الفلسفة في البكالوريا أم أزمة تقويم الفلسفة

  1. #1
    ELHAISSOUFIMED

    ELHAISSOUFIMED مدون جديد


    الفلسفة في البكالوريا أم أزمة تقويم الفلسفة ...

    بقلم : ذ. محمد الهيسوفي

    لا مراء أن الامتحانات في مادة الفلسفة تحمل على عاتقها أكثر مما تستطيع إمكانيات الواقع التعليمي تحمله، و رغم ذلك فهي تشكل وضعا قائما في ظل غياب بديل للكتابة الإنشائية في الفلسفة التي أصبحت بمثابة فزاعة Épouvantail تثير مخاوف متزايدة ترقى لدى بعض التلاميذ إلى درجة الرهاب Phobie خاصة و أن وضعيتهم أثناء استعدادهم لها وأثناء اجتيازها وترقب نتائجها،تخلف وضعا انفعاليا قد ينعكس على تكوينهم النفسي . هذا ما جعل امتحانات هذه المادة مشجبا تعلق عليه الكثير من الاختلالات التي تنضاف إلى صعوبة تدريسها أصلا، لدرجة أن البعض أبدوا انزعاجهم من الامتحان فيها وأفصحوا عن عدم جدواه تحت طائلة تحوله إلى يناصيبLoterie تتغير فيها حظوظ التلميذ بـ 180° مادام التلميذ في اختبار واحد يمكن أن يكون ناجحا كما يمكن أن يكون راسبا، وذلك حسب المصحِّح.بل إن آخرين -ألقوا بالطفل والماء- ذهبوا إلى حد التبرؤ من امتحان الفلسفة ومن مادة الفلسفة نفسها فدعوا إلى إلغائها وإيصاد أبواب أقسامها مادام يدرس فيها ما لا يدرس ومادام يقوم فيها ما لا يقوم...
    أما على صعيد الدوسيمولوجيا ( علم الامتحان) فإن أهم تبرير يمكن أن نلتمس فيه مشروعية توجسات هؤلاء، هو بروز مجموعة من التساؤلات حول مصداقية وثبات و موضوعية و صلاحية وحساسية الامتحانات في مادة الفلسفة . رغم أن ما يبعث على الحيرة هو كون أكثر الدول تجذرا في التفلسف بدورها لم تجد بعد حلولا للمعضلات التي تطرحها هذه التساؤلات _طبعا مع فارق كون هاته الدول لا يقع فيها تسرب أو خطأ يشوش على إجرائها و لا تكل من البحث في السبل الكفيلة بتجويد التربية والتكوين ولا تعتبر المدرسين سببا في هزالة النقط و تدني المستوى و لا تعلق عطب التعليم على التغيب الفيزيقي للأساتذة بل تتصدى للتغيب الذهني لأنه الأخطر ... _ :
    * سؤال المصداقيةla crédibilité

    الالتباس السائد الذي تقع فيه الممارسات التربوية السائدة في المؤسسات التعليمية_ هذا الالتباس لا يمس مادة الفلسفة وحدها بل يشمل كل المواد_ هو المزج بين التقويم والتنقيط حتى أن التلاميذ تعودوا على الربط بين التقويم والنقطة إلى درجة أن الحافز على إنجاز أعمالهم أصبح مرتبطا بالنقط.وهذا ما تعززه مقتضيات التقويم الإجمالي الرسمية والتي تملي الأخذ بعين الاعتبار النقطة ولا شيء غير النقطة و التي يرتب التلاميذ بموجبها حسب درجة الاستحقاق مما قد يجعل نشاطهم غير ذي قيمة إلا بقدر ما يضمن من نقط جيدة، بحيث تصبح المعارف في شكلين: معرفة نافعة لها علاقة بالامتحان،ومعرفة زائدة ليس لها علاقة مباشرة به.
    إن التساؤل الجوهري المطروح هنا هو : هل بالضرورة يدل حصو ل التلميذ على نقطة جيدة في الفلسفة على أنه اكتسب كفايات الدرس الفلسفي ، أم أن النقطة قد تكون لها علاقة بأي شيء آخر عدا الفلسفة؟؟؟

    * سؤال الثباتla fidélité

    في إحدى الدراسات (LAUGIER 1930 ) حول الموضوعية في التقويم تم تصحيح مائة وستة وستين اختبارا مقاليا من طرف أستاذين مختلفين، كل منهما تولى تصحيح نفس الأوراق على حدة ودون علم الطرف الآخر. ماذا كانت النتيجة؟
    - الذي حصل على الرتبة الثانية عند أحدهما صنّف في المرتبة ما قبل الأخيرة عند الثاني.
    - نصف الذين حصلوا على المعدل عند الأول لم يصلوا عتبة النجاح عند الثاني.
    - الانحراف في التنقيط لورقة واحدة وصل تسع نقط، و نفس التلميذ منحه المصحح الأول النقطة 5
    في حين منحه الثاني النقطة 14.
    السؤال الذي طرح: هل أصبح اختبار المقال مسألة حظ ولعبة يناصيب؟
    دراسات أخرى بما فيها النزر القليل من الأبحاث المغربية نتائجها على العموم لم تختلف عن الدراسة السابقة.و اثبتت أن اختبار المقال خاصة في مادة الفلسفة أكثر خيانة وأقل ثباتا.
    و إذا كانت الأنظمة التعليمية المتقدمة قد قطعت أشواطا مهمة للتغلب على هذا المشكل فإن من بين الأسئلة التي كان من المفروض على وزارتنا الوصية أن تخصص له حيزا ضمن خطة إصلاح الإصلاح سؤال: ما البدائل الممكنة لتجاوز مشكل خيانة الاختبار المقالية المتقلبة كأحوال الجو و كأسهم البورصة؟ ومتى تصبح نقطة الإنشاءات بما فيها الأدبية والفلسفية ثابتة ؟؟؟

    * سؤال الموضوعيةobjectivité l

    أثبتت التجارب الدوسيمولوجية كذلك أن المصحح لا يكون على اتفاق حتى مع نفسه، بحيث أن الورقة الواحدة لا يمنحها نقطة قارة وثابتة في فترتين زمنيتين مختلفتين وذلك بحسب سحنته النفسية .من هنا نتساءل :
    ألم يحن الوقت للتفكير في سبل القضاء على المشوشات و المثبطات و الطفيليات التي تؤثر على الموضوعية في أفق التخلص من ذاتية المصحح؟؟؟

    * سؤال الصلاحيةla validité

    تعتبر المذكرات الوزارية الخاصة بالتقويم أنه نظرا لكون المراقبة المستمرة تشكل أساس انتقال التلاميذ فإن الفروض الكتابية يجب أن تتخذ صيغة كتابة فلسفية تركيبية متكاملة (نص للتحليل والمناقشة_ سؤال إشكالي مفتوح _ قولة مرفقة بسؤال أو مطلب).
    وإذا كانت صيغ مواضيع التقويم الإجمالي النهائي لا تخرج عن نطاق ما حددته المذكرات الوزارية و الأطر المرجعية، فإن السؤال المطروح هو:
    ما مدى ملاءمة صيغ التقويم الإجمالي هاته لطبيعة الفلسفة كفكر نقدي حر ؟وإلى أي حد يتمتع الإنشاء الفلسفي بالصلاحية؟ومتى يستطيع القائمون على المواضيع الفلسفية الفكاك من لازمة حلل و ناقش؟؟؟

    * سؤال الحساسيةla sensibilité

    في الدوسيمولوجيا يعتبر التقويم ذا حساسية حينما يكون قادرا على ترتيب مفحوصين عدة في صفة سلوكية دون أن يحشر كثيرا منهم في رتبة واحدة ، وتفيد الحساسية كذلك قدرة المصحح على توزيع النقط بحسب سلم التنقيط بعيدا عن مؤثر النزعة المركزية. هذا في الوقت الذي يشتكي فيه العديد من التلاميذ من ضعف نقط مادة الفلسفة وعدم ارتقائها لمصاف باقي المواد، هكذا نجد في إحدى دراسات )1995(LEGRAND. أن من أصل 201 إنشاء فلسفيا لم يتجاوز المعدل الحسابي 6.75 كما أن أعلى النقط لم تتجاوز عتبة النقطة 13 في الوقت الذي وصلت فيه نقط الرياضيات إلى 20.
    و عندنا لا يختلف الأمر عن نتائج هذه الدراسة بل نجده أحيانا أكثر سوءا.
    فهل يعني هذا أن التلاميذ غير قادرين على تعلم التفلسف؟أم أن معايير التقويم غير دقيقة،وتتطلب الكثير من الحساسية للتخلص من عقدة فلسفة البكالوريا حتى لا تضاف هذه العقدة إلى باقي العقد الشهيرة كعقدة الخصاء وعقدة أوديب؟ وبعبارة أخرى لماذا لم يحصل أي تلميذ على النقطة 20 و لماذا سوف لن يحصل عليها أي تلميذ إلى أن تفنى الفلسفة و الفلاسفة والناس أجمعين ؟؟؟