حايك أمي

الساهر

جمال بوطوال
مدير الموقع
إنضم
7 أبريل 2020
المشاركات
54

حايك أمي



لقد ماتت أمي،وشيعت جنازتها الملائكة، ورقصت لموتها الشياطين، وسال الدمع عن فراقها حتى امتلأتبحار الأحزان، ولم تسكت الثكلى من العويل حتى خرساللسان...

عاشت أمي مع زوجها ستين سنة وبضعة شهور في ظلالجوع والعراء تحت سقف كوخ يُضاء ليلا بقنديل وشموع، سهرت الليالي الحالكات من أجلفلذات أكبادها فربتهم أحسن تربية، وماتت وهي بين حشد منأحفادها...

لقد عرفت أمي السعادة الحقيقية فامتلأ قلبهابالحب.. وهذا ما افتقدته امرأة اليوم.. لقد عاشت أمي من أجل غيرها.. رغم أن الحياةكانت مليئة بالمتاعب.. كانت أمي متجلدة بالصبروالحكمة...
كانت أمي عندما تنادي إخواني وكأني أسمع ياصاح لحن الحياة المشرقة؛ كان صوتها رخيما بمجرد ما تسمعه تعرف منه نسمة الحنانوالحب.. لقد كانت جد هادئة في مناقشاتها.. في نزاهتها.. في علاقاتها مع الجيرانوالناس، وكانت علاقاتها مع كل أفراد العائلة جد طيبة.. كما كانت رقيقة المشاعر، تحسبكل من حولها؛ وأجمل ما كان في أمي قلبها الواسع.. وإن قلت لك يا صاح أنها كانتسعيدة بحياتها، قانعة راضية، حتى لو سألني سائل: ما هي السعادة؟ لأجبته: إنهاأمي!
كانت أمي دائما تودع أبي بابتسامة حلوة علىالباب قبل خروجه وهي تتفحص ثيابه وهندامه..
رغم أنها كانت أمية كانتوفية، متفهمة لدورها كزوجة، وأم، كانت جد واعية بالرسالة المنوطة بها قبل أي شيءآخر.. لم تسمع أخبارا، ولا شاهدت مسلسلات، ولا عرفتتلفازا...
كانت أمي حتى في مرحلة حملها تتستر، لأنهاكانت تعتبر هذه المرحلة ذات قدسية واحترام بدل أن تكون مرحلة نقاش معأبنائها...
عجبا! يا صاح، لقد كانت أمي أثناء الخناقات معأبي مطأطئة الرأس، لن تسمع لها صوتا مرتفعا.. كان غضبها صمتا! وانزعاجها سكونا! وردفعلها كلمة طيبة يسجد لها كل جبار عنيد... كانت ابتسامة حلوة على شفتيها لا تتبدلولا تتغير...


وبعد فترة من الزمن، أردت أن أبكي الأطلال فلمأجد حايك أمي! فانفجرت صرختي النبوءة: أين حايك أمي؟ أين حايك أمي؟ أين حايكأمي؟
ليس هناك من يجيبني في ليل دامس وسط الصحراءبين الضباب الكثيف؛ سرت لوحدي أحمل صرختي وأمشي بين الحفر إلى أن وصلت إلى قبر أميفسقيت قبرها بعرقي وعكفت على قبرها أبكي الليالي الطوال.. وفجأة انشق قبر أمي بصوتلطيف: ما بك يا ولدي العزيز؟ أأبكي السؤال، أم أبكي سؤلي؟ أمّاه! ضاعالحايك؟
أمّاه! إن امرأة عصرنا تبرجت أكثر مما تبرجتنساء الجاهلية، كل فتاة لها خمسون خليلا، وأربعون مراسلا.. صدرها، وظهرها، وبطنها،وذراعاها، ورجلاها عارية.. وتجلس بجانبي، وأمامي، وورائي في القسم، وفي العمل،وتمشي في الشوارع والأسواق...
فجأة يا صاح سمعت بكاء أمي؛ لم تبكه فيحياتها! فهيجت نوّاحي.. وبعد حين، سألتني: هل ماتوا آباءهم وأمهاتهم وكل أفرادعائلاتهم؟ أجبتها والخنين يؤثر عن كلامي: نعم يا أمّاه لقد ماتوا ولكنهم لازالوايمشون بين الأحياء!


لقد زاحمت المرأة في عصرنا الرجل في حياته وعمله.. إلا أنها لم تنشد السعادة التي كانت تحلم بها.. لقد فقدتها كما فقدت حايكأمي...

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ملاحظة: الحايك: إزار أبيض كانت المرأة في بلاد المغرب في المنطقة الشرقية تلتحف به حيث لا يظهر من جسدها سوى عين واحدة.


بقلم: علاوي ياسين
 

آخر مشاركات الحائط

ليس صديقا من ينشر فشلك واخفاقاتك ويتهامس سراً عن انجازاتك ونجاحاتك....
ليس هناك أسرار للنجاح . انه نتيجة التحضير، والعمل الجاد، والتعلم من الأخطاء
لا يجب أن تقول كل ما تعرف ... ولكن يجب أن تعرف كل ما تقول
الحياة مليئة بالحجارة فلا تتعثر بها بل إجمعها وابنِ بها سلما تصعد به نحوالنجاح
من اعتمد على ماله قل، ومن اعتمد على عقله ضل، ومن اعتمد على جاهه ذل، ومن اعتمد على الله لا قل ولا ضل ولا ذل - علي بن أبي طالب
أعلى