النصائح الذهبية في تربية الأولاد ورعايتهم

  1. #1
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    د.عبد المجيد البيانوني .



    إن على الآباء والأمهات أن يعلموا أن قضية تربية الأولاد مسؤولية مشتركة بين الزوجين، مصداقا للحديث الذي يرويه عبد الله بن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع ومسؤول عن رعيته، فالإمام راع، وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راع، وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع، وهو مسؤول عن رعيته، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته" (رواه البخاري) .

    ولا شك أن الزوج يضطلع بالعبء الأكبر من هذه المسؤولية بحكم القوامة الشرعية التي حمله الله تعالى إياها، ولكن تقصير بعض الأزواج في مسؤوليتهم لا يعفي الزوجات من التقدم إلى الميدان، وسد الخلل، وتدارك النقص إذ هما شريكان في بناء الأسرة وتكوينها، والصورة المثلى أن يكون الزوجان متعاونين على البر والتقوى في كل شأن، حريصين على أداء هذه المسؤولية الشرعية على أحسن وجه، وإن يكونا كمثل الأخوين المتحابين في الله تعالى، اللذين مثلهما "كمثل اليدين تغسل أحداهما الأخرى .
    .
    وعندما يكون الزوجان كذلك تثمر جهودهما التربوية أطيب الثمار، فلا تتبدد جهودهما، ولا تهدر طاقاتهما، وتظهر آثار تعاونهما على تربية أولادهما سلوكا قويما سويا، ونجاحا في الحياة متميزا.. وعندما يكون أحد الزوجين بانيا مجتهدا، والآخر مهملا مفرطا، أو هادما مخربا، فأي خير يرتجى.. ؟ وأي نشأة سوية للجيل نؤمل.

    مــتى يبلغ البنيان يوما تمامه إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم

    أو كما قال القائل ...

    سارت مشرقـة وسرت مغربا شتان بيـن مشرق ومغرب


    وإن كثيرا من الآباء قد يخطئون أسس التربية القويمة، ولا يراعونها في علاقاتهم، وفي سلوكهم مع أبنائهم، ثم يعزون فساد أولادهم وإنحرافهم إلى الأسباب والعوامل الخارجية، العديدة الضاغطة، التي تخرج عن قدرتهم وسيطرتهم.. وهذا نوع من التهرب من المسؤولية الشرعية التي يتحملونها، وسيسألون عنها يوم القيامة.

    وقد يكون لهذا القول حظ من الصحة والقبول، لو أنهم ساروا على منهج رشيد في تربية أبنائهم وبناتهم، وحرصوا على رعايتهم الرعاية التامة، ومتابعتهم في جميع مراحل نموهم، واتخذوا ما يستطيعون من الأساليب والوسائل لإبعاد المؤثرات الضارة عنهم، فإذا شذ أحدهم بعد ذلك أو انحرف فلن يكون إلا بنسبة ضئيلة شاذة، لا تشكل قاعدة ذات خطر، أو ظاهرة تستعصي على المعالجة.

    ومن ثم فقد كان لا بد من بيان أسس التربية القويمة وتوضيحها، ليكون كل من الزوجين على بينة من مسؤوليته وسلوكه، ويعرف جوانب التقصير أو التفريط في عمله، فيسعى إلى تدارك ذلك وتلافيه، قبل فوات الأوان، ثم الندم حيث لا ينفع الندم.


    وهذه أهم أسس التربية الأسلامية القويمة نقدمها للوالدين في صورة نصائح ثمينة

    أولا : تفاهم مع زوجتك على منهج التربية وأسلوبها، واحذر من الاختلاف والتناقض .

    لا شك أن التفاهم بين الزوجين أساس التربية المثلى وقوامها: فلا يمكن أن تنهض تربية قويمة للأولاد، ما لم تقم على أساس راسخ من التفاهم بين الزوجين، على منهج التربية الإسلامية القويمة، وأسسها ومبادئها، وأهدافها وغايتها، وأساليبها ووسائلها، ونحن نعلم أن التفاهم لا يمكن أن يكون على كل شيء، وإنما يكون على الخطوط العريضة، والمبادئ العامة، ولا بد من مساحة بعد ذلك لحرية التصرف من قبل كل الوالدين بما لا يخرج عن تلك الخطوط، وبما لا يتعارض مع توجيه الطرف الآخر ورأيه، بل واحترام رأيه وتقديره أمام الأولاد.

    ولا يخفى أن التفاهم بين الزوجين إنما يقودنا إلى التركيز على حسن الاختيار قبل الزواج من قبل كل من الزوجين للطرف الآخر.. فإذا لم يتم حسن الاختيار أولا، فلا بد من المعاناة والاجتهاد لتوحيد التصورات والمفاهيم، وإقناع الطرف الآخر بالتوجه الإسلامي الواعي، لتبدأ خطوات التربية على منهج واضح، وأسس بينة سليمة.


    ثانيا: وضح أهدافك في الحياة في نفسك أولا، واحرص على تطابق سلوكك مع أهدافك .

    فإن أهدافك العليا تؤثر في أولادك بصورة أو بأخرى.. وإن أهداف الإنسان وتوجهاته تحدد مساره في الحياة، وترسم سلوكه، ويؤكد لنا ذلك أن الله تعالى عندما عالج في القرآن الكريم أسباب هزيمة المسلمين في غزوة أحد، نص على هذه الحقيقة فقال سبحانه: "منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة.." (سورة آل عمران، الآية: 152).

    فبين الله سبحانه أن إرادة الدنيا، والتوجه إليها ينعكس على سلوك الإنسان بالخلل بالهدف الأعلى من الحياة الذي حدده الله لعباده.. وهو بلوغ مرضاة الله تعالى.. وهذا الهدف يتفرع إلى أهداف أدنى منه وأصغر.. وهذه الأهداف لا يربطها بالإسلام إلا أن تكون مشتقة من الهدف الأكبر، معززة له..

    فعندما تكون مشتقة من قيم الإسلام ومبادئه، فإنها تترجم ولا بد في حياة الإنسان، وفي سلوكه العملي، كما تتجلى في أخلاقه ومواقفه..
    وعندما تغيب هذه الأهداف العليا السامية عن تصورات الإنسان وسلوكه فإنه تضطرب شخصيته ولا تستقر، ويتخبط في حياته، ولا يهنأ، ولا يدري أين يتوجه أو يسير، وكذلك الإنسان عندما يرين على قلبه غشاء الأهواء والسيئات، ويتكثف فيه ركام الشهوات والشبهات، وتستغرق حياته فيها، فيتوجه قلبه إلى الأهداف الصغيرة، ويتعلق بها، فقد تكون أهدافه جمع الأموال، أو التطلع إلى كثرة النساء، أو الحرص على الجاه بين الناس، أو المنصب، أو الرئاسة..

    ومثل هذا الإنسان رجلا كان أو امرأة أنى له أن يغرس في نفس أولاده قيم الإسلام وآدابه، أو أن يحملهم على سلوك سبيله، أو الالتزام بهديه.؟ إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء لا ينضح إلا بما فيه.


    ثالثا : تدرج في تربية الأبناء ورعايتهم وتكليفهم، واحذر من الإهمال والتسويف .

    اعلم أخي ولي الأمر أن التربية عملية تنشئة مستمرة، وأهم مقومات نجاحها وإثمارها: أن تكون متدرجة متمهلة، لا تنطلق من ردود الأفعال، ولا تأخذها فورة حماسة آنية، ثم يعقبها همود وتراخي، أو تترجح وتتذبذب بين الاهتمام البعيد عن الواقع أو الإهمال والتسويف..
    وإنما التدرج في التربية كما أنه أصل راسخ في التشريع الرباني، فهو أصل راسخ في التربية والبناء والالتزام.

    وإن من معاني الرب سبحانه: أنه يربي عباده بما يصلحهم، من السراء والضراء، والشدة والرخاء، والمنع والعطاء، والابتلاء بالخير والشر، ويتدرج بهم في ذلك كما تدرج بعباده رحمة بهم في مجال التشريع، ولم يكلفهم ما لا طاقة لهم به.

    وإن من مقتضى هذه الحقيقة في تربية الناشئين ألا يحمل الناشئ المسؤولية الكبيرة قبل إن ينجح في تحمل المسؤولية الأدنى، ويتدرج في ذلك بصورة طبيعية معقولة، وألا يمنح العطاء الكبير قبل أن يختبر عقله وحكمته، وسيرته وعمله مع العطاء اليسير، ويظهر حسن تصرفه فيه، وأن يتدرج معه المربي في كل شأن من شؤونه تدرجا طبيعيا، يتلاءم مع نموه الجسمي والعقلي والنفسي، لا يزيد عن ذلك فيفسد نموه واتجاهه، ولا ينقص عنه فيكبت طاقاته، ويقتل طموحه وإبداعه.

    ويمكن أن يستدل لذلك بقول الله تعالى: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما، وارزقوهم فيها واكسوهم، وقولوا لهم قولا معروفا، وابتلوا اليتامى، حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم.." (سورة النساء).

    فالسفيه هو الذي لا يحسن التصرف بأمواله، لا يعطى له ماله الخاص، بل يحجز عنه حتى يثبت رشده، وقد وصف الله تعالى أمواله: بأنها أموال الأمة، وإن من مسؤولية الأمة أن ترعى أبناءها وتحسن توجيههم بما يعود عليهم بالخير والرشد.

    كما أمر الله الأوصياء باختبار اليتامى الذين يكونون تحت رعايتهم أن يختبروا رشدهم في التصرف بأموالهم، وذلك لا يكون إلا بالتدرج في التصرف بها، فإن ظهر رشدهم تدفع إليهم أموالهم عندئذ، وإلا فإنها يجب أن تبقى تحت وصاية الأمة ممثلة بمن ينصبه القاضي للقيام بهذه المهمة.

    ويشبه ما نحن بصدده ما قاله الحكماء قديما: "طعام الكبار سم للصغار" فكما أن اللحم طعام للكبار شهي، ولكنه قد يكون سما قاتلا للطفل الرضيع، الذي لا تتحمل معدته أكثر من حليب أمه.

    وأما الإهمال والتسويف في أمر التربية: فهو الداء الوبيل، والشر المستطير، الذي ضيع الحقوق، وأفسد الحياة، وقد ابتلي به المسلمون على اختلاف فئاتهم: على مستوى الأفراد في أنفسهم، وعلى مستوى علاقات الأفراد مع الآخرين والمسؤوليات المنوطة بهم.


    رابعاً : احرص على تربية أولادك منذ الطفولة الأولى .

    التربية منذ الطفولة الأولى: هي الأصل الذي يجب على المؤمن أن يوليه كل اهتمامه، وإن التأمل في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته ليعلمنا أن التربية العملية للناشئ تبدأ منذ الطفولة الأولى، والأمثلة والنماذج ، والأحداث والمواقف في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة مستفيضة، في كل باب من أبواب الخير، وفي كل جانب من جوانب الحياة.

    ويخطئ كثير من الآباء والأمهات عندما يظنون أن التربية تبدأ عند سن الرشد ، أو قريبا منه، أو في مرحلة الطفولة المتأخرة، بل أن مرحلة التربية تبدأ منذ الطفولة الأولى.. والعلماء الربانيون المدققون يعلموننا أن التربية تبدأ قبل ذلك بكثير:
    تبدأ من حسن الاختيار بين الزوجين.

    ثم من عقد النية الصالحة على طلب الولد الصالح، عند إتيان الرجل أهله، وسؤال الله تعالى ذلك، وصدق اللجوء إليه، والإلحاح في الطلب، وتحديث المرأة نفسها بذلك في حملها..

    ثم الحرص على طاعة الله تعالى وذكره، والتحري في طلب الحلال، والبعد عن لقمة الحرام والشبهات.


    خامسا : كن قدوة حسنة لأولادك في قولك وفعلك وسلوكك وأخلاقك .

    ينبغي أن نعلم أن حب الكمال مغروس في كل نفس، وعلينا أن ننميه في نفوس أبنائنا بتوجيهنا الدائب، وسلوكنا العملي، وذلك بأن نكون قدوة لهم، وعلينا أن نرفع هممهم وعزائمهم للجد والنشاط، ونحببهم به، ليرتقوا درجاته يوما بعد يوم، ويسيروا في مدارجه ولا يتوقفوا، ما دام فيهم عرق ينبض، ونفس يصعد ويهبط.. كما أن علينا أن نحبب إليهم معالي الأمور، ونكرههم بسفسافها، ليكونوا من أهل الجد والاجتهاد، والعزم والثبات، فعلو الهمة من الإيمان، ولن يشبع مؤمن من خير حتى يكون منتهاه الجنة.

    وإن أحوج ما يحتاجه الناشئ: أن يرى القدوة الحسنة فيمن حوله، في والديه على وجه الخصوص، وإخوته وأخواته ممن هم أكبر منه سنا، ففي فطرة الإنسان نزعة التقليد والمحاكاة للآخرين، وهذه النزعة لا تميز مرحلة الطفولة بخاصة بين التقليد في الخير، أو التقليد في الشر، بل إننا نجد أن الكبار لا يميزون أيضا عندما يقعون تحت تأثير الإنبهار والإعجاب بالآخرين، فيصبح التقليد أعمى، والاتباع بغير وعي ولا تمييز.. فمن ثم فإن خير ما يقدم للناشئ القدوة الحسنة، في الأقوال والأفعال، والأخلاق والسلوك.

    وهذه القدوة الحسنة هي خير ما يدعم المبدأ والفكرة التي نريد بثها في نفس الناشئ، وتربيته عليها.
    فإذا أردنا أن نغرس الصدق، فإن علينا أن نكون أولا صادقين.
    وإذا أردنا أن نغرس الأمانة في نفوس أبنائنا، فعلينا أن نكون أمناء في أنفسنا وسلوكنا.

    وإذا أردنا أن نغرس في نفوس أبنائنا حسن الخلق، فعلينا أن نري أبناءنا في كلامنا ومواقفنا، وغضبنا ورضانا: حسن الخلق، وضبط اللسان، وعفة القول، والبعد عن البذاءة أو الفحش.

    إن كثير من الأبناء يرون التناقض البين بين سلوك آبائهم وأمهاتهم وبين ما يأمرونهم به، ويحثونهم عليه.
    ويخطئ كثير من الآباء والأمهات عندما يظنون أن أبنائهم لا ينتبهون لسلوكهم، ولا يلاحظون تصرفاتهم، ولا يحاكمون أفعالهم ولا يقومونها.

    أن الأبناء يزنون آبائهم وأمهاتهم ومربيهم بميزان فطري دقيق، ويقيمون لهم في أنفسهم التقدير والاحترام على حسب رجحانهم في ذلك الميزان، أو خسرانهم.

    أيها الآباء والأمهات.. لنكن صرحاء مع أنفسنا، إننا قبل أن نربي نحتاج أن نتربى، وقبل أن نتطلب المثالية من أولادنا، ونكلفهم ما نريد من كمال، ينبغي أن نكون قدوة حسنة لهم، ونموذجا صالحا.. نبدأ بأنفسنا، ونقوم اعوجاجنا، ثم نأمر بما التزمنا به، فلن نرى بعد ذلك من يتلكأ عن طاعتنا، أو يعاند في الإستجابة لنا.


    سادسا: اقترب من أولادك، وادخل إلى تفكيرهم، وتفهم جيدا اهتماماتهم .

    إن كثيرا من الآباء والأمهات بعيدون عن عالم الأطفال غاية البعد، لقد ودعوا حياة الطفولة، وعلى الرغم من أنهم يحتفظون منها بذكريات جملية، يذكرونها في كل مناسبة، ويعذرون أنفسهم فيما كانوا عليه من اهتمامات وتوجهات، ولكنهم يتنكرون لطفولة أبنائهم، ولا يحاولون أن يتفهموا اهتماماتهم، بل يستقر في قرارة شعورهم موقف ردة الفعل من كل اهتمامات أبنائهم وتوجهاتهم.

    ومن هذه النقطة تبدأ الفجوة بين كثير من الآباء والأمهات وبين أولادهم، وهذه الفجوة لها مظاهر كثيرة، فهي في البدء تحول نفسيا بين الوالدين وبين توجيه أبنائهم، ثم تصد الولد عن أن يستجيب لتوجيه والديه، أويتجاوب مع نصحهم وتقويهم، ثم تحمل تلك افجوة بعض الأبناء، ولو كانوا في سن مبكرة على التمرد على والديهم، فلا يستجبيون لهم فيما يطلبون منهم. كما يشعر الآباء أن أولادهم لا ينظرون إليهم نظرة التقدير والاحترام اللائقة بهم على حسب مكانتهم الفطرية والاجتماعية، وفهمهم للحياة، وخبرتهم بها.

    أخيرا ينحصر أثر الآباء في حياة أولادهم بتقديم متطلباتهم المادية دون القيام بأي دور تربوي أو تأثير فكري أو سلوكي، وربما قدم الآباء لأولادهم في هذه الحالة ماديا ما لا يرون في تقديمه جدوى أو أية فائدة.

    لقد انحصر أثرهم في ذلك، ولم يعد لهم أي أثر آخر.!!
    سبب ذلك كله أن الآباء والأمهات لم يقتربوا من أولادهم، ولم يتفهموا اهتمامتهم جيدا، كما لم يتنزلوا إلى متطلبات السن التي هم فيها، فكانت ردة فعل الأولاد من ضارة بهم بالذات، كما كانت ضارة بوالديهم.. وكانت النتائج ضارة على كل مستوى.!

    وقد ورد في الأثر عن بعض السلف: "من كان له صبي فليتصابى له"، ومعنى ذلك أن يتنزل إلى مستواه، فيداعبه ويلاعبه، ويتفهم اهتماماته ومتطلبات السن التي هو فيها، ليستطيع رعايته وسياسته، والدخول إلى قلبه، والتأثير فيه على أحسن وجه.


    سابعا : كن واقعيا ومنطقيا في أوامرك وتكليفاتك .

    إن على الوالدين أن يحددا بدقة: ماذا يريدان من أولادهم.؟ ثم أن يعرفا مدى استعداد الولد في كل مرحلة من مراحل نشأته وتكوينه، ومدى قدرته الحقيقية على الاستجابة لما يطلب منه.؟ فليس النجاح التربوي هو القدرة الفائقة على إلقاء سيل من الأوامر والتكليفات، التي قد تكون في كثير من الأحيان لا تتلاءم مع قدرة الناشئ، ولا تتناسب مع نموه واستعداده.

    لنذكر أنفسنا أيها الآباء والأمهات والمربون عندما كنا صغارا في مثل سن أطفالنا، وكيف كنا نضيق ذرعا عندما كنا نكلف فوق طاقتنا، وكيف نلوم في أنفسنا الكبار على عدم تقديرهم لاستعدادنا، ونجد لأنفسنا الأعذار عندما لا نستجيب لما يطلب منا..!

    يحضرني دائما في مثل هذه المناسبة، عندما أرى تكليف بعض الناشئين ما ليس في وسعهم الاستشهاد بقول الله تعالى:"كذلك كنتم من قبل، فمن الله عليكم فتبينوا" (سورة النساء، الأية: 94).

    إن علينا أن نعلم أن كل مرحلة يمر بها الناشئ لها متطلباتها واحتياجاتها، كما أن للناشئ فيها قدرته التي لا يستطيع إن يتجاوزها، وليس من الحكمة ولا من المنطق أن نكلفه ما لا يطيق، وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر الخدم، وهو قد يكونون رجالا أقوياء أشداء ألا نكلفهم ما لا يقدرون عليه جسميا، فقال صلى الله عليه وسلم: ".. ولا تكلفوهم ما يغلبهم، وإن كلفتموهم فأعينوهم عليه.." (جزء من حديث رواه البخاري )

    وإذا كان أكثر الآباء والأمهات لا يكلفون أولادهم جسميا ما لا يقدرون عليه، لأن الإرهاق الجسمي يظهر للعيان، وقد يؤدي إلى ضرر جسمي مادي، هم أرحم بأولادهم من أن يقعوا فيه، فإن كثيرا من الآباء والأمهات يكلفون أولادهم ما لا يقدرون عليه، ولا يتلاءم معهم نفسيا، ثم يلومونهم إذا لم يستجيبوا لهم، ويتهمونهم بالتمرد عليهم، والخروج عن طاعتهم.


    ثامنا : املأ فراغ أولادك بما ينفع وقدم لهم البديل النافع الهادف .

    الحديث عن فراغ الناشئين، وكيف يملأ يحتاج إلى رسالة مستقلة، وقد كتب في موضوعه بعض المهتمين بأمر التربية، ولا يزال الحديث عنه موصولا، ويحتاج إلى المزيد.

    وعندما يذكر الفراغ، وكيف يملأ.؟ تقفز إلى الأذهان صورة التلفاز والفيديو، وألعاب الأتاري، وغير ذلك من وسائل التقنية الحديثة التي غزت البيوت، وتسللت إلى العقول، واقتحمت غرف النوم، وأصبح يشكو من ويلاتها الكثيرون، ولكن أكثر الشاكين يقفون متفرجين عاجزين..!

    ولا يسعنا في هذه الرسالة الموجزة أن نحيط بهذا الأمر من جوانبه، وإنما نوضح معالمه، ونضع الأسس الرئيسة لما ينبغي أن يكون عليه الآباء والأمهات في علاقتهم بأولادهم في هذا الجانب، وطريقة تربيتهم لهم لاستغلال أوقاتهم، وأسلوب معالجتهم لمشكلات فراغهم.

    ولا شك أن الفراغ مفسدة للإنسان كبيرا كان أو صغيرا وأي مفسدة، وهو على الناشئ أضر وأخطر، لما أن الفراغ يعوده على حب اللهو والبطالة، وإنفاق العمر فيما يضر ولا ينفع، ومن هنا فإن مما يتأكد على الوالدين أن يفكرا دائما في فراغ أولادهم: كيف يملأ.؟ وإن يملكا في ذلك المبادرة الإيجابية، ولا ينتظرا ما يقوم به ولدهم، ثم تكون مبادرتهم بعد ذلك

    إلى المنع والإنكار، وكان خيرا لهما وله قبل أن يتعلق قلبه بما يضر ولا ينفع: أن يقدما له البديل المناسب، ويرغباه به، وينبغي أن يكون في ذلك البديل ما يناسب سن الناشئ واهتمامه، وإن يجذبه ويستهوي نفسه.


    وينبغي أن يراعي الوالدين في البديل الذي يملأ فراغ الناشئ ما يلي:

    - أن تعرف ميول الناشئ، ويحرص المربي على توجيهها وتعديلها بطريقة إقناعية، تجعله يتبنى المواقف الصحية ويتحمس لها.

    - أن يُعَّرف الناشئ والناشئة بالهوايات الفكرية والعملية النافعة، ويوجه إلى الأخذ بما يرغب منها، ويشجع على ذلك، فإن الاكتشاف المبكر للهوايات الفكرية أو العملية النافعة، والتوجيه إليها هو سبيل الإبداع في حياة المبدعين، وقد أثبتت الدراسات التربوية المعاصرة: ألا علاقة بين الإبداع وعلو درجة الذكاء في المبدعين، وإنما الدرجة العالية من الذكاء أمر ثانوي مكمل، والعلاقة الأكبر لتوجهات النفس وميولها، وما تحمله من استعداد لذلك.

    - ألا يكون البديل صارما، يجري على وتيرة واحدة، فينفر منه الناشئ، ويعاند والديه في اختياره وإنما يلون له في أنواع ذلك ونماذجه.

    - ينبغي أن يجمع البديل بين الترفيه المشروع، وبين الهدف التعليمي أو التربوي الهادف، ولا يجوز أن يقتصر على اللعب الذي ينهى الشرع عنه، أو اللعب غير الهادف.

    - أن تعرف رغبة الناشئ، وتلبى ما أمكن، وتوجه برفق إلى الأفضل والأكمل، وتبين له وجوه المنافع والمضار، فيما يهوى من الألعاب، وأسباب تحريم ما حرم منها أو نهي عنه.

    وينبغي أن يعود الناشئ على الاعتدال في اللعب، وأن يعطي لكل وقت حقه، فلا يشغله الترفيه أو اللعب عن أي واجب مطلوب منه، وإلا يدفعه اللعب إلى تأخير الصلاة عن أول وقتها.


    تاسعا : كن صديقا لأولادك، واختر لهم الأصدقاء الذين تطمئن إلى دينهم وأخلاقهم وسلوكهم .

    وهذه النصيحة مما تتصل بمشكلة الفراغ على نحو كبير، إذ إن الفراغ الأخطر في حياة الإنسان هو: فراغ النفس، وهذا الفراغ لا تملؤه إلا صحبة الأقران في مثل سنه، والعلاقات الاجتماعيه التي تلائم الناشئ وتملأ نفسه، وهي جزء من فطرته لا يستطيع أن ينفك عنها، أو يتجاهلها ويمضي في حياته.

    وعندما تختار الصحبة الصالحة للناشئ بعناية، فإنها قد تؤدي دورا تربويا يعجز الوالدان عن أدائه، وهذا ظاهر ملموس، لما أن تأثير الأقران في بعضهم تأثير نفسي غير مباشر، إنه يكون بالمخالطة والمعايشة، والملاطفة والمؤانسة، والتقارب النفسي الذي يجعل الإنسان يتأثر بجليسه ومخالطه بغير قصد منه أو شعور، فيتمكن الصاحب من الدخول إلى قلب صاحبه، والتأثير في ميوله واتجاهاته، بغير أمر ولا نهي، ولا عناء ولا كلفة،

    ومن هنا جاء في المثل: "الصاحب ساحب"، وجاء في المثل أيضا: "قل لي من تصاحب، أقل لك من أنت"، وجاء المثل النبوي الرائع الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم للجليس الصالح، وجليس السوء، ففي الحديث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك: إما أن يحذيك، أو تبتاع منه، أو تجد منه ريحا طيبا، ونافخ الكير: إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا منتنة" (رواه البخاري ومسلم )

    وقد نوه الله تعالى بأثر الصحبة الصالحة في سعادة الإنسان في الآخرة، فقال سبحانه:"الأخلاء بعضهم يومئذ لبعض عدو إلا المتقين، يا عباد لا خوف عليكم اليوم ، ولا أنتم تحزنون" (سورة الزخرف، الآية: 67و68).

    كما بين سبحانه عاقبة صحبة الظالمين، والانسياق وراء مجالستهم وموادتهم، والاستجابة إلى سلوكهم، وكيف أنها تجر على الإنسان الشقاء في الآخرة وسوء المصير، فقال تعالى: "ويوم يعض الظالم على يديه، يقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ، يا ويلتا، ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا" (سورة الفرقان، الآيات 27-29).

    فليحرص الآباء والأمهات على أن يغرسوا في نفوس أولادهم منذ الصغر والطفولة ألا يصاحبوا إلا أرفع الأولاد خلقا، وأحسنهم تربية وسلوكا، وأن يأنفوا من صحبة الأشرار والفاسدين، أو مجالستهم، فإن ذلك حصانة لهم في مستقبل أيامهم.

    وعندما يشب الأبناء ويصلون مرحلة النضج والوعي فعلى الآباء والأمهات أن يكونوا أصدقاء لأولادهم، فيعاملوهم بتقدير واحترام، وأن يستمعوا لآرائهم، ويشجعوهم على إبداء وجهات نظرهم، ويناقشوهم فيها بموضوعية وتجرد، ولا ينبغي أن يعاملوهم، وهو شباب متفتحون على الحياة، متوقدو الطموح والرغبات وكأنهم أطفال صغار لا رأي لهم، ولا وزن لأفكارهم.. إنها المشكلة التي تقطع الروابط بين الآباء والأبناء، وتهدم صلات التقدير والاحترام.

    وعندما يختار الأولاد أصدقائهم ينبغي على الوالدين أن يكون لهم رأي في ذلك، فليتعرفوا عليهم، وليعرفوا مستوى تربيتهم، ومدى التزامهم واستقامة سلوكهم، ليطمئنوا على سلوك أبنائهم وسلامة اتجاههم.

    ومما يتصل بهذه الوصية، وهو على درجة كبيرة من الأهمية أن على الوالدين أن يحرصا على صحبة أولادهم معهم إلى مجالس أهل العلم والخير والفضل، وزيارتهم في بيوتهم بين الحين والآخر، وأن يعلموهم الأدب معهم، والتواضع لهم، والحرص على خدمتهم، والتماس دعواتهم الصالحة، فلذلك بركة عظيمة على الناشئ تظهر آثارها في خلقه وسلوكه ومستقبل أيامه.. فهذا موسى عليه السلام رسول من أولي العزم يحرص على صحبة الخضر عليه السلام ليتعلم منه، وينتفع بصحبته كما أخبرنا الله تعالى في كتابه.


    عاشرا: أكثر من الدعاء لأولادك بالخير والهداية، فإن الدعاء يذلل الصعاب .

    لقد تركز الحديث في الفقرات السابقة على الأسباب الظاهرة ، التي ينبغي على الوالدين أن يأخذوا بها في تربية أولادهم ، ولكن لا يخفى على كل مؤمن أن هذه الأسباب لا تكفي وحدها، ولا ينبغي أن نحصر أنفسنا بها لتحقيق ما نصبوا إليه من آمال وأهداف، فلا بد لنا أن نعلم: أن الهداية بيد الله تعالى أولا وآخرا، وأنها منحة إلهية لا تدرك حكمتها، ولا تدخل تحت شيء من جهد العبد وحيلته، وبخاصة بعدما علمنا خبر حرص النبي صلى الله عليه وسلم على هداية عمه أبي طالب، وبذله كل ما يستطيع في دعوته والتلطف معه، ثم لم يشأ الله له الهداية، ومات على الكفر، ونزل فيه قول الله تعالى:

    "إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء، وهو أعلم بالمهتدين" (سورة القصص، الآية 56).
    وإن من البداهة بمكان أن نعلم أن ذلك لا ينبغي أن يصدنا عن بذل الأسباب والوسائل، واتخاذ ما نستطيع من الأساليب فإن لم يكتب الله الهداية لإنسان فقد قامت عليه الحجة بذلك، إذ إن أمر الهداية غيبي، لا يستطيع أن يتكهن به أحد، وأدب العبد أن يفعل ما كلف به، ولا يتجاوز حدود عبوديته.

    ولعل من حكمة ذلك أن تتعلق القلوب بالله تعالى رغبا ورهبا، وأن يتوكل العبد على ربه، ويبرأ من حوله وقوته، ولا ينسب إلى نفسه تأثيرا ولا تدبيرا.. وقد أثنى الله على عباد الرحمن إذ يقولون: "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأجعلنا للمتقين أماما" (سورة الفرقان، الآية 74).

    والدعاء بصدق وإخلاص، وتجرد لله تعالى وتذلل: سلاح قاطع، ودواء مجرب، نتعلمه من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسنته، وسيرته العطرة ومواقفه، ألم يقل له بعض الصحابة بعد حصر ثقيف في الطائف: "ادع الله يا رسول الله على ثقيف" فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم اهد ثقيفا، وائت بهم مسلمين)

    فلم يكد النبي صلى الله عليه وسلم يصل المدينة المنورة حتى جاءه وفد ثقيف ليبايع على الإسلام. وقال له أبو هريرة رضي الله عنه:
    "ادع لي يا رسول الله أن يهدي أمي إلى الإسلام" ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم : (اللهم أهد أم أبي هريرة إلى الإسلام)، فلم يكد يصل أبو هريرة رضي الله عنه إلى بيته حتى سمع صوت الماء من خارج البيت، لقد كانت أمه تغتسل لتعلن دخولها في الإسلام.

    وكم رأينا في حياتنا الخاصة والعامة، وسمعنا من أخبار ذلك ما يزيد المؤمن أيمانا ويقينا بالله تعالى، وتسليما لله تعالى وتوكلا عليه، وأكتفي في هذه المناسبة بذكر قصتين فيهما العبرة والموعظة:

    ذكر بعض العلماء أنه كان له ولد حرص كل الحرص على أن يسلك سبيل العلم والدعوة إلى الله تعالى، ولكنه لم يستجب لدعوة والده، والتفت إلى رفاق بطالين صاحبهم، وضيع أوقاته معهم، مما ترك في نفس أبيه ألما وغصة، ولكنه لم يستيئس منه، فكان كلما رآه أظهر له تألمه وشديد حزنه، ولم يصادف ذلك منه أذنا صاغية، ولا قلبا مستجيبا، فلجأ إلى الدعاء، واجتهد في التوسل والضراعة إلى الله تعالى، فلم يلبث مدة حتى جاءه ولده، وقد تزيى بزي طلبة العلم، فقبل يد والده، وقال له: ها قد جئتك كما تريد.. ثم لزم والده، وكان من خيار طلبته علما وعملا، واجتهادا في الدعوة إلى الله تعالى.

    وحدثني والد فاضل أنه اجتهد هو وزوجته في تربية ولدهما، وحثه على حفظ القرآن الكريم، فكان يغلب عليه التهرب واللعب، وعدم الاهتمام بحفظ القرآن أو مراجعته، وكانت الأم تتابعه بكل حرص واجتهاد، حتى ضاقت به ذرعا، فعزمت على تركه وإهماله، لأنها وجدته معرضا غير مبال بكل ما يتبع معه من أساليب، فنصحها زوجها أن تجتهد في الدعاء له عسى أن يشرح الله صدره لحفظ القرآن والاهتمام به، وتعاهدا على ذلك فلم تمض فترة أشهر حتى توجه الولد إلى حفظ القرآن الكريم بكل رغبته، ثم لم تمض سنة ونصف السنة، حتى كان قد أتم حفظ القرآن الكريم على خير وجه.

    وبعد، فهذه أهم النصائح والوصايا التي فتح الله بها على عبده لتكون عونا للوالدين على تربية أولادهم ورعايتهم، ويبقى على رأس ذلك كله عون الله تعالى وتوفيقه، وهدايته ورعايته، وذلك حليف من توكل عليه سبحانه ولجأ إليه، وأكثر من الضراعة والتذلل بين يديه، وما أصدق ما قال الشاعر:

    إذا لم يكن عون من الله للفتى فأول ما يقضي عليه اجتهاده

    اللهم نسألك بأسمائك الحسنى ، وصفاتك العليا أن تهدي أبناءنا وبناتنا، وأبناء المسلمين أجمعين وبناتهم، إلى دينك الحق وصراطك المستقيم، وأن تجعلهم قرة عين لنا ولهم، وأن تشرح صدورهم، وتيسر أمورهم، وترزقهم الإيمان والحكمة، والصحبة الطيبة الصالحة، وتحفظهم من رفاق السوء ودعاة الشر، وأبواب الفتن ومزالقها، وأن تجعلهم قوة للإسلام وأهله في كل مكان، وعزة للأمة في كل ميدان:
    "ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين وأجعلنا للمتقين أماما" (سورة الفرقان، الآية: 74).