التربية المستديمة عملية موازية للحياة

  1. #1
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    التربية المستديمة عملية موازية للحياة .
    مصطفى الصوفي .



    التربية المستديمة جاءت ردّاً على احتكار المدرسة للعمل التربوي واعتبارها تسد حاجة المتعلم الثقافية والمعرفية والاجتماعية مدى الحياة, كما ظهرت أيضاً لمواجهة تحديات العصر ومتغيراته الهائلة في مجال المكتشفات والمعارف والاتصالات والتقنية المتطورة, وتأثير كل هذا على حياة البشر وتغيّر مثلهم وقيمهم وسلوكهم, لذلك تهدف التربية المستديمة إلى احترام الشخصية الإنسانية وحقها في الحياة الحرة الواعية والتعلّم واكتساب المهارات اللازمة لتطو

    ير شخصية الفرد وقرته على التكيف مع متطلبات العصر ومتغيراته وإسهامه الفعّال والمبدع في التنمية الشاملة لمجتمعه .
    فكرة التربية المستديمة من حيث المبدأ قديمة قدم حياة الإنسان على هذه الأرض, يمارسها في الحياة كما في المدرسة, فالإنسان يتعلم في هذه المدرسة من خلال انخراطه في الحياة اليومية واضطلاعه على جوانب جديدة ومختلفة فيكتسب مزيداً من المعرفة والخجرة والقيم والسلوك .

    في الفكر التربوي الإسلامي يظهر هذا المبدأ بوضوح في حض المسلم على طلب العلم بشكل مستمر وأينما كان في قوله صلى الله عليه وسلم (( اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد )) أما الجديد في هذا المبدأ في عصرنا الحاضر هو سعي مفكري التربية والتعليم في جعل هذا المبدأ خاضعاً للتخطيط والتنظيم لزيادة فاعليته وقدرته على مواكبة المتغيرات السريعة والهائلة في نهاية القرن العشرين الذي شهد زحمة المكتشفات العلمية وتفجر المعرفة والوسائل الاتصالية والتقنية .

    والتربية المستديمة تشكل أساساً حالة رفض لاحتكار المدرسة النظامية لعملية التعليم ومحاولة مواجهة تحديات العصر وقدرة الإنسان على التكيف مع متغيرات في مختلف المجالات وتأثيرها على حياة الفرد والمجتمع وصياغة أفكارهم وقيمهم وسلوكياتهم, فهي والحالة هذه تعبر عن احترام شخصية الفرد الإنسانية وحقه في التعلم الدائم مدى الحياة, وإسهامه في التنمية الشاملة لمجتمعه بشكل واعي ومبدع ...

    في البداية نشأ مفهوم التربية المستديمة مرتبطاً بعملية تعلم الكبار الذين تخلفوا لسبب ما عن متابعة التعلم في المدارس الرسمية, لكنه الآن أتسع مفهومها وتعمّق ليشمل جميع الصيغ التربوية في مختلف مراحل العمر من الطفولة وحتى نهاية حياة الفرد داخل المدرسة وخارجها. وبهذا أصبحت التربية المستديمة تشكل منطلقاً للتفكير في جميع القضايا التربوية المعاصرة, واحتلت التربية المستديمة في أواخر الستينيات مكاناً هاماً الصعيد الدولي واعتبرها المؤتمر العام اليونسكو سنة 1968إحدى أهداف السنة الدولية للتربية .

    وفي أوائل السبعينيات كانت التربية المستديمة إحدى الأفكار الرئيسية الهامة في مداولات اللجنة الدولية لتطوير التربية, بالإضافة إلى فكرة " مجتمع التعلم " . وأبرز تقرير اللجنة تحت عنوان " تعلم لتكون " مدى اهتمام المفكرين في مجال التربية بالتربية المستديمة وأهمية تأثيرها على التربية المدرسية والمعلمين وتعليم الكبار والتخطيط التربوي للمستقبل, وإمكاناته في تصحيح مسارات التربية النظامية والغير نظامية, وتحقيق التكامل بينهما في مجال التعليم الشامل المتطور وتكوين ( المجتمع المتعلم ) .

    مفهوم التربية المستديمة :

    التربية المستديمة غيرت المفهوم التربوي السائد والثابت منذ زمن طويل دون تغير أو تبديل, فأطفال اليوم أصبحوا الآن بأشد الحاجة إلى صيغ تربوية : متغيرة, متطورة, مرنة, تقوم على مبدأ (( علّم الطفل كيف يتعلم )) وعلمه كيف يتابع تعلمه بعد التخرج من المدرسة طوال الحياة, وقد شكّل هذا المبدأ استراتيجية التربية الحديثة وأستدعى ظهور اتجاهات وأساليب تربوية جديدة كالتربية المدرسية والتربية الموازية والتربية غير النظامية والتعلم عن بعد والتعلم بالمراسلة و الجامعات المفتوحة وطرق التعلم الذاتي ... الخ, هذه الإشكال والوسائل أصبحت حاجة ملحة نظراً للمستجدات

    والمتغيرات الاجتماعية والتقنية التي أخرجت عملية التعلم من قوالبها التقليدية الجامدة, لتصبح أكثر ملائمة وقدرة على التجاوب والتكيف مع متطلبات العصر وحاجات الإنسان وتصبح ذات مضمون وهدف إنساني يعمل على حل مشكلات الإنسان والتصدي لكل ما يعترضه من صعوبات في حياته اليومية من خلال ربط التربية بالحياة والبيئة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية

    ويعرف(( ديف )) التربية المستديمة بأنها : (( مفهوم شامل يتضمن التعلم النظامي وغير النظامي على امتداد حياة الفرد لمساعدته على تحقيق أقصى نمو ممكن في شخصيته الاجتماعية والمهنية )), ويعرف ( فلشرزيج ) بأنها (( التعلم المقصود الذي ينظم في مواقف حياتية أو في مؤسسات خاصة أو في إطار الأنشطة الاجتماعية المختلفة كالعمل والترفيه ...))

    هذه التعريفات تعطينا فكرة واضحة بأن التربية المستديمة تشكل عملية استراتيجية شاملة ومستمرة للتطوير الشامل للتربية داخل المدرسة وخارجها, وأنها تقوم ببعث العمل التربوي وإعادة الحيوية له من جديد, ولا شك أن التربية المستديمة تستخدم جميع طرق التعلم وأشكاله ووسائله من التعلم المباشر إلى التعلم بالمراسلة والتعلم المفتوح بواسطة أجهزة الأعلام والاتصالات الحديثة إلى وسائل التعلم الذاتي والتعلم عن بعد, مستفيدة من جميع المواد والوسائل التعليمية المتطورة والتقدم التكنولوجي واستخدام الحاسوب وشبكة الاتصالات العالمية ( الإنترنيت ) .

    فالتربية المستديمة تدعو الإنسان أن يتعلم وأن يستمر في التعلم, ما دام حياً وبكل الوسائل المتاحة, فتبدو كنظام تربوي شامل ومفتوح مستمر ومتاح للجميع انعكست أثاره على الأهداف التربوية والمناهج والطرائق التعليمية, التي لم تعد غايتها حفظ المعارف و جمع المعلومات وخزنها وتردادها, بل غايتها أن تزوّد المتعلم بالأدوات اللازمة التي تمكنه من التعلّم وتنمية مهاراته على كل المستويات العلمية والثقافية واللغوية اعتماداً على الملاحظة والبحث والتجريب والاكتشاف والعمل, ليتمكن الإنسان في النهاية من التعبير عن نفسه بشكل جيد والتفاعل مع البيئة والحياة والواقع والمجتمع والحفاظ عليها وتطويرها بشكل أفضل .

    وسائل التربية المستديمة في تحقيق أهدافها :

    1 ـ تنمية مهارات التعلّم الموجهة ذاتياً واستثمارها : من خلالها يتمكّن الفرد من تحديد حاجاته التعلّمية وتلبية هذه الحاجات بالطرق والأساليب المتوفرة لديه .

    2 ـ تنمية مهارات التعلّم الذاتي واستثمارها : وذلك يتطلّب من المتعلّم الإلمام بالوسائل والطرق المعرفية المتوفرة ـ أجهزة ووسائل تقنية ـ تلفزيون ووسائل إعلام ـ حاسوب وإنترنيت ـ صحف وكتب وغيرها, وإمكانية التواصل معها واستثمارها بالشكل الأمثل .

    3 ـ تنمية مهارات التعلّم المتبادل : وهو يندرج ضمن عملية تعلّم الفرد من الجماعة وتبادل المعلومات والخبرات في المدرسة أو في المنتديات أو المحاضرات أو جلسات النقاش والحوار, وهذا يتطلب من الفرد مهارات التواصل وتقبل أفكار الآخرين والحوار معهم .

    4 ـ تنمية القابلية التربوية واستثمارها : وهو مصطلح يطلقه " ديف " على مشاركة النتاجات التعليمية مع الآخرين وتحتل هذه الفكرة مكانة أساسية في التربية المستديمة , لأنها تساعد الفرد على تقويم تلك النتاجات وتطويرها ونقل الخبرات وتبادلها بين الأفراد .

    5ـ تنمية فهم الفرد لمجتمعه واستعداده للإسهام في تنميته : وذلك من خلال تنمية فهم الفرد للبيئة والمحافظة عليها ومشكلات المجتمع والإسهام في التنمية الشاملة ضمن امكانته .

    6 ـ تنمية مفاهيم ومواقف الإنسان من التطورات الاجتماعية والمتغيرات في العالم: يتضمن هذا وعي الفرد وقدرته على التعامل مع المستجدات والمكتشفات العلمية والتقنية الحديثة بعقلية علمية متفتّحة ومرونة والاستفادة من إيجابياتها وتحييد سلبياتها قدر الإمكان .

    ملامح التربية المستديمة :

    ـ التربية المستديمة مستمرة طوال العمر وليست محدودة في السنوات الأولى ثم تليها فترة العمل المنتج , وهذا ضرورة لمتابعة التغيرات السريعة .

    ـ تجعل من حق كل فرد الحصول على فرصة للتعلّم المستمر حسب حاجاته وامكاناته وظروفه.

    ـ تتوجه التربة المستديمة على الفرد في مختلف مراحل عمره قبل المدرسة وبعدها والتعليم النظامي وغير النظامي بشكل متكامل ومنتظم .

    ـ تتصف التربية المستديمة بالشمولية والمرونة, وارتباطها بمجالات عمل الإنسان المختلفة.

    ـ تتميز التربية المستديمة بأبعادها الثلاث , الرأسية طوال الحياة, والأفقية في تعدد جوانبها وموضوعاتها, والعمق في تعزيز المهارات اللازمة للتعلّم .

    ـ تتعدى موضوعاتها الحاضر إلى مستقبل الفرد والمجتمع لتطوير أهدافها ومضامينها وأساليبها حسب التطورات المستقبلية .

    مجالات برامج التربية المستديمة :التربية الأسرية ـ التربة الاستهلاكية ـ التربية لقضاء الفراغ ـ النمو المهني في مجال الاختصاص ـ المهارات العملية المفيدة وظيفياً ـ
    ثقافة المجتمع / أصولها وتجديدها /ـ التربية البيئية ـ التربية السكانية ـ مشكلات التنمية الاقتصادية ومشروعاتها على الصعيدين المحلي والقومي ـ توظيف إنجازات العلم والتكنولوجيا في خدمة الفرد والمجتمع ـ

    خصائص التربية المستديمة :

    التربية المستديمة بحكم اهتمامها بتلبية الحاجات الأساسية لأفراد المجتمع وتكوين المجتمع المتعلم وتوظيف مصادر التعلم المتوفرة تنفتح على جميع صور التعلم وأساليبه ليستفيد منها الفرد في تطوير معارفه وتنمية مهارات التربية المستديمة لديهم فتكون خصائص التربية المستديمة ضمن المستويات التالية :

    1ـ تحقيق التكامل بين التعليم المدرسي وتعليم الكبار بحيث يغذي أحدهما الأخر بصورة متبادلة .

    2ـ توظيف المصادر البشرية المختلفة القادرة على العطاء بحيث يتناوب الأفراد في مجتمع التعلّم أدوار المعلم والمتعلّم .
    3ـ تغير دور المعلم من الملقّن للمعارف إلى الموجه والمرشد للمتعلّم في جهوده التعليمية.

    4ـ توظيف جميع وسائل وإمكانيات التعلّم المتوفرة في البيت والعمل والمراكز والمؤسّسات الاجتماعية والعلمية المختلفة في عملية التعلّم .

    5 ـ استغلال وسائل التعلّم الذاتي بالمراسلة وعن بعد بأجهزة الإعلام المختلفة والتعلم المتبادل والموازي والمشاركة وغيرها .

    6 ـ تحقيق التكامل بين الفكر والممارسة وبين النظرية والتطبيق .

    7 ـ الاستفادة من التقدم التكنولوجي في صنع المواد التعليمية الذاتية .

    8 ـ توظيف مهارات التقويم الذاتي للاستفادة منه في تحديد حاجات التعلّم وتقويم نتائجه .

    العالم يتغير وتتغير المعارف والأساليب ونحن نتغير, ونلمس آثار الثورة التقنية في جميع مجالات حياتنا اليومية وطالت سوية الوعي والفكر والتربية, وطالت ظاهرة التحكم الإلكترونية جميع التطبيقات والأجهزة الحاسوبية وعمليات الإنتاج وشبكات الاتصال وتبادل المعلومات وغيرها, ورغم هذا التقدم الهائل في المعارف والقدرات التقنية المتطورة, فإنها لم تلغ دور الوعي البشري في العملية الإنتاجية والتنموية الشاملة, وتحاول التربية تحقيق ثورتها العلمية والتقنية للمشاركة الرائدة في جميع مجالات النشاطات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.

    والتربية في البلدان الفقيرة تواجه مشكلات كثيرة من التوسع الأفقي والأبنية المدرسية وتخلف الوسائل التعليمية واستخدام التقنية الحديثة, مما ينعكس سلباً على المردود التربوي في المدرسة وفي المجتمع, وتواجه عقبات صعبة في محو الأمية وتعميم التعليم وشموله للكبار خاصة الإناث منهم, مما يشير إلى أن نظمها التربوية القديمة لا تستطيع تلبية حاجات التعليم في مجتمعاتها.

    هذا يظهر أهمية مبدأ التربية المستديمة ودورها في تلبية الحاجات التعليمية في المجتمع, لإعادة النظر في مفاهيم التربية التقليدية وأسسها وأساليبها وموضوعاتها وأهدافها ووظائف المعلم ليواكب المتغيرات في العالم, ويتعلّم كيف يعلّم نفسه ويطور مهاراته ويعلم غيره مدى الحياة .

    _______________________
    مراجع البحث :
    1 - بيان منظمة العربية للثقافة والعلوم في المؤتمر الرابع لوزراء التربية العرب في صنعاء 1972

    2 – الثورة التكنولوجية في التربية العربية ـ د عبد الله عبد الدايم ـ دار العلم للملايين

    3 – التربية المستديمة وتحديات العصر ـ د غسان الرفاعي

    4- مستقبل التربية في البلاد العربية ـ د جميل صليبا

    5- التربية المستقبلية ـ د آنا بونبوار ـ ترجمة موريس شربل ـ بيروت

    6- تعلّم لتكون ـ إدغار فور

    7- انعكاسات التربية المستديمة ـ ديف ـ تقرير منظمة اليونسكو للتربية 1975.





    موقع مجلة المعلم .

     
  2. #2
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    رد: التربية المستديمة عملية موازية للحياة

    موضوع يستحق البحث والتهييء


     
  3. #3
    sagesse

    sagesse مدون فعال

    رد: التربية المستديمة عملية موازية للحياة


    موضوع يستحق القراءة.
    جـــــزاك الله خير الجـــــــزاء.