ثقافة العنف عند الأطفال

  1. #1
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    ثقافـة العنـف عند الأطفال
    شاكر سعيد*
    لا يعد العنف ثقافة للأطفال فحسب، وإنما هي ثقافة/ طبيعة بشرية يحملها الكائن البشري ويعتبرها إحدى اللوازم الضرورية في حياته لإعادة التوازن اثر مواقف يعدها هجوما ضد ذاته وممتلكاته. فهو إذن يميل إلى استعمال آليات الدفاع لتلافي التلف والخسارة من الناحيتين المادية (الجسد والأموال والممتلكات والأولاد..) والمعنوية (الحفاظ على الذات والكرامة...)
    وقد يستخدم وسائل الدفاع نفسه كوسائل للهجوم وتعنيف الآخرين بوصفه جانحا/ فاسقا/ مجرما. فيشتهر الإنسان بألفاظه السيئة وأخلاقه السمجة وسرقاته وقتله وغيرها من ألوان العنف والاعتداء.
    وكل أو بعض ما سلف قوله يمرر بشكل قيم/ ثقافة إلى الأطفال عن طريق ما يسمى في علم الاجتماع بعملية التنشئة الاجتماعية أو التطبيع الاجتماعي socialization. وتارة يكون الطفل معتديا وأخرى يكون مدافعا. وكلا الحالتين توضحان لنا أن الطفل يستخدم العنف بشكل أو بآخر كإنسان في بداية انتمائه كعضو اجتماعي يتخذ دوره في المستقبل.
    هذا البحث إذن هو تحليل سوسيولوجي لدوافع وأسباب العنف الاجتماعية كون (ثقافة العنف) مؤطرة بالكيان الاجتماعي اكتسابا/ تطبيعا وليس طبعا/ وراثة.

    التمركز حول الذات والعنف
    للطفل ميزتان رئيستان تطغيان على حياته وخاصة في سني عمره الأولى هي التمركز حول الذات (أو ما نسميه بالأنانية) وحب التملك. وكلتا الميزتين (المتلازمتين) قد تؤديان بشكل مباشر أو غير مباشر إلى العدائية والعنف.
    فثدي الأم يعدّه الطفل ملكية خاصة به. فإذا بلغ السنة أو أكثر ونافسه على ثدي أمه أخيه الأصغر عَنّ للطفل أن يصرخ ويجهش بالبكاء وعادة ما يعبر عن تمرده الطفولي هذا بعَض حلمة الثدي أو بمشاكسة أخيه الرضيع.
    وتتسع هاتان الميزتان إلى الاستحواذ على الدمى واللعب وأشياء أخرى. فإذا وجد لعبة أو سكيناً أو مطرقة... رغب فوراً في امتلاكها وربما يضعها في مكان يعود إليه متى يشاء. فيرد على من يأخذ حاجته منه بالصراخ والبكاء والمطاردة. وكثيراً ما يمتنع عن الطعام والاستحمام عند فقدانه لما يعتقده ملكاً له. ولشدة غضبه وحنقه يقوم بتمزيق ثيابه أو ثياب أمه.
    وفي بعض العوائل الفقيرة يتولد الحسد والغيرة الشديدة عند الطفل عندما يرى أبناء جيرته يمتلكون ألعاباً لا توجد عنده. فيبادر إلى المشاجرة مع الأطفال عند اللعب معهم (وخاصة عندما لا يرغبون به كلاعب) أو تكسير ألعابهم أو سرقتها. وعند عدم تمكن الأسرة من تطمين حاجة الطفل للألعاب فانه يترك المنزل ويقضي فراغه في بيوت الجيران أو الأقارب حيث يتوفر ما يبتغيه لنفسه من اللعب ومشاهدة التلفزيون...
    حب التملك يؤدي به في بعض الأحيان إلى (الجنوح البريء) متمظهراً في السرقة والنشل للنقود أو الدمى والملابس... إذ يعّد أن ما يسرقه يكمل نقصاً في طفولته. فهو بحاجة دائماً إلى محرك لحياته. واهم المحركات هو (اللعب والاقتناء) أي التملك.
    في الحقيقة أن حصر الطفل لما يدور حوله في ذاته هي من نوع الأنانية التي تطغى على سني حياته الأولى خاصة في مجالي اللعب وتملك الأشياء. ففي اللعب ينشغل الطفل عما حوله وينسى الأسرة وأوامرها ومقيداتها. فقد حجّم كل مظاهر الدنيا إلى وقت قد يقصر أو يطول في اللعب. لذا فإن مناداة احد أفراد الأسرة للطفل إثناء اللعب يعدّه الطفل تعدياً على حقوقه. وكثير من الأطفال يرفضون الاستجابة لهذا النداء سواء داخل أم خارج المنزل ليمنح لنفسه الفرصة في التمتع. وعند إصرار العائلة على ضرورة ترك الطفل للعب لحضور مائدة الطعام أو الاستحمام فان الطفل يكون عندها في موقف الغاضب والحانق وأخيرا يرد بالعنف كضرب الأبواب أو تكسير الأواني أو ضرب من أصر على تركه اللعب.

    اثر وتأثير التلفزيون
    لا يزال اثر المشاهد العنيفة في التلفزيون على السلوك العدواني للطفل مثار جدل على الرغم من توافر دراسات كثيرة تؤيد هذا الرأي. إذ توصل بعض الدارسين إلى أن نسبة العنف على شاشات التلفزيون الأمريكية هي 80 % من كل البرامج المعروضة. وبسبب استخدام المسدسات في الدراما الأمريكية فقد ذكرت وزارة العدل الأمريكية أن 59 % من جرائم الأطفال والشباب استخدم فيها المسدس كأداة جرمية وذلك سنة 1976 (قنص، 101- 102).
    وفي الواقع يمكن معالجة الأمر من زاويتين (الأثر والتأثير): الأولى هي الانطباع والثانية هي الاستجابة. وهي تعتمد بدرجة كبيرة على نوعية الطفل من جهة ودرجة تربيته من جهة ثانية.
    فمن الناحية الأولى (أي الأثر): عند مشاهدة الطفل لمشاهد عنيفة في التلفزيون تكون مثيرة له فإنها تطبع في ذهنه ونفسه وذلك أولا لوجود الصراع في الحياة، وثانيا في إمكانية سحق الآخر (الطفل الآخر) والرد عليه بقسوة.
    فمن الطبيعي أن هذه المشاهد توضح للطفل والمتلقي بصورة عامة إن طابع الحياة هو طابع صراعي يتمثل بين طرفين هما الخير والشر. وهناك بالتأكيد غالب ومغلوب. ومهما كان البطل في المشهد ضعيفاً فان الطفل سينحاز إليه وفي الوقت نفسه يأخذ شيئاً من لبوس الطرف المعتدي على البطل في حالة قوته.
    ادوار البطولة هذه واستمرارية وجود الغلبة وحالة الصراع الدائمة ربما لا يتمثلها الطفل شعورياً، لكنها قد تنساب لا شعوريا وتترسب في العقل الباطن وتبقى بشكل اثر أو انطباع سطحي يتمظهر احياناً في شكل بريء كالإعجاب بالبطل، أو التغني باسمه.
    ولكن الشيء المهم في الأمر هو إمكانية الطفل لتمثل دور البطل وتقليده في مواقف اللعب والشجار مع الأطفال. فمن منا لم يشاهد طفلا يحمل لوحاً خشبياً يرمز إلى السيف أو قوساً لرمي السهام أو مسدساً بلاستيكياً... يحارب به أعداءه الذين يتخيلهم في حالة فانتازيا بطولية طفولية. والشيء الأهم من ذلك أن هذه التمثلات قد تتحول إلى أذى فعلي بقصد أو غير قصد على الأطفال.
    هذا التأثير للمشاهد التلفزيونية قد يمتد سعة في حال تكرار المشاهد نفسها على مددٍ متناوبة. عندئذ تترسخ في ذهنية الطفل صورة لا تمحى بسهولة من أدوات الاعتداء ونتائجه ربما تؤثر على سلوكياته في المستقبل.
    فما زلت أتذكر في طفولتي إعجابي بالمسلسل الصيني (حافات المياه) والمسلسل الكرتوني (مغامرات الفضاء) والسندباد. وكنت أشاهد كيف يتمثل الأطفال أدوار (لي شان بو وكرانديزر...) وكيف يستغلون صحون الطعام بوصفها (الصحن الدوار) الذي استعمله كرندايزر أو التقاذف بالحجارة بوصفها حِممْ الزعيم (كندال) في الكوكب المعادي للأرض.
    وعلى الرغم من براءة التقليد والتمثل إلا أنها كانت تفضي في بعض الأحيان إلى الأذى والشجار بين الأطفال. أتذكر كيف أن أحد الأطفال أراد تقليد كرندايزر في رمي (الصحن الدوار) وكانت بيده حلقة حادة شبيهة بالصحن المذكور. فرماها لأحد أصدقائه قائلا (إليك الصحن الدوار) واخذ الصحن يدور في الهواء لخفته يتماوج حتى وصل إلى وجه الطفل وشج جبهته من جهة الحاجب وسالت الدماء. فاندهش الطفل الرامي الذي لم يكن يتصور إصابة الهدف وبفعل إيذائي بهذا الشكل ففر هاربا لا يلوي على شيء. وبقي اثر الشج موجودا لسنوات ولا ادري هل اندمل أم لا؟ ولا تسأل عن أم الطفل التي (هوّست) وصرخت بالويل والثبور على الطفل المعتدي وأمه التي(لا تعرف أن تربي أطفالها)
    ولكن كيف ولماذا تؤثر مشاهد العنف التلفزيوني في السلوك العدواني للطفل؟
    إن الطفل من اشهر المقلدين وخاصة للمواقف والمشاهد غير المألوفة والمثيرة. إذ إنها تضع في حياته اليومية شيئاً جديداً يرغب به أو يجد فيه المتعة. فالسكونية وعدم التجدد تؤديان بالطفل إلى الضجر والكسل. لذا فان الطفل دائم الصياح والتذمر عند انعدام المثير في حياته. ومن هنا فإنه يبتدع أي موقف أو حركة في سبيل اللهو وتجديد الأحداث.
    ولا يقتصر الأمر على المشاهد التلفزيونية بل يتعداه إلى مشاهد المباريات الرياضية ككرة القدم والألعاب العنيفة كالملاكمة والكاراتيه والمصارعة. فقد عرفت اطفالا تمثلوا في ذواتهم ومن ثم في لعبهم شخصيات رياضية عالمية. وحالما يبدأ اللعب يرغب الطفل مقدماً في الفوز بناء على شهرة تلك الشخصية التي اشتهرت بانتصاراتها في المباريات. وخسارة الطفل تعني انتكاساً لتلك الشخصية بالشكل الذي لا يقبله لذاته.
    نظير ذلك الطفل الذي أحب اللاعب البرازيلي رونالدو فقد لاحظته يعلق صوره في غرفته ويشتري القميص الأصفر (البرازيلي) ويردد اسمه دائماً. وفي اللعب يزاحم بقية الأطفال على الكرة ويستحوذ عليها دونهم كونه الأقوى والأكبر ولان رونالدو اخذ جزءاً كبيراً من ذاته. ولكن عندما يأخذ أحد الأطفال منه الكرة أو (يحتجزه) أو يفوز عليه فانه ينتفض غضباً ويتشاجر بقوة ويضرب ويشتم.
    إن الاعتياد على (التعملق) يؤدي بالطفل إلى أن يكون عدائياً ومستأسداً ويرفضه أو يخاف منه الصغار ويتهيبون كثيراً من الاقتراب منه أو مداعبته والتحرش به أو ملامسة حاجاته. مثل هذا الطفل لم يصل بسهولة إلى هذا المطاف. فقد يكون الأب مثلا ذو هيبة داخل أسرته ومحلته ويتحسب منه الآخرون ويتوقعون منه الأذى في مواقف لا تسره. والولد على سر أبيه كما يقال. فمن المحتمل جدا أن هيبة الأب وصرامته تجاه الآخرين قد نقلت إلى الابن عبر وسائل التربية داخل الأسرة والتنشئة الاجتماعية في القرية والمحلة السكنية. كما أن قيمة الهيمنة وإخضاع الادنين مازالت شائعة في مجتمعنا (جيدوري، 172)، لذا يعتاد الطفل على نقل هذه القيمة من الأسرة إلى أقرانه فيكون متسلطا واستبداديا.

    عنف المسرات
    من بين أنواع العنف التي يجد فيها الأطفال رغبة كبيرة في ممارستها والتمتع بها هو ما اسميه عنف المسرات pleasure violence وهو العنف الذي تكون المواقف السارة والمفرحة كالضحك والتلقيب والتمثيل... دافعاً ومسبباً رئيساً له.
    فالطفل الذي يعاني من تشوه خلقي أو عاهة مستديمة يكون مثاراً للسخرية والضحك من قبل غيره. إذ للأطفال متعة كبيرة في تلقيب من يجدون فيه عضواً ناقصاً أو حتى غريباً (أبو خشم، أبو حلك، أبو أذان...) ويشتهر تلقيب الأطفال لبعضهم بعضاً في مواقف معينة بعيدة عن العاهات كالتلقيب باسم الأم (ابن ميسون، ابن سنية..) أو بماضي الأخت أو الأم (ابن العاهرة) أو ماضي الطفل نفسه.
    لقد شاهدت أخوين يحمل أحدهما الضغينة للآخر بسبب تمييز الأم في المعاملة لكل منهما ورأيت الأخ الأصغر(القريب من قلب الأم) يريد النيل من أخيه الأكبر بالسخرية وذلك بان قال له كلمة واحدة قلبت كيانه رأساً على عقب. هذه الكلمة هي (دم) وكلمة دم تعني الاتصال الجنسي. وحصل هذا الأمر أكثر من مرة وانتهى بشجار عنيف بين الطفلين وبقي الطفل المعنف في ألم نفسي هائل لم تهدأ ثائرته إلا في أوقات اللعب والتشجيع مني على ضرورة نسيان مثل هذا الموقف.
    ولكن لماذا يعير الطفل غريمه بأمه أو أخته ولا يعيره بالأب أو الأخ؟
    السبب كما أراه عائد إلى أن مجتمعنا اعتاد تثليب الأنثى/ المرأة ووصفها بالعورة (العار). حيث أخذ يستفيد من مفهوم العورة في الفقه الديني بصفة أن المرأة عورة أي شهوة وحوره أو نقل معناه من الشهوة كمفهوم جنسي إلى العار كمفهوم اجتماعي. بمعنى أن المرأة كائن محصور (منزليا/ قرابيا/ داخليا) محظور (خارجيا/ أجنبيا). لذا فخروج المرأة هو تحول من المحظور/ المحصور إلى المباح/ المكشوف وفيه إهانة إلى الرجل وعشيرته كما يرون. لذا فالأطفال يسمعون في منازلهم وفي الأزقة إهانة المرأة من قبل البالغين. فتترسخ وتنطبع في نفوسهم وعقولهم توضيع وتشييئ المرأة. وفي الآن نفسه يأبى ذلك على أمه وأخته لصلته الدموية بهما وحتى لا يشعر بالذل والإهانة. اعرف بعض الأطفال يسخرون من غرمائهم باسم الأم والأخت وعندما يقوم غرماؤهم بالعمل نفسه ضدهم تثور ثائرتهم ويبدأ الاقتتال بينهم.
    يستغل الطفل دونية المراة اجتماعيا كفرصة للنيل من الطفل الذي اعتدى عليه بدلا من ضربه مما يسبب جرحا نفسيا قد يؤدي فيما بعد إلى تزايد المشاجرات. ويمكن للطفل أن يتفوه فقط باسم أم الطفل الغريم ليعني فيما يعنيه من مفاهيم جنسية غير لائقة.
    ويتصل بما سبق أن ينمو الطفل على تقليد عادة اجتماعية ترفع من مستوى الرجل دون المراة ومن هنا ربما نجد أن أطفالنا يرهبون الرجل (الأب/ الأخ/ العم..) ولا يعيرون المرأة (الأم/ الأخت..) أهمية كبيرة. والسبب يعود إلى أن الأب اعتاد على التسلط وإيذاء الأم والبنت وكثيرا ما يحدث ذلك أمام أنظار الطفل. فالأم والأخت هنّ كائنات ضعيفة مهانة أمام سطوة الأب والأخ الأكبر. وينتقل ذلك بالتطبيع أو التنشئة الاجتماعية إلى الأطفال الصغار الذين يقلدون هذه الأدوار فيما بعد أو يختزنونها ويرون في أمهم مخلوقا ضعيفا عديم الحيلة يسهل التحايل عليه وعصيان أوامره ورفض طلباته بل والجرأة عليه بالشتم والضرب.
    يمثل الأب والأخ الأكبر في العائلة سطوة كبيرة وهما يمثلان سطوة الأب الأكبر- أي المجتمع- لذا فهذه القوة الكبيرة تكون مرهوبة بشكل اكبر من قوة الأم التي تنحصر سطوتها (إن وجدت) داخل المنزل ولا سلطة أو سطوة لها في المجتمع الذي وضعها في قيمة أدنى من الرجل.
    فالأب والأخ الأكبر يمرران قيمة اجتماعية مهمة للطفل الصغير وهي التسلط على الآخرين من خلال التسلط على ضعفاء الأسرة. وبناء على ذلك يمتثل الطفل لأوامر ورغبات الأب والأخ الأكبر أكثر من امتثاله للام والأخت الكبيرة. فهناك قوة شخصية ومادية وعنف وزجر يستعملها ذكور الأسرة مقابل النعومة والميوعة الأنثوية. فذكور الأسرة يمثلون الخارج الأسري الذي يمرر قيم المجتمع (خاصة قيم السلطة) للوجود شبه المتواصل خارج المنزل بينما تمثل الأناث الداخل الأسري لانحصار دورها في تطمين حاجات الأسرة والمنزل.

    ويقوم بعض الأطفال بتلقيب طفل آخر باسم شخص معين. كأن يقول له (ثامر) وثامر هو شخص له علاقة جنسية مع الطفل المعنف. وتذكيره أو تلقيبه بهذا الاسم مفتاح لإثارته أو اخذ الثأر منه في الموقف العدائي.
    هناك فئة الأطفال المتخلفين عقلياً والذين لا يعرفون وسائل الدفاع عن النفس. ويكون هؤلاء محلا لإثارة الضحك والمتعة عند الأطفال الآخرين. فيستمتعون بضربهم والاستهزاء بهم بينما يكون رد الفعل من قبل الطفل المتخلف سلبياً عن طريق التشكي والتذمر.
    ويستغل الأطفال ضعف الطفل المتخلف للضحك والسخرية والاعتداء لغرض الاستمتاع مما يثير مشاعر بعض البالغين للحنو والعطف عليه ومنع الأطفال من الاقتراب منه. وأحيانا يتعرض الأطفال إلى تهييج الطفل المتخلف بسبب تكرار الاعتداء عليه مما يخزن في نفسه استثارات عنيفة ينتج عنها رد فعل ايجابي بالضرب القوي يجعل الأطفال المعتدين في موقف الندم والتخوف المستقبلي من تكرار ذلك.

    العنف عند أطفال الشوارع
    العنف عند أطفال الشوارع سمة مميزة لثقافتهم. ويمكن القول إنهم يمارسونه يوميا بسبب الانفلات من الضبط الأسري والاجتماعي. ويتعرض الصغار من أطفال الشوارع إلى اعتداء شبه مستمر من قبل الأكبر منهم سنا لغرض إخضاعهم وتسهيل قيادتهم.
    وتمارس شتى ألوان الاعتداءات على أطفال الشوارع أهمها الضرب المبرح والشتائم والألقاب والألفاظ البذيئة والاغتصاب وصولا إلى استعمال الآلات الجارحة.
    ويكثر تعاطي المواد المخدرة بين أطفال الشوارع كإحدى القيم المعبرة عن الحرية والتعارض مع الضبط الاجتماعي وكوسيلة للتهرب من الماضي الأليم الذي قذف بهم إلى الشارع.
    وهم يتعاطونه من خلال التقليد أو عن طريق إرغامهم من قبل قادة المجاميع الأكبر سنا. ولدى تعاطي الطفل للمواد المخدرة فانه لا يعود كائنا اجتماعيا متعاونا وأنيسا. بل انه يتحول إلى كائن فرد غرضه ذاته. لذا فهو لا يشعر بالذنب عند مباشرته الاعتداء على ما/ من حوله وقد يمارس الأطفال البالغون الضغط عليه لتعاطي المخدر لأجل الاعتداء الجنسي.
    في مواقف الاستفزاز التي يتعرض لها طفل الشارع وخصوصا في أوقات تعاطي المخدرات فانه يتهيج كثيرا إلى حد استعمال القوة للدفاع عن نفسه. ويشتهر أطفال الشوارع بتعيير احدهم الآخر بماضيه أو أمه فيتسبب العراك الشديد بينهم مستعملين فيه آلات جارحة (سكين، كسرة زجاج، شفرة حلاقة) وفي حال فشل الطفل في الدفاع عن ذاته فانه يوجه العدوان إلى نفسه/ جسمه. فيقوم بتمزيق جلده بشفرة الحلاقة تعبيرا عن السخط.
    لقد تعايشت مع هؤلاء مدة طويلة ورأيت الكثير منهم قد (خطط) صدره وذراعيه وكذلك رأسه بأوشام وندوب يفتخر بها كونها تدل على (رجولته). ويطلق على أحد الأطفال (أبو المواسة) لكثرة استعماله شفرات الحلاقة في تمزيق بدنه.
    وبسبب فضاء الحرية في الشارع فقد اعتاد الطفل أن يلبي أكثر رغباته في الطعام واللعب والملبس عن طريق السرقة والاستجداء. لذا فأي منع لأي رغبة ستصطدم بعنف من قبل الطفل قد تنتهي بإيذاء نفسه أن لم يستطع إيقاع الأذى في الشخص المستهدف.

    المعالجات
    من الواجب علينا بعد البحث في أسباب ودوافع العنف عند الأطفال أن نقترح أساليب المعالجة أو التخفيف منها والتي يمكن إجمالها بالاتي:
    1- متابعة الوالدين لاطفالهما بصورة مستمرة كي لا تؤدي حالات العنف بينهم إلى عواقب وخيمة كالضرب والجرح..
    2- تنمية ثقافة الاعتذار بين الأطفال في حالة الشجار.
    3- استخدام أساليب العقاب البسيطة كتأخير الطعام قليلا أو منعه من المصروف اليومي أومشاهدة التلفزيون أو اللعب... وفي حالة الاضطرار للعقاب البدني ينصح باستخدام لوي الإذن أو الضرب الخفيف على خلفية الطفل.
    4- مكافأة الأطفال على السلوك الحسن وتشجيعه على أدائه سواء أكانت المكافأة مادية أم معنوية.
    5- تنظيم أوقات مشاهدة التلفزيون والابتعاد قدر الامكان عن مشاهدة أفلام العنف.
    6- أن يكون الوالدان على درجة عالية من الوعي تؤهلهم لعدم تمييز طفل عن طفل آخر لأي سبب كان.
    7- تثقيف الأطفال بقراءة القصص المشوقة وزرع روح المحبة والإخاء بينهم من خلال تطبيق الألفة داخل الأسرة.
    8- ابتعاد الأبوين عن مواقف العنف والشجار فيما بينهم أمام الأطفال حتى لا يكون سببا لتقليدهم.
    9- عدم انفعال الأبوين عند مشاجرة الطفل مع الأطفال الآخرين وتطوير الأمر إلى خلاف مع اسر الأطفال الآخرين.
    10- اتخاذ وزارة العمل والشؤون الاجتماعية والمنظمات الأهلية دورها الفاعل في الحد من ظاهرة أطفال الشوارع وإيوائهم في دور رعاية متخصصة لغرض تطمين حاجاتهم الأساسية وتقليل تشردهم المؤدي عادة لاستفحال ظاهرة العنف.
    11- اتخاذ التدابير اللازمة لإجراء توعية إعلامية مكثفة بشأن أساليب تربية الطفل والوقاية من العنف.
    12- تكوين وحدات أو جمعيات صغيرة في المحلات السكنية من شأنها عقد ندوات وورش تعليمية لأرباب الأسر لوضع مناهج التربية في خطوات صحيحة مستمرة.
    * مدير مشروع البيت الآمن لإيواء الأطفال ذوي الرعاية الخاصة
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المصادر
    1- ادلر– الفريد (198 معنى الحياة، ترجمة محمود الورداني، دار الكتاب الحديث.
    2- البيضاني، عبد الجواد (200الأساليب التربوية الخاطئة وأثرها في تنشئة الطفل. مجلة النبأ. عدد 70
    3- جيدورالعربي. (200 كيف نربي أطفالنا.مجلة العربي .عدد 563.
    4- سعيد – شاكر (2000): إشكالية مجرم – مجتمع – مكان. رسالة ماجستير في علوم التخطيط الحضري والإقليمي. مركز التخطيط الحضري والإقليمي.جامعة بغداد.
    5- الفلق، سالم مبارك (200 هل نضرب أولادنا. مجلة العربي. عدد 567.
    6- قنص، وائل بهجت (200 التلفزيون، العنف والواقع الأمريكي.مجلة النبأ. عدد 70.
    7- كمال – علي (198 النفس: انفعالاتها.أمراضها. علاجها. ط4. دار واسط.
    الهوامش
    1 2 في أحيان كثيرة تتعدى سلطة الابن الأكبر سلطة الأب وإلام وتطغى على والديه وأخوته بقوة الأوامر والنواهي والطلبات حتى يصبح هو (السيد) والجميع خدم له. ويكون ذلك عندما يبلغ الابن الأكبر عمرا بين 20-30 سنة وأكثر وحينها يتميز بميزات:
    1- المسؤول الأول في إعالة الأسرة أو له إسهام كبير في أعالتها.
    2- له شخصية قوية يرهبها الجميع.
    3- العصبية والنرفزة والصياح العالي وكثرة المشاجرة.
    4- حضور المناسبات بدل الأب كالتعازي والأفراح والفصول العشائرية..
    5- ضعف شخصية الأب تجاهه أو قد يكون الأب ذو شخصية ضعيفة أصلا.
    ويستفيد الأخ الأكبر من أمور عدة تساعده في ذلك:
    1- سطوة الأب التي قد تنتقل بالاكتساب أو التقليد للابن ويشعر بعظمته من خلالها.
    2- جماعة الرفقة وكثرة خروج الأخ الأكبر مع رفقائه وعدم وجود المحددات على تصرفاته في الدخول والخروج. ورفقائه قد يحرضونه على ممارسة هذا النوع من السلوك تجاه الأسرة.
    والمقصود بالأخ الأكبر في هذا البحث هو اكبر الذكور ولا يشترط أن يكون اكبر الجميع.فكثيرا ما يكون الأخ الأكبر من الذكور اقل عمرا من أخواته الأناث وعلى الرغم من ذلك له القدرة على التحكم والسيطرة.


     
    آخر تعديل بواسطة المشرف: ‏30 يناير 2016
  2. #2
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    رد: ثقافة العنف عند الأطفال

    موضوع يستحق الدراسة


     
  3. #3
    loin04

    loin04 مدون

    رد: ثقافة العنف عند الأطفال

    موضوع جد مهم بوركت اخي الكريم..