الهوية المهنية للمدرس الازمة وضرورة البحث

  1. #1
    السفير

    السفير مدون فعال

    د. عبد الرحيم تمحري
    مفتش منسق بأكاديمية جهة عبدة-دكالة

    تقديم:

    على الرغم من حداثة البحث في مجال علوم التربية بالمغرب، فإن المغاربة استطاعوا أن ينخرطوا في مسيرة البحث التربوي، وفي البحث العلمي في قضايا التربية، وعلى مختلف المستويات: برامج ومناهج، بنيات ومنظمات، وكذلك فاعلين تربويين من مدرسين ومتمدرسين وإداريين ومشرفين تربويين.
    لقد تم هذا الانخراط بمساهمة مؤسسات تكوينية مختلفة وفي نفس الوقت متكاملة: كليات، مراكز تكوين، مدارس عليا… ومهما قيل عن هذه المؤسسات ووظائفها الدمجية، وكذلك عن أهداف وتوجهات البحث في قضايا التربية بالمغرب، فإن الواقعة التي تفرض ذاتها هي أن التربية أصبحت موضوع جدال واهتمام من طرف مختلف أعضاء المجتمع المغربي: مسؤولين سياسيين، مسؤولين حزبيين، مثقفين مديرين لمجلات متخصصة في التربية، أو لجرائد متخصصة في التربية، أو كتاب مهتمين، أو موظفين في مؤسسات تابعة لوزارة التربية الوطنية كما هو الحال في النيابات والأكاديميات التي أصدر البعض منها مجلات أو مطبوعات مختصة في قضايا التربية والتعليم عامة، والديداكتيك والتقويم خاصة.
    يمكن تشبيه هذه الواقعة بالمخاض السهل لا العسير، لأنه مخاض أنتج وأنجب على الرغم مما يمكن أن يقال في نوعية هذا الإنتاج. والمأمول أن يشكل هذا المخاض ركاما، يفضي بنا إلى إنتاج نظرية تربوية أو نظرية علمية في التربية، تتيح توليد الأفكار وتنظيمها في نسق محدد يتيح إمكانية الاكتشاف، وإمكانية الدحض وإمكانية التطور والتقدم.
    ليست نيتنا وراء هذا التقديم هي وضع تصنيف للأبحاث والدراسات المغربية المنتجة في مجال التربية والخروج بنمذجة معينة، بقدر ما هي إعلان عن الناحية التي تشكل اهتمامنا "الشخصي" في البحث التربوي بالمغرب، وهي ناحية العنصر البشري.
    في هذا الإطار، لاحظنا بأن المراهق كعنصر بشري وكفاعل تربوي، قد حظي باهتمام كبير من طرف الدارسين، والشاهد على ذلك كم الأبحاث التي خصصت له مقارنة مع الطفل المتمدرس أو الراشد المدرس. لا نبخس البحث في المراهق والمراهقة قيمته، بل على العكس من ذلك نثمنه وندعو إلى تعميقه وإغنائه، إلا أنه موازاة مع ذلك لا نرى سببا لإهمال الذين قال فيهما (وودوورث) "الطفل أب الرجل". فلقد همش الطفل/ التلميذ بالأساسي في البحث التربوي بالمغرب، مثلما نسي أو كاد ينسى الرجل الراشد المدرس بمختلف أسلاك التعليم بما فيها التعليم الجامعي -الذي غيب فيه العنصر البشري كمادة للبحث، وكأن هذا العنصر يتصف بتقديس متعال أو بتدنيس مخيف، يحسن تناسيه! -يدخل اهتمامنا الحالي في العنصر البشري بالتعليم الثانوي، وخاصة الراشدون، من المدرسين - وليس الإداريين- من الناحية النفسية الاجتماعية والتربوية. أما نواة هذا الاهتمام فهي "الهوية المهنية لهؤلاء المدرسين" في علاقتها ودورها بتوافقهم النفسي والاجتماعي والمهني. إذ لا يخفى أن أي رضا عن الذات إلا وينعكس على مختلف المجالات التي تعمل فيها هذه الذات وتتفاعل اجتماعيا ومهنيا وغيرها. وأن أي سخط على الذات إلا وينعكس سلبا على المجالات التي تتفاعل فيها هذه الذات. كما بات معلوما أن نوع المشاعر التي يحملها المدرس عن ذاته -سلبية أو إيجابية كانت- إلا وتنعكس على ذوات المتمدرسين، وبالتالي على باقي أنشطتهم وتفاعلاتهم المختلفة.



    1 ـ الهوية المهنية كمفهوم وكواقع:

    1-1-طرح المشكل:
    من دون شك أن مفهوم الهوية المهنية لدى المدرسين المغاربة يطرح أكثر من تساؤل، وعلى سبيل المثال:
    ـ ما مدى إجرائية هذا المفهوم في واقع مهنة التدريس في المجتمع المغربي؟
    ـ هل يمكن الحديث عن هوية مهنية في التدريس وكذلك عن هويات مهنية أخرى؟
    ـ هل يمكن تبني هذا المفهوم في معزل عن مفهوم الهوية الشخصية أي هوية الأنا للفرد في علاقتها بالهوية الاجتماعية للفرد من خلال سيرورة التنشئة الاجتماعية لهذا الفرد؟
    ـ ما مدى مشروعية استعمال هذا المفهوم لدراسة المدرس المغربي بالمقارنة مع مفاهيم أخرى كالدور والتمثل مثلا؟ أليس في استعارة هذا المفهوم من العلوم الإنسانية الغربية -علم النفس وعلم الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي- للاشتغال به في واقع التدريس بالمغرب، نوعا من المماثلة بين واقعين متنافرين ومختلفين على مستوى الهوية الثقافية-الحضارية؟
    هذه التساؤلات تدعونا إلى نوع من الحيطة والحذر واليقظة على المستوى الابستمولوجي وكذلك على المستوى المنهجي، وعلى الاحتراس من التطبيق الآلي الميكانيكي لمفاهيم أو أدوات مستعارة من واقع مغاير لواقعنا.
    إلا أن حقيقة عادية وبديهية تصادفنا وهي أن الأشخاص عندنا عادة ما يقدمون أنفسهم بعضهم أو لغيرهم انطلاقا من المهنة التي يزاولونها. بل نكاد نجزم في اعتبار أن بطاقة الهوية التي يصطلح عليها ببطاقة التعريف تحمل خاصية مهمة على أساسها يتم تقدير الشخص أو عدم تقديره وهي المهنة. كما لا يخفى كذلك أن واحدة من المحددات التي على أساسها يتم اختيار العينات في الأبحاث العلمية، وتفسير نتائج تلك الأبحاث هي المعطى أو المستوى السوسيو اقتصادي، والذي يقصد به عادة دخل الأفراد انطلاقا من التصنيف الموضوع لمهنهم أو لأنشطتهم الاقتصادية. وبهذا المعنى تعتبر المهنة محددا أساسيا للهوية النفسية الاجتماعية للفرد، ولهذا نتكلم عن هوية مهنية عامة، وعن هوية مهنية خاصة بالمدرسين. والأسئلة التي يمكن طرحها بصدد هوية المدرس المهنية هنا هي:
    ما نوع هوية المدرس المغربي المهنية؟
    ما نوع الصورة التي يحملها المدرس المغربي عن ذاته في المهنة؟
    ما هو التأثير الذي يمكن أن تحدثه هوية مهنية سلبية على توافق المدرس نفسيا واجتماعيا ومهنيا؟

    2.1-التأطير النظري:
    يفرض البحث ضرورة التموضع في خلفية نظرية تشكل القاعدة الموجهة للبحث حتى تكون له مشروعية الانتماء إلى اتجاه نظري مشهود له بفاعليته في مجال العلوم الإنسانية عامة وعلوم التربية خاصة، يساعد على التفسير بعد تحقيق الفهم. كما يفرض في نفس الوقت تأطيرا نظريا لمفاهيمه الأساسية التي سيشتغل عليها وبها.
    بالنسبة لنا، تمثلت الخلفية النظرية التي استندنا إليها في النظرية الفينومينولوجية لكارل روجرز. فروجرز اهتم بالبحث في الذات، والتنظير لها، وعمل على علاجها انطلاقا من الثقة التي ينبغي -في نظره- إرجاعها إلى الزبون -أو العميل كما يصطلح عليه- فشخص الإنسان أهم من أي شيء آخر، والأهم في الإنسان أن يتقبل ذاته كما هو، ويرضى عن ذاته باعتبارها خاصة به دون غيره، وبذلك يتمكن من أن يصير ويتغير نحو الأحسن، فللإنسان طاقات داخلية عظمى يكفي أن يؤمن بذاته ويتقبل ذاته ليستثمر تلك الطاقات الداخلية بما يعود عليه بأفضل النتائج، ولذلك سمى طريقته بالعلاج المتمركز حول الزبون. اهتم روجز بالتدريس والمدرس والتلميذ والبيداغوجيا من خلال ممارسته للتدريس سنين طويلة، ثم بالبحث والكتابة والتنظير للتدريس. وبصفة عامة يمكننا القول إن نظريته في التدريس هي نقل لنظريته في العلاج. فالمدرس بالنسبة لروجز هو أولا إنسان وليس بآلة أو بمنفذ. وخاصيته كإنسان تتحدد في أنه ذات فريدة تتميز بالوعي والإرادة والعطاء والإبداع. ولكي يحقق المدرس أو يساعد على تحقيق ذوات الذين يعلمهم، عليه أن يحقق ذاته أولا ويرضى عنها عامة، وداخل مهنته خاصة، وبذلك يحترم شخص كل متعلم ويسهل التعلم بتحقيق التواصل بينه وبين المتعلمين ثم بين المتعلمين ذواتهم. إذن تقبل الذات هو شرط تطويرها وتحققها وإبداعها، وكذلك شرط تطوير الآخرين وتحقيق ذواتهم بالتعلم وفي التعلم.
    إن تفصيل هذه الخلفية النظرية للمدرسة الفينومينولوجية لروجز -والتي اخترناها كقاعدة نظرية، نؤجله لنقف الآن عند التنظير للمفهوم الأساسي الذي سنشتغل عليه وبه وهو مفهوم الهوية المهنية.
    لقد سلفت إشارتنا عند طرحنا للمشكل بأن قدمنا تحذيرا في صيغة التساؤل التالي: هل يمكن الحديث عن هوية مهنية وبالتالي تبني هذا المفهوم في معزل عن مفهوم الهوية الشخصية أو هوية الأنا للفرد في علاقتها بالهوية الاجتماعية له من خلال سيرورة التنشئة الاجتماعية لهذا الفرد؟
    بهذا المعنى فالهوية هي نتاج التنشئة والتربية. والهوية المهنية هي بعد من أبعاد هوية الشخص النفسية والاجتماعية، ولكنها في نفس الوقت محددة لأنماط من تفاعلات هذا الشخص في المجالات الاجتماعية التي يتواجد فيها وينشط داخلها كراشد مسؤول عن مهمة تربوية، ويلعب دورا متشابك الجوانب داخل تلك المهمة.
    وفي نظرنا، فالتأطير النظري لهذا المفهوم لا يمكن أن يتم في معزل عن هذا التحذير أعلاه، وفي غياب المساهمة الأساسية التي قدمها إريك إريكسون في هذا المجال.
    وتنبع أهمية إريكسون في تقديرنا من كون كل الإشكالات والقضايا التي ستطرح لاحقا أو ستتم بلورتها وصياغتها بخصوص "الهوية" وجدت منطلقها في عمله الأساسي: "المراهقة والأزمة: البحث عن الهوية"(1). كما سنجد أن الهوية كتعبير عن مفهوم الذات، في أهم المدارس والاتجاهات النظرية التي تناولته وهي الفينومينولوجيا والتحليل النفسي، قد عالجها إريكسون وهو بصدد البحث عن المصدر النظري لهذا المفهوم على المستوى التاريخي، في شخص وليام جيمس وسيغموند فرويد. مثلما عالج مفهوم الأزمة، وتكامل الذاتي والاجتماعي في مفهوم الهوية. كما لا يفوتنا أن نشير إلى وقوف إريكسون على الهوية في العمل، مستندا على فرويد، الشيء الذي دفعنا إلى مراجعة اختيارنا النظري الذي اعتمدنا عليه كخلفية ومرجعية وهو الفينومينولوجيا، لنرى ضرورة تكميله بالتحليل النفسي حتى لا يكون اختيارا أعرجا يمشي على رجل واحدة. أو ليس إريكسون ذاته متموضعا داخل التحليل النفسي وفي نفس الوقت داخل علم النفس الاجتماعي؟
    3.1-الهوية كمفهوم مجدد:
    يلاحظ إريكسون بالقول "إنني أفضل الحديث عن "الشعور بالهوية" عوض "البنية الطبيعية" أو "الطبع القاعدي Caractère de base " على مستوى الأفراد كما على مستوى المجموعات، أما على مستوى الأمم، فإن المفاهيم الإكلينيكية تدفعني إلى التأكيد على الوضعيات والتجارب وأنماط السلوك التي من شأنها أن تثير الحماس في الشعور الوطني بالهوية أو تعرضه للخطر، عوض التأكد على الطابع الوطني الثابت"(2).
    يظهر أن إريكسون بهذا المفهوم، عمل على تجاوز علم النفس الكلاسيكي ومفاهيمه القديمة كالطبع، وأسس مفهوما إجرائيا، عمل على تتبع نشأته سواء التاريخية غير المفكر فيها لدى وليام جيمس وسيغموند فرويد من جهة، وعمل على تتبع نمو الكائن الإنساني نفسيا واجتماعيا عبر مراحل عمره حيث وقف على أزمات للهوية ليس فقط على تلك الأزمة التي عادة ما تقترن بالمراهقة، على أنه بين أن مفهوم الأزمة يفهم بمعنى المنعطف لا بمعنى الكارثة. في هذا الصدد، يقف إريكسون على الأهمية الإجرائية لمفهوم الهوية بالإشارة إلى "أن دراساتي وإسهاماتي في البحث الطولي علمتني أن أحترم بشكل كبير دينامية والثروات الشخصية للأطفال، ومكنتني من وضع الخريطة البيوغرافية لأكثر من خمسين طفلا خلال عشر سنين مما مكنني من إنجاز التقرير الذي أستغله في بحثي هذا، لكن علي أن أعترف أن مفهوم الهوية لوحده هو الذي ساعدني على فهم نمو شخصية أولئك الأطفال"(3).
    مفهوم الهوية، إذن مفهوم مجدد للبحث في التصرف على مستوى الأفراد والمجموعات، ومتجاوز للمفهوم الكلاسيكي "الطبع". ولعل إجرائيته التي ظهرت في الدراسة الإكلينيكية الطويلة لشخصية الأطفال، نسحب على فئات أخرى عند دراسة شخصيتها كما هو الحال لدى المراهقين بشكل خاص. وكذلك لدى الراشدين والشيوخ.
    ربما تطلب فحص "تجديد المفهوم" كثيرا من الإيضاح لما جاء به هذا المفهوم على مستوى اضطراب أو تناسق الشخصية، انحلال أو اتحاد الأنا، إلا أن هذا الفحص يتطلب متابعة للمفهوم قد نقف عليها لاحقا في موضوع آخر.

    4.1-الهوية وأزمتها وضرورة التحديد:
    يفتتح إريكسون كتابه "المراهقة والأزمة: البحث عن الهوية" بالحديث عن ضرورة إخضاع مفهوم الهوية إلى مراجعة، وذلك بإعادة تسطير الخطوط الكبرى لتاريخه. فمنذ السنوات العشرين حيث تم استعمال هذا المصطلح لأول مرة بالمعنى الخاص الذي سيتم استعماله في هذا الكتاب -أي كتاب إريكسون- أصبح استعماله الجاري أكثر تنوعا ومحتواه المفهومي أكثر اتساعا، لدرجة يبدو معها أن الوقت قد حان لإقامة تحديد دقيق لما هي الهوية ولما ليست إياه. ومع ذلك، فإن المضمون النهائي لمصطلح ما يبقى موضوعا للمعاني المتغيرة عبر التاريخ.
    يلاحظ إريكسون أنه على الرغم من تعدد استعمال "الهوية" و"أزمة الهوية" في مجالات متعددة، منها ما هو ثقافي: "أزمة الهوية في إفريقيا"، وما هو صناعي: "أزمة هوية صناعة الزجاج في بيتسبورغ"، وما هو علمي: "أزمة هوية التحليل النفسي"؛ فإن بعض المختصين في العلوم الاجتماعية هم الذين حاولوا أن يصلوا إلى تخصيص أكثر في استعمال عبارات مثل "أزمة هوية"، "هوية الذات" أو "الهوية الجنسية"، وأن يطبقوها على كل موضوع قابل للقياس… كما أنهم يجهدون من أجل جعل تلك العبارات قابلة للتطبيق على الأدوار الاجتماعية، والملامح الطبيعية، والصور الواعية بالذات.
    كما يلاحظ أنه أمر متقدم ألا تثير كلمة "أزمة" فكرة الكارثة، بل أصبحت اليوم مرادفة لمعنى المنعطف الضروري واللحظة الحاسمة في التطور الذي يكون عليه أن يختار بين الطرق والوجهات التي تتوزع داخلها مصادر النمو وإعادة التأسيس والتمايز اللاحق.
    لن نقف هنا عند مفهوم ّأزمة الهوية" مع إريكسون، حيث استعملت هذه العبارة لأول مرة بقصد إكلينيكي خاص في مؤسسة لإعادة توافق(*) قدماء المحاربين أثناء الحرب العالمية الثانية، وذلك في وضعية وطنية مزرية جعلت الأطباء العقليين من مختلف الاتجاهات يتعاونون على التخفيف من معاناة أولئك الجنود الذين تعرضوا لصدمات رضية traumatisant، وبالتالي فقدوا تحت تأثير ضراوة الحرب معنى هو يتهم الشخصية، واستمراريتهم التاريخية، فهم أصيبوا في الموجه الرئيسي والمركزي لشخصيتهم، مما يمكننا من الحديث عن فقدان أو ضياع "الهوية الأنا"(4) وعن أزمة الهوية لدى المراهقين حاليا، مع ضرورة التنبيه إلى أن مفهوم الأزمة كما يوضح إريكسون، ينطبعه على كل الأعمار حتى على الشيوخ، مما يبين عدم اقتصاره على الطفل والمراهق.
    5.1-في تاريخية مفهوم الأزمة:
    الحجتان اللتان يقدمهما إريكسون لتحديد تاريخي نظري مضبوط لهذا المفهوم، تتعينان في سيكولوجيتين يقوم على قاعدتيهما فكرنا المتعلق بالهوية، يمثل الأولى وليام جيمس، ويمثل الثانية سيغموند فرويد؛ فالهوية كشعور ذاتي وقوي بوحدة الشخصية واستمراريتها الزمنية إنما يعود إلى وليام جيمس(5)، أما المعلم repère الثاني لتحديد الهوية في معناها كوحدة للهوية الشخصية والثقافية المتجذرة في قدر شعب قديم(*) فيتعلق بسيغموند فرويد، وذلك في خطاب له سنة 1926، حيث ستكون المرة الأولى التي يستعمل فيها فرويد مصطلح الهوية وإن كان أساسا في المعنى الإثني(6).
    قيمة هاتين الحجتين تظهر في نوعية الشاهدين (جيمس وفرويد) ونوعية إسهامهما في علم النفس عامة وعلم نفس الأنا ومن ثم الهوية خاصة. وعلى الرغم من عدم وقوفنا بتفصيل على مضامين كل منهما حاليا، تكفينا الإشارة إلى التيارين الأساسيين في سيكولوجية الهوية، إنما يرتدان إليهما، أعني التيار الفينومينولوجي، والتيار التحليل-نفسي، أي الشعوري واللاشعوري.

    6.1-في سبيل تحديد إجرائي للمفهوم:
    المفيد في عمل إريكسون هو تلك التحديدات التي يدققها للهوية والتي يمكننا أن ننطلق منها على أساس أنها مفاهيم للاشتغال الدقيق.
    عندما نتكلم عن الهوية -يقول إريكسون- فالأمر يخص "سيرورة متموضعة في قلب الفرد وكذلك في قلب ثقافة المجموعة، سيرورة تؤسس عمليا هوية هاتين الهويتين (الفرد والجماعة)"، وبمصطلحات علم النفس "فإن تشكل الهوية يشرك معه سيرورة للتفكير وللملاحظات المتزامنة مع هذا التفكير. فهي سيرورة نشيطة على كل مستويات الاشتغال العقلي الذي بواسطته يحكم الفرد على ذاته تحت ضوء الوسيلة التي يكتشف أن الآخرين يحكمون بها عليه عند مقارنته بهم، وبواسطة نمذجة typologie تعتبر دالة ضوء الكيفية الشخصية التي يدرك بها ذاته، بالمقارنة معهم، وبالنماذج التي تكتسي أهمية في نظره"(7).
    يلاحظ إريكسون أن هذه السيرورة -لحسن الحظ وللضرورة كذلك- هي في أغلبها لا واعية، ما عدا في الحالات الاستثنائية التي تتضافر فيها الشروط الداخلية والخارجية من أجل تعزيز الوعي بهوية متألمة أو متحمسة. كما أن هذه السيرورة هي دائما موضوع للتحول والارتقاء، وهي في الشروط الملائمة والممتازة تحدد مسار تمايز نمائي تجعل الفرد واعيا بالحلقة الممتدة للكائنات التي لها معنى بالنسبة له، بدءا من الأم إلى كافة "النوع البشري".

    7.1-الجانب العلائقي في الهوية بين ما هو شخصي وما هو اجتماعي:
    يرى إريكسون أن النقاش حول الهوية لا يمكن أن يفصل النمو الشخصي عن التغيرات والتحولات الاجتماعية. وفي الواقع، يمكن تصور التفاعل الكلي بين الاجتماعي والنفسي، التاريخ والنمو، والذي يكون تشكل الهوية تجاهه ذا قيمة نموذجية، كنوع من النسبية النفسية الاجتماعية. وهنا نجد أنفسنا أمام واقعة هامة هي أن لا "الأدوار" التي يتم لعبها بطريقة متبادلة، ولا المظاهر الخالصة للوعي بالذات، ولا الاتجاهات الخالصة للنشاط الحيوي) إنما تمثل فقط المظاهر السائدة لما يمكن أن نسميه اليوم بـ "البحث عن الهوية"؛ فالهوية ليست أبدا "قارة" ولا "منتهية"(8).
    من هذه الناحية، يوجه إريكسون النقد لمنهج التحليل النفسي الكلاسيكي الذي لم يتمكن من الإمساك بمفهوم الهوية لعدم تطويره للمصطلحات الضرورية لمفهمة المحيط. كما أن بعض العادات النظرية في التحليل النفسي -من مثل تعيين المحيط "كعالم خارجي" أو "كعالم موضوعي"- لا تمكننا من تناول المحيط كواقع حي ومجتاح لنا. لهذا السبب يقترح إريكسون أنه لأجل الإمساك بالهوية، لا بد من توفر شرطين منهجيين هما:
    أولا: أن نقوم بتحليل نفسي حاذق Subtil يمكننا من إدخال وإقحام المحيط.
    ثانيا: أن نعتمد علم نفس اجتماعي ملطف raffinée بالتحليل النفسي؛ فكل منهما حقل للبحث يصبح أكثر دقة مع مرور التاريخ(9).
    بالنسبة لنا، استفدنا من هذا الجانب العلائقي بين ما هو شخصي وما هو اجتماعي في إيجاد الحل للمشكل المنهجي الذي يمكن أن يعترض بحثنا في الهوية المهنية للمدرس المغربي، حيث اعتمدنا المقاربة النفسية-الاجتماعية مطعمة بالتحليل النفسي(*).
     
  2. #2
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    رد: الهوية المهنية للمدرس: الازمة وضرورة البحث

    جزاك الله خير الجزاء موفق بإذن الله ... لك مني أطيب تحية .