المنتج، وبالتالي إعداد " المجتمع المتعلم " القادر على مواجهة تحديات العولمة والإفادة من إيجابياتها من جهة أخرى.
    إن أهم ملامح التحدي السياسي للعولمة في البلدان العربية يتمثل في إشاعة المفاهيم الديموقراطية والشورية وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي، ومواجهة أخطار تجزئة الدول العربية وتفتيتها إلى دويلات صغيرة ، وإعادة بناء النظام السياسي العربي على أساس واقعي تحكمه المصالح المشتركة ، وترفده الثوابت والروابط الحضارية والتاريخية الواحدة ، وصولاً إلى تحقيق الحلم العربي بإيجاد إتحاد عربي مشترك، على غرار " الاتحاد الأوروبي " ، الذي أصبح واقعاً ملموساً من خلال تفهم الشعوب والأمم الأوروبية للمخاطر المستقبلية المحدقة بهم ، والفوائد والمصالح المشتركة التي سوف تحقق لهم ، بالرغم من اختلافاتهم الثقافية والحضارية ، ومن خلال ما تمتلكه تلك الشعوب والأمم من وسائل الضغط والمناورة والمشاركة الفاعلة في اتخاذ القرار السياسي في القضايا المصيرية والاستراتيجية.
    أما أهم ملامح التحدي الاقتصادي للعولمة في البلدان العربية يتمثل في ضعف الناتج المحلي، لدرجة أن قيمة إجمالي الناتج المحلي لدولة أوربية مثل أسبانيا يعادل قيمة إجمالي الناتج المحلي للدول العربية مجتمعة ، إضافة إلى اختلال هيكل الإنفاق لصالح قوة الاستهلاك، وضعف التجارة البينية، وتدني مستوى التكامل الاقتصادي بين الدول العربية ناهيك عن تحقيق الحلم العربي بإيجاد " سوق عربية مشتركة ". وأخيراً وليس بآخر،عدم الاستعداد والتهيئة الكاملة لمواجهة الآثار الاقتصادية المترتبة على الانضمام لمنظمة التجارة العالمية – فضلاً عن عدم قدرة العديد من الدول من توفير الحد الأدنى لمتطلبات الانضمام إلى هذه المنظمة – مثل تحرير التجارة والاستثمار الدوليين ورفع الحواجز الجمركية والتخلي عن حماية المنتجات الوطنية.
    أما أهم ملامح التحدي التقني للعولمة في البلدان العربية فتتمثل أهم مظاهره، في عدم مجاراة الثورة العلمية والمعلوماتية في شتى مناحي الحياة ، والاكتفاء في بعض الأحيان بقشور هذا التقدم العلمي والتقني أو الانغماس في جوانبه الاستهلاكية وتطبيقاته الهامشية دون الولوج إلى خفايا وأسرار العلوم والتقنية. وعلى الرغم من التأثيرات الخطيرة التي أفرزتها الثورة العلمية والتقنية والمعلوماتية وتطبيقاتها المتعددة والمتنوعة إلا إننا نلاحظ ضعف استخدامات تقنية المعلومات والاتصالات في البلدان العربية مقارنة بغيرها من الدول المتقدمة ، والاستمرار إلى حد كبير على سياسة الاعتماد على استيراد التقنية الجاهزة ، وعدم إعطاء أولوية خاصة للبناء العلمي لأفراد المجتمع وتنمية قدراتهم وتطويرها وتذليل كافة الصعوبات والعقبات التي تحول دون إطلاق الطاقات الفكرية المبدعة من أبناء الأمة العربية للمشاركة الفاعلة في توطين التقنية وإستنبآتها بما يتلاءم مع ظروف مجتمعاتنا ويستجيب لمتطلبات التنمية الشاملة في شتى أرجاء الأوطان العربية. ويمكن إختزال أو إجمال ملامح التحدي التقني في الدول العربية، في غياب رؤية استراتيجية واضحة لتحقيق متطلبات العصر الالكتروني مثل " الحكومة الالكترونية "، والتجارة الالكترونية ، " والمجتمع الالكتروني " بما يسهم في تعظيم الفائدة من تقنية المعلومات والاتصالات في شتى سياقات المجتمع العربي، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً وإعلامياً وتربوياً وأمنياً وعسكرياً.
    أما بخصوص التحدي الثقافي الاجتماعي والإعلامي أو بعبارة أخرى التحدي الحضاري فإن للعولمة تأثيرات واضحة الملامح على البناء الثقافي والنسيج المجتمعي للبلدان العربية، ولعل من أبرز هذه الملامح ما يتعلق بالاختلال الذي طرأ على المنظومة القيمية، وبالتضارب الفاضح بين مؤسسات التنشئة الاجتماعية نتيجة الهيمنة الثقافية والإعلامية لما يسمى بدول المركز التي استطاعت في أغلب الأحيان التسلسل إلى عقول وعواطف ومشاعر أفراد المجتمع لاسيما جيل الناشئة والشباب ، وقدمت النموذج الغربي أو الأمريكي على وجه الخصوص بأنه النموذج الوحيد للحياة الثقافية والاجتماعية الراقية. ولعل أبرز الأدلة لمدى سطوة هذا التأثير ما تبثه القنوات الفضائية العربية من برامج وأفلام ومسلسلات مثل (ستار أكاديمي) Star Academy ، (الرئيس) Big brothers وغيرها، التي تلقي رواجاً كبيراً لدى المتلقي العربي.
    لقد خلقت العولمة واقعاً جديداً للهيكل والنسق الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية سواء على مستوى الأسرة أو مستوى شرائح ومؤسسات المجتمع أو على مستوى العلاقة بين أفراد المجتمع والدولة. كما أنها أصبحت تهديداً حقيقياً للهوية الثقافية والإنتماء الوطني أو المحلي ، وعاملاً رئيساً في هجران الإرث الحضاري القومي المبني على تاريخ الأمم وحضاراتها وأمجادها.
    ولا ينبغي الخلط هنا بين قبول المرء لثقافة عالمية نجمت عن تلاقح ثقافات متنوعة ومتعددة وتحظى بقيم إنسانية خالدة، مثل العدل والمساواة والحرية والصدق والأمانة وغيرها، وبين فرض ثقافة معينة على العالم كله وتصديرها أو الإدعاء بأنها هي وحدها الثوابت العالمية التي ينبغي إتباعها دون قيد أو شرط ودون تحوير أو تعديل ، فبقدر ما يمكن أن نتقبل التأثير الايجابي لثقافة العولمة ، نرفض بنفس القدر والقوة تأثيرها السلبي.
    ولعل من المناسب في هذا الجزء من الورقة استعراض أهم ملامح " تربية العولمة " القادرة على مواجهة التحديات التي تم استعراضها فيما سبق.ولقد حدد نداء عمان التربوي عام 1990م أهم المبادئ التي يجب أن تنطلق منها التربية العربية في القرن الواحد والعشرين لمواجهة تحديات العولمة على النحو التالي:
    1- صياغة البنية التعليمية فيما يطلق عليه هيكل " الشجرة التعليمية " بدلاً من هيكل " السلم التعليمي ".
    2- التركيز في العملية التربوية على كيفية التعليم بدلاً من سيادة التلقين.
    3- إقامة الجسور بين حلقات النظام التعليمي ومراحله وأنواعه وذلك بديلاً عن المسار الواحد المتصل.
    4- التأكيد على القدرات الذهنية للتعامل مع المجهول ، بديلاً عن الاقتصار على مجرد الإلمام بالمعلوم.
    5- الاهتمام الحقيقي بالنظرة الكلية المتكاملة في تكوين المواطن، وذلك بدلاً من النظرة الجزئية المحدودة التي تركز على الجوانب التعليمية.
    6- التخصص العريض بدلاً من التخصص الضيق.
    7- مواصلة التعلم الذاتي والتدريب المتواصل.
    8- المزج بين التعليم النظري والتدريب في مواقع العمل والإنتاج.
    9- توزيع أعباء التعليم بين الدولة والمجتمع الدولي.
    10- التغلب على الثنائيات والتباين بين أنماط المؤسسات التعليمية.
    11- الاستفادة من وسائل الأعلام.
    12- القضاء على الأمية مع نهاية هذا القرن.
    13- فك الارتباط بين الشهادة والوظيفة.
    14- وضع استراتيجيات وسياسات تعليمية يتبناها المجتمع ويلتزم بها بحيث لا تخضع سياسات التعليم وقراراته للأهواء الشخصية أو الضغوط الوقتية.
    15- التطوير الكامل لوظيفة التعليم كمهنة لها قواعدها ومواصفاتها وأخلاقياتها وظروف عملها.
    16- التعاون العربي المشترك في التطوير التربوي.
    ويشير أحد الباحثين العرب بأن تربية المستقبل التي ينبغي للنظام التعليمي العربي الأخذ بها لمواجهة تحديات العولمة تتحدد من الثنائيات التربوية التالية:-
    1- التربية التغيرية لا التدويمية ، بحيث تستجيب التربية للمتغيرات والمستجدات وتتواءم مع المتطلبات والاحتياجات التي يفرضها زمن التغيرات السريعة المتلاحقة.
    2- التربية الإبداعية لا تربية الذاكرة ، بحيث يمثل الإبداع الإداري والتعليم الابتكاري ركيزتان أساسيتان لهذا النوع من التربية بدلاً من الحفظ والاسترجاع غير الواعي.
    3- التربية الحوارية لا التلقينية ، بحيث يكون مبدأ الحوار لغة التعلم والتعليم المعتمد على مفاهيم التعلم الذاتي.
    4- التربية الديموقراطية أو الشورية لا التسلطية ، بحيث تسود البيئة التعليمية والمناخ التعليمي ثقافة الممارسة الديمقراطية بين سائر عناصر العملية التعليمية من المعلمين والطلاب والإداريين والمشرفين التربويين وغيرهم من القيادات التعليمية.
    5- التربية الانتاجية لا الانغلاقية ، بحيث تنفتح على تجارب الأمم وثقافاتهم وحضاراتهم وتتفاعل معها بوعي وإدراك.
    6- التربية المستمرة لا الوقتية ، بحيث يتم من خلالها تجديد المعارف والمهارات التي تسهم في تحسين الأداء والإنتاجية.
    7- التربية التعاونية لا الفردية ، بحيث تشيع روح المحبة والمشاركة والتنافس الشريف من خلال مفاهيم الإدارة التشاركية والتعليم التشاركي والتعليم التعاوني.
    8- التربية التكاملية أو المنظومة الشاملة لا الجزئية الضيقة ، بحيث ينظر في إعداد وبناء الإنسان بمنظور شمولي وتكاملي ، ولا يقتصر على الجانب التحصيلي أو التعليمي ، بالإضافة إلى النظر في عناصر المنظمة التعليمية بمراحلها ومستوياتها ككل متكامل.
    9- التربية العلمية العقلانية الناقدة لا النقل والتسليم ، بحيث يتم فحص المعلومة والمحتوى في ضوء معايير ناقدة تستند إلى التفكير العقلاني ، بدلاً من الركون إلى النقل والتسليم دون تمحيص.
    10- التربية التوقعية لا العشوائية ، بحيث تبنى على أساس من التخطيط السليم الذي يستند إلى معلومات وبيانات ويتوقع أن يحقق مجموعة من الأهداف والإنجازات.
    ثانياً: عولمة التربية: التوجهات والتطبيقات
    لقد ظهرت في الآونة الأخيرة مفاهيم واتجاهات وممارسات تنبئ بعولمة التربية ، ولعل من أبرز هذه المفاهيم هو اعتبار التربية لاسيما التعليم العالي على أنه سلعة اقتصادية لها منتج ومستهلك ، شأنها في ذلك شأن سائر السلع الاقتصادية الأخرى. ويؤكد مؤيدوا هذا التوجه بأن اقتصاديات قطاع التعليم العالي تربو على (35) بليون دولاراً ، لذا فإن هذا القطاع لا يمكن تهميشه ، خاصة وأن التعليم فوق الثانوي أصبح من السلع الاقتصادية التي تضعها منظمة التجارة العالمية على طاولة المفاوضات الاقتصادية بين الدول.
    ولعل أبرز ما أفرزته عولمة التربية ، يتمثل في إتفاقية "بولوني" في 1999م للتعليم العالي في الدول الأوروبية والتي اشتملت على مجموعة من البنود تهدف إلى إيجاد تكتل أوروبي في مجال التعليم العالي يتم بموجبه تسهيل انتقال الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وتوحيد أنظمة القبول والدرجات العلمية، ومعايير التقييم وإدراج اللغة الأجنبية والكمبيوتر ضمن المقررات الإلزامية.
    أن المطلوب من مؤسسات التعليم العالي بالدول العربية أن تعمل على تنسيق الجهود وتوحيد الامكانات المادية والبشرية ، وتفعيل العمل التربوي المشترك لتكوين " تكتل عربي تربوي مشترك " قادر على مجابهة المنافسة العالمية في القطاع التعليمي، بالإضافة إلى وضع المعايير والأنظمة التي تضمن الجودة ، وتقنن فرص الاستثمار التعليمي الدولي ، الذي ستكون الغلبة فيه لدول المركز ، أو الدول المتقدمة بما يعظم الاستفادة من التجارب الرائدة للدول المتقدمة في مجال التعليم لاسيما التعليم العالي ، ويوقف زحف المؤسسات التعليمية المتدنية المستوى من جهة ، أو التي لا تراعي الإبعاد الثقافية والمجتمعية للدول العربية.
    ونتيجة لثورة المعلومات وتقنية الاتصالات التي تمثل ركناً أساسياً من أركان العولمة، تسارعت التطبيقات التقنية داخل المؤسسات التعليمية بشقيها الإداري والتعليمي ، وظهرت مجموعة من النماذج والأنماط التعليمية الجديدة ولعل من أهم تلك النماذج ما يلي:
    1- التعليم الافتراضي (Virtual Education):
    يمثل التعليم الافتراضي أحد النماذج التعليمية المرشحة للنماء والازدهار ، بما تحمله من مضامين وتطبيقات تربوية مختلفة ، فالتعليم الافتراضي هو النموذج الذي يحاكي الواقع المحسوس في عملية التعليم والتعلم ، إلا أنه يتفوق عليه بأنه أقل تكلفة وأكثر سلامة ، وأكثر مرونة ، فعلى سبيل المثال ، يمكن لأحد معلمي أو معلمات رياض الأطفال تنمية مهارات التعامل والسير في الشارع لدى الأطفال عن طريق أسلوب التعليم الافتراضي بشكل يفوق أسلوب التعلم المباشر من خلال اصطحاب الأطفال إلى الشارع ، ويدهى أن مزايا الكلفة وفرصة إعادة المشاهد التعليمية لترسيخ تلك المفاهيم وتنميتها ستكون في كفة الأسلوب الافتراضي.
    2- الجامعة الالكترونية:
    وتمثل الجامعة الالكترونية أيضاً أحد النماذج المتقدمة التي توضح آثار العولمة التقنية على مؤسسات التعليم العالي ، فالجامعة الالكترونية هي التي يتمكن طلابها من الالتحاق بها وتسجيل مقرراتهم،وتلقي تعليمهم،والحصول على المراجع والكتب والأوعية التعليمية، وأداء امتحاناتهم ، والحصول على نتائجهم بأسلوب يغلب عليه الطابع التقني الالكتروني. كما أن ذلك الأمر ينطبق على إدارة الجامعة وأعضاء هيئة التدريس العاملين بها، حيث تتم معظم إجراءاتهم وممارساتهم بواسطة استخدام تقنية المعلومات والاتصالات ويدهى أن مثل هذه التطبيقات ممكنة في التعليم العام بما يمكن أن يصطلح عليه " بالمدرسة الإلكترونية ".
    3- الجامعات المفتوحة وفروع الجامعات:
    ظهرت في الآونة الأخيرة اتجاه التعليم المفتوح أو التعليم عن بعد وتسارعت تطبيقاته ، ولعل من أبرز الأمثلة في هذا الاتجاه " جامعة لندن المفتوحة " على المستوى العالمي " والجامعة العربية المفتوحة على المستوى الإقليمي أو العربي. وبالرغم من وجود فروع للجامعات الأجنبية في الوطن العربي منذ زمن بعيد ، إلا أن المرحلة القادمة قد تشهد تزايداً في أعداد هذه الفروع والمؤسسات نتيجة تسارع وتيرة زمن العولمة، الأمر الذي يتطلب وضع الضوابط والمعايير والحوافز التي تكفل تعظيم الفوائد من هذا التواجد التعليمي الأجنبي وتقليل مخاطره وسلبياته التعليمية والثقافية والاجتماعية.
    4- الخصخصة والتعليم غير النظامي:
    شهدت الآونة الأخيرة أيضاً ، بروز العديد من المراكز التعليمية والتدريبية الموجهة على وجه الخصوص لتدريس اللغات وعلوم الحاسب الآلي ، ومجمل هذه المراكز لا تدخل في إطار التعليم النظامي كما أن البعض منها يتبع لمراكز ثقافية أجنبية ، وفي جميع الأحوال ينبغي لأنظمة التعليم العربية أن تستجيب لمثل هذه التغيرات والتطورات ، وتضع اللوائح والأنظمة للتقنية التعامل مع هذه الأنماط غير النظامية، وكيفية إيجاد العلاقات والروابط التي توطد العلاقة بين التعليم النظامي وغير النظامي. وبعبارة مختصرة ينبغي للجهات المشرفة على التعليم في البلدان العربية ، أن تعي بأن الصورة المستقبلية للتعليم لن تكون قاصرة على المدارس والجامعات التقليدية ، بل أن العديد من الأنشطة التعليمية والتدريبية قد تتم خارج أسوار المدارس والجامعات ، لذا بات من الضروري أن يتم استيعاب هذه الأنماط وغيرها ضمن إطار المنظومة التربوية، في ضوء معايير الجودة والاعتماد الأكاديمي.
    ثالثاً: الرؤية الاستراتيجية العربية المقترحة في ضوء " تربية العولمة " و " عولمة التربية ":-
    تركز الرؤية الاستراتيجية المقترحة على كيفية التعامل مع تحديات العولمة وأبعادها بحيث تستطيع التربية العربية الإسهام في تفادي تحديات و مخاطر العولمة من ناحية ، والإفادة من إيجابياتها من جهة أخرى.وفي اعتقادنا بأن الحل التربوي الاستراتيجي يكمن في قدرة الأنظمة التعليمية على بناء المواطن العربي، بشكل شمولي متكامل وتهيئته وإعداده ليكون مواطناً صالحاً منتجاً، قادراً على التفاعل مع التغيرات والتطورات المتلاحقة لزمن العولمة.
    أن على مؤسسات التربية وفي مقدمتها المدارس والكليات والمعاهد والجامعات ، أن نضطلع بدورها المستقبلي من خلال رؤية استراتيجية طموحة ترنوا إلى إعداد جيل من المواطنين العرب المتمسكين بهويتهم الحضارية والثقافية ، والقادرين على التعامل الواعي مع مظاهر العولمة وتحدياتها المختلفة ، بدءاً بالمجال الفكري لتحويل مفهوم الصراع والتصادم الحضاري، إلى حوار حضاري بناء يتسع فضائه لتفاهم الحضارات المتعددة، ويتيح الفرصة أمام التبادل الحضاري والثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، وانتهاءاً بالمشاركة في تشكيل معالم العولمة بهدف تحويلها ، من مجرد عولمة مطلقة متحيزة مهيمنة ، لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الأمم ، لاسيما الأمم النامية ومستوياتها العلمية وامكاناتها المادية والبشرية ، إلى عولمة متزنة (Balanced Globalization) يشارك في صنعها كافة شعوب الكوكب الأرضي ، وتراعي إلى حد كبير الفروقات والاختلافات الحضارية بين أمم العالم بشقيها " القيمي " و " المادي ".
    وقبل الشروع في استعراض مكونات التربية للمواطنة كرؤية استراتيجية لتطوير التربية العربية في زمن العولمة ، لعل من المناسب الإشارة إلى مجموعة من المسلمات أو الحقائق عن ماهية العولمة وكنهها من منظور عربي التي يجدر التعمق في دلالاتها وتوظيفها لصالح المشروع العربي لتربية المستقبل وذلك على النحو التالي:
    1- أن العولمة مفهوم ينتابه الغموض، وتتعدد مصطلحاته وتعريفاته وفقاً للخلفية التخصصية للباحثين فيه ، وانتماءاتهم الفكرية والأيدلوجية، فالبعض يراها عولمة للفكر والثقافة الإنسانية ، والبعض الآخر يركز على أبعادها ومضامينها الاقتصادية ، وهناك من ينظر إليها مجرد نتاج لثورة المعلومات والاتصالات. ومن جانب آخر ، فهناك من ينظر إليها نظرة تفاؤلية ، والبعض الآخر ينظر إليها نظرة تشاؤمية، لكن هناك ثمة فريق ينظر إلى العولمة بتفاؤل مشوب بالحذر ، أو تشاؤم لا يخلو من بارقة أمل. بل أن هناك عدم إتفاق حول المصطلح الذي يمكن أن نطلقه على هذه الظاهرة ، هل نسميها عولمة، أم كوكبة أو كوكبية.
    وفي خضم هذا الغموض والتعدد ، لا نملك إلا أن نتبنى النظرة الشمولية لمفهوم العولمة ذات المعاني المتعددة ، والنظرة الوسطية التي ترى في العولمة تفاؤل بشوبة الحذر، وحذر لا يخلو من بارقة أمل.
    2- إن العولمة حتمية ومرحلة واقعية نعيشها في الوقت الراهن ، ومن المتوقع أن تكون بين ظهرانينا في المستقبل المنظور، وتمتد إلى فترة يصعب التكهن بها في المستقبل البعيد. لكنها في كل الأحوال ليست أبدية ، بل أنها ستشهد علواً ثم إنحداراً، شأنها في ذلك، كما تعلمنا سنن تاريخ تطور الحضارة البشرية على مر السنون - شأن العديد من الظواهر - والحضارات الإنسانية التي سادت ثم بادت. بل أن عوامل ومؤشرات اضمحلالها بدأت تتشكل رويداً رويداً من خلال تشكل قوي سياسية واقتصادية تعمل على إلغاء فكرة النظام العالمي آحادي القوى ، وتحويله إلى نظام سياسي متعدد القوى والتكتلات الاقتصادية.
    ومما يجدر التنوية به ، بأن الاعتراف بحتمية العولمة لا يعني الدفاع عنها أو الاستسلام لها ولكن يعني التعبير عن واقع لا ينبغي مغالطته، فالتقدم العلمي حتمي الحدوث وكذلك التطور التكنولوجي حتمي ، ولكن لا يمكننا قبول الحضارة الغربية أو غيرها كبديل لحضارتنا وهويتنا الثقافية ، ومن هنا فإن حتمية العولمة لا تتضمن استسلامنا لسلبياتها أو التقوقع بعيداً عن مجرياتها بل تعني الاستعداد لمواجهة تحدياتها ومسايرة التقدم العلمي والتكنولوجي والإفادة من كل ما تتضمنه العولمة من جوانب إيجابية تغذي الصلات والروابط بين شعوب الأرض ، أو تدفع بإرساء قواعد السلام والحرية والعدالة وحقوق الإنسان. إن حتمية العولمة باختصار تعني التفاعل مع الحضارات والمدنيات الأخرى من حولنا مع المحافظة على الثوابت والهوية في محاولة واعية للموازنة بين " المحلية "
    و " العالمية ".

    3- أن العولمة تحمل في مضامنها إشكالية الفجوة بين التنظير والتطبيق أو المفهوم المثالي والواقعي للعولمة. فالوجه التنظيري المثالي للعولمة يستند على أساس إيجاد تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتقنية ، مستندة إلى ثقافة إنسانية عالمية ذات معايير كونية موحدة تزيد من آفاق التفاعل المتبادل يبن دول وشعوب المعمورة، ويفترض أن يتم الوصول إلى هذه التطورات من خلال الحوار والتفاهم وتبادل الرأي واحترام اختلاف التفاقات ومراعاة المصالح لكافة دول العالم. أما واقع التطبيق للعولمة فإنه يشير في أغلب الأحيان إلى خلاف ذلك ، حيث أن معظم متغيرات العولمة ليست نتاجا لتفاعلات بين المذاهب والحضارات المتباينة على مستوى العالم ككل ، وإنما هي عبارة عن تطورات نموذج ثقافي أو حضاري معين ، يمتلك من وسائل القوة والتأثير بما يمكنه من فرض هذه التطورات ، على أنها النموذج الأوحد لحضارة القرن الواحد والعشرين، ويحمل في مضامينه عومل القهر والتهديد لهويات الأمم وثقافاتها المتنوعة.
    ومن هذا المنطلق ، فلا مناص لأمم الأرض المستضعفة والتواقين إلى الحرية والعدل والسلام، إلا النهوض لتصحيح الفجوة القائمة، وتعديل واقع مسار العولمة ، إلى عولمة متزنة Balanced Globalization تتشكل ملامحها في ضوء المفهوم التنظيري المثالي للعولمة.


    التربية للمواطنة: رؤية استراتيجية عربية في زمن العولمة:
    إن التربية العربية كسائر غيرها من نماذج التربية في الأمم النامية ، أو كما أطلق عليها بدول محور الجنوب ، تواجه تحدياً مزدوجا يتمثل بعده الأول في مدى استجابة الأنظمة التربوية العربية لمتطلبات العولمة وتحدياتها " تربية العولمة " ، ويتمثل بعده الآخر في قدره الأنظمة التربوية العربية على المنافسة والبقاء في سوق التربية العالمي " عولمة التربية " الذي يشهد أنماطاً وأساليب تربوية متعددة تمثل فرصاً وبدائل تربوية ، قد تهدد بقاء الأنظمة التربوية الحالية أو تجبرها على الإنحسار ، ما لم تعمد تلك الأنظمة إلى إحداث تطوير شامل يتناول فلسفة التعليم وسياساته وهياكله التنظيمية ، وبنيته وبيئته التعليمية شريطة أن يستند هذا التطوير على ثوابت الأمة ويحافظ على هويتها الحضارية.
    وتمثل المواطنة للعديد من رجالات الفكر والتخطيط الاستراتيجي " غاية استراتيجية " لابد أن تستند إليها مبادرات الإصلاح والتطوير لتربية المستقبل ، القادرة على مواجهات تحديات العولمة.
    ومن هذا المنطلق فإن التربية للمواطنة تعتبر المدخل الأمثل (Optimum Approach) لتحقيق المواطنة الشاملة ببعدها " المحلي " ، والعالمي من جهة والقادرة على تحقيق العولمة المتزنة من جهة أخرى. وتأسيساً على ما سبق فإن التربية للمواطنة بمفهومها الشامل وبعدها المحلي والعالمي ينبغي أن يكون مدخلاً للإصلاح التربوي وغاية استراتيجية له في نفس الوقت معاً ، لكي تستجيب الأنظمة التربوية العربية لأخطار العولمة وتحدياتها وتتمكن من الإفادة من إيجابياتها وتحاشى سلبياتها.(أنظر شكل 1)








    المفهوم الشامل للتربية للمواطنة

    تربية العولمة

    التربية الخلقية

    التربية التقنية

    التربية الشورية

    المواطنة
    المحلية
    Local

    المواطنة
    العالمية
    Global












    التربية التنموية

    تربية السلام والتعايش مع الآخرين

    التربية البيئية

    عولمة التربية















    (شكل رقم 1)
    ويتضمن المفهوم الشامل للتربية للمواطنة على ستة عناصر رئيسة تمثل في مجموعها منظومة متكاملة تهدف إلى إعداد الفرد المواطن المنتج الفعال الذي يسهم في بناء وطنه عقدياً وثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً وعلمياً ، وتقنياً ، أو ما يمكن أن يصطلح عليه بالمواطنة المحلية ، وفي نفس الوقت فإن هذا المفهوم الشامل للمواطنة بهدف أيضاً إلى إعداد الفرد المواطن القادر على الإتصال والتفاعل مع التفاقات والحضارات المختلفة للأمم ، بشقيها المادي والحضاري ، وإعداد الإنسان الواعي لقضايا العالم والأخطار التي تهدده ، والمدرك للفرص المتاحة له ، وكيفية إقتناصها ، أو ما يمكن أن يصطلح عليه بالمواطنة العالمية ، وفيما يلي استعراض لهذه العناصر الستة:
    1- التربية الخلقية (الدينية):
    التربية الخلقية هي الأساس التي تنطلق منه التنشئة الدينية أو العقدية بغض النظر عن مصدرها إلهياً كان أم بشرياً ، ولم تقتصر التربية الخلقية على الأديان السماوية الثلاثة، على الرغم من سموها في هذه الأديان ، وعلى وجه الخصوص الدين الإسلامي، بل امتدت لتشمل بعض الديانات في حضارات الأمم مثل الكونفشوسية والبوذية والفرعونية واليونانية.
    وسوف يتم التركيز في هذه الدراسة على التربية الخلقية من منظور إسلامي، نظراً لكون الإسلام هو آخر الأديان السماوية الثلاثة السائدة في الوطن العربي، وهناك العديد من القواسم المشتركة بين هذه الأديان، لأنها في الأصل تعود إلى مصدر واحد، كما أن مواطني الدول العربية على وجه العموم عاشوا ردحاً من الزمن تحت مظلة الدين الإسلامي، حتى أنه يمكن القول بأن إذا كان معظمهم ينتمون إلى الإسلام عقيدة، فإنه يكاد جميعهم ينتمون إليه ثقافة وحضارة.
    إن التربية الخلقية هي روح التربية الإسلامية ، وأن الهدف الأسمى لها يكمن في الوصول إلى كمال الخلق ، وما بعث سيد الخلق إلا لإتمام مكارم الأخلاق. ومن هنا فقد عنى الإسلام عناية فائقة ببث الأخلاق الكريمة وغرس الفضائل في نفوس أبناء الأمة واشباعها في المجتمع المسلم.
    وتبنى التربية الخلقية في الإسلام على ثلاثة أسس أولهما الأساس الاعتقادي الذي يربط بين الإيمان والسلوك الخلقي ، وثانيهما الأساس العلمي لصلة القوانين الأخلاقية بالعلوم الطبيعية والنفسية والاجتماعية وثالثهما الأساس الإنساني الذي يستند إلى الطبيعة الإنسانية التي فطر الله النفس البشرية عليها ووضع فيها حرية الإرادة والشعور بالمسئولية الأخلاقية.
    والتربية الخلقية في جوهرها تعتمد على النظام القيمي الذي يستند إلى أسس العقيدة الإسلامية وتعاليمها. وقد حدد الإسلام مجموعة من القيم التي تحكم سلوك الفرد وتعامله تجاه ربه ونفسه وتعاملاته مع الآخرين من بني جنسه أو غير ذلك من مخلوقات الله. ومن هذه القيم الصدق والأمانة وإتقان العمل والتواضع والمحبة والوفاء بالوعد والصبر والحكم والتسامح والرحمة ومراعاة حقوق الغير وفعل الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإشاعة العدل والأمان والسلام في كافة أرجاء المعمورة.
    والتربية الخلقية في الإسلام تعتمد على معيارين أولهما " المعيار الشرعي " ويتضمن المبادئ الخلقية التي جاء بها أو أقرها الإسلام في القرآن الكريم أو السنة وما حظى بإجماع الأمة من الفضائل وحسن الخلق ، أما المعيار الثاني فهو " معيار ذاتي " يستند إلى قوة العقل وقوة القلب، فقد خلق الله العقل الإنساني للتمييز بين الخير والشر والحق والباطل ، كما خلق الله القلب تعبيراً للقوة الوجدانية والضمير الخلقي ، والإنسان المسلم مطالب بأن يستفتي قلبه كقوة فطرية تدله على الخير فيشعر بالرضى ، ويشعر بالندم إذا سلك طريق الشر ، وترشده إلى التفريق بين البر الذي هو حسن الخلق والإثم الذي إذا ما حاك في الصدر كره الفرد أن يطلع عليه الناس.
    وعلى الرغم من أن القيم الخلقية في الإسلام تمثل قيماً إنسانية قد تشترك في الكثير منها الفلسفات الأخلاقية الأخرى الربانية منها والوضعية، وهو أمر طبيعي لأن دين الإسلام هو دين الفطرة وأمة الإسلام هي أمة وسط بين الأمم ، فإن للتربية الخلقية في الإسلام.



    خصائص وسمات يمكن إيجازها فيما يلي:-
    - تفاعل جميع المبادئ الخلقية الصالحة للحياة الإنسانية والصالحة للفرد والمجتمع على حد سواء.
    - القيم الخلقية في نظر الإسلام ثابتة لا تتغير وصالحة لكل زمان ومكان وتتفق مع جميع الأخلاقيات ذات النظرة الإنسانية السليمة سابقاً ولاحقاً.
    - القيم الخلقية الإسلامية تتسم بالشمول بحيث تشمل علاقة الإنسان بربه وبأخيه الإنسان وغيره من مخلوقات الله في هذا الكون.
    - الأخلاق في الإسلام تجمع بين الأسس الروحية والعلمية والطبيعية الذي يعتبر من مقومات بناء شخصية أخلاقية ثابتة تسهم في بناء مجتمع أخلاقي في هذه الحياة الدنيا.
    - المبادئ الخلقية في الإسلام تجمع بين النيات وأعمال القلوب من جهة والسلوك والممارسات من جهة أخرى.
    ومما لا شك فيه بأن التربية الخلقية قادرة على بناء الفرد الصالح الذي يسهم بالتالي في المشاركة بفعالية في بناء مجتمعه وحضارته، فالفرد الصالح هو اللبنة الأساسية التي يتم من خلالها بناء المجتمع الصالح القادر على صنع حضارة متزنة قوامها الخلق السليم.
    ب- التربية الشورية:
    تعتبر الشورى الإطار الفلسفي الذي ينبغي لدولة الإسلام إتباعه كأساس لبناء نظامها السياسي. بل أن الشورى هي المنهج الإلهي الذي أمر به القرآن الكريم للحاكم والمحكوم ولأمة الإسلام سواء كانوا في جماعة أو دولة.
    والشورى آلية من آليات المشاركة في إنضاج الرأي وصنع القرار لكافة أبناء الأمة على اختلاف مواقفهم ،فالجميع راع ومسئول عن رعيته، تأسيساً على تكريم الإنسان واستخلافه في الأرض ومن هنا فإنه يمكن القول بأن الشورى هي منهج المسلمين عامة. حيث عممت مبادئها ومجالاتها لتشمل الأسرة والمؤسسة والمجتمع بأسره وبل يتعدى ذلك إلى أبعاد " المجتمع الدولي ".
    وعلى الرغم من اشتراك الشورى والديمقراطية في المشاركة الجماعية في اتخاذ القرار، إلا أن هناك نقاط التقاء واختلاف ينبغي مراعاتها، عند عقد أي مقارنة بين المنهجين مع أهمية عدم الخلط بينهما ، كما أن التجربة الشورية تحتاج جهود أبناء أمة الإسلام لتطويرها وفق الزمان والمكان والظروف والملابسات المحيطة بالدولة المسلمة. وليس هناك ما يمنع من الإفادة من تجارب الأمم الأخرى في تفعيل المشاركة الجماعية سواء من خلال المنهج الديموقراطي أو غيره ما لم يتعرض مع الجوهر الفلسفي العقدي لمنهج الشورى. فالشورى الإسلامية تنظر أن السيادة في التشريع هي لله سبحانه وتعالى ومن هنا فإن الشورى هي جزء من الشريعة ذات المصدر الإلهي وليست إفراز أو صنعاً بشرياً. ومن المعروف أن ما للإنسان في التشريع هي سلطة البناء على هذه الشريعة الإلهية والتقنين لمادتها وقواعدها وأصولها والتفريع لكلياتها دون المساس لجوهرها وثوابتها. كما أن لأفراد المجتمع الإسلامي من أهل العقد والحل ومن ولاة الأمر بما فيهم العلماء سلطة الاجتهاد فيما لم ينزل به شرع سماوي أو " هدي نبوي " شريطة أن تظل السلطة البشرية محكومة في إطار الحلال والحرام ، فلا تخالف الكتاب والسنة ولا تخرج عن إجماع الأمة وبالتالي محكومة بإطار المنهج الشوري في الإسلام.
    وتدخل تربية الشورى في إطار السلطة البشرية ، حيث ينبغي تفعيل الشورى وتقنينها في مختلف مؤسسات المجتمع لاسيما التربوية منها مثل الأسرة والمدرسة والجامعة ، لتصبح منهج حياة يمارسه كافة أفراد المجتمع في حدود صلاحياتهم ومسئولياتهم وتفاعلاتهم الحياتية اليومية مما يؤدي إلى توطيد التجربة الشورية وتجديدها وإنضاجها لتتلاءم مع مقتضيات العصر وتحدياته المستقبلية.
    وإذا كنا نقترح المنهج الشوري لإصلاح النظام السياسي في البلدان العربية، فإنه يأتي في سياق المبررات التي سبق وأن ذكرناها في طيات الحديث عن التربية الخلقية الإسلامية. وفوق ذلك كله فإن للدول العربية تجارب عديدة في هذا الميدان ثبت من خلالها إخفاق العديد من الفلسفات والإيدولوجيات ،فما الذي يمنع من تبني التجربة الشورية أسوة بغيرها لاسيما وإن نتائج التطبيقات للتجارب الأخرى السابقة واللاحقة أثبتت عدم ملائمتها وقلة جدواها وفعاليتها في الساحة السياسية العربية.
    ج- التربية التقنية والالكترونية:
    لا تزال قضية التقنية واستيعابها وتوطينها واستنباتها تمثل هاجساً قوياً لمعظم بلدان العالم لأنها تمثل حلاً استراتيجياً للعديد من معضلات التنمية وعنصراً أساسياً لازماً لعملية التطور والرخاء التي تنشدها شعوب العالم.
    ومفهوم التقنية يشكل مبسط لا يعدو كونه توظيف المعارف والمكتسبات العلمية وتطبيقها بأسلوب منظم لحل مشكلات ومعضلات واحتياجات الفرد والمجتمع، بما يحقق الرضا والرفاهية، ويؤدي إلى تسريع عمليات التنمية ويعمل على اختصار الوقت والجهد والمال.
    ويمثل العصر الذي نعيشه الثورة الثالثة للتقنية والتي تتكون من عدد من المجالات التي تضم الاتصالات والمعلومات والالكترونيات الدقيقة والليزر والألياف الضوئية وتقانه الفضاء والمواد الجديدة وصناعة الأدوية والكيماويات الدقيقة والتقانة الحيوية والهندسية الوراثية.
    وتمثل تقنية المعلومات والاتصالات مجالاً رئيساً لمعالم هذه الثورة التقنية الجديدة بل وشريكاً أساسياً في منظومة العولمة وتطوراتها وتحدياتها المتلاحقة.
    وتعتبر التقنية الالكترونية أو الرقمية أحد التطبيقات الآخذة في الاتساع والانتشار بشكل مذهل حيث أن تطبيقاتها شملت كافة المجالات مثل الحكومة الالكترونية والاقتصاد الالكتروني والصحة الالكترونية والسياحة الالكترونية وغيرها على وجه العموم والتربية الالكترونية وتطبيقاتها لتجديد العملية التعليمية وتفعيل الإدارة التربوية على وجه الخصوص. وبدأت في الظهور مصطلحات جديدة في القاموس التربوي مثل المدرسة الالكترونية والجامعة الالكترونية التي تقوم أساساً على توظيف الأجهزة والبرامج التقنية في مجالات التدريس والتعليم والإدارة والبحث العلمي في مؤسسات التعليم بمختلف أنواعه ومراحله ومستوياته. وبدهي بأن إدخال هذه التقنية الالكترونية في قطاع التعليم أضحى استراتيجية وطنية ملحة ذات بعدين، البعد الأول يتعلق بإيجاد نواة وقاعدة عريضة لخلق المجتمع الالكتروني المتعلم ، حيث تشتمل المؤسسات التعليمية على شريحة كبيرة من أفراد المجتمع، فضلا عن كونها تضم شرائح عمرية طلابية تمثل حاضر ومستقبل المجتمع، أما البعد الثاني فيتمثل في ضرورة تجديد النظام التعليمي ومؤسساته استجابة لمتطلبات عصر التقنية واستجابة لحاجات الدارسين وذلك على النحو التالي:
    · إحداث نقلة نوعية في أسلوب إدارة وبرامج المؤسسات التعليمية بتبني تطبيقات متعددة تعمل على الرفع من كفاءة النظام الإداري المدرسي أو الجامعي، وتجويد البرامج والمناهج وطرائق التدريس ، وإيجاد مراكز وقواعد المعلومات بما فيها " المكتبة الالكترونية ".
    · إمكانية تقديم العديد من البرامج والتخصصات بأساليب غير تقليدية تتيح فرصة التعليم للعديد من الفئات التي يصعب عليها الدراسة النظامية وذلك عن طريق أساليب التعليم عن بعد ، كما تمهد لتوسيع دائرة القبول والطاقة الاستيعابية لمؤسسات التعليم العالي ، بل أنها تؤذن بالتوسع في أنماط جديدة للتعليم الجامعي مثل " الجامعة المفتوحة ".
    · تساعد التربية الالكترونية على تعميق مفهوم التعليم المستمر والتوسع في تطبيقاته لتشمل خدمة العديد من شرائح المجتمع من المهنيين وتستجيب للعديد من الاهتمامات المختلفة والمستجدة لأفراد المجتمع.
    · التربية الالكترونية تفتح نافذة التدريب على رأس العمل وباب التعلم الذاتي على مصراعيه ويمكن استخدامها في مجال التوعية والإرشاد والتثقيف بشكل موسع وفعال.
    د- التربية البيئية:
    يمكن تعريف التربية البيئية بأنها عملية تكوين القيم والاتجاهات المؤدية إلى ترشيد السلوك والتعامل الإيجابي مع عناصر البيئة المحيطة بالفرد بهدف الحفاظ على التوازن البيئي الطبيعي والعمل على تقليص أو إزالة الاختلالات البيئية ، لذا فإن التربية البيئية تشمل على بعدي التوعية الشاملة والممارسة الصحيحة للمحافظة على المصادر البيئية الصعبة وضرورة استغلالها الرشيد لصالح إنسان الحاضر والمستقبل.
    وقد تعدى مفهوم التربية البيئية في الوقت الحاضر المجالات التقليدية المتعلقة باتلاف التربة الزراعية واستنزاف الموارد المائية والموارد المعدنية وتلويث الهواء وظاهرة الازدحام والضوضاء وتدمير الغابات والمساحات الخضراء والصيد الجائر أو التعامل الخاطئ مع الكائنات الحية والسلالات الحيوانية النادرة والتلوث البيولوجي والصحي وغير ذلك من قضايا حتمية التوازن البيئي البري والبحري والجوي، لتشمل ميادين جديدة في مجال التلوث الحضاري واللغوي والخلقي.
    وينبغي التفريق بين دراسة البيئة والتربية البيئية على الرغم من تكاملهما، فالأولى تعني بمعرفة دقائق وأسرار عناصر البيئة ، أما الأخرى فإنها تعني بالممارسة والسلوك البيئي المتحضر المبني على الوعي البيئي.
    ونخلص من ذلك بأن التربية البيئية هي التي تتناول علاقة الفرد أو الإنسان بالبيئة بشقيها الطبيعي والاجتماعي، كما تهتم بالقدرة على كيفية إصدار الأحكام القيمية تجاه علاقته وممارساته البيئية والقدرة على التفكير العلمي المنظم تجاه المشاكل البيئية.
    من هذا المنطلق فإن برامج التربية البيئية، التي ينبغي أن لا تكون منفصلة مستقلة بل تتكامل مع مختلف علوم المعرفة، وتبنى في ضوء مبادئ وأسس التربية المستمرة والمعرفة المتكاملة ، لابد لها من تحقيق مواصفات وكفايات وقدرات بيئية لدى الطالب أو المتعلم يمكن أن نجملها فيما يلي:-
    · القدرة على استخدام التفكير العلمي لمواجهة المشكلات البيئية بوسائل فاعلة وتحمل مسئولية علاجها بأساليب فاعلة.
    · القدرة على العمل في إطار الجماعة التي ينتمي إليها سواء داخل الأسرة أو المدرسة أو المجتمع.
    · القدرة على تعديل سلوكه استجابة للمتطلبات والاحتياجات البيئية المختلفة أو ما قد ينتج منها نتيجة لظروف طارئة.
    ولعلنا نختم الحديث عن التربية البيئية برصد أهم التوصيات الدولية في هذا المجال وذلك على النحو التالي:
    · أهمية تضمين السياسات التعليمية بعض البنود التي يمكن من خلالها توجيه البرامج والأنشطة التعليمية لتحقيق أهداف التربية البيئية وغاياتها.
    · تعزيز البحث والدراسات وفتح المراكز المعنية بقضايا البيئة من جهة وتكثيف الجهود العلمية في مجال التربية البيئية.
    · أهمية التنسيق والتعاون الدولي والإقليمي في المجال البيئي وتقديم المعونات وتبادل الخبرات لتفعيل أنشطة وبرامج التربية البيئية.
    وتأسيساً على ما سبق فإن مواصفات السياسات والبرامج والأنشطة للتربية البيئية لابد أن تنظر إلى البيئة في مجموعها الكلي كوحدة متفاعلة من الجوانب الطبيعية ، مع أهمية تنسيق الجهود وتكاملها على المستويات القطرية والإقليمية والدولية ، وأهمية ربط التربية البيئية بالخطط التنموية على وجه العموم والتأكيد على مفهوم التنمية المستديمة في تناول قضاياها على وجه الخصوص. إضافة إلى أهمية الربط بين الجانب النظري والتطبيقي لبرامج وأنشطة التربية البيئية بالتعاون مع مختلف القطاعات الحكومية والخاصة داخل كل دولة أو مجموعة من الدول تجمع بينها رابطة الجوار أو المصالح الإقليمية والدولية.
    هـ- التربية التنموية:
    يرتبط مفهوم التنمية بوضع الاستراتيجيات والسياسات والبرامج التي تؤدي إلى الاستخدام الأمثل للموارد والامكانات المادية والبشرية لتحقيق بناء المجتمع المتطور في شتى المجالات السياسية الاقتصادية والاجتماعية.
    ولكي تحقق التنمية أهدافها وغاياتها في بناء المجتمع لابد أن نجمع بين الأصالة والمعاصرة بحيث لا تعنى بتنمية الجوانب المادية للمجتمع وتهمل الجوانب الروحية والثقافية والاجتماعية وتمسخ الهوية الحضارية. كما أن التنمية ينبغي أن تجمع بين تنمية الفرد وتتيح له الفرصة للمشاركة في عمليات التنمية من خلال تنمية قدراته ومواهبه وميوله واتجاهاته بالإضافة إلى التركيز على تنمية المجتمع بمؤسساته وتنظيماته الرسمية والشعبية. والتنمية لابد لها من مراعاة المصالح الآنية والمستقبلية بحيث لا يتم التركيز على رفاهية جيل الحاضر على حساب أجيال المستقبل بعبارة أخرى لابد للتنمية من أن تكون مستديمة ، إضافة إلى الشمول والتوازن والعدالة في عملياتها وغاياتها، فلا تركز على المجال الاقتصادي دون غيره ، أو تركز على الحواضر على حساب المناطق الريفية أو النائية، أو يستنفع بها شرائح من المجتمع على حساب الآخرين.
    وتقوم التربية التنموية لتعميق هذه المفاهيم والتوعية بها وتشجيع أفراد المجتمع على ممارستها وتطبيقها على أرض الواقع لاسيما وأن محور التنمية وأداتها وهدفها هو الإنسان. ومن هذا المنطلق فإن التربية التنموية تعني بتكوين القيم والأخلاقيات الإيجابية وتعويد الفرد على ممارستها وتطبيقها في شتى مجالات التنمية وجوانبها بما يخلق منه عضواً مشاركاً وفعالاً في العمل التنموي. ويمكن تلخيص أهم مجالات وأهداف التربية التنموية للفرد أو المواطن على النحو التالي:
    · القدرة على المحافظة على هويته الحضارية والثقافية ومعتقداته الدينية بحيث تكون قاعدة الحلال والحرام منطلقاً لعمليات التنمية وشرطاً أساسياً للمشاركة فيها.
    · الوعي بعمليات التنمية الاقتصادية ومتطلباتها والمشاركة الفاعلة في كل ما يسهم في تحقيقها مثل تشجيع المنتوجات المحلية أو الالتزام بأخلاقيات العمل أو الإسهام في تمويل المشاريع الاقتصادية الوطنية أو الإنخراط في البرامج التعليمية والتدريبية وفق احتياجات سوق العمل.
    · الإدراك التام لمعوقات التنمية الاجتماعية والعمل على تلافيها مثل النظرة الدونية للعمل المهني واحتقاره والتصرفات والسلوكيات الاجتماعية التي تخالف الأنظمة والإجراءات المبنية على العلاقة الشللية أو اعتبارات القرابة والمعرفة والواسطة وغيرها، أو النظرة السلبية لعمل المرآة وتوظيفها.
    · التعرف على حقوق الأفراد التنموية مثل حقوق التعليم والصحة والآمن وتوافر المراكز الترفيهية والتسهيلات في النقل والمواصلات والاتصالات من جهة والتعرف على مسئوليات الأفراد تجاه منجزات التنمية ومكتسباتها من جهة أخرى.
    ولتحقيق أهداف التربية التنموية ينبغي التركيز على التنمية التربوية ، إذ أن إصلاح سياسات وبرامج أنظمة التعليم والتدريب، وتفعيل النشاط الاجتماعي والثقافي المدرسي داخل الفصل وخارجه بل خارج حدود المدرسة من خلال التنسيق مع المنظمات والمنشآت الثقافية والاقتصادية والاجتماعية يعد جزءاً أساسياً من انجاح سياسات وأهداف وبرامج التربية التنموية.
    وينبغي على المؤسسات التعليمية أن تضمن سياساتها التربوية وخططها المستقبلية أهدافاً واضحة بحيث تكرس جهودها لخدمة " التنمية البشرية " عن طريق المواءمة بين برامجها التعليمية وسوق العمل، والعمل على تشعيبها وتنويعها ومد جسور التعاون فيما بينها وبين المؤسسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ، وإيجاد بعض الآليات والصيغ الفاعلة للربط بين " المدرسة " أو " الجامعة " وغيرها من المؤسسات التعليمية وبين البيئة المحيطة بها بما يؤدي إلى إحداث تفاعل إيجابي يسهم في تحقيق التنمية الشاملة بكافة أبعادها من جهة، ويسهم في تطوير العملية التعليمية والتربوية من جهة أخرى ، وخلاصة القول فإن على مؤسسات التعليم العناية بالتنمية البشرية الذي تمثل الفارق الحقيقي في المقدرة التنافسية بين الأمم حيث أن المستويات المتحققة في مجال التعليم والتدريب والصحة وتنظيم القوى العامة والتطور المهاري في السكان تتفق تمام الاتفاق مع انتاجية الأمم ومعدلات تطورها.
    و- تربية السلام والتعايش مع الآخرين:
    مما لاشك فيه بأن تربية السلام أصبحت شرطاً أساسياً لازماً لمحافظة المجتمعات على بقائها في المنظومة العالمية ، كما أنه نتيجة للتطور التقني الهائل لاسيما في مجال الاتصالات والمواصلات وتشابك المصالح بين أفراد المجتمعات ، وتدويل العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الأمم ، كل ذلك ينبئ بحتمية أرساء قواعد التعايش السلمي بين البشر. ويمكن النظر إلى أهمية هذا النوع من التربية في إطار التطور التاريخي للمجتمعات البشرية ابتداء من مرحلة المجتمع الأسري ثم القبلي ثم المجتمع الإقليمي فالدولي. كما أن أهمية هذا النوع من التربية يبدو في التوجهات العلمية الجديدة التي تبرز هوية الإنسان من خلال التركيز على جوهرة وفطرته وتحييد أو تهميش المظهر الذي كان إلى وقت قريب محكاً أساسياً لنظريات الفوارق بين البشر في الذكاء والعقليات والتعامل الإنساني... الخ.
    وتركز اليونسكو على خمسة مبادئ لبرامج تربية السلام ، وهي كما يلي:
    1- ضرورة تكامل تربية السلام من خلال العديد من المستويات الاجتماعية لكي تتمكن من إحداث التغيرات المطلوبة.
    2- أهمية التوجهات التعاونية في تربية السلام لإرساء أسس وقواعد ومكونات العناصر النفسية لثقافة السلام.
    3- ضرورة تضمين تربية السلام إيجابيات التعاون من أجل تحقيق أهداف مشتركة حيث يمكن اعتبارها أفضل الوسائل لحفظ ومنع النزاعات المدمرة.
    4- أهمية التعاطف والفهم والنظر إلى الثقافات المتعددة من منظور متكامل يحقق أهداف برامج تربية السلام.
    5- أهمية المتابعة والتوجيه لبرامج تربية السلام لضمان تكوين مفهوم " السلام الإيجابي ".
    وقد أكد تقرير اليونسكو " التعلم ذلك الكنز المكنون " على تربية التعايش مع الآخرين الذي يعد أحد الدعائم الأربعة للتعليم المستقبلي.
    أن تربية السلام والتعايش مع الآخرين ينبغي بثها على المستوى المحلي من خلال الأسرة والمدرسة وفي إطار المجتمع الواحد ، كما أنه ينبغي بثها على المستوى الدولي ومن خلال التعامل مع حضارات ومجتمعات متعددة الأعراق والأجناس والثقافات والديانات.
    ومفهوم التعايش مع الآخرين والسلام ينطلق من قاعدة عقائدية متينة في الإسلام أساسها أن البشر جميعاً من أصل واحد والإسلام هو دعوة الله إلى الناس جميعاً دون تفريق أو اعتبارات مظهرية ، كما يقيم الإسلام العلاقة بين البشر على أساس التدافع الحضاري وليس الصراع الحضاري ، إضافة إلى ترسيخه مبادئ العدل المساواة وحرية الأديان.
    ومن هذا المنطلق يعد المنظور الإسلامي لتربية التعايش مع الآخرين والسلام من أكثر النماذج شمولية بالإضافة إلى ثبوت الأدلة القاطعة على نجاحه من خلال التجربة الحضارية للإسلام على مر العصور . إن تربية التعايش مع الآخرين والسلام مفهوم ضروري في زمن العولمة ، وتطبيقاته العملية ينبغي أن تشمل فرص التعاون الدولي في تحقيق السلام العادل المبني على الحقوق الشرعية وإغاثة الملهوفين وإنقاذ الجائعين والمتضررين والمحرومين ومحاربة عناصر الفساد والإرهاب والعنف الدولي وعدم الخلط بين ذلك وحقوق الدفاع عن النفس وتقرير المصير ومقاومة الاحتلال المؤدية إلى وضع رؤية عربية مشتركة وذلك من خلال أدراجها كأحد المشاريع الكبرى في برامجها للدورة القادمة.





    خاتمة:

    تناولت الورقة علاقة العولمة بالتربية من خلال بعدي " تربية العولمة " و " عولمة التربية " بوصفهما بعدين لكل واحد. يركز الأول على قدرة التربية للاستجابة لتحديات العولمة السياسية والاقتصادية والتقنية والحضارية التي تواجهها الأمة العربية ، بينما يركز البعد الثاني على قدرة استيعاب التربية لمفاهيم واتجاهات العولمة وتوظيفها لبناء نظام تربوي متطور يمتلك مقومات المرونة والمنافسة على الساحة الدولية.
    ثم قدمت الورقة المفهوم الشامل للتربية للمواطنة كرؤية استراتيجية للتربية العربية في زمن العولمة، تمثل في مجملها إطاراً إجرائياً تتحدد فيه أهم الملامح الأساسية لتربية المستقبل القادرة للاستجابة لتحديات العولمة الداخلية والخارجية التي تواجهها الأنظمة التربوية العربية.
    وتتضمن هذه الرؤية ستة عناصر رئيسة وهي:
    التربية الخلقية ، التربية الشورية (الديموقراطية) ، التربية التنموية ، التربية التقنية ، التربية البيئية ، وتربية السلام والتعايش مع الآخرين تمثل في مجملها منظومة متكاملة لتحقيق "المواطنة" ببعديها المحلي والعالمي ، والقادرة على الإسهام في تحقيق "العولمة المتزنة".






    قائمة بأهم المراجع
    1- الأغبري، بدر سعيد (2000م)، العولمة والتحديات التربوية في الوطن العربي، مجلة التربية العدد الأول ، السنة الأولى ، وزارة التربية والتعليم، البحرين.
    2- الأمانة العامة لمجلس التعاون بدول الخليج العربية، (2004م) التطوير الشامل للتعليم بدول المجلس ، الرياض.
    3- بلعزيز، عبد الإله (1998م) العولمة والهوية الثقافية: عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة، المستقبل العربي، العدد 229، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
    4- الحارثي، فهد العرابي (1999م)، العولمة والفضائيات العربية محاضرة ألقيت في مكتبة الملك عبد العزيز العامة، الرياض.
    5- الحامي، محمد أمان (1993م)، حقيقة الشورى في الإسلام، المكتبة الأثرية، المدينة المنورة.
    6- حمدان، محمد زياد (1998م) التربية الالكترونية وسيلة مقترحة لمواكبة العصر وتطوير الإنسان الناجح للحاضر والمستقبل، التربية الجديدة، مكتب اليونسكو الأقليمي للتربية في البلاد العربية ، العدد 44 ، السنة الخامسة عشرة، بيروت.
    7- ديلور، جاك وآخرون (1998م) ، ترجمة عبد الحميد جابر، التعلم ذلك الكنز المكنون ، تقرير اللجنة الدولية للتربية للقرن الحادي والعشرين، دار النهضة العربية ، القاهرة.
    8- سليمان ، محمد محمود (1997م)، التعليم والتربية البيئية في الوطن العربي، شئون عربية، جامعة الدول العربية، العدد 90 ، يونيو 1997م ، القاهرة.
    9- صائغ، عبد الرحمن أحمد (2001م) ، التربية للمواطنة وتحديات العولمة في الوطن العربي، بتكليف من المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس.
    10- مركز البحوث والدراسات الكويتية (1998م) ، التربية للمواطنة (Education Citizenship) ، مترجم من (Encyclopedia of Educational Resarch) ، ترجمة السيد عسيوي أيوب، مجلة التربية ، مجلة التربية ، العدد 24 ، السنة الثامنة، الكويت.
    11- الموسوى، نعمان (1998م)، نحو تطوير أداء المدرسة الثانوية وتحسين مخرجاتها: رؤية مستقبلية ، المؤتمر التربوي السنوي الثالث عشر، 15-16 سبتمبر 1998م، وزارة التربية والتعليم ، البحرين.
    12- نوفل، محمد نبيل (1997م)، رؤى المستقبل ، التعليم في القرن الحادي والعشرين: المنظور العالمي والمنظور العربي، المجلة العربية للتربية، المجلد السابع عشر، العدد الأول المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس.
    13- يالجن، مقداد (1997م) ، التربية الأخلاقية في الإسلام، مكتبة الخانجي، القاهرة.
     
  2. #2
    حميد1

    حميد1 مدون بارز

    موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية .


     
  3. #3
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد