الصحة النفسية وارتباطها العضوي

  1. #1
    أبو ياسر

    أبو ياسر مدون نشيط

    الصحة النفسية.. وارتباطها العضوي

    بقدرة الفـرد على التكيف مع الذات والمجتمع



    بقلم: د. زياد الخـالد
    يرتكز الإسلام في عملية بناء الفرد على أسلوب علمي ،يتمثل في الحرص الشديد على توحيد القوتين الكبيرتين في الإنسان ، قوة الروح ، وقوة الجسد، ليعملا معًا لمصلحة الفرد ، ولمصلحة الجماعة، تفاديًا للازدواجية التي تعمل في أغلب الأحيان على تقوية أحد الجانبين على حساب الجانب الآخر، الأمر الذي يعود بأسوأ النتائج على الفرد ، وعلى المجتمع ، وتصيب إحدى هاتين القوتين بالشلل ،أو توجهها لغير الوجهة السليمة التي كان يجب أن تتجه إليها .

    ولا شك ان الديانات أو المذاهب الأخرى ،التي عرفتها البشرية خلال مسيرتها الطويلة،لم تولي الاهتمام بالفرد، مثلما فعل الإسلام، فقد حرص الإسلام على أن يحمل راية التوجيه، والرعاية والعناية بأبنائه ، كما حرص على أن يكونوا في أرفع المستويات الإنسانية ، من حيث ،صحة الجسد ،وسلامة العقل ، وطهارة الروح ، وأن يمثلوا في مختلف أطوار حياتهم الإنسان الحق ، الإنسان الجدير بحمل هذا الاسم ، والجدير بحمل الأمانة التي وضعها الخالق سبحانه وتعالى على عاتقه ، حينما استخلفه على الأرض .

    وترتبط الصحة النفسية ارتباطا وثيقا بقدرة الفرد على التوافق مع نفسه ، ومع المجتمع الذي يعيش فيه ، وهذا يؤدي إلى التمتع بحياة هادئة سوية ، مليئة بالحماس، وخالية من اليأس والاضطراب . وهذا يعني أن يرضى الفرد عن نفسه ، وأن يتقبل ذلك ، كما يتقبل الآخرون ، فلا يظهر منه ما يدل على عدم التوافق الاجتماعي ، كما أنه يسلك سلوكًا شاذًا ، بل يسلك سلوكًا اجتماعيًا معقولاً ، يتسم بالاتزان ، ويتصف بالإيجابية ، والقدرة على مواجهة المواقف ،ومجابهة المشاكل التي تقابل الفرد،في مختلف نواحي حياته .وعليه فان فالصحة النفسية لا تعطى للفرد،ولكنه يكتسبها بجده واجتهاده ، فكل فرد بالغ عاقل هو المسؤول الأول عن صحته النفسية ،ومسؤول عن نموها وزيادتها باستمرار.فالصحة النفسية لها مظاهر سلوكية تبدو واضحة في تصرفات الأفراد الذين يتمتعون بالصحة النفسية السليمة،والتي تنحصر في المظاهر التالية :

    الإرادة الذاتيـــة :


    عندما يجعل الإنسان صلته بالخالق سبحانه وتعالى سندًا دائمًا ، ووكيلاً ، ومعينًا ومرجعًا ،فإن هذه الصلة تجعله على الرغم من ضعفه أمام بعض ميوله الجامحة ، ورغباته الطائشة ، يستخدم عقله ، وإرادته في الضبط الذاتي . والإرادة الإنسانية تعني ميل الفرد إلى العمل ،وهي بذلك تدخل تحت حيز النزوع ، ومن الخطأ الشائع بين الذين كتبوا في علم النفس قديمًا أنهم حصروا النزوع في الإرادة ، حيث قالوا، إن الظواهر النفسية هي عبارة عن :" إدراك ، ووجدان ، ونزوع وإرادة
    ولكن الأمر ليس كذلك ، إذ ان هناك نوعا من السلوك ينزع إليه الفرد بالفطرة ، وهناك طائفة أخرى من الأعمال ينزع الأفراد إلى أدائها عن طريق العادة ، وهناك مجموعة من الأشياء يفعلها الفرد مستجيبًا إلى الميل الوجداني في داخله ، فالنزوع إذن نزوع فطري ، أي غريزي .. أو نزوع عادي ، أو نزوع إرادي والعمل الإداري الكامل المتكامل يسير في أربع خطوات وهي : الشعور بالغرض ، والروية ، والعزم ، والتنفيذ . وأن الفرد الذي يتمتع بالصحة النفسية عادة ما يكون له إرادة ، وهذه الإرادة التي يستمدها من الإيمان بالحق سبحانه وتعالى ، هي صمام الأمان لكل سلوك أو انفعال ، وقد تجلت قوة المولى سبحانه وتعالى حين أوجد الإنسان وعنده طاقة الإرادة ، ليرجح بها بين المتقابلين ، ويختار من بين الضدين ، والإنسان السوي من كان كلامه بإرادة ، وصدق الحق سبحانه عز وجل حيث يقول في كتابه الكريم :(ونفس وما سواها ،قد أفلح من زكاها ، وقد خاب من دساها ) (الشمس : 7 - 10 ) .

    أما الأفراد المضطربون نفسيًا فلا يمكنهم التحكم في تصرفاتهم ، وأفعالهم ، وانفعالاتهم وكذلك المضطربون عقليًا ، ومن ثم فلا إرادة لهم
    .
    فهم الـذا ت ومعرفة خباياها :

    تعد قدرة الفرد على فهم نفسه ومعرفتها من المظاهر الأساسية للصحة النفسية ، فالفرد المستقر نفسيًا غالبًا ما يكون لديه القدرة على فهم ذاته ومعرفتها ، ويكون هذا الفرد مدركًا لنواحي القوة والضعف في نفسه
    . فالإسلام حث الإنسان على التفكير ، فطلب منه أن يفكر في نفسه ،وفي عجيب خلقه ،ودقة تكوينه ،وهو بذلك يدفع الناس إلى دراسة النفس ، ومعرفة أسرارها ، حتى يمكنهم من أن يعرفوا قدرة الخالق سبحانه وتعالى ، ووظيفتهم في هذه الحياة ، ليعملوا على أدائها بصورة تقربهم من المولى سبحانه عز وجل ، حيث يقول سبحانه وهو أصدق القائلين : ( أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والرض وما بينهما إلاى بالحق وأجل مسمى ، وإن كثيرًا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ) (الروم : 8 ) .
    إن معرفة الإنسان لنفسه تساعده على ضبط أهوائها ، ووقايتها من الغواية ، والابتعاد بها عن الانحراف ، ومن ثم تتكون لديه الشخصية المتكاملة . والشخصية المتكاملة تتميز بأنها قادرة على التكيف السليم مع نفسها ، ومع أفراد المجتمع ، وهي تتفاعل باتزان واعتدال وثقة بنفسها ، مؤكدة لذاتها في غير تطرف ، موفقة بين دوافعها الفطرية وإرادة المجتمع ، وفقًا لما يسوده من مبادئ وقيم ومثل . ويتصف صاحب الشخصية المتكاملة بقدرته على إقامة علاقات إيجابية بناءة في المجتمع ، وقدرته على السلوك السوي الخالي من التناقضات ، وقدرته على احتمال الشدائد والصعاب ومواجهتها ،وثبات انفعالاته واعتدالها ، وعدم إحساسه بالتوتر والقلق ، وقدرته على الإنتاج ، والإحساس المستمر بالرضا والسعادة
    الإيـــــــجابية من جانب الفرد :
    تعتبر الإيجابية من جانب الفرد من المظاهر الأساسية للصحة النفسية ، فالفرد الذي يتمتع بالصحة النفسية عادة ما يتمكن من بذل الجهد الموجه للبناء في مختلف الاتجاهات ،كما أنه لا يقف عاجزًا أمام العقبات والمشكلات التي تواجهه في حياته اليومية ،ومثل هذا الفرد لا يشعر بالعجز وقلة الحيلة في حياته ،بل هو دائم الكفاح والسعي

    إن العلاقة بين الفرد بيئته علاقة أخذ وعطاء ، بل هي علاقة فعل وانفعال ، وتأثير متبادل وصراع موصول ، وهو في تفاعله مع بيئته يتأثر وينفعل بشتى الانفعالات ،ويرغب ويدبر ،ويقدر ويصمم ، ويتعلم وينفذ ،ويعي ما تعلمه،كما أنه يعبر عن أفكاره ومشاعره باللفظ مرة ،وبالحركة والإشارة مرة أخرى ، ويحاول أن يسلك أنواعًا مختلفة من السلوك ،ويصيب ويخطئ،ويحدث كل هذا للفرد وهو يشق طريقه في الحياة طمعًا في عمل يؤديه ، أو مركز اجتماعي يصبو إليه، أو أسرة يقيمها ويرعاها ، أو جماعات مختلفة يندمج فيها ،ويشترك في نشاطها ، أو نوع من الإصلاح يعقد العزم على تنفيذه ،في إيجابية وحرص .

    أما الفرد الذي لا يتمتع بالإيجابية فعادة ما يقف عاجزًا أمام فشل ،وأمام أي مشكلة مهما كانت بسيطة .

    التوازن بين الأخذ والعطاء.. في الواجبات والحقوق :

    ولا يحفى إن قيام الفرد بواجباته ، وحصوله على حقوقه الإنسانية ،يمنحه الصحة نفسيًا وجسديًا ويرتقي به اجتماعيًا ، بيد أن النفس الإنسانية في أغلب الأحيان تميل إلى تحصيل حقوقها أكثر مما تميل إلى أداء واجباتها ،وان تركها على هذه الحال يفسدها ويضعفها ،ويقودها إلى الانحراف،ناهيك عن الإخلال بموازين الحياة ، التي تقوم على الأخذ والعطاء ،والعدل بين الواجبات والحقوق . فبقدر ما يأخذ الفرد من حقوق يعطي واجبات ،لأن واجباته حقوق لغيره عليه،وحقوقه واجبات على غيره له،ولهذا اقتضت الصحة النفسية التزام الفرد بأداء واجباته، وان يعود نفسه على النهوض بها دون تقاعس او تهاون ، فالنفس كالطفل إذا تعودت على الخير نشأت عليها وسعدت به، وإذا تعودت على الشر شقيت وهلكت
    .
    ولا يخفى أن إلزام النفس بعمل الواجبات وترك الانحرافات،هو عملية نفسية إرادية ، تتضمن أفكار ومشاعر المسؤولية والرضا ،والصدق والأمانة، وتدفع إلى الإنجاز والتفوق ، فيشعر الفرد بالكفاءة والجدارة ، ويحصل على الاستحسان والتقدير ، ويرضى عن نفسه ، وعن الناس ، وعن الحياة التي يحياها .
    وتأسيسا على ذلك كانت رسالة الإسلام هي العمل على صوغ الإنسان المجتمعي الفاضل ،المؤمن بصدق ،سواء أحب لم كره، كما يقول رسولنا الكريم (صلوات الله وسلامه عليه ).

    الانفعالات الموزونــة :

    ولا شك ان الانفعالات تشكل محور الحياة النفسية، فهي توابل الحياة ،وهي تلازم الفرد في تعلمه المستمر ،وفي سعيه الدائم للتوافق والتكيف ،

    والانفعالات ليست عيبًا كما يظن البعض ،فالدراسات النفسية تقول: أن عدم الانفعال في مواقف تقتضي من الفرد أن يغضب أو أن يحزن ، يعتبر مظهراً من مظاهر الاضطراب النفسي ،وانخفاض مستوى الصحة النفسية .
    وعليه يمكن القول ان للانفعالات أهمية كبيرة في حفظ حياة الكائن الحي ،لأنها رد فعل طبيعي يقوم به الفرد ، لمواجهة المواقف الطارئة التي تعترضه،وعن طريقها يتمكن من مقاومة المواقف الخطرة ،أو الهروب منها . بيد أن كثرة الانفعالات ،والإسراف فيها يضر بصحة الإنسان النفسية والجسدية ،وان اضطراب الناحية الانفعالية عند الإنسان يعد من الأسباب الهامة في نشوء كثير من أعراض الأمراض الجسدية،والتخلص من القلق هو طريق العلاج ،وفي القرآن الكريم الكثير من الآيات الكريمة التي تساعد الإنسان على السيطرة على انفعالاته المختلفة والمتعددة
    .
    وتؤكد الدراسات والبحوث النفسية،ان للطاقة الانفعالية في حياة الأفراد آثارها الحسنة والسيئة ، ومن هنا ينبغي أن تبنى دعائم الحياة الانفعالية للأفراد على أسس نفسية سليمة ، لدفع الفرد نحو العمل والطموح ، وتكون مصدرًا قويًا لاستمتاع الإنسان بحياته ، في آمالها وآلامها ، وفي مسراتها وأحزانها .وإن الحياة التي يحياها الفرد لا تخلو من استمتاع بالآمال والمسرات ،وكفاح ومجالدة للآلام والأحزان ، وذلك عن طريق الثقة بالنفس ، والانتصار على المخاوف ومما لا شك فيه ان الفرد الذي يتمتع بالصحة النفسية عادة ما تكون انفعالاته موزونة او معتدلة، أي على قدر المواقف التي تواجه الفرد، دون أدنى مغالاة أو نقص .

    تقبل الــذات وتقبل الآخرين :

    لا شك إن الفرد (السوي) الذي يتمتع بصحة نفسية جيده هو الذي يتقبل ذاته،حيث أن الفرد في هذه الحالة يكون راضيًا عن سلوكياته التي تصدر عنه.وان هذا الرضا هو عملية نفسية سهلة إذا سارت الأمور سيرا حسنا،وصعبة إذا كانت عكس ذلك ،الأمر الذي يحتم على الفرد أن يرضى عن نفسه في كل الأحوال لكي يحميها من مشاعر السخط والضجر،والملل والسأم ،والعجز والانهزامية. فالرضا عملية نفسية إرادية،ومصدر كل سعادة ، وعلامة كل صحة

    ويشمل الرضا مختلف مجالات الحياة ،ولا يتناقض مع الطموح ،والرغبة في التقدم ،والتطلع إلى الأفضل والأحسن،فكل فرد مطالب بتنمية نفسه،وتحسين حياته بالتنافس في كل عمل يؤديه وينفعه .

    وإذا لم يكن الفرد راضيًا عن بعض جوانب من تصرفاته وسلوكه،عمد إلى تغيير أهدافه،وتعديل سلوكه، بما يتناسب مع قدراته وظروفه
    وأن تقبل الفرد لذاتـه هو السبيل إلى تقبل الآخرين ،وان تقبل الآخرين يعني ببساطة، ألا يحاول الفرد أن يصنع الناس على هواه،بل عليه أن يتعامل مع هؤلاء الناس بكل ما فيهم من كمال ونقص ومزايا وعيوب،وأن يتقبل الآخرين حتى ولو كانوا مختلفين عنه في الفكر،أو السلوك، أو المعتقد .
    التفــــاؤل المعتـدل :

    يعني التفاؤل توقع النجاح والفوز في المستقبل القريب،واستشراف آفاق المستقبل البعيد ولا يكون ذلك إلا بالاعتماد على المولى سبحانه وتعالى،والثقة فيه وان أعلى درجات التفاؤل هو توقع الشفاء عند المرض ،والنجاح عند الفشل والنصر عند الهزيمة،وتوقع تفريج الكروب،ودفع المصائب،وزوال النوازل،عند وقوعها .فالتفاؤل في هذه المواقف عملية نفسية إرادية ، تولد أفكار ومشاعر الرضا والتحمل ،والأمل والثقة ،وتطرف أفكار ومشاعر اليأس والانهزامية والعجز
    ان الفرد المتفائل يفسر الأزمات تفسيرًا حسنًا، يبعث في نفسه الأمن والطمأنينة وينشط أجهزة المناعة النفسية والجسدية،وهذا يجعل التفاؤل طريق الصحة والسلامة والوقاية .

    ويتفق معظم خبراء النفس على ضرورة أن يعيش الفرد يومه متفائلاً،حتى في الظروف الصعبة،ولا يقلق على المستقبل، فلكل مشكلة احتمالات لحلها وعلى الفرد أن يجهز نفسه لأسوأ الاحتمالات،ثم يحاول تحسين هذا الأسوأ بهدوء وتعقل.بيد أنه من الأجدر عدم الإفراط والمغالاة في التفاؤل، إذ أن ذلك من الأمور غير المستحبة،التي قد تدفع بالفرد إلى المغامرة،وعدم أخذ الحيطة والحذر في حياته .
    ويعتبر التشاؤم في نفس الوقت مظهرًا من مظاهر انخفاض الصحة النفسية لدى الفرد ،وذلك لأن التشاؤم يستنزف طاقة الفرد،ويقلل من نشاطه، ويضعف من دوافعه، ولذلك فإن التفاؤل المعتدل يعد من مظاهر الصحة النفسية
    الاستقرار في الحياة الأسرية والعملية :

    المعلوم إن الفرد الذي يتمتع بالصحة النفسية عادة ما يكون مستقرًا في حياته الأسرية،وفي العمل ،فالأسرة تعتبر مأوى الفرد ومصدر استقراره،وان كان (الفرد)متزوجًا سُعد في زواجه،واكتفى بزوجة واحدة. أما الفرد الذي لا يتمتع بصحة نفسية فكثيرًا ما ينتقل من زوجة لأخرى،سعيًا وراء الاستقرار،ولكن هذا الاستقرار بعيد المنال ،إذ ان العيب فيه هو،والاضطراب الاجتماعي الذي يعيشه من صنع يـده ،ولكنه لا يدري ذلك
    .
    ومما لا شك فيه ان الفرد المتمتع بصحة نفسية غالبًا ما يكون أكثر قدرة على الاستمرار في عمله ، ولا يقدم على تغيير هذا العمل ، إلا إذا وجد عملاً آخر ، فيه إشباع له أكثر من الناحية الاجتماعية ،أو النفسية ،أو العقلية ،أو المادية . أما الفرد الذي لا يتمتع بالصحة النفسية،فإنه يجد من الصعوبة بمكان الاستقرار في عمل معين ، كما انه يجد صعوبة في إقامة علاقات مفيدة ومثمرة مع زملائه في العمل .
    القـدرة على الانتباه والإدراك والتركيز :

    إن تعامل الفرد مع بيئته، يتطلب منه بالضرورة، أن يتعرف على هذه البيئة ، حتى يتسنى له أن يتكيف معها ،وأن يستغلها الاستغلال المناسب ،وان يحمي نفسه من أخطارها،وأن يشترك في أوجه نشاطها .والأساس الأول لهذه المعرفة هو أن ينتبه الفرد إلى كل ما يهمه من هذه البيئة ،وأن يدركه بحواسه،حتى يستطيع أن يؤثر فيها ،وأن يسيطر عليها بعقله، وعضلاته ، فالانتباه والإدراك الحسي هما الخطوة الأولى في اتصال الفرد ببيئته ، وتكيفه معها .

    والانتباه والإدراك الحسي عمليتان متلازمتان في العادة ،فإذا كان الانتباه هو تركيز الشعور في شيء معين ،فإن الإدراك هو معرفة هذا الشيء،وهذا يعني ان الانتباه يسبق الإدراك ويمهد له ،أي أنه يهيئ الفرد للإدراك ، والإدراك يكشف ويعرف،والفرد المستمتع بالصحة النفسية هو الذي يستطيع توجيه الشعور وتركيزه في شيء معين ،استعدادًا لملاحظته او التفكير فيه،أو أدائه .

    قدرة الفرد على كسب محبـة الآخرين :

    يعتبر الحب عاطفة سامية من أرقى العواطف البشرية، فهو يلعب دورًا هامًا في حياة الإنسان ، لأنه أساس تكوين الأسرة ، ورعاية الأبناء ، وهو أساس التآلف بين الناس ،وتكوين العلاقات الإنسانية الحميمة ،وهو الرباط الوثيق الذي يربط الإنسان بخالقه سبحانه وتعالى.ويجعله يخلص في عبادته .
    ويتفق علماء النفس،على أن حب الإنسان للآخرين نابع من حبه لنفسه، وحبه لنفسه نابع من حب الناس له ،فالعلاقة بين حب النفس وحب الناس علاقة تأثير متبادل، والحب المتبادل يشبع حاجات نفسية،واجتماعية ،وجسدية، لكل من المحب والمحبوب.ويرى علماء المناعة النفسية،بأن مشاعر المودة والمحبة تنشط أجهزة المناعة النفسية والجسدية وتنمي القدرة على مواجهة الأزمات،ومقاومة الأمراض،وإن حب الناس يجعل الإنسان يعيش في انسجام مع الآخرين،ومع التوازن التام بين حب الفرد لنفسه وحبه للناس،والقرآن الكريم يطلب من المؤمنين جميعًا أن يعتصموا بحبل المولى سبحانه وتعالى ولا يتفرقوا .

    فالمسلمون أخوة يسيرون لتحقيق هدف واحد في هذه الحياة ، ولا يمكن أن يتم هذا إلا بالحب الكامل والرسول الكريم (صلوات الله وسلامه عليه) قال : " والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ،ولا تؤمنوا حتى تحابوا ،أو لا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم .. أفشوا السلام بينكم ".

    ولا بــد أن يسبق حب الله تبارك وتعالى وحب رسوله (صلوات الله وسلامه عليه) حب كل شيء ، وهذا ما يوضحه القرآن الكريم ،في قوله تعالى ( قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةً تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين ) ( التوبة : 24 ) .

    الاستمتاع بالحيـاة :

    المعلوم ان الحياة البشرية مجموعة من المتناقضات وعلى الإنسان أن يعايشها بمتناقضاتها، بل وعليه أن يستمتع بها،ومما لا شك فيه،أن قدرة الفرد على أن يحيا حياة يشعر فيها بالرضا والارتياح تتوقف إلى حد كبير على مدى ما يتمتع به من صحة نفسية سليمة، بحيث لا يصبح من المغالاة أن يقال : إن من يتمتع بصحة نفسية سليمة هو من يستطيع أن يحيا هذه الحياة مستمتعًا بها ،راضيًا عنها ، متقبلاً لها ،قادرًا على تشكيلها وفق إرادته، بحيث يصير هو صانعها،وليس أسيرًا لها.فقد دعا القرآن الكريم إلى تنظيم الدوافع الموجودة لدى الإنسان ، وتوجيهها التوجيه الصحيح،حتى يستطيع الإنسان أن يتمتع بحياته تمتعًا سليم ، في ذلك
    قال تعالى :( يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيبًا ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوٌ مبين ، إنما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) (البقرة : 168 و 169 ) .

    كما قال سبحانه وتعالى :( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين ، قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ، قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقومٍ يعلمون ) (الأعراف : 31 و 32) .
    ومهما يكن فإن الاستمتاع بصحة نفسية طيبة ،وما يتبع ذلك من استمتاع بالحياة يتوقف إلى حد كبير على عدد من العوامل التي تؤثر على نشاط الفرد ، سواء ارتبطت هذه العوامل بماضي الفرد ،أو حاضره،أو ما يتوقعه في مستقبله ، وسواء ارتبطت هذه العوامل بالفرد نفسه،أو بالحياة التي يعيشها ، فإن تلك العوامل جميعها تحدد نوع النشاط الذي يقوم به الفرد ،وكل ذلك يؤثر في استجابة الفرد لما تأتي به الحياة .







     
  2. #2
    maruja

    maruja مدون

    رد: الصحة النفسية.. وارتباطها العضوي

    merci


     
  3. #3
    khaldmed

    khaldmed مدون مجتهد

    رد: الصحة النفسية.. وارتباطها العضوي

    موضوع يستحق التقدير، جزاك الله خيرا
     
  4. #4
    abderahimnaji

    abderahimnaji مدون فعال